Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
وقولِهِ فيها: ومن عيوب كتابه - يعني ابن الجوزي - أنه يَسرد الجرح
ويسكت عن التعديل .
وقال في ترجمة أبان بن حاتم الأُمْلُوكي(١): اعلم أنَّ كل من أقول فيه : مجهول،
ولا أُسندُه إلى قائل، فإن ذلك هو قولُ أبي حاتم فيه، وسيأتي من ذلك شيء كثيرٌ جداً
فاعلَمْه، فإن عزَيْتُهُ إلى قائله، كابن المديني، وابن معين، فذلك بَيِّنٌ ظاهر(٢).
وإن قلتُ: فيه جهالةٌ، أو نُكْرَةٌ، أو يُجْهَل، أو لا يُعرف، وأمثالَ ذلك،
ولم أعْزُه إلى قائل، فهو من قِبَلي، كما إذا قلتُ: صدوق، وثقة، وصالح،
وليِّنٌ، ونحوَ ذلك ولم أُضِفه إلى قائل، فهو من قولي واجتهادي .
وقولِهِ في ترجمة أبان بن تَغْلِب(٣): فإن قيل: كيف ساغ توثيقُ مبتدع وحَدُّ
الثقة العدالةُ والإتقان، فكيف يكون عدلاً، وهو صاحبُ بدعة؟ وجوابُهُ: أن
البدعة على ضربين :
فبدعةٌ صغرى: كغلو التَّشْبِيع، وكالتَّشْبِيع بلا غُلُوّ ولا تَحرُّق، فهذا كثير
في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق (٤)، فلو رُدَّ حديثُ هؤلاء لذهب
جملةٌ من الآثار النبوية، وهذه مَفْسَدة بيّنة .
(١) ((الميزان)) ١ :٦.
(٢) قد خالف الذهبي شرطه ذلك أحيانًا، كما وضحته في تعليقي على ((الرفع
والتكميل)»، فانظره إن شئت .
(٣) ((الميزان)) ٥:١.
(٤) قلت: بل كان مِنْ بعض الصحابة، قال الحافظ ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) في
ترجمة الصحابي أبي الطُّفَيْل عامر بن واثلة الليثي ٧٩٩:٣: ((وكان محباً لعلي رضي الله
عنه، وكان من أصحابه في مشاهده، وكان ثقة مأموناً يعترف بفضل الشيخين رضي الله
عنهما، إلاّ أنه كان يقدِّم علياً رضي الله عنه، توفي سنة مئة من الهجرة)).
وقال في ١٦٩٧:٤ : ((وكان متشيعاً في علي رضي الله عنه، ويفضِّله ويثني على
الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويترحم على عثمان رضي الله عنه».

٢٠٢
ثم بدعةٌ كبرى: كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحطّ على أبي بكر
وعمر رضي الله عنهما، والدُّعاءِ إلى ذلك، فهؤلاء لا يُقْبَل حديثُهم، ولا كرامةً.
وأيضاً فلا أستحضِرُ الآن في هذا الضَّرْبِ رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل
الكذبُ شِعارُهم، والتقيّةُ والنفاقُ دِثارُهم، فكيف يُقْبَلُ مَنْ هذا حالُه؟ حاشا
و کلا .
[١٠:١]
فالشيعي والغالي في زمان السلف وعُرْفِهم، هو من / تَكلَّم في عثمان،
والزبير، وطلحة، وطائفةٍ ممن حارب علياً رضي الله عنه، وتعرَّض لسبِّهم.
والغالي في زماننا وعُرفِنا، هو الذي كفَّر هؤلاء السادة، وتبرَّأ من الشيخين
أيضاً، فهذا ضال مُعَثَّ(١).
وقال في ترجمة إبراهيم بن الحَكَم بن ظُهَير(٢): اختلَفَ الناسُ في رواية
الرافضة على ثلاثة أقوال(٣): أحدُها: المنعُ مطلقاً. والثاني: الترخّصُ مطلقاً،
إلَّ في من يَكْذِبُ ويَضَع. والثالثُ: التفصيل، فَتُقْبَلُ روايةُ الرافضي الصدوق
العارفِ بما يُحدِّث، وتُرَدُّ رواية الرافضي الداعية، ولو كان صدوقاً.
قال أشهب: سُئل مالك عن الرافضة فقال: لا تُكلِّمهم، ولا تَرْوِ عنهم،
فإنهم يكذبون.
وقال حرملة: سمعتُ الشافعي يقول: لم أر أشهدَ بالزُّورِ من الرافضة .
وقال مؤمَّلُ بن إِهاب: سمعتُ يزيد بن هارون يقول: يُكتَبُ عن كل
صاحب بدعة إذا لم يكن داعية، إلَّ الرافضة، فإنهم يكذبون.
(١) جاء في ص: ((مُفْتَرٍ)). بدون شكل، وما أثبته هو من ((الميزان)) ١: ٦ وهو الملائم
للسياق هنا. والمُعَثَّر هو: المتردِّي في الهلاك.
(٢) ((الميزان)) ٢٧:١.
(٣) في ط: ((في الاحتجاج برواية الرافضة))، وفي د: ((في رواية الغلاة والرافضة)).

٢٠٣
وقال محمد بن سعيد بن الأصبهاني: سمعتُ شَرِيكاً يقول: أحمِل العلمَ
عن كل من لقيتَ إلَّ الرافضة، فإنهم يَضَعُون الحديث، ويتخذونه دِيناً.
هذا آخِرُ كلامه.
قلت: فالمنع من قبول رواية المبتدعة الذين لم يُكفَّروا ببدعتهم،
كالرافضة والخوارج، ونحوِهم، ذهب إليه مالك وأصحابُه، والقاضي أبو بكر
الباقِلَّني وأتباعُه .
والقبولُ مطلقاً، إلَّ فيمن يُكفَّرُ ببدعته، وإلاّ فيمن يَستحل الكذبَ، ذهب
إليه أبو حنيفة، وأبو يوسف، وطائفة. ورُوي عن الشافعي أيضاً.
وأما التفصيل: فهو الذي عليه أكثرُ أهلِ الحديث، بل نَقَل فيه ابنُ حِبَّان
إجماعَهم، ووَجْهُ ذلك: أن المبتدع إذا كان داعية، كان عنده باعث على رواية
ما يَشُدّ به بدعتَه.
وقد حكى القاضي عبد الله بن عيسى بن لَهِيعة، عن شيخ من الخوارج أنه
سمعه يقول بعد ما تاب: ((إن هذه الأحاديث دِين، فانظروا عمن تأخذون
دينكم، فإنَّ كنا إذا هَوِينا أمراً صَيَّرناه حديثاً))(١). حَدَّث بها عبد الرحمن بن
مَهْدي الإِمام، عن ابن لَهِيعة، فهي من قديم حديثه / الصحيح.
[١١:١]
أنبأنَا بذلك إبراهيم بن داود شِفاهاً، أخبرنا إبراهيم بن علي، أخبرنا
أبو الفرج بن الصَّيْقَل، أخبرنا أحمدُ بن محمد كتابة، أخبرنا الحسن بن أحمد،
أخبرنا أبو نُعَيم، حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو يحيى الرازي، حدثنا
عبد الرحمن بن عمر، حدثنا ابنُ مهدي بها .
قلتُ: وهذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل، إذْ بدعةُ الخوارج
كانت في صدر الإِسلام والصحابةُ متوافِرون، ثم في عصر التابعين، فمن
(١) ((الموضوعات)) ٣٨:١.

٢٠٤
بعدَهم، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمراً جعلوه حديثاً، وأشاعوه، فربما سمعه
الرجل السُّنِّي، فحدَّث به، ولم يَذْكر من حَدَّثَهُ به تحسيناً للظن به، فَيَحمِلُه عنه
غيرُه، ويجيء الذي يَحتج بالمقاطيع فيَحتج به، ويكونُ أصلهُ ما ذكرتُ، فلا
حول ولا قوة إلاّ بالله.
وينبغي أن يُقيّد قولُنا بقَبول رواية المبتدع إذا كان صدوقاً ولم يكن داعيةً:
بشرطِ أن لا يكون الحديثُ الذي يُحدِّث به مما يَعْضُد بدعتَه ويَشُدّها، فإنا
لا نأمن حينئذ عليه غلبة الهوى، والله الموفق.
فقد نَصَّ على هذا القيدِ في هذه المسألة الحافظُ أبو إسحاق إبراهيم بن
يعقوب الجُوزجاني شيخُ النسائي، فقال في مقدمة كتابه في ((الجرح
والتعديل))(١):
((ومنهم زائغ عن الحق، صدوقُ اللهجة، قد جَرَى في الناس حديثُه، لكنه
مخذولٌ في بدعته، مأمون في روايته، فهؤلاء ليس فيهم حيلة، إلاّ أن يؤخذ من
حديثهم ما يُعرَف، إلَّ ما يُقوِّي به بدعتَه فيُنَّهمُ بذلك))(٢).
وقال حماد بن سَلَمة: حدثني شيخ لهم - يعني الرافضة - قال: كنا إذا
اجتمعنا فاستحسَنّا شيئاً: جعلناه حديثاً (٣).
وقال مُسَبِّحُ بن الجَهْم الأسلمي التابعي(٤): كان رجل منا في الأهواء
(١) أي ((أحوال الرجال)) له، ص ٣٢.
(٢) هكذا في الأصول، وهو استثناء بعدَ استثناء، وعبارةُ الجوزجاني في كتابه: (إذا
لم يُقَوِّ به بدعته، فيُنَّهِمُ عندَ ذلك). وهذا من تصرُّف الحافظ ابن حجر المعروف لأنه يكتب
من حفظه .
(٣) ((الموضوعات)) ٣٩:١.
(٤) سَمّاه ابن عدي في مقدمة (الكامل)) ١: ١٤٤: (منذر بن الجهم) وله ترجمة في
((التاريخ الكبير)) ٣٥٨:٧ و((الجرح والتعديل)) ٢٤٣:٨.

٢٠٥
مدة، ثم صار إلى الجماعة، وقال لنا: أَنْشُدُكم الله أن تَسمعوا من أحد من
أصحاب الأهواء(١)، فإنَّا والله كنا نروي لكم الباطل، ونحتسبُ الخير في
إضلالكم.
وقال زهير بن معاوية: حدثنا مُحْرِز أبو رجاء، وكانَ يرى القَدَر فتاب
منه، فقال: لا تَرْؤُوا عن أحد من أهل القَدَر شيئاً، فوالله لقد كنا نضَعُ
الأحاديث، نُدْخِل بها الناسَ في القَدَر نحتسِبُ بها، فالحُكْمُ لله ! .
/ وهذه فصول يُحتاج إليها في هذه المقدمة :
[١: ١٢]
١ - فصل
قال عثمان بن سعيد الدَّارِمي(٢): سُئل يحيى بن معين، عن الرجل يُلْقِي
الرجلَ الضعيف بين ثقتين، ويَصِل الحديثَ ثقةً عن ثقة ويقول: أَنْقُصُ من
الإِسناد، وأصِلُ ثقةً عن ثقة؟ قال: لا تَفعل، لعل الحديث عن كذاب ليس
بشيء، فإذا حسَّنَه إذا هو أفسَدَه، ولكن يُحدِّثُ بمَا رَوَى.
قال عثمان: كان الأعمش ربما فَعَل هذا.
قلتُ: ظاهر هذا تدليسُ التسوية، وما علمتُ أحداً ذكر الأعمشَ بذلك،
فيستفاد .
٢ - فصل
قال أبو مصعب الزُّهْرِيُّ: سمعتُ مالكاً يقول: لا تَحمِل العلمَ عن أهل
(١) قوله: (أن تسمعوا ... ) أي أَنْشُدُكم اللَّهَ أن لا تَسمعوا ... ، على غِرار قوله
تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لكم أنْ تَضِلُوا﴾ أي لئلا تَضِلُّوا، وعلى مِنوالٍ قول الشاعر القُطَامي في
صفةٍ ناقةٍ نجيبةٍ نفيسة، يُحذِّرُ من بَيْعِها :
فآلَيْنا عليها أن تُبَاعَا
رأينا ما يَرَى البُصَراءُ منها
(٢) (تاريخ ابن معين)) برواية الدارمي ص ٢٤٣.

٢٠٦
البدع كلِّهم، ولا تحمِل العلمَ عمن لم يُعرَف بالطلبِ ومُجالسةِ أهل العلم(١)،
ولا تحمل العلم عمن يكذِب في حديث النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا عمن
يُكذِب في حديث الناس، وإن كان في حديث النبي صلَّى الله عليه وسلّم
صادقاً، لأن الحديثَ والعلمَ إذا سُمع من الرجل، فقد جُعل حُجَّةً بين الذي
سمعه وبين الله تعالى، فلينظر عمن يأخذُ دينَه.
وقال علي بن المديني: سمعتُ يحيى بن سعيد القطان يقول: ينبغي
لصاحب الحديث أن يكون فيه خصال: أن يكون ثَبْتَ الأخذ، ويَفهمَ ما يُقالُ
له، ويُبْصِرَ الرجالَ، ثم يَتْعاهَدَ ذلك(٢).
وقال ابن مهدي: قيل لشعبة: من الذي يُتْرَكُ حديثُه؟ قال: إذا رَوَى عن
المعروفين ما لا يَعرفه المعروفون فأكثرّ طُرِح حديثُه، وإذا أكثر الغلطَ طُرح
حديثُه، وإذا اتُّهِم بالكذب طُرح حديثه، وإذا رَوَى حديثاً غلطاً مُجتمَعاً عليه،
فلم يَتَّهِم نفسَه عليه طُرح حديثُه، وأما غيرُ ذلك فاروِ عنه(٣) .
وقال ابن مهدي: الناسُ ثلاثة: رجلٌ حافظ متقن(٤)، فهذا لا يُختلف فيه .
وَآخَرُ يَهِم، والغالبُ على حديثه الصحة، فهذا لا يُترك حديثُه، ولو تُرِك حديثُ
[١٣:١] / مثل هذا، لَذَهب حديثُ الناس. وآخَرُ يَهِمُ، والغالبُ على حديثه الوَهَم،
فهذا يُترك حديثُه(٥).
(١) لقد اتَّصَف بهذا الذي ينهى عنه الإِمامُ مالك - عدمِ المعرفة بالطلب وعدمٍ
مجالسة أهل العلم - كثيرٌ أو الأكثرُ اليومَ! بل اتصفوا بأطمَّ منه! فتلقُّوْا عن الصُّحُف أو عن
الصَّحَفِيّة وقعدوا يُصحِّحون ويُضعِّفون، ويُبدِّعون ويُضلِّلون، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون!
(٢) ((الكفاية)) ١٦٥ .
(٣) ((المحدث الفاصل)) ٤١٠.
(٤) تقدم تعليقاً في ص ١٩٩ شرح معنى (المتقِن).
(٥) ((المحدث الفاصل)) ٤٠٦، ((الكفاية)) ١٤٣.

٢٠٧
قلتُ: هذه أقسام الصادقين، أما من يتعمد الكذب، فلم يتعرض له ابن
مهدي في هذا التقسيم.
وقال ابن المبارك: يُكتَبُ الحديث إلَّ عن أربعة: غَلّطٍ لا يَرجِع،
وكذَّابٍ، وصاحبٍ هوىّ يدعو إلى بدعتِهِ، ورجلٍ لا يَحفظ فيُحدِّثُ من
حفظِه(١).
وقال الإِمام أحمد: ثلاثةُ كُتُبٍ ليس لها أُصُول(٢) وهي: المغازي،
والتفسير، والملاحم(٣).
قلت: ينبغي أن يضاف إليها: الفضائل، فهذه أودِيَةُ الأحاديث الضعيفة
والموضوعة، إذ كانت العمدة في المغازي على مثل الواقدي، وفي التفسير على
مثل مُقاتِلٍ والكلبيّ، وفي المَلَاحم على الإِسرائيليات.
وأما الفضائل، فلا يُحصَى كم وَضَع الرافضةُ في فضل أهل البيت،
وعارَضَهم جَهَلةُ أهل السنَّة بفضائل معاوية، بل وبفضائلِ الشيخين، وقد
أغناهما الله، وأعلى مرتبتهما عنها.
٣ - فصل
وقال ابن قُتَيبة في ((اختلاف الحديث)) (٤): الحديثُ يدخله الشَّوْبُ والفسادُ
من وجوه ثلاثة، منها: الزنادقةُ واجتيالُهم للإِسلام وتهجينُهُ بدَسِّ الأحاديث
المستبشعَة والمستحيلة، والقُصَّاصُ: فإنهم يميلون وجوهَ العوام إليهم(٥)،
(١) ((الكفاية)) ١٤٣.
(٢) أي أسانيد.
(٣) ((الكامل)) لابن عدي ١١٩:١.
(٤) ص ١٨٨ - ١٩٢.
(٥) في ص: ((العوام السوء)) بدل ((إليهم)).

٢٠٨
ويستدرّون ما عندهم بالمناكير والغرائب والأكاذيب. ومِن شأنِ العوام ملازمةٌ
القاصِّ ما دام يأتي بالعجائب الخارجة عن نظر العقول (١).
٤ - فصل
قال ابن أبي خَيْثَمة: قلتُ لابن معين: إنك تقول: فلان ليس به بأس،
وفلان ضعيف، قال: إذا قلتُ لك: ليس به بأس، فهو ثقة، وإذا قلتُ: هو
ضعيف، فليس هو بثقة، ولا يُكتَبُّ حديثه.
وقال حمزة السَّهْمِي: قلتُ للدار قطني: إذا قلتَ: فلانٌ لَيِّنٌ أَيْشٍ تريدُ به؟
[١٤:١] قال: لا يكون ساقطاً متروك الحديث، ولكنْ مجروحاً بشيء / لا يُسقطه عن
العدالة(٢).
٥ - فصل
قال ابن حبان: من كان منكَرَ الحديث على قلته، لا يجوزُ تعديلُه إلاّ بعدَ
السَّبْر (٣)، ولو كان ممن يروي المناكير ووافَقَ الثقاتِ في الأخبار، لكان عدلاً
مقبول الرواية، إذ الناس في أقوالهم على الصلاح والعدالة، حتى يَتبيّن منهم ما
يوجب القدح، هذا حُكمُ المشاهير من الرواة. فأما المجاهيل الذين لم يَرْوِ
عنهم إلَّ الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها.
قلت: وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان، من أن الرجل إذا انتفت جهالة
(١) وقال ابن قتيبة أيضاً: ((وأما الوجه الثالث الذي يقع فيه فساد الحديث فأخبار
متقادمة، كان الناس في الجاهلية يروونها تشبه أحاديث الخُرافة، كقولهم: إن الضبّ كان
يهودياً عاقّاً، فمسخه الله تعالى ضباً ... )).
(٢) ((سؤالات حمزة)) ص ٧٢. وانظر حول ضبط (أَيْشٍٍ) وأصلها تعليقي على ((جواب
الحافظ المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل)" ص ٦١.
(٣) في ص ك: ((السَّتْر)) بالفوقية المثناة.

٢٠٩
عينه، كان على العدالة إلى أن يتبين جَرحُه، مذهبٌ عجيب، والجمهور على
خلافه .
وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب ((الثقات)) الذي ألَّفه، فإنه يَذكر خَلْقاً
ممن ينصّ أبو حاتم وغيرُه على أنهم مجهولون، وكأنَّ عند ابن حبان: أن جهالةَ
العين ترتفع برواية واحدٍ مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة
حاله باقية عند غيره.
وقد أفصح ابن حبان بقاعدته فقال: العدل من لم يُعرف فيه الجرح، إذ
التجريح ضد التعديل، فمن لم يُجرَح فهو عدل حتى يَتَبين جَرحُه، إذ لم يُكلَّف
الناسُ ما غاب عنهم(١).
وقال في ضابط الحديث الذي يُحتَجّ به: إذا تعرَّى راويه من أن يكون
مجروحاً، أو فوقه مجروح، أو دونه مجروح، أو كان سندُه مرسَلاً، أو منقطعاً،
أو كان المتن منكراً (٢). هكذا نقله الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي في ((الصارم
المُنْكِي))(٣) من تصنيفه، وقد تصرَّف في عبارة ابن حبان، لكنه أتى بمقصده (٤)،
(١) ((الثقات)) ١ : ١٣
(٢) ((الثقات)) ١٢:١.
(٣) ص ٩٥.
(٤) طالعتُ كتاب ابن عبد الهادي ((الصارم المنكي)) فوجدتُه نَقَل كلام ابن حبان من
كتابه ((الثقات)) ١٢:١، بلفظه، ولم يتصرَّف فيه كما يقول المصنف هنا. وعبارة ابن حبان كما
نقلها ابن عبد الهادي في ((الصارم المنكي)» ص ٩٥: ((كل من أذكر في الكتاب فهو صدوق
يجوز الاحتجاج بخبره إذا تعرَّى خبرُه عن خصالٍ خمس، فإذا وُجِدَ خبر منكر عن واحد ممن
ذكرته في كتابي هذا، فإن ذلك الخبر لا ينفكّ من إحدى خمس خصال :
١ - إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرتُ اسمه في كتابي، في الإِسناد رجل ضعيف
لا يُحتج بخبره.
٢ - أو يكونَ دونه رجل واهٍ لا يحتج بخبره .
=

٢١٠
وسيأتي بعض كلامه في (أيوب)، آخِرَ مذكورٍ في حرف الألف [١٣٩٤].
قال الخطيب(١): ((أقلُّ ما ترتفع به الجهالة، أن يرويّ عن الرجل اثنان
فصاعداً من المشهورين بالعلم، إلاّ أنه لا يَثبُت له حكم العدالة بروايتهما، وقد
زعم قوم أن عدالته تثبت بذلك، وهذا باطل، لأنه يجوز أن يكون العدل
[١٥:١] لا يعرف عدالته، / فلا تكون روايته عنه تعديلاً له، ولا خبراً عن صدقه.
كيف وقد وُجِدَ جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث، أمسكوا
في بعضها عن ذكر أحوالهم، مع علمهم بأنهم غير مرضيين، وفي بعضها شهدوا
عليهم بالكذب، مثلُ قولِ الشعبي: حدثنا الحارث، وكان كذاباً. وقولِ
الثوري: حدثنا تُوَير بن أبي فاخِتَة، وكان من أركان الكذب. وقولِ يزيد بن
هارون: حدثنا أبو رَوْح وكان كذاباً. وقولِ أحمد بن مُلاعِب: حدثنا مُخوَّل بن
إبراهيم، وكان رافضياً. وقولِ أبي الأزهر: حدثنا بكر بن الشَّرُود، وكان قَدَرياً
داعية .
قلتُ: وقد رَوَى هؤلاء كلهم في مواضعَ أخر عمن سُمِّي، ساكتين عن
وصفهم بما وصفوهم به، فكيف تكون رواية العدل عن الرجل تعديلاً له، لكن
مَنْ عُرِف من حاله أنه لا يروي إلَّا عن ثقة، فإنه إذا رَوى عن رجل: وُصِف
بكونه ثقةً عنده، كمالك، وشعبة، والقطان، وابن مهدي، وطائفة ممن
بعدهم))(٢).
٣ - أو الخبرُ يكون مرسلاً، لا يلزمنا به الحجة.
٤ - أو يكون منقطعاً لا تقوم به الحجة.
٥ - أو يكون في الإِسناد رجل مدلِّس، لم يبيِّن سماعَه في الخبر مِن الذي سمعه
منه)). انتھی.
(١) في ((الكفاية)) ص ٨٨ - ٩٢.
(٢) وفي ((قواعد في علوم الحديث)) ص ٢١٦ لشيخنا العلامة ظَفَر أحمد التهانوي =

٢١١
٦ - فصل
وقال الخطيب(١): ((اتفق أهل العلم على أن من جَرَحه الواحدُ والاثنان،
وعدَّله مثلُ عددٍ من جَرَّحه، فإن الجرح أولى، والعلة في ذلك أن الجارح يخبر
عن أمر باطن قد علمه، ويُصدِّقُ المُعَدِّلَ(٢)، ويقول: قد علمتُ من حالِهِ الظاهرِ
ما علمتَ أنت، وتفردتُ بعلمٍ لم تعلمه من اختبار أمره.
وإخبارُ المعدِّلِ عن العدالة الظاهرة، لا ينفي قولَ الجارح فيما أَخْبَر به،
فوجب بذلك أن يكون الجرح أولى من التعديل)).
قال(٣): ((فإذا عدَّل جماعة رجلاً، وجَرحه أقل عدداً من المعدلين، فإن
الذي عليه الجمهور من العلماء، أن الحكمَ للجرح، والعملُ به أولى. وقالت
طائفة: الحكم للعدالة، وهو خطأ)).
قلت: بل الصواب التفصيل، فإن كان الجرح والحالة هذه مفسَّراً: قُبِل،
وإلّ عُمل بالتعديل، وعليه يُحمَّل قول من قدَّم التعديل، كالقاضي أبي الطيب
الطبري وغيره.
فأمَّا من جُهِل حاله، ولم يُعلم فيه سوى / قول إمام من أئمة الحديث: [١٦:١]
إنه ضعيف، أو متروك، أو ساقط، أو لا يُحتج به، أو نحوُ ذلك، فإن القول
قولُه، ولا نطالبه بتفسير ذلك، إذ لو فسَّره وكان غيرَ قادح لمنَعَتْنا جهالة حال
ذلك الرجل من الاحتجاج به، کیف وقد ضُعَّف.
= رحمه الله تعالى وفيما علَّقتُه عليه شِبهُ استقصاء لأسماء من وصفوا بأنهم لا يروون إلَّ عن
ثقة .
(١) في ((الكفاية)) ص ١٠٥ و ١٠٦.
(٢) في الأصول كلّها: ((العَدْل)) وهو خطأ، والتصويب من ((الكفاية)).
(٣) في ((الكفاية)) ص ١٠٧.

٢١٢
فوجهُ قولهم: إنَّ الجرح لا يقبل إلَّ مفسَّراً، هو في من اختُلِف في توثيقه
وتجريحه كما شرحناه، ويؤيده قول ابن عبد البر (١): ((من صحَّتْ عدالتُه،
وثبتَتْ في العلم إمامتُه، وبانَتْ هِمَّتُهُ وعنايتُهُ بالعلم، لم يُلتفت فيه إلى قولِ
أحد، إلاَّ أن يأتي الجارح في جَرْحه ببينةٍ عادلة، تصح بها جَرْحَتُه على طريق
الشهاداتِ والعملِ بما فيها من المشاهدة لذلك، بما يوجب قبوله)).
٧ - فصل
وممن ينبغي أن يُتوقَّف في قبول قوله في الجرح: من كان بينه وبين من
جَرَحه عداوةٌ سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثَلْب
أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العَجَب، وذلك لشدة انحرافه في
النَّصْب، وشهرةٍ أهلها بالتشيع .
فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسانٍ ذَلْق، وعبارةٍ طلقة، حتى
إنه أخذ يليّن مثل الأعمش، وأبي نُعيم، وعُبيد الله بن موسى، وأساطينَ
الحديث، وأركانَ الرواية، فهذا إذا عارضه مثلُه أو أكبرُ منه، فوثَّق رجلاً
ضعَّفه: قُبل التوثيق.
ويلتحق به عبدُ الرحمن بن يوسف بن خِرَاش المحدِّثُ الحافظ، فإنه من
غلاة الشيعة، بل نُسِب إلى الرفض، فيُأنَّى في جَرحه لأهل الشام، للعداوة البيّنة
في الاعتقاد.
ويُلحَق بذلك ما يكون سببُه المنافسةَ في المراتب، فكثيراً ما يقع بين
العصريَّيْن الاختلافُ والتباين لهذا وغيره، فكل هذا ينبغي أن يُتْأنَّى فيه ويُتأمَّل،
وما أحسن ما قال الإِمام أبو الفتح القُشَيْري(٢): أعراض الناس حُفرةٌ من حُفَر
(١) في ((جامع بيان العلم وفضله)) ٢: ١٥٢ أو ١٠٩٨:٢.
(٢) هو الإِمام ابنُ دقيق العيد كما في كتابه ((الاقتراح)) ص ٦١. وانظر حول خطورة =

٢١٣
النار، وَقَف على شَفِيرها طائفتان: الحُكّام / والمحدِّثون. هذا أو معناه.
[١ : ١٧]
٨ - فصل
وينبغي أن يُتْأمَّل أيضاً أقوالُ المزكِّين ومَخارِجُها، فقد يقول العدل: فلان
ثقة، ولا يريد به أنه ممن يُحتجّ بحديثه، وإنما ذلك على حسب ما هو فيه ووَجْهِ
السؤالِ له، فقد يُسأل عن الرجل الفاضل المتوسطِ في حديثه، فيُقرَن بالضعفاء،
فيقال: ما تقول في فلان، وفلان، وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنه ليس من
نَمَط من قُرِن به، فإذا سئل عنه بمفرده، بَيَّن حاله في التوسط .
فمن ذلك أن الدُّوْريَّ قال: سُئِل ابن معين عن محمد بن إسحاق فقال:
ثقة، فحَكَى غيرُه عن ابن معين أنه سُئل عن ابن إسحاق، وموسى بن عُبَيْدة
الرَّبَدي، أيهما أحب إليك؟ فقال: ابنُ إسحاق ثقةٌ. وسئل عن محمد بن إسحاق
.
بمفرده فقال: صدوق، وليس بحجة (١)
ومثلُه أنَّ أبا حاتم قيل له: أيهما أحب إليك: يونُس، أو عُقيل؟ فقال:
عُقيلٌ لا بأس به، وهو يريد تفضيله على يونس. وسئل عن عُقَيل، وزَمْعة بن
صالح، فقال: عُقيلٌ: ثقةٌ متقن، وهذا على حكم اختلاف السؤال.
وعلى هذا يُحمَل أكثرُ ما ورد من اختلاف كلام أئمة أهل الجرح والتعديل
ممن وثَّق رجلاً في وقت، وجَرَّحه في وقت آخر.
وقد يحكمون على الرجل الكبير في الجرح بمعنىّ، لو وجد فيمن هو
دونه لم يُجَرَّح به، فيتعين لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل بنصها ليتَبيَّن
منها ما لعلّه يَخْفَى على كثير من الناس إذا عُرِض على ما أصّلناه، والله الموفق.
= الجرح والتعديل وآفاتهما ما كتبته في كتابي ((لمحات من تاريخ السنّة وعلوم الحديث)) الطبعة
الرابعة ص ١٨٤.
(١) ((تاريخ ابن معين)) رواية الدوري ٢: ٥٠٣ و((الجرح والتعديل)) ١٩٢:٧ و١٩٤.

٢١٤
٩ - فصل
قال ابن المبارك: من ذا يَسْلم من الوَهَم(١)؟ وقال ابن معين: لست
أعجب ممن يحدّث فيخطىء، إنما أعجب ممن يحدث فيصيب.
قلت: وهذا أيضاً مما ينبغي أن يُتوقف فيه، فإذا جُرح الرجل، بكونه
[١٨:١] أخطأ في حديثٍ أو وَهِمَ، أو تفرَّد؛ لا يكون / ذلك جرحاً مستقِراً، ولا يُردُّ به
حديثه .
ومثلُ هذا إذا ضُعَّف الرجل في سماعه من بعض شيوخه خاصة، فلا
ينبغي أن يُردّ حديثه كلُّه، لكونه ضعيفاً في ذلك الشيخ .
وقال الشافعي: إذا رَوَى الثقةُ حديثاً، وإن لم يروِهِ غيرُه، فلا يقال له :.
شاذ، إنما الشاذ أن يَروي الثقاتُ حديثاً على وجه، فيَرويَه بعضُهم فِيُخالفَه ◌َّ
فيقال: شَذَّ عنهم، وهذا صواب، ومع ذلك فلا يَخرجُ الرجل بذلك عن العدالة،
لأنه ليس بمعصوم من الخطأ والوَهَم إِلَّ إذا بُيِّن له خطؤه فأَصرّ.
١٠ - فصل
وقال الشافعي في ((الرسالة))(٢): ((ولا تقومُ الحجة بخبر الخاصة - يعني
بذلك خبرَ الواحد - إلاَّ أن يكونَ من حَدَّث ثقةً(٣) في دينه معروفاً بالصدق في
حديثه، عاقلاً لما يُحدِّث به، عالماً بما يُحِيلُ معانيَ الحديث من الألفاظ.
(١) الوَهَمُ بفتح الهاء بوزن الغلط وبمعناه، ويختارون التعبير به بدَلَ الغلط، لغموض
معناه بعض الشيء فهو آدَبُ، أما الوَهْمُ بسكون الهاء فهو أن يَسبق الخاطر أو اللسان أو القلم
إلى شيء وأنت تريد غيره وتعلمُهُ على وجهه، وقد شرحتُ الفرق بين الوَهَم والوَهْم لغةً
ومعنى بتفصيل وتمثيل في آخر «الرفع والتكميل» من الطبعة الثالثة.
(٢) في ((الرسالة)) ص ٣٧٠ - ٣٧٢.
(٣) في ط و((الرسالة)) ص ٣٧٠: ((أن يكون مَنْ حدَّث به ثقةً)).
(٤) الكف :

٢١٥
أو يكونَ ممن يؤدِّي الحديث بحروفه كما سمعه، لا يُحدِّثُ به على
المعنى، فإنه إذا حَدَّث به على المعنى، وهو غيرُ عالم بما يُحِيل معناه لم يدر
لعلّه يُحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أدَّى بحروفه، لم يَبْق وجهٌ يُخافُ منه إحالةٌ
الحديث .
حافظاً إن حَدَّث بحروفه من حفظه، حافظاً لكتابه إن حَدَّث من كتابه، إذا
شَرِكَ أهلَ الحفظ في الحديث: وافَقَهم، بريئاً من أن يكون مدلِّساً يُحدِّثُ عمن
لقي بما لم يَسمع منه، أو يُحدِّثُ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بما يُحدِّثُ
الثقاتُ خلافَه.
ويكون كذلك حُكْمُ مَنْ فوقه ممن حدثه، حتى ينتهي الحديث موصولاً
إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أو إلى من انتهى به إليه دونه، لأن كل واحد
منهم مُثْبِتٌ مَنْ حدثه، وشاهدٌ على من حدَّث عنه، فلا يُستغنَى في كل واحد
منهم عما وصفتُ.
قال(١): ومن كَثُرَ غلطُه من المحدِّثين، ولم يكن له أصلُ كتابٍ صحيح،
لم يُقْبَل حديثه، كما يكون من أكثرَ التخليطَ في الشهادة لم تُقْبَل شهادته.
وأقبلُ الحديث ممن / قال: حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلِّساً، [١٩:١]
ومن عرفناه دَلَّس مرة، فقد أبان لنا عورته في روايته، وتلك العورةُ ليست
بكذب فيُردَّ بها حديثُه، ولا على النصيحةِ في الصدق، فنقبَلَ منه ما قبلْنا من
أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نَقْبَلُ(٢) من مدلس حديثاً حتى يقول:
حدثني، أو سمعت)). انتهى كلام الشافعي رحمه الله.
(١) في ((الرسالة)) ص ٣٧٣ و ٣٧٩ و٣٨٠ و٣٨٢.
(٢) في ص: (لا يقبل من مدِّس حديثاً)، والصواب المثبت من ((الرسالة)) ص ٣٨٠
ومن نسخة ك.

٢١٦
وخَرَج بقوله: ((ثقةً في دينه)) من كان مبتدِعاً بدعةً يُكفَّر بها، وكذلك غیرُ
المميِّز من صبيٍ ومجنون.
وأما قوله: ((عاقلاً لما يُحدِّث به))، فقال ابن حبان(١): العقلُ لما يُحدِّثُ
مِن الحديث أن يَعقِلَ من اللغة مقدار ما لا يُزيلُ معاني الأخبار عن سَنَنها،
ويعقِلَ من صناعة الحديث ما لا يَرفعُ موقوفاً، ولا يصِلُ مَرسَلاً، أو يُصحِّفُ
اسماً.
قال: والعلمُ بما يحيل معاني ما يرويه، هو أن يعرف من الفقه(٢)، مقدار
ما إذا أدَّى خبراً، أو رواه من حفظه، أو اختصره: لم يُحِلْه عن المعنى الذي
أراده رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى معنى آخر.
قلت: ولا خلاف بين الأئمة في اشتراط هذه الشروط، إن جوَّزنا الرواية
بالمعنى .
وقد تضمن هذا الفصلُ من كلام الشافعي، جميعَ الشروط المتفق عليها
بين أهل الحديث في حَدِّ من تُقبَلُ روايته.
وأما من شَرَط العَدَدَ فهو قولٌ شاذ، مخالفٌ لما عليه الجمهور، بل تُقْبَلُ
روايةُ الواحد إذا جَمَع أوصاف القبول.
وكذا من يَشْترِطُ أن يكون فقيهاً عالماً، فهو خلاف ما عليه الجمهور
وحجَّتُهم قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتَنَبَّتُوا﴾(٣)،
الآية، معناه أن لا يُتَنَبَّت في غير خبر الفاسق، ولو لم يكن عالماً.
(١) في مقدمة ((صحيحه)) ١ :١١٣.
(٢) في أد: ((أن يعلم الفقه)).
(٣) هذه القراءة (فتثبّتُوا) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف، وقراءةُ الباقين: (فتبيَّنوا)
وكلا القراءتين مفسرة للأخرى.

٢١٧
وفي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((نَضَّر اللَّهُ امرأ سَمِعَ مقالتي فوعاها ... ))
الحديث، أقوى دليل على ذلك، لأنه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُفرِّق، بل صرح
بقوله: ((فرب حاملٍ فِقْهِ غيرِ فقيه، وربَّ حاملٍ فقهِ إلى من هو أفقَهُ منه)).
وكذا قولُ من شَرَط أن يكون مشهوراً بسماع الحديث، ومعرفةَ نَسَبٍ
/ الراوي، وأن لا يُنكِر راوي الأصل رواية الفرع عنه على وجه النسيان.
[٢٠:١]
فكلُّ هذه الشروط مخالفٌ لما عليه الجمهور. والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب، إليه المرجعُ والمآب، لا إله إلاَّ هو.

٢١٩
حرف الألف
[من اسمه أبان و أبا]
* - آدم، يأتي، وكان ينبغي أن يُذْكَر هنا(١)، وكذا أَبًّا بن جعفر.
١ - ز - أبان بن أرقم الأسَدي الكوفي، ذكره أبو جعفر الطُّوسي في
الشيعة الإِمامية، في رجال أبي عبد الله جعفر الصادق، ووثقه.
٢ - ز - أبان بن أرقم الطائي ثم السِّنْبِسي، أبو الأرقم الكوفي، ذكره
الطوسي في رجال أبي عبد الله جعفر الصادق، ووثَّقه، وكان من الشيعة
الإمامية .
٣ - ز - أبان بن أرقم العِثْرِي(٢) الكوفي، ثم المدني، ذكره أبو جعفر
الطوسي في ((الشيعة الإمامية)) وقال: رَوَى عن أبي عبد الله جعفر الصادق،
رَحَل إليه فسمع منه حديثاً كثيراً .
(١) ستأتي تراجم من اسمه: آدم في الجزء الثاني، من الرقم [٩٤١] وترجمة أبًا ستأتي
برقم ٣٢ .
١ - رجال الطوسي ١٥١، معجم رجال الحديث ١ : ١٤٣.
٢ - رجال الطوسي ١٥١، معجم رجال الحديث ١ :١٤٣.
٣ - رجال الطوسي ١٥١، الإكمال ٤٤:٧، توضيح المشتبه ٣٨٢:٦، الأنساب ٢٢٤:٩،
معجم رجال الحديث ١ : ١٤٣ .
(٢) في ص أك د: (العنزي)، وفي ط: (الغنوي) وكلُّه تحريف، والصواب: ((العِتْرِي))
بكسر المهملة وسكون المثناة الفوقية وكسر الراء المهملة، ضبطه ابن ماكولا
والسمعاني وابن ناصر الدين.

٢٢٠
٤ - ز - أبان بن بشير المُكتِّب، روى عن أبي هاشم، ومحمد بن
المطَّلِب، وإسماعيل بن أبي خالد. وعنه خَلَف بن خليفة، ووَهْب بن بَقِيَّة(١).
قال ابن أبي حاتم: مجهول. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال
البخاري: لا أدري سَمِع من أبي هاشمٍ أم لا؟.
٥ - أبان بن جَبَلة الكوفي، أبو عبد الرحمن، يَرْوي عن
أبي إسحاق السَّبيعي. ضعّفه الدارقطني وغيره. وقال البخاري: منكر الحديث،
ونَقَل ابنُ القطان أن البخاري قال: كلُّ مَنْ قلتُ فيه: منكَرُ الحديث، فلا تَحِلُّ
الروايةُ عنه، انتهى.
وهذا القول مَرْوي بإسناد صحيح عن عبد السلام بن أحمد الخفَّاف، عن
البخاري.
وقال أبو حاتم: أبان بن جَبَلة، شيخٌ مجهول، منكَرُ الحديث(٢) .
[١ :٢١]
* - / ذ - أبان بن جعفر النَّحِيرَمِي(٣)، روى عن محمد بن إسماعيل
الصائغ.
٤ - التاريخ الكبير ٤٥٣:١، الجرح والتعديل ٢٩٩:٢، ثقات ابن حبان ٦: ٦٨ وسمّاه «ابن
كثير))، وهو وهَم أو تحريف، والعمدة ما في ((التاريخ)) و ((الجرح)).
(١) في ص أ كتَب فوق كلمة ((وهب)): ((كذا)» وعَلَّق في الحاشية في ص أك ما نصه: ((لأن
وهب بن بقية ليس من طبقة خلف بن خليفة، بل في درجة الآخِذِين عنه، ولما جاء هنا
بالواو كان محلَّ نظر».
٥ - الميزان ٦:١، التاريخ الكبير ٤٥٣:١، التاريخ الأوسط ١٧٤:٢، الضعفاء
الصغير ٢٣، ضعفاء النسائي ١٤٨، ضعفاء العقيلي ٤١:١، الجرح والتعديل
٢: ٣٠٠، الكامل ٣٨٩:١، ضعفاء الدارقطني ٦٤، ضعفاء ابن الجوزي ١٦:١،
المغني ٦:١، الديوان ١١ .
(٢) في حاشية ص: ((وقال (س): ليس بثقة)).
(٣) ذيل الميزان ٤٩، المجروحين ١: ١٨٤، ذيل الديوان ٢٠.