Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
كلاهما (عمرو الناقد، وأحمد بن مسعود) عن الهيثم بن جميل(١)، عن عبد الله بن
المثنی، عن ثمامة بن عبد الله، عن أنس .
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٥٩/٤): ((رواه البزار، والطبراني في
((الأوسط))، ورجال الطبراني رجال الصحيح؛ خلا الهيثم ابن جميل، وهو ثقة. وشيخ
الطبراني أحمد بن مسعود الخياط المقدسي، ليس هو في ((الميزان)).)).
قلت: كذا جرى الهيثمي على ظاهر الإسناد، ولكن هذا الطريق هو الآخر معلول،
وقد بين علته سيد الحفاظ المتأخرين، أبو الفضل ابن حجر العسقلاني - رضي الله عنه
ورحمه- فقال في ((الفتح)) (٥٠٩/٩):
«فلولا ما في عبد الله بن المثنى(٢) من المقال؛ لكان هذا الحدیث صحیحًا، لكن قد
قال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بقوي. وقال أبو داود: لا أخرج حديثه.
وقال الساجي: فيه ضعف لم يكن من أهل الحديث، روى مناكير. وقال العقيلي: لا يتابع
على أكثر حديثه. قال ابن حبان في ((الثقات)): ربما أخطأ. ووثقه العجلي، والترمذي،
وغيرهما؛ فهذا من الشيوخ الذين إذا انفرد أحدهم بالحديث لم يكن حجة، وقد مشی
الحافظ الضياء على ظاهر الإسناد، فأخرج هذا الحديث في «الأحاديث المختارة، مما
ليس في الصحيحين))، ويحتمل أن يقال: إن صح هذا الخبر، كان من خصائصه ێ، كما
قالوا في تضحيته عمن لم يضح من أمته)).
وخلاصة الأمر: أن هذا الحديث لا يثبت؛ وإنما هو بلية من بلايا ابن محرر - على
حد قول الذهبي-، وقال النووي في ((المجموع)) (٤٣١/٨): ((هذا حديث باطل)).
(١) وهو عند أبي الشيخ الأصفهاني، من طريق أبي بكر المستملي، عن الهيثم بن جميل، وداود بن المحبر. وداود
ضعيف. كذا في (الفتح)) (٥٠٩/٩). قلت: بل هو متروك، كما في ((التقريب)) (١٨١١).
(٢) وقد لخص حاله في ((التقريب)) (٣٥٧١)، فقال: ((صدوق، كثير الغلط)).

٢٢٢
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
[٥٦] قَالَ: وَرَأَيْتُ الزبيرَ(١) يُبَابِعُ عَلِيًّا فِي حُشِّ.
وَخالَفَهُ مُؤْسَى بْنُ دَاوُدَ(٢)، قَالَ: رَأَيْتُ طَلْحَةَ يُبَايِعُ عَلِيًّا فِي حُشرِّ(٣).
فَسَألُهُ خَالِدُ بْنُ القَاسِمِ(٤)، عَنْ هَذَا الحَدِيْثِ؟ قَالَ: لَيْسَ مِنْ صَحِيْحِ حَدِيْثٍ
هُشَيْمٍ، وَالحَسَنُ لَمْ يَرَعَلِيًّا؛َ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَآءُ بِالمَدِيْنَةِ، وَهُوَ غُلامٌ.
[٥٦] أسند هذا النص باختصار: ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (ص٣١-٣٢) عن
ابن البراء، عن ابن المديني. وعلقه عن ابن المديني: ابن العراقي في ((التحفة)) (ص ٨٢)،
وابن حجر في ((التهذيب)) (٢/ ٢٦٧).
وقول الحسن: (رأيت الزبير ... ) أخرجه الطبري في ((تاريخ الرسل والملوك))
(٤٢٩/٤) في حوادث سنة (٣٥)، عن محمد بن سنان الفزاري، عن إسحاق بن إدريس،
عن هشيم، عن حميد، عن الحسن؛ قال: رأيت الزبير بايع عليًّا، في حُش من حشان
المدينة.
وإسحاق بن إدريس؛ هو الأسواري البصري. تركه ابن المديني. وقال فيه
البخاري: تركه الناس، وقال مرة: سكتوا عنه !. وقال ابن معين: كذاب، يضع الحديث.
(١) في الأصل: (ابن الزبير)، وهو خطأ، صوابه ما أثبته من المصادر التي نقلت كلام ابن المديني. وأخرجت
النص.
(٢) سبقت ترجمته في آخر هامش في التعليق على الفقرة (٤١).
الحش - بضم المهملة، وتشديد المعجمة -: هو البستان. وانظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (١ / ١٧٦).
(٤) هو خالد بن القاسم المدائني، أبو الهيثم. قال فيه يعقوب بن شيبة: ((صاحب حديث، متقن، متروك الحديث،
(٣)
كل أصحابنا مجمع على تركه؛ سوى ابن المديني، فإنه كان حسن الرأي فيه!)). كذا قال يعقوب، عن ابن
المديني. وخالفه البخاري، فقال: ((تركه عَليّ، والناس)). فقد يكون ابن المديني كان حسن الرأي فيه بادىء
الأمر، مغترًّا بحفظه وإتقانه، ثم لما انكشف له أمره، تركه. ويكون ما هنا من محاورته لعلي قبل انكشاف أمره.
والله أعلم.
وانظر: ((ميزان الاعتدال)) (١/ ٦٣٧_٦٣٨).

٢٢٣
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وضعفه النسائي، وغيره.
انظر: ((التاريخ الكبير)) (٣٨٢/١)؛ و(«الأوسط)) (٣١٨/٢/ زنجويه)؛ و((ضعفاء))
النسائي (ص١٨)؛ و((تاريخ ابن معين)) برواية الدوري (٢٥٠/٤-٣٣٥)؛ ((وسؤالات
البرذعي)) (٢/ ٥٤٣)؛ و((ضعفاء)) ابن الجوزي (٩٩/١).
وقد خالف إسحاق بن إدريس هذا، عبد الله بن مهدي؛ فرواه عن هشيم، عن
حميد، عن أنس، قال رأيت طلحة بن عبيد الله بايع عليًّا ....
أخرجه ابن عدي في ((الكامل)» (٨/ ٤٥٥) عن الحسين بن عبد الله القطان، عن نوح
ابن حبيب، عن عبد الله بن مهدي .. فذكره.
ولم أقف لعبد الله بن مهدي هذا على ترجمة، فيما بين يدي من المصادر. اللهم إلا
أن يكون تصحيفًا صوابه: (عبد الرحمن بن مهدي) فهو إمام ثقة حجة، سبقت ترجمته في
الفقرة (٤)، والله أعلم.
وقد أحسن ابن المديني صنعًا حين قال: ((إن هذا ليس من صحيح حديث هشيم))!
وعليه فلم يثبت به رؤية الحسن لعلي؛ اللهم إلا أن يكون رآه بالمدينة وهو غلام. والله
تعالى أعلم.

٢٢٤
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
[٥٧] الحَسَنُ رَأَى أُمَّ سَلَمَةَ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا، وَكَانَ صَغِيْرًا، وَكَانَتْ أُمُ
الحَسَنِ تَخْدُمُ أُمَّ سَلَمَةَ، وَقَدْ رَوَتْ عَنْهَا.
[٥٧] نقل هذه الفقرة عن ابن المديني: العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص ١٦٣)
بنوع اختصار.
ولم أعثر على أحد خالف ابن المديني في عدم سماع الحسن منها رضي الله عنهما.
وأقول: الحسن إنما يروي عن أم سلمة رضي الله عنها، بواسطة أمه خيرة، وكانت
مولاة لأم سلمة، أو بواسطة ضبة بن محصن .
وفي ((صحيح)) مسلم، في كتاب الفتن وأشراط، باب لا تقوم الساعة حتى يمر
الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء (٢٩١٦/٢٢٣٦/٤) حديث
خالد الحذاء، وابن عون، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة: (تقتل عمارًا الفئة
الباغية).
وروايته بواسطة ضبة: أيضًا في (صحيح)) مسلم في كتاب الإمارة. (١٨٥٤).

٢٢٥
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
[٥٨] الحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيْ مُؤْسَى الأَشْعَرِيِّ، وَكَانَ بِالبَصْرَةِ زَمَنَ عُمَرَ.
[٥٨] أسند هذا النص عن ابن المديني: ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (ص ٣٧/
رقم ١١٧) عن ابن البراء، عن ابن المديني. وعلقه عن ابن المديني: ابن العراقي في ((تحفة
التحصيل)) (ص ٨٤)، والبوصيري في ((مصباح الزجاجة)) (١٥٣٢/٣١٥/٣)، وابن حجر
في ((التهذيب)» (٢/ ٢٦٧ -٢٦٨).
وقد وافق ابن المديني على القول بعدم سماع الحسن من أبي موسى الأشعري:
١- الإمام أحمد. كما في ((التمهيد)) (١٥/ ٩٣).
٢- أبو حاتم الرازي. كما في ((المراسيل)) لابنه.
٣- أبو زرعة الرازي. كما في ((المراسيل)).
٤- الترمذي. كما في ((سننه)) كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ما جاء في
العرض (٤/ ٢٤٢٥/٦١٧).
٥- ابن عبد البر. كما في ((التمهيد)) (٩٤/١٥).
٦- الدار قطني. كما في ((السنن)) (١٠٢/١) - ونقله عنه الزيلعي في ((النصب))
(٢٠/١).
ولم أقف لهم على مخالف، والله تعالى أعلم.

٢٢٦
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
[٥٩] حَدِيْثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَِّيِّ وَّهِ، قَالَ: (لاَ تَسْأَلِ
الإِمَارَةَ).
وَرَوَى أَشْعَثُ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: كُنََّ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَة،
(١)
بِكَابُلٍ(١).
[٥٩] يشير ابن المديني بذكر حديث (لا تسأل الإمارة)، إلى ثبوت سماع الحسن
من عبد الرحمن بن سمرة، وذلك لتصريح الحسن في هذا الحديث بالسماع منه، وثبوت
ذلك التصریح عنه من طرق صحيحة.
وذلك فيما أخرجه البخاري في «صحيحه)) في كتاب الأيمان والنذور، باب قول الله
تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ﴾ (٦٦٢٢/٥٢٥/١١/ الفتح) قال: حدثنا أبو
النعمان محمد بن الفضل.
وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) في كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يميّنا، فرأى
غيرها خيرًا منها، أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه (١٢٧٣/٣ - ١٦٥٢/١٢٧٤)
قال حدثنا شيبان بن فروخ.
كلاهما قال: حدثنا جرير بن حازم: حدثنا الحسن: حدثنا عبد الرحمن بن سمرة،
قال: قال النبي ◌َّى: (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن
مسألة؛ وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة؛ أعنت عليها. وإذا حلفت على يمين،
فرأيت غيرها خيرًا منها؛ فكفر عن يمينك، وأت الذي هو خير).
وأما قوله بعد ذلك: (وروى أشعث، عن الحسن، قال: كنا مع عبد الرحمن بن
(١) كابل: بضم الباء الوحدة، ولام. وهي ولاية بين الهند وغزنة، ونسبته إلى الهند أولى. وقد غزاها المسلمون في
أيام بني مروان، وافتتحوها. وأهلها مسلمون. وانظر: ((معجم البلدان)) لياقوت الحموي (١١١/٧). وهي الآن
عاصمة دولة أفغانستان.

٢٢٧
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
سمرة، بكابل). فهو كسابقه، إشارة إلى لقاء الحسن البصري لعبد الرحمن بن سمرة؛
حیث کان معه في غزو كابل. وهذا مما يؤكد سماعه منه هنالك.
وقد أخرج قول الحسن: (كنا مع عبد الرحمن بن سمرة، بكابل) الإمام أحمد في
«مسنده)) (٢٠٦٢٩/٢٣١/٣٤) فقال: حدثنا حسين [هو ابن محمد المروذي]: حدثنا
المبارك [هو ابن فضالة]، عن الحسن: حدثنا عبد الرحمن بن سمرة القرشي - ونحن
بكابل - قال: قال لي رسول الله وَله: (يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة .. )، فذكر
الحديث .
والمبارك بن فضالة، مدلس، وقد عنعن هنا؛ لكنه صرح بالسماع من الحسن لهذا
الحديث في «المسند)) أيضًا (٢٠٦٢٢/٢٢٦/٣٤) قال أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم:
حدثنا المبارك : حدثنا الحسن؛ فذكره.
وقد وافق ابن المديني على إثبات سماع الحسن من عبد الرحمن ابن سمرة:
١ - البخاري. وقد سبق إخراجه هذه النسخة، في ((صحيحه))، ومذهبه في ثبوت
السماع مشهور.
٢- مسلم. وقد أخرجها في ((صحيحه))، وشرط الصحيح الاتصال !.
٣- البرديجي. وقد نقله عنه ابن العراقي في ((تحفة التحصيل)) (ص٨٨). ولم أقف
لهم على مخالف، والله أعلم.

٢٢٨
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
[٦٠] [سُئِلَ](١) عَنْ حَدِيْثٍ سُرَاقَةَ: فِيْ طَلَبِ النَّبِيِّوَّهِ، فَقَالَ: رَوَى
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سُرَاقَةَ - الحَدِيْثُ الطَِّيْلُ -:
أَنَّ سُرَاقَةً خَرَجَ يَطْلُبُ النَّبِيَّ ◌َّهِ، وَجَعَلَ فِيهِ مِائَةَ بَدَنَةٍ.
وَرَوَى الحَسَنُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ: أَنَّ سُرَاقَةَ حَدَّثَهُمْ، فِيْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ بْنِ زَيْدِ بْنِ
جُدْعَانَ، وَهُوَ إِسْنَادٌ يَنْبُ(٢) عَنْهُ القَلْبُ: أَنْ يَكُوْنَ الحَسَنُ سَمِعَ مِنْ سُرَاقَةً؛ إِلاَّ أَنْ
يَكُونَ [مَعْنَى (حَدَّثَهُمْ): حَدَّثَ](٣) النَّاسَ؛ فَهَذَا أَشْبَهُ. [ل٥/ب].
[٦٠] أسند قول ابن المديني في رواية الحسن عن سراقة -بحروفه -: ابن أبي حاتم
في ((المراسيل)) (ص ٤٠/ رقم ١٢٨) عن ابن البراء، عن ابن المديني، وعلقه عن ابن
المديني: العلائي في ((الجامع)) (ص ١٦٣)، وابن العراقي في ((التحفة)) (ص ٨٥)، وابن
حجر في ((التهذيب)) (٢٦٨/٢).
وأما حديث الزهري، عن عبد الرحمن بن مالك، عن سراقة - والذي ساقه ابن
المدیني ههنا، لیدلل به على ضعف حديث علي بن زيد ابن جدعان، والذي فيه تصريح
الحسن بالسماع من سراقة-فأخرجه:
البخاري في ((الصحيح)) في كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ◌َّ وأصحابه
إلى المدينة (٧/ ٣٩٠٦/٢٨١) عن یحیی بن بکیر.
وأخرجه يعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) (٣٩٥/١) - ومن طريقه:
الحاكم في ((المستدرك)) في كتاب معرفة الصحابة، باب خلافة أبي بكر بتأييد عمر بعد
(١) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها، والله أعلم.
(٢) (ينبو عنه) يعني: لا يطمئن إليه. وهو مأخوذ من النَّبْوَةِ، يقال: نبا جنبي عن الفراش: لم يطمئن عليه. وانظر:
((لسان العرب)) لابن منظور (٦/ ٤٣٣٢-٤٣٣٣).
(٣) في الأصل: (عزا حدثهم حديث)، وأظنه تصحيفًا، والمثبت من ((المراسيل))، و((تهذيب التهذيب))، وفي ((تحفة
التحصيل)): (حدثهم حديث). والله أعلم.

٢٢٩
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
النبي ◌َّ (٤٤٨٢/١١/٤) - من طريق سعيد بن عفير. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح
على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
وأخرجه البيهقي في ((الدلائل)) (٢/ ٤٨٥) من طريق أبي صالح.
الثلاثة: عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد الأيلي.
وأخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٧٤٣/٣٨٤/٥) - وعنه أحمد في
((المسند)) (١٧٥٩١/١٢٨/٢٩) - عن معمر. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه: ابن حبان
في ((الصحيح)) في كتاب التاريخ، باب فصل في هجرته وَلقه إلى المدينة، وكيفية أحواله
(١٤/ ٦٢٨٠/١٨٤). وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢/ ١٠٣٠/٢٧٥).
والطبراني في «المعجم الكبير)) (٧/ ١٣٢/ ٦٦٠١).
وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) في كتاب الهجرة، باب تعاقب سراقة رسول الله
مَّر، وسوخ يدي فرسه عند رؤيته وَلير (٤٣٢٨/٥٣٩/٣)، وابن أبي عاصم في «الآحاد
والمثاني)) (١٠٣٠/٢٧٥/٢) من طريق عبد الله بن معاذ الصنعاني عن معمر. قال
الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وعزاه الحافظ في «الفتح» (٧/ ٢٨٣) للإسماعيلي، من طريق معمر .
وأخرجه المعافى النهرواني في ((الجليس الصالح الكافي)) - كما في ((الفتح))
(٢٨٣/٧)-، والطبراني في «الكبير» (٧/ ١٣٥/ ٦٦٠٣) من طريق صالح بن كيسان.
وأخرجه الطبراني في «الكبير)) (٦٦٠٢/١٣٣/٧)، وابن أبي عاصم في «الآحاد
والمثاني)) (٢٧٤/٢)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢/ ٤٨٧)، والمزي في ((تهذيب
الكمال)» (٣٧٩/١٧) من طريق موسى ابن عقبة.
وأخرجه أبو نعيم الأصفهاني في ((دلائل النبوة)) (ص ٢٧٧)، والحاكم في
(((الإكليل)).

٢٣٠
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
- كما في ((الفتح)) (٧/ ٢٨٣) - من طريق محمد بن إسحاق بن يسار.
هؤلاء الخمسة (عقيل، ومعمر، وموسى بن عقبة، وصالح، وابن إسحاق) عن
الزهري، عن عبد الرحمن بن مالك - وهو ابن أخي سراقة -عن عمه سراقة.
وأما حديث علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن: أن سراقة حدثهم. فلم أقف على
هذا الطريق إلا عند ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٧/ ٣٤٤) قال: حدثنا أسود بن عامر، قال:
حدثناحماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن سراقة بن مالك المدلجي
حدثهم: أن قريشًا جعلت في رسول الله وَ له، وأبي بكر، أربعين أُوقِيَّة ... الحديث.
وهذا إسنادٌ إلى الحسن ضعيف، وعلته: علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف،
سَيِّءُ الحفظ، ولا يعتمد على مثله في إثبات سماع، أو ما شابهه، لاحتمال أن يكون وهمًا
من أوهامه؛ أداه إليه سوء حفظه. وقد سبقت ترجمته في هامش (١) في الفقرة (٣٣).
ولهذا قال ابن المديني: ((وهو إسناد ينبو عنه القلب ... )).
وقال أحمد بن حنبل: لما سئل: سمع الحسن من سراقة؟ فقال: ((لا! هذا علي بن
زید یرویه !!. کأنه لم يقنع به».
وحتى على افتراض صحة رواية علي بن زيد هذه عن الحسن، وثبوت قول
الحسن: (أن سراقة بن مالك حدثهم). فإنه والحال هذه، يقال فيها ما سبق وقيل عند قول
الحسن: (خطبنا ابن عباس). وقد قال البزار - كما في «نصب الراية)) (٩٠/١) -: ((وروى
الحسن عن جماعة لم يدركهم، وكان صادقًا متأولاً في ذلك، فيقول: (حدثنا)،
و(خطبنا)؛ ويعني قومه الذين حدثوا، وخطبوا بالبصرة)). والله أعلم.
ولهذا قال ابن المديني: ((إلا أن يكون [معنى (حدثهم): حدث] الناسَ؛ فهذا أشبه)).
وقد وافق ابن المديني، على نفي سماع الحسن من سراقة :
١- الإمام أحمد. ففي ((العلل ومعرفة الرجال)) لأحمد (١٥١١/٤٨/٢)،

٢٣١
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
و((المراسيل)): سئل: سمع الحسن من سراقة؟ قال: هذا علي بن زيد يرويه. كأنه لم يقنع
به .
٢ - أبو داود السجستاني. كما في ((سؤالات الآجري لأبي داود)) (ص ٣٤٧]
رقم٥٥٦).
ولم أقف على أحدٍ خالف في هذا، والله تعالى أعلم.

٢٣٢
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
[٦١] وَسُئِلَ عَنْ حَدِيْثِ الأَسْوَدِ، وَهُوَ ابْنُ سَرِيْعٍ: (بَعَثَ رَسُوْلُ اللهِ وَّه
سَرِيَّةٌ، فَأَكْثَرُوا القَتْلَ).
فَقَالَ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ؛ رِوَايَةُ الحَسَنِ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ سَرِيْعٍ، وَالحَسَنُ عِنْدَنَا
لَمْ يَسْمَعِ مِنَ الأَسْوَدِ، لأَنَّ الأَسْوَدَ خَرَجَ منَ البَصْرَةِ أَيَامَ عَلِيٍّ، وَكَانَ الحَسَنُ
بِالمَدِيْنَةِ.
فَقُلْتُ لَهُ: المُبَارَكُ - يَعْنِي: ابْنَ فَضَالَةَ - يَقُوْلُ = فِيْ حَدِيْثِ الحَسَنِ، عَنِ
الأَسْوَدِ: أَتَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ نَّهِ، فَقُلْتُ: إِنِّيْ حَمِدْتُ رَبِّي بِمَحَامِدَ =: أَخْبَرَنِي
الأَسْوَدُ.
فَلَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى المُبَارَكِ فِي ذَلِكَ.
[٦١] أما حديث الحسن، عن الأسود: (بعث رسول الله الق سرية، فأكثروا
القتل)، فرواه عن الحسن أحد عشر نفسًا، ممن وقفت عليهم، وهم:
[١] قتادة بن دعامة السدوسي. أخرجه أحمد في «مسنده)) (٢٤/ ١٥٥٨٨/٣٥٤).
ومن طريقه: الضياء في ((المختارة)) (١٤٤٥/٢٤٧/٤) - عن يونس بن محمد المؤدب،
عن أبان بن يزيد العطار.
ومن طريق يونس المؤدب، أخرجه: الحاكم في ((المستدرك)) في كتاب الجهاد،
باب ما من نسمة تولد إلا على الفطرة (٢٦١٢/٤٥٧/٢)، وقال: حديث صحيح على
شرط الشيخين، ولم يخرجاه. والطبراني في «الكبير)) (١/ ٨٣٣/٢٨٥).
وأخرجه أحمد (١٦٢٩٩/٢٢٧/٢٦)، والطبراني في «الكبير» (٨٣٢/٢٨٥/١)
من طريق سعيد بن أبي عروبة.
وأخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني)) (٢/ ٣٧٦/ ١١٦٢) من طريق شيبان

٢٣٣
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
ابن عبد الرحمن النحوي.
الثلاثة (أبان العطار، وشيبان، وابن أبي عروبة) عن قتادة، عن الحسن، عن
الأسود.
[٢] يونس بن عبيد. واختلف عليه، فرواه هشيم عنه مصرحًا بسماع الحسن من
الأسود، وخالفه خمسة من أصحاب یونس .
فأما حديث هشيم، عن يونس، عن الحسن حدثنا الأسود !:
فأخرجه النسائي في ((الكبرى)) في كتاب السير، باب النهي عن قتل ذراري
المشركين (٨٥٦٢/٢٣/٨).
وأخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٥٠٥/٩)، والضياء المقدسي في ((المختارة))
(٤/ ٢٧٤ /١٤٤٤) من طريق المحاملي.
كلاهما (النسائي، والمحاملي)عن زياد بن أيوب.
وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) في كتاب الجهاد، باب ما من نسمة تولد إلا على
الفطرة (٢٦١٢/٤٥٧/٢)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
والبيهقي في ((الكبرى)) (٩ / ٧٧) من طريق عمرو بن عون.
كلاهما (زياد، وابن عون) عن هشيم، عن يونس، عن الحسن: حدثنا الأسود.
وخالف هشيمًا في هذا التصريح :
١- إسماعيل ابن علية. أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٥٥٨٩/٣٥٦/٢٤).
وأخرجه الحازمي في ((الاعتبار)) (ص ٤٩٤-٤٩٥) من طريق أبي عبيد. كلاهما عن
إسماعيل.
٢- أبو إسحاق الفزاري. أخرجه الدارمي في ((السنن)) في كتاب السير، باب النهي

٢٣٤
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
عن قتل النساء والصبيان (٢٥٠٦/١٦٠١/٣) عن عاصم بن يوسف. وأخرجه أبو نعيم في
((الحلية)» (٨/ ٢٦٣) من طريق الحارث بن أبي أسامة، عن معاوية بن عمرو. كلاهما عن
أبي إسحاق الفزاري. قال أبو نعيم: حديث الأسود مشهور ثابت ! .
٣- يزيد بن زريع. أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٨٢٩/٢٨٤/١)، وابن أبي
عاصم في «الآحاد والمثاني)) (٢/ ١١٦٠/٣٧٥) كلاهما من طريق يزيد بن زريع.
٤- عبد الوهاب بن عطاء. أخرجه البيهقي في ((الكبرى)) (٩/ ٧٧) من طريق أحمد
بن عبيد بن ناصح، عن عبد الوهاب.
٥- سعيد بن أبي عروبة. أخرجه الطبراني في «الكبير)) (١/ ٢٨٥/ ٨٣٢) من طريق
عثمان بن حفص التومني، عن سلام، عن سعيد بن أبي عروبة .
وعندئذ؛ يقال: إن هشيمًا، ولو كان ثقة ثبتًا، فقول هؤلاء الخمسة الثقات الأثبات
أولى من قوله، وروايتهم أصح من روايته، فيغلب على ظني أن ذكر لفظ السماع في رواية
يونس غير محفوظ. وأن الصواب في رواية يونس ما رواه عنه هؤلاء الخمسة الأثبات،
وهو العنعنة، والله أعلم.
[٣] السَّرِيُّ بن يحيى، أبو الهيثم. أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير))
(٤٤٥/١)، و((الأوسط)) (١١٤/١/ زنجويه) (١٩٠/١/ الخفاف) عن مسلم بن إبراهيم.
ومن طريق مسلم بن إبراهيم، أخرجه: ابن حبان في ((الصحيح)) كتاب الإيمان، باب
الفطرة (١/ ١٣٢/٣٤١)، والطبراني في «الكبير)) (١/ ٨٢٧/٢٨٣)، ومن طريقه الضياء
المقدسي في ((المختارة)) (١٤٤٦/٢٤٩/٤).
وأخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١٦٣/٢) من طريق عمرو بن الربيع.
کلاهما (مسلم، وعمرو) عن السري بن یحیی أبي الھیئم. عن الحسن: حدثنا
الأسود. وخالفهما محمد بن جعفر غندر فعنعنه، وهذا: أخرجه أحمد في ((المسند»

٢٣٥
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
(١٦٣٠٣/٢٣١/٢٦) عن محمد بن جعفر غندر.
فالأشبه هنا أن يكون المحفوظ عن السري، هو التصريح بالسماع. وذلك لاتفاق اثنين من
الثقات من أصحابه علیه، والله أعلم.
[٤] أشعث بن عبد الملك. أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٨٣٠/٢٨٤/١) من
طريق إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل.
وأخرجه كذلك (٨٣٠/٢٨٤/١)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني))
(٢/ ١١٦١/٣٧٥) من طريق إبراهيم المقدمي، عن سعيد بن عامر.
كلاهما عن أشعث بن عبد الملك، عن الحسن، عن الأسود.
[٥] عمارة بن أبي حفصة. أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١/ ٨٣١/٢٨٤) عن
البزار، وهو من طريق حسان بن إبراهيم، عن ابن جريج، عن عمارة بن أبي حفصة، عن
الحسن، عن الأسود.
[٦] مبارك بن فضالة. أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١/ ٨٣٠/٢٨٤) من طريق
يعلى بن عباد بن يعلى، عن المبارك، عن الحسن، عن الأسود.
[٧] المعلى بن زياد. أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٨٣٤/٢٨٥/١)،
و ((الأوسط)) (١٩٨٤/٢٨٠/٢) من طريق محمد بن عبيد بن حساب، عن حماد بن زيد،
عن المعلى بن زياد، عن الحسن، عن الأسود.
قال الطبراني في «الأوسط)): لم يرو هذا الحديث عن المعلى بن زياد؛ إلا حماد بن
زید، تفرد به ابن حساب.
[٨] هشام بن حسان. أخرجه الطبراني في «الكبير)) (٨٣٢/٢٨٥/١) من طريق
عثمان بن حفص التومني، عن سلام، عن سعيد بن أبي عروبة، عن الحسن، عن الأسود.
[٩] عنبسة الغنوي. أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٨٣٥/٢٨٥/١) من طريق

٢٣٦
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
محمد بن سلام، عن عبد الوهاب، عن عنبسة، عن الحسن، عن الأسود.
[١٠] إسحاق بن الربيع. أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) من طريق أبي حمزة
العطار، عن إسحاق، عن الحسن، عن الأسود.
[١١] من سمع الحسن. أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) في كتاب الجامع
(٢٠٠٩٠/١٢٢/١١) عن معمر، عمن سمع الحسن، عن الحسن، عن الأسود.
فهؤلاء أحد عشر رجلاً رووه عن الحسن، لم ينسب للحسن التصريح بالسماع من
الأسود؛ إلا واحد منهم، هو السري بن یحیی، على اختلاف عليه فيه. وأما يونس بن
عبيد، فقد سبق وبینت أن المحفوظ عنه، هو العنعنة، وأن هشیمًا وحده تفرد عن يونس،
وصرح بسماع الحسن من الأسود. فمقتضى القواعد أن تكون رواية هشيم شاذة،
والمحفوظ رواية الجماعة، وهم خمسة كما تقدم، عن يونس عن الحسن بالعنعنة. ولهذا
فالذي تفرد من بين أصحاب الحسن، ونسب للحسن التصريح بالسماع من يونس، إنما
هو السري بن يحيى، وهو وإن كان ثقة ثبتًا، إلا أن مخالفة تسعة من الرواة له، فيهم أثبت
أصحاب الحسن - يونس بن عبيد؛ هذه المخالفة تضره، وتزحزج روايته من الحفظ إلى
الشذوذ؛ أو النكارة.
وبناءً على كل ما سبق، فالصحيح الثابت عن الحسن في هذا الحديث، هو عدم
ثبوت التصريح بالسماع. وإنما رواه بالعنعنة عن الأسود، والله أعلم.
وأما حديث المبارك بن فضالة، عن الحسن، أخبرني الأسود بن سريع ....
فهذا أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٦٨/٣٠٠)، وفي ((التاريخ الأوسط))
(١١٤/١/ زنجويه)، و(١٩٠/١/ الخفاف) عن موسى بن إسماعيل.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٨٥/١ -٨٣٦/٢٨٦) - ومن طريقه: الضياء في
((المختارة)) (١٤٥٢/٢٥٢/٤) - عن البزار، عن محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن عقيل،

٢٣٧
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
عن أبي عاصم.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» (١/ ٨١٩/٢٨٢) عن محمد بن یحیی المروزي، عن
سعید بن سليمان.
وأخرجه ابن قانع في ((معجم الصحابة)) (١٣/١٨/١) عن الحسن ابن سهل بن عبد
العزيز، عن مسلم بن إبراهيم.
أربعتهم عن المبارك بن فضالة، عن الحسن.
وقد ورد التصريح بالسماع فيما رواه البخاري في ((الأدب))، و((الأوسط)). وعند
الباقین بالعنعنة !!
ويظهر - والله أعلم - أن التصريح والعنعنة، كلاهما ثابت عن المبارك بن فضالة،
وذلك لثقة، وتساوي من روی عنه الوجهین، والله أعلم.
ولكن ابن المديني لم يعتبر بهذا التصريح من المبارك؛ لأن المبارك رَفَّع على حَدِّ
ما رواه أبو طالب، عن أحمد بن حنبل: ((كان مبارك بن فضالة يرفع حديثاً كثيرًا، ويقول
في غير حديث، عن الحسن البصري: حدثنا عمران، وحدثنا ابن مغفل. وأصحاب
الحسن لا يقولون ذلك(١)».
وقول أحمد هذا الذي رواه أبو طالب، يمكن الجمع بينه وبين ما رواه عنه
المروذي: سألته عن مبارك بن فضالة؟ قال: ((ما روي عن الحسن يحتج به(٢)). وذلك
بحمل الثاني على ما لم يخالف فيه الأرجح منه من أصحاب الحسن؛ إذ إن ما رواه
المروذي عام في الاحتجاج بما رواه المبارك عن الحسن، ولكن ما رواه أبو طالب
يخصص هذا العموم، فيستثنى من رواية المبارك، عن الحسن، ما خالف فيه المبارك من
(١) ((السير" (٢٨١/٧).
(٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) برواية المروذي (١١١/ رقم ١٨٢).

٢٣٨
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
هو أرجح منه من أصحاب الحسن، فرفع ما وقفوه، أو وصل ما أرسلوه. وما معنا الآن؛
فمن النوع المخصوص، الذي قصده أحمد في رواية أبي طالب عنه، والله تعالى أعلم.
ولهذا قال ابن المديني: ((والحسن عندنا لم يسمع من الأسود، لأن الأسود خرج
من البصرة أيام علي، وكان الحسن بالمدينة)).
وحتى لو صح التصريح، عن الحسن بسماعه من الأسود، سواء من طريق المبارك
أو غيره؛ فعلى افتراض ذلك، فإنه يحمل على ما حمل عليه قوله (خطبنا ابن عباس). والله
أعلم.
وقد وافق ابن المديني، على نفي سماع الحسن من الأسود:
١ - ابن معين. ففي ((تاريخه)) برواية الدوري (٤٠٩٤ -٤٥٩٩) قال: ((لم يسمع من
الأسود بن سريع».
٢- أبو داود. ففي «سؤالات الآجرِّي لأبي داود)» (ص ٢٧٣ - ٢٧٤) قال: سألت أبا
داود: سمع الحسن من الأسود بن سريع؟ قال: لا! قال: الأسود بن سريع، لما وقعت
الفتنة بالبصرة، رکب البحر؛ فلا يدري ما خبره. سمعت أبا داود يقول: ما أرى الحسن
سمع من الأسود بن سريع).
٣- عبد الباقي بن قانع. قال في ((معجم الصحابة)) (٢٦٦/٢/ رقم ٧٨٦): ((ولم
يدرك الحسن أيضًا الأسود بن سريع).
٤- البزار. وذلك فيما نقله الزيلعي في (كتاب الطهارات) من ((نصب الراية))
(٩٠/١)، عن ((البحر الزخار))، وفيه قوله: ((وكذلك قال: حدثنا الأسود بن سريع،
والأسود قدم یوم الجمل؛ فلم یره)).
٥- ابن منده. فيما نقله المزي في ((التهذيب)) (٩٥/٦)، وأقره ابن حجر في
((تهذيبه)) (٢٦٨/٢).

٢٣٩
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
ولم أقف على أحد خالف ابن المديني، ومن معه في نفي سماع الحسن من
الأسود؛ اللهم إلا ما كان من العلامة الشيخ أبي الأشبال أحمد شاكر - رحمه الله تعالى -
فإنه قال في تحقيقه ((لصحيح ابن حبان)) بترتيب ابن بلبان (ص ٢٩٩ - ٣٠٠/ حديث
١٣٢):
(وقد تكلم العلماء في سماع الحسن البصري من الأسود بن سريع، وقلد بعضهم
في ذلك بعضًا، تبعوا كلمة لعلي بن المديني، قال: ((لم يسمع من الأسود بن سريع، لأن
الأسود خرج من البصرة أيام علي)) ... بل رجح الحافظ في ترجمة الأسود ... ((أن
الحسن وأقرانه لم يلحقوه))! وهذا كله استنباط من أخبار لم تثبت. والثبت أن الحسن
سمع منه، وهو الذي رجحه البخاري بإشارته في ((تاريخيه)) عند روايته، إذ قال فيها
السري بن يحيى: ((حدثنا الحسن: حدثنا الأسود)». وما كان الحسن كذابًا في ادعائه
السماع، وحاشاه من ذلك. وقد تابع السري في حكاية سماع الحسن من الأسود ثقة
حافظ، هو يونس بن عبيد في رواية الحاكم وعنه البيهقي. وتبعهما على رواية سماع
الحسن منه ثقة آخر، هو المبارك بن فضالة. فقد روى ابن أبي حاتم في كتاب «المراسيل»
قال: (( .. [وذكر نص كلام ابن المديني، وفي آخره] ولم يعب(١) على مبارك في
ذلك)) .... )) انتھی كلام أبي الأشبال.
قلت: وكلامه - رحمه الله تعالى - لا يخلو من نظر شديد. ولي عليه ملاحظات،
منها:
١- قوله في حق العلماء الذين نفوا سماع الحسن من الأسود (وقلد بعضهم بعضًا،
تبعوا كلمة لابن المديني) هذا تخمين وظن، ليسا في محلهما. ولو وقف أبو الأشبال على
كلام ابن معين، وأبي داود، وابن قانع، والبزار، وابن منده؛ لما قال هذا الكلام. فليس
(١) وهكذا وقعت (يعب) في نسخة ((المراسيل)) المطبوعة بالهند، وهي تصحيف مفسد للمعنى، والصواب كما أثبته
هنا في ((علل) ابن المديني، وكما في مخطوطة ((المراسيل) العتيقة: (يعتمد)، والله أعلم."

٢٤٠
علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ
في كلام أحد منهم ما يفيد أنه اطلع على قول الآخر، وإنما هو اتفاق المَلَكة الصحيحة،
بالنظر من كل منهم في ما يقتضي نفي السماع، حسب الاصطلاح المتعارف عليه بينهم؛
تلك الملكة التي تكاد تجعل هذا العلم إلهامًا - كما وقع لأبي زرعة في قصته الشهيرة في
ذلك -.
٢- قوله: (وما كان الحسن كذابًا في ادعائه السماع، وحاشاه من ذلك) لا طائل
تحته، فإن هذا إنما يقال لو ثبت التصريح بالسماع عن الحسن. ودون ذلك خرط القتاد.
وما تعلق به أبو الأشبال من ورود التصريح عن الحسن بالسماع من الأسود = وذلك في
رواية السري بن يحيى، ويونس بن عبيد، والمبارك بن فضالة، ثلاثتهم عن الحسن.
و كلهم ثقات = فهو تعلق بما لا یفید ولا ينفع في هذا الموطن؛ فإن السري بن یحیی أول
الذين ورد عنهم التصريح بالسماع هذا؛ قد خالفه تسعة من أصحاب الحسن، فيهم أوثق
الناس وأثبتهم عن الحسن، وعنعنوه - كما سبق تفصيله في مطلع هذه التعليقة !. وأما
يونس بن عبيد ثانیھم؛ فلم يثبت هذا التصريح عنه أصلاً، وقد تفرد بذكره هشیم عنه،
وخالف هشيمًا خمسة من ثقات أصحاب يونس كما تقدم تفصيله. وأما ثالثهم المبارك بن
فضالة، فلم يحتمل منه الأئمة ذلك، فردوه، منهم أحمد، وابن المديني، وقد سبق ذلك
کذلك.
وحتى لو سلمنا جدلاً أن الحسن ثبت عنه التصريح، مع ثبوت عدم سماعه عند
الجماهير من أهل العلم؛ فليس في هذا ما يسم الحسن بالكذب، وإنما يتأوله العلماء على
ما سبق في قوله (خطبنا ابن عباس) !! ، وأمثاله، وقد سبق كلام ابن المديني، والبزار في
ذلك مرارًا.
وبهذا يظهر مدى شفوف نظر الأئمة المتقدمين، في أحكامهم على الرواة، وإثبات
ونفي سماعاتهم. وأنه لا يحسن الاعتراض عليهم بمجرد الظن، وعدم الوقوف على ما
وقفوا علیه. والله الموفق، لا رب سواه.