Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ ورحل إلى المدينة المنورة، وسمع من أهلها. ورحل إلى اليمن، وسمع فيها من عبد الرزاق الصنعاني، وهشام ابن يوسف الصنعاني . ورحل إلى الرَّيّ، وسمع بها من جرير بن عبد الحميد مرة أخرى بعد ما سمع منه أيام الحج بمكة. وفي ((تصحيفات المحدثين)) للعسكري (١/ ٤٧)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢/ ٧٧٢) ما يفيد أن ابن المديني دخل مصر؛ فالله أعلم. وبالنظر في خريطة الرحلات التي قام بها إمامنا ابن المديني، يتبين بجلاء سعة هذه الرحلة التي كونت ابن المديني علميًّا، وأمدته بهذا البحر الزَّخَّار من علوم الإِسناد والعلل. تعبت في مرادهـا الأجساد وإذا كانت النفوس عظامًا ولهذا فإن المكانة العلمية الرفيعة التي تسنَّمها ابن المديني بين الجهابذة والنوابغ من أبناء عصره، لم تأت من فراغ ودعة؛ وإنما كان قوامها هذا الجد والاجتهاد المتواصلان. ٢٢ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ أبرز شيوخه: نظرًا لهذه الرحلة الواسعة، فقد بلغ عدد شيوخ ابن المديني عددًا كبيرًا، لكني اقتصر على الترجمة لثلاثة من أکابر شيوخه، وهم: ١ - حماد بن زيد. هو الإمام الحافظ، شيخ العراق، حماد بن زيد بن درهم الأزْدي، مولاهم الجهضمي، أبو إسماعيل البصري الأزرق. قال فيه عبد الرحمن ابن مهدي: ((أئمة الناس في زمانهم أربعة: الثوري، ومالك، والأوزاعي؛ وحماد بن زيد)). وقال أحمد بن حنبل: ((هو من أئمة المسلمين من أهل الدين، وهو أحب إليَّ من حماد بن سلمة)). ويعتبر حماد بن زيد أول شيوخ ابن المديني بعد أبيه، وقد لزمه ابن المديني مدَّة طويلة، حتى جعله الذهبي من المختصين به. وتوفي حماد يوم الجمعة في شهر رمضان سنة (١٧٩ هـ) رحمه الله تعالى رحمة واسعة(١). ٢ - سفيان بن عيينة: هو الإِمام العلامة الحافظ، شيخ الإسلام محدِّث الحرم، سفيان ابن عيينة بن ميمون أبو عمران الهلالي الكوفي ثم المكي. قال فيه الشافعي: ((لولا مالك وسفيان بن عيينة؛ لذهب علم الحجاز)) وقال ابن مهدي: ((كان ابن عيينة من أعلم الناس بحديث أهل الحجاز)). ويعتبر ابن المديني من كبار أصحاب ابن عيينة الملازمين له المكثرين عنه، ولقد بلغ من إعجاب الشيخ بتلميذه أن قال سفيان: ((يلومونني على حب علي بن المديني؛ والله لما أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني)) وكان يسميه(حية الوادي) يريد قوته وتفننه في هذا الشأن. وتوفي ابن عيينة يوم السبت آخر يوم من جمادى الآخرة، سنة (١٩٨ هـ)(٢). (١) (التاريخ الكبير)) (٢٥/٣)، و((تقدمة الجرح والتعديل)) (ص١٧٦)، و(تهذيب التهذيب)) (٩/٣)، و((السير) (٤٥٨/٧)، و((علي بن المديني)) د: إكرام الله (ص١٨٩). (٢) (التاريخ الكبير)) (٩٤/٤)، و(تقدمة الجرح)) (ص٢٣)، و(تهذيب التهذيب)) (١١٧/٤)، و((السير)) (٨/ ٤٥٤)، وغيرها. ٢٣ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ ٣ - يحيى بن سعيد القطان. هو الإمام الحافظ العَلَم، سيد الحفاظ، يحيى بن سعيد بن فرُّوخ، أبو سعيد التميمي، مولاهم البصري الأحول القطّان. قال ابن مهدي: ((اختلفوا يومًا عند شعبة، فقالوا له: اجعل بيننا وبينك حكمًا! قال: قد رضيت بالأحول، يعني يحيى بن سعيد، فما برحنا حتى جاء وقضى على شعبة، فقال شعبة: ومن يطيق نقدك يا أحول؟)). وقال ابن المديني: ((ما رأيت أحدًا أعلم بالرجال من يحيى بن سعيد)). وقد بلغ من اهتمام القطان بتلميذه ابن المديني، قوله: ((إني كلما قلت: لا أحدٌث كذا؛ استثنيت عليًّا))، وكان عليٍّ من الملازمين للقطان، وله معه سؤالات عن العلل والرجال، راحت فيما أكل عليه الدهر وشرب من تراث المسلمين(١)، والله المستعان. وقد توفي القطان يوم الأحد، الثاني من صفر سنة (١٩٨ هـ)(٢). أشهر تلاميذه. ومن نعمة الله وفضله على العلماء؛ أن يقيض لهم من يحفظ علومهم، وينقلها إلى اللاحقين من ورائهم، لتفيد الأمة من هذه الجهود الضخمة التي هي عصارة أعمار أجيال من العباقرة والملهمين، وكما رزق إمامنا ابن المديني بهؤلاء النجوم الذين تخرج بهم، وتتلمذ على أيديهم؛ فإنه كذلك قد وهبه الله تعالى تلامذة، ليسوا بأقل قدرًا من هؤلاء الشيوخ، فمن أشهر تلاميذه: (١) وأما قول الدكتور إكرام الله في معرض تعداده لمؤلفات ابن المديني ص ٢٦٧: ((سؤالات ابن المديني ليحيى بن سعيد القطان)) وتقع هذه السؤالات في جزئين وتوجد نسخة خطية منه في مكتبة أحمد الثالث باستانبول ضمن مجموع رقم (٦٢٤)) كذا قال وهذا ذهول منه ووهم أوقعه فيه عدم تدبره لكلام الأعظمي في نشرته ص (١١٩) والأعظمي إنما يعني ((سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني)) فتنبه! (٢) (التاريخ الكبير)) (٢٨٦/٨)، و((تقدمة الجرح)) (ص٢٣٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٢١٦/١١)، و((السير)) (٩/ ١٧٥)، وغيرها. ٢٤ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ ١ - محمد بن إسماعيل البخاري. وهو الإمام العلامة العلم، الحافظ، شيخ الإسلام، وإمام الحفاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي مولاهم البخاري، صاحب الصحيح. يقول محمد بن سلام أحد شيوخه: «كلما دخل عليَّ هذا الصبيُّ؛ تحيرت وألبس عليَّ أمر الحديث وغيره، ولا أزال خائفًا ما لم يخرج)). وقال شيخه قتيبة بن سعيد: ((جالست الفقهاء والزهاد والعباد؛ فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة)). وقال أحمد بن حنبل: ((ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل)). وقد تخرج البخاري بابن المديني في الجرح والتعديل والعلل، حتى كان يقول: ((ما تصاغرت نفسي عند أحد؛ إلا عند علي بن المديني)). وقال أيضًا: ((أشتهي أن أقدم العراق، وعلي بن المديني حيٌّ؛ فأجالسه)). وقد شحن البخاري ((صحيحه)) بأكثر من مائتي حديث، وكذا ملأ كتبه عامة؛ كالتاريخ الكبير، والصغير وغيرها بالنقل عن ابن المديني. وقد توفي البخاري ليلة السبت ليلة عيد الفطر المبارك عند صلاة العشاء، ودفن يوم عيد الفطر بعد صلاة الظهر سنة (٢٥٦هـ) (١). ٢ - أبو حاتم الرازي. هو الإِمام الحافظ الناقد، محمد بن إدريس بن المنذر بن داود الحنظلي الغطفاني، أبو حاتم الرازي. قال أحمد بن سلمة النيسابوري الحافظ: ((ما رأيت بعد محمد بن يحيى أحفظ للحديث، ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم)). وقال موسى بن إسحاق الأنصاري القاضي: ((ما رأيت أحفظ من أبي حاتم)). وقد تتلمذ أبو حاتم على شيخه ابن المديني، وأخذ عنه هذا الشأن، قال ابن أبي حاتم في ترجمة ابن المديني: ((كتب عنه أبي وأبو زرعة)). وكان أبو حاتم يقول: ((كان ابن المديني عَلمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل)). (١) (تقدمة الجرح)) (ص٢٣٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٢١٦/١١)، و((السير» (١٧٥/٩)، وغيرها. ٢٥ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ وتوفي أبو حاتم في شعبان سنة (٢٧٧هـ)(١). ٣ - أبو داود السجستاني: هو الإمام الجليل، سيد الحفاظ، سليمان بن الأشعث بن إسحاق ابن بشير أبو داود الأزدي السجستاني، صاحب السنن المشهورة. قال أبو بكر الصاغاني فيه: ((ألين لأبي داود الحديث، كما ألين لداود الحديد)). وقال الحافظ موسى بن هارون: ((خلق أبوداود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة، ما رأيت أفضل منه)). وقد توفي في السادس عشر من شوال، سنة (٢٧٥ هـ) بالبصرة(٢). إمامة علي بن المديني ونبوغه في علم العلل : إن هذا الجزء من ((علل)) ابن المديني، الذي أقدمه اليوم- على وجازة ألفاظه، وقلة مادته بالنسبة لما بلغنا من تصانيف ابن المديني في ((العلل))- ليدل أقوى دلالة، بأبين أسلوب على عُلُوِّ كعْب ابن المديني في هذا الشأن، وبلوغه فيه شأوًا لا يدرك، ولِم لا؟ وهو الذي أفنى عمره كله في تحصيل هذا الفن، فهو القائل: ((ربما أدركت علة الحديث بعد أربعين سنة)). يا ألله! حديث يظل منشغلاً به أربعين سنة !! أيُّ صبر هذا الذي تحلی به إمامنا ابن المديني - رحمه الله؟! ولن أسهب هنا في ذلك؛ فإن في ما علقته هنالك على مواطن العلل في كلام ابن المديني، ما يغني عن ذلك الإسهاب، ( ... وما راءٍ كَمَنْ سَمِعَا). وأكتفي هنا بسوق نُبَذٍ، من كلام الأئمة النقاد، والجهابذة الحفاظ، في مبلغ نبوغ ابن المديني في هذا الفنِّ. فقد قال فيه الإِمام أحمد: (أعلمنا بالعلل؛ علي بن المديني))(٣). وقال أبو حاتم الرازي: ((كان علي بن المديني علمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل)»(٤). (تقدمة الجرح)) (ص٣٤٩)، و((تهذيب التهذيب)) (٣١/٩)، و((السير» (٢٤٧/١٣)، وغيرها. (١) (٢) ((الجرح)) (٤/ ١٠١)، و((تهذيب التهذيب)) (١٦٩/٤)، و((السير)) (٢٠٣/١٣)، وغيرها. (٣) ((المجروحين)) لابن حبان (١/ ٥٥/ الوعي). ((تقدمة الجرح)» (٣١٩). (٤) ٢٦ علل الحديث)، ومعرفة الرجال والتاريخ وقال صالح جزرة: (أعلم من أدركت بالحديث وعلله؛ علي بن المديني))(١). وقال النسائي: ((لم يكن في عصر أحمد مثل هؤلاء الأربعة: أحمد، ويحيى، وعلي، وإسحاق؛ وأعلمهم بالحديث وعلله علي ... ))(٢). وقال محمد بن سيار الفرهياني: ((أعلم أهل زمانه بعلل الحديث علي»(٣). وقال ابن حبان: ((كان من أعلم أهل زمانه بعلل حديث رسول الله وَلخير))(٤). وقال الخطيب: ((كان علي بن المديني فيلسوف هذه الصنعة، وطبيبها، ولسان طائفة الحديث وخطيبها، رحمة الله عليه، وأكرم مثواه لديه))(٥). وقال الذهبي: ((كان رأسًا في الحديث وعلله)). وقال أيضًا: ((علي ابن المديني برع في هذا الشأن، وساد الحفاظ في معرفة العلل))(٦). وقال الحافظ في مقدمة ((الفتح)): ((لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم، على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن، في معرفة الصحيح والمعلّل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك ... ))(٧). فلا غرو بعد ذلك أن يكون كتابه في ((العلل)) أعظم الكتب، وأحسنها وأجلها وأفخمها، فقد قال ابن كثير: ((وأحسن كتاب وضع [في] ذلك-يعني العلل- وأجله وأفحله؛ ((كتاب العلل)) لعلي بن المديني شيخ البخاري))(٨). ((تاريخ بغداد)» (٧٠/١٠/ السعادة). (١) (شرح علل الترمذي)» (ص ١٨٤ / السامرائي). (٢) (٣) (تاريخ بغداد)) (١١ / ٤٦٤). (الثقات)) لابن حبان (٤١٩/٨). (٤) «الجامع لأخلاق الراوي» (٢/ ٣٠٢) (٥) (٦) ((السير)) (١٨٣/٧)، (٤٣/١١). «هدي الساري»(ص٣٤٦ -٣٤٧). (٧) (اختصار علوم الحديث)) لابن كثير (ص ٩٠) (٨) ٢٧ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ موقف ابن المديني من محنة خلق القرآن. قبل أن أتعرض لموقف ابن المديني من هذه المحنة، التي كان لها أثر بالغ في صفوف الرواة في ذلك الوقت؛ أعرض بإيجاز لشيء من تاريخ هذه الفتنة، فأقول وبالله التوفيق : إن فتنة القول بخلق القرآن، من أعظم الفتن التي حاقت بالأمة الإسلامية، وكان منشأ هذه الفكرة المشئومة والقالة الشائهة، على يد الجعد بن درهم الذي قتله خالد القسري، سنة (١٢٤ هـ)، ثم رفع لواءها من بعده جهم بن صفوان، الذي قتل هو الآخر سنة (١٢٨ هـ)، وخمدت هذه الفكرة شيئًا ما؛ حتى أيقظها مرة أخرى بشر المِرِّيسِيّ (ت٢١٨ هـ)، وأحمد بن أبي دُؤاد (ت ٢٤٠هـ)، وكان هذا الأخير معظمًا عند المأمون الذي كان ساعتئذٍ أميرًا للمؤمنين، فاستطاع ابن أبي دؤاد أن يقنع المأمون بهذه الفكرة، حتى اعتنقها؛ بل تعصب لها وسعى إلى حمل الناس عليها بالسيف، فكتب إلى ولاته في طول البلاد وعرضها، يأمرهم بامتحان العلماء، وإرغامهم على القول بخلق القرآن. وعذب خلقًا من سادات المسلمين وعلمائهم بسبب الامتناع عن قول ذلك، وهلك المأمون، وكان قد أوصى إلى أخيه وخليفته من بعده المعتصم، بأن يسير سيرته تلك في امتحان الناس بخلق القرآن، وقد وفى المعتصم بوصية سلفه- وبئس ما فعلا - فامتحن العلماء، وصبَّ جام غضبه على من لم يجبه إلى تلك القولة النكراء. وكان ممن أهين وعذب في الله بسبب ذلك على يد ذلك المعتصم؛ إمام أهل السنة والجماعة أبو عبدالله أحمد بن حنبل، ومحنته في ذلك وما وقع له، مذکور مشهور تغص به کتب التراجم، بل أفرد في مصنفات(١). وهلك المعتصم بعد أن وَرَّثَ هذه الدعوة المشئومة إلى خَلَفِهِ مِن بعده الواثق، ولكن الواثق جرت له مناظرة، أفحم فيها، فأمسك عن امتحان الناس، وسقط ابن أبي دُؤاد من نظره، وخمد الأمر شيئًا ما، حتى تولَّى رفع المحنة بكمالها أمير المؤمنين المتوكل - رحمه الله- فرفع عن الأمة الغمة، وحفظ أعراض الأئمة، فجزاه الله (١) من هذه المصنفات: ((ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل)) لحنبل بن إسحاق بن حنبل، نشره الدكتور محمد نغش سنة ١٣٩٧ هـ، ١٩٧٧م. ٠ ٢٨ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ تعالى خيرًا(١). والآن نتوقف عند موقف ابن المديني من هذه المحنة: فالذي يتبين من مجموع الروايات الواردة عن ابن المديني في هذه المحنة، أنه قد أجاب بعد امتحان عسير، وتضييق مضن، وإرهاب مريع؛ أجاب مكرهًا في آخر الأمر؛ استبقاءً لحياته وهو معذور في ذلك؛ بل في أكثر من ذلك؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿إِلََّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَبْنٌّ ◌ِاَلْإِيمَانِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦]. ومن هذه الروايات التي تبين موقفه الحقيقي من هذه الفتنة، بعيدًا عن دهاليز السياسة، ومکر الساسة وسلطتهم، ما يلي: -قال ابن الجنيد: سمعت يحيى بن معين، وذكر عنده علي بن المديني، فحملوا عليه، فقلت ليحيى: يا أبا زكريا، ما عَلِيٍّ عند الناس إلا مرتدٌّ. فقال: ما هو بمرتد! هو على إسلامه؛ رجل خاف، فقال ما عليه (٢) . -قال محمد بن عبد الله النيسابوري: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، يَذْكُر فَضْلَ عَلِيّ بن المديني، وتقدُّمَهُ، وتبخّرهُ في هذا العلم، فقال له بعضُ أصحابنا: قد تكلّم فيه عمروُ بن علي! فقال: والله لو وجدتُ قُوَّةً؛ لخَرجتُ إلى البصرةِ؛ فَبُّلْتُ على قَبْرِ عمروبن علي (٣). -قال محمدُ بنُ عثمانَ بنِ أبي شيبة: سمعت عليًّا - على المنبر- يقول: من زَعَم أن القرآن مخلوقٌ فَهُوَ كافرٌ، ومن زعم أنَّ الله لا يُرَى فهو كافر، ومن زعم أنَّ الله لم يكلم موسی على الحقيقة؛ فهو كافر. -قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت علي بن المديني يقولُ - قبل أن يموت بشهرين -: القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومن قال مخلوق فهو (١) انظر تفاصيل هذه المحنة في: المرجع السابق، و((مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي (٣٨٩، وما بعدها)، و(طبقات الشافعية الكبرى) لابن السبكي (٤٤/٢-٥١)، و((ضحى الإسلام)) لأحمد أمين (١٨٤/٣). (٢) ((سؤالات ابن الجنيد)) (رقم ٤٣٦). (٣) ((تاريخ بغداد)) (٤٣٩/١٣). ٢٩ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ كافرٌ(١). -قال علي بن سلمة: سمعت علي بن الحسين بن الوليد، يقول: حينَ ودَّعتُ عَلِيَّ بنَ عبدِ الله بن جَعفَرٍ قال: بَلِغ أصحابنا عنِّي: أَنَّ القومَ كُفَّارٌ ضُلَّلٌ، ولم أجد بُدَّا مِن مُتَابَعَتِهِم؛ لأنِّي حُبستُ في بيت مُظلمٍ ثمانيةَ أَشْهُرٍ، وفي رِجلي قَيد ثمانية أَمنَاء؛ حتى خفتُ على بصري. فإن قالوا: يأخذ منهم، فقد سُبقتُ إلى ذلك، فقد أَخَذَ مَن هُو خيرٌ مِنِّي (٢). -قال مسدد بن أبي يوسف القُلُوسيُّ: سمعتُ أَبي يَقولُ: قلت لعلي بن المديني: مثلُكَ فِي عِلمِكَ يُجيبُ إلى مَا أجبتَ إليهِ؟ فقال لي: يا أبا يوسف! ما أهون عليك السيف(٣). هذا هو الموقف الحقيقي لعلي بن المديني تجاه هذه المقالة المنكرة (خلق القرآن)، وكل ما روي مما يخالف ذلك؛ ويزج بابن المديني في صفوف المفتونين الزائغين؛ فبهتان اختلقه من لا خلاق له، وروج له أعداء السنة، فمن ذلك البهتان : ١ - ما رواه أبو عبد الله غلام الخليل، عن العباس بن عبد العظيم العنبري، قال: دخلت على عَليٍّ بن المديني يومًا؛ فرأيته واجمًا مغمومًا، فقلتُ ما شأنُكَ؟ قال: رؤيا رأيتها. قالَ: قلت: وما هي؟ قال: رأيت كأني أخطب على منبر داود النبي وَّليّ! قال: قلت: خيرًا رأيت أنَّكَ تخطب على منبر نبي! فقال: لو رأيتُ كأني أخطب على منبر أيوب، كان خيرًا لي؛ لأن أيوبَ بلي في بدنه، وداود فُتِن في دينه، وأخشى أن أُفْتَنَ في ديني؛ فكان منه ما كان. قال الخطيب: يعني أنه أجاب لمَّا امتحن إلى القول بخلق القرآن(٤). والجواب عن هذه الرواية: أن يقال: إن في إسنادها أبا عبد الله غلام الخليل؛ (١) هذا والذي قبله في ((تاريخ بغداد)) (٤٣٩/١٣). (٢) المرجع السابق، ولم أقف على ترجمة لعلي بن الحسين بن الوليد. (٣) المرجع السابق. (٤) المرجع السابق. ٣٠ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ وهو ضعيف بالاتفاق، وقال أبو داود: ((أخشى أن يكون دجَّال بغداد)»، وقال فيه الدارقطني: ((متروك))، وقال مرة أخرى: ((يضع الحديث متروك))، وقال الذهبي: ((غير ثقة))(١). ولا يمكن أن يوثق برواية يتفرد بها مثل هذا الهالك، لا سيما في مثل هذا الموضوع الخطير. ٢ - ومنها: ما رواه الحسين بن فهم: حدثني أبي قال: قال ابن أبي دُؤَاد للمعتصم: يا أمير المؤمنين! هذا يزعم -يعني: أحمد بن حنبل- أن الله تعالى يُرَى في الآخرة، والعَينُ لا تقع إلا على محدود، والله تعالى لا يُحَدُّ، فقال له المعتصم: ما عندك في هذا؟! فقال: يا أمير المؤمنين! عندي ما قاله رسول الله وَّر. قال: وما قال عليه السلام؟ قال: حدثني محمد بن جعفر غُندر: حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البَجَلِيِّ، قال: كنّا مع النبي ◌َّر في ليلة أربع عشرة من الشهر، فنظر إلى البدر، فقال: (أما إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا البدر، لا تضامون في رؤيته). فقال لأحمد بن أبي دُؤَاد: ما عندك في هذا؟ قال: أنظر في إسناد هذا الحديث، وكان هذا في أول يوم، ثم انصرف؛ فوجه ابن أبي دُوَاد إلى علي بن المديني، وهو ببغداد مملق -يعني فقير محتاج- ما يقدر على درهم، فأحضره، فما كلمه بشيء حتى وصله بعشرة آلاف درهم، وقال له: هذه وَصلَكَ بها أمير المؤمنين، وأمر أن يدفع إليه جميع ما استحق من أرزاقه، وکان له رزق سنتين، ثم قال له: يا أبا الحسن! حديث جرير ابن عبد الله في الرؤية، ما هو؟ قال: صحيح. قال: فهل عندك فيه شيء؟ قال: يعفيني القاضي من هذا !! فقال: يا أبا الحسن هذه حاجة الدهر، ثم أمر له بثياب، وطيب، ومركب بسرجه، ولجامه، ولم يزل حتى قال له: في هذا الإِسناد من لا يعمل عليه، ولا على ما يرويه؛ وهو قيس بن أبي حازم؛ إنما كان أعرابيًّا بَوَّالاً على عقبيه. فَقَبَّل ابن أبي دُؤَاد ابن المديني، واعتنقه. فلما كان الغد وحضروا، قال ابن أبي دُوَاد: يا أمير المؤمنين يحتج في الرؤية بحديث جرير، وإنما رواه عنه قيس بن أبي حازم، وهو أعرابي بوال على عقبيه !! قال: فقال أحمد بن حنبل بعد ذلك: فحين أطلع لي هذا، علمت أنه من عمل عليٍّ بن المديني . (١) انظر: ((سؤالات الحاكم للدارقطني) (ص ٩٠)، و((الضعفاء والمتروكون)) للدار قطني (ص١٢٢)، و((الميزان)) (١٤١/١)، و((السير)) (٥٢/١١) كلاهما للذهبي. ٣١ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ فكان هذا وأشباهه من أوكد الأمور في ضربه(١). والجواب عن هذا: هو ما علق به الخطيب البغدادي على هذه الرواية، قال - رحمه الله -: ((أما ما حكي عن على بن المديني في هذا الخبر، من أن قيس بن أبي حازم لا يعمل على ما يرويه؛ لكونه أعرابيًّا بؤَّالاً على عقبيه فهو باطل، وقد نزه الله عليًّا عن قول ذلك؛ لأن أهل الأثر- وفيهم علي- مجمعون على الاحتجاج برواية قيس بن أبي حازم، وتصحيحها؛ إذ كان من كبراء تابعي أهل الكوفة، وليس في التابعين من أدرك العشرة المُقدَّمين وروى عنهم غير قيس، مع روايته عن خلق من الصحابة سوى العشرة، ولم يحك أحد ممن ساق خبر محنة أبي عبدالله؛ أنه نوظر في حديث الرؤية. فإن كان هذا الخبر المحكي عن ابن فهم محفوظًا؛ فأحسب أن ابن أبي دؤاد تكلم في قيس بن أبي حازم بما ذكر في الخبر، ٥٠ .! ذلك إلى علي بن المديني، والله أعلم)). ثم ذكر أن علي ابن المديني ذكر قيس بن أبي حازم، ونقل الخطيب نص كلام ابن المديني في قيس بن أبي حازم من كتابنا هذا ((العلل))، وقد أطال ابن المديني الكلام فيه، ولم يأت فيه بشيء من هذه المفتريات. والله أعلم(٢). وقال التاج ابن السبكي عن هذه الرواية: (( ... فهو أثر لا يصح))(٣). وانظر: بقية هذه الروايات، والإجابة عليها رواية رواية، في ((تاريخ بغداد)) (٤٣٤/١٣، وما بعدها)، وفي ((علي بن المديني)) للدكتور إكرام الله إمداد الحق (ص١٠٥ - ١١٢). ومما يؤيد ما أسلفته من صحة عقيدة ابن المديني؛ وأن ما بدر منه؛ إنما وقع فيه مكرهًا مضطرًا إليه، وقد تاب - رحمه الله - وأناب، واستغفر الله تعالى مما بدر منه، والله يغفر له بمنه ولطفه . أقول: مما يؤيد ذلك؛ تحمل أهل العلم لما جرى منه، وإغضاؤهم الثوب على ما «تاريخ بغداد)» (١٣/ ٤٣٢). (١) (٢) المرجع السابق. (٣) (طبقات الشافعية الكبرى)) لتاج الدين ابن السبكي (١٤٧/٢). ٣٢ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ بدر منه، وسبق قول ابن معين: ((ما هو بمرتد؛ هو على إسلامه؛ رجل خاف فقال ما عليه)) وقال محمد بن عبدالله بن عمار: ((ما أجاب إلى ما أجاب ديانة؛ إلا خوفاً)). وقال التاج ابن السبكي: ((والصحيح عندنا؛ أنه إنما أجاب خشية السيف)). ولذلك كان الطاعن في ابن المديني بسبب ذلك، بعد توبته؛ مبعثرًا لما في القبور، مهدراً ما سلف من توبته، وإغضاء النقاد الجهابیذ عن هفوته. وقد أفلت قلم الحافظ أبي جعفر العقيلي - رحمه الله تعالى - فزج بابن المديني! في «کتاب الضعفاء))، وقال فيه: «جنح إلی ابن أبي دؤاد والجهمية، وحديثه مستقیم، إن شاء الله)(١). فقيض الله تعالی بعدله، الإمام الذهبي وأجری الحكمة على لسانه، فرد عن ابن المديني، وقال كلامًا يكتب بماء الذهب، أسوقه بنصه، لنفاسته وجودته؛ قال - رحمه الله تعالى :- «وقد بدت منه هفوة، ثم تاب منها، وهذا أبو عبد الله البخاري، وناهیك به، قد شحن «صحيحه» بحديث علي بن المديني، وقال: «ما استصغرت نفسي بين يدي أحد؛ إلا بين يدي علي بن المديني))، ولو تركت حديث علي، وصاحبه محمد، وشيخه عبد الرزاق، وعثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن سعد، وعفان، وأبان العطار، وإسرائيل، وأزهر السمان، ويهز بن أسد، وثابت البناني، وجرير بن عبد الحميد؛ لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال، أفما لك عقل یا عُقَيْليّ؟! أتدري فيمن تتكلم؟! وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط، لنذب عنهم، ولنزيف ما قیل فيهم. کأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات؟! بل؛ وأوثق من ثقات كثيرين، لم توردهم في كتابك؛ فهذا مما لا يرتاب فيه محدث ، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت، الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه؛ بل الثقة الحافظ، إذا انفرد بأحادیث؛ كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها؛ اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء، فيعرف ذلك؛ فانظر أول شيء إلى أصحاب رسول الله ﴿ الكبار والصغار، ما فيهم أحد إلا وقد انفرد بسنة، (١) (ضعفاء العقيلي) (٢٣٥/٣/ قلعجي). ٣٣ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ فیقال له: هذا الحدیث لا يتابع علیه؟! و کذلك التابعون كل واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم، وما الغرض هذا؛ فإن هذا مقرر على ما ينبغي في علم الحديث. وإن تفرد الثقة المتقن، يعد صحيحًا غريبًا، وإن تفرد الصدوق ومن دونه، يعد منكرا، وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظًا أو إسنادًا، يصيره متروك الحديث، ثم ما كل أحد فيه بدعة، أو له هفوة، أو ذنوب يقدح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ، ولكن فائدة ذكرنا كثيرًا من الثقات، الذين فيهم أدنى بدعة، أو لهم أوهام يسيرة في سعة علمهم؛ أن يعرف أن غيرهم أرجح منهم وأوثق، إذا عارضهم أو خالفهم، فزن الأشياء بالعدل والورع. وأما علي بن المديني؛ فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي، مع كمال المعرفة بنقد الرجال، وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن؛ بل لعله فرد زمانه في معناه، وقد أدرك حماد بن زيد، وصنف التصانيف، وهو تلميذ يحيى بن سعيد القطان ويقال: لابن المديني نحو مائتي مصنف»(١). وما وقع لابن المديني من العقيلي، وقع له مثله من الحافظ ابن رجب - رحمه الله - فقد وقف الحافظ ابن حجر على حواشٍ كتبها ابن رجب على نسخة من ((القراءة خلف الإِمام، للبخاري، فيها وصفه له بالميل، ونوع هوى، وغلبة التعصب، وأن علي بن المديني ليس بفقيه ولو لزم البخاري أحمد، وتفقه به؛ كان خيرًا له من لزوم علي بن المدیني وتخبیطه، إلى غير ذلك. فكتب الحافظ ابن حجر ما نصه: ((الحواشي التي به بخط الشيخ زين الدين ابن رجب الحنبلي البغدادي، نزيل دمشق، ولقد أظهر فيها من التعصب والتهور ما كان ينبغى له أن يتنزه عنه؛ ولكن من يبلغ به الغضب إلى أن يقول في علي بن المديني : ليس بفقيه؛ يسقط معه الكلام والسلام؛ كأنه ما طرق سمعَهُ قول البخاري: إنه ما رأى أعلم من علي بن المديني، وقد رأى أحمد وتلك الطبقة، وطبقة قبلهم بقليل))(٢). (١) ((ميزان الاعتدال)) (١٤٠/٣). (٢) (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر)) للسخاوي (ص ٣٠٧). ٣٤ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ وفاة ابن المديني : وبعد عمر زاخر بالعلم والتبحر فيه، رحل إمامنا ابن المديني، يوم الإثنين، ليومين بقيا من شهر ذي القعدة، سنة أربع وثلاثين بعد المائتين. وقد بلغ من العمر ثلاثًا وسبعين سنةً. وهذا القول في تحديد وفاته؛ هو قول البخاري، وابن سعد، وعلي بن أحمد بن النضر، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وحنبل بن إسحاق، وأبي القاسم البغوي، والحارث بن محمد (١). وخالفهم يعقوب بن سفيان الفسوي، وعبید بن محمد فقالا : ((سنة خمس وثلاثين ومائتين))(٢). وقال ابن النديم: ((توفي يوم الإثنين لثلاث بقين من ذي القعدة سنة ثمان وخمسين ومائتین)»(٣). وقال أبو يعلى الخليلي: ((توفي علي في سنة ثمان وثلاثين ومائتين)) (٤). وذكر ابن عساكر قولاً خامسًا بصيغة التضعيف، وهو أنه توفي سنة (٢٣٦)(٥). وعلى كلِّ؛ فالقول الراجح هو الأول، وهو قول البخاري والجمهور، وهو الذي يتفق مع ما ذكروا في مبلغ سنه، من أنه ثلاث وسبعون سنة. (١) (التاريخ الكبير)) (٢٨٤/٦)، و«الأوسط)) (٣٦٣/ زنجويه)، و((الطبقات الكبرى)) (٣٠٨/٧)، و ((تاريخ بغداد)) (٧١/١٠، و٤٧٢/١١-٤٧٣/ السعادة). ((المعرفة والتاريخ)) (٢١٠/١)، و((تاريخ بغداد)) (٤٧٣/١١/ السعادة). (٢) (٣) ((الفهرست)) لابن النديم (ص٢٨٦). ((الإِرشاد)) للخليلي (٥٩٩/٢). ((المعجم المشتمل)) لابن عساكر (ص١٩٣). (٥) (٤) ٣٥ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ وقد توفي أبن المديني بالعسكر، بمدينة سُرَّ مَن رَأى (١)، في كتيبة القمقمة. وقال حنبل بن إسحاق: ((ورجع إلى البصرة، فمات ... ))، وتعقبه الخطيب قائلاً: ((بسرَّ من رأَى مات، لا بالبصرة)). فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأدخله فسيح جناته. (١) سر من رأي، مدينة عظيمة بالعراق، وهي المعروفة بسامراء، بناها المعتصم سنة ٢٢١هـ، والعسكر موضع معروف بها، وهو عسكر سامراء. وانظر: ((معجم ما استعجم)) (٧٣٤/٣)، و ((معجم البلدان)) (١٧٣/٣). ٣٦ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ الفصل الثاني التعريف بالكتاب موضوع الدارسة ((علّلُ الحَدِيثِ، وَمَعرِفَةُ الرِّجَالِ، وَالتَّارِيخ)» تحقيق اسم الكتاب: إنه لمن دواعي العجب؛ أن يكون كتاب بهذه الأهمية، ومؤلفه إمامٌ بهذا الحجم والخطورة العملية في فنه، ولا يصلنا منه اليوم إلا نسخة وحيدة، هي في الواقع فرعٌ عن نسخة أخرى أصلٍ لم نرها ولم نسمع بها !! نعم؛ هذا هو شأن هذا الكتاب الفذّ؛ ((علل الحديث، ومعرفة الرجال، والتاريخ)) لابن المديني، والذي هو موضوع دراستي هذه. فقد وصلتنا نسخته الفريدة ضمن مجموع حديثي نادر، جمع فيه ناسخه عددًا لا بأس به من الأجزاء الحديثية النادرة، وكثير منها لا يوجد له في العالم -حتى الآن، حسب معرفتي - نسخة أخرى، ومن هذا الصنف، كتابنا هذا موضوع الدراسة. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى، بعد المبحث القادم، تحت عنوان: (نسخه الخطية). والذي يعنيني هنا؛ هو أن هذه النسخة المذكورة، قد خلت من اسم الكتاب، ولم يتعرض الناسخ لذلك، لا في أولها، ولا في آخرها؛ اللهمَّ إلا ما كتبه في خاتمة الرسالة التي قبلها في المجموع المذكور، وهي ((سؤالات ابن بكير للدار قطني))، حيث قال في خاتمتها: ((يتلوه مقابلها - إن شاء الله تعالى- كتاب ((علل الحديث، ومعرفة الرجال)) تأليف الشيخ الإمام أبي الحسن علي بن عبد الله بن جعفر السَّعدي المديني، رضي الله عنه)). وقد استعمل هذا الكتاب من كتب ابن المديني، جمع من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين، ذكرتهم عند كل نص يستعملونه من هذا الكتاب، أثناء تحقيقي له، والحمد لله، لكن أكثرهم لم يصرح باسم الكتاب، وقليل منهم من صرح به، فمنهم: ٣٧ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ ١ - الإمام الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي (ت: ٦٤٣هـ) في (ثبت مسموعاته)) (ص: ٢١٩)، سَمَّاه: ((كتاب علل الحديث، ومعرفة الرجال، والتاريخ)». ٢ - الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن عمر، ابن رُشَيْدِ السَّبْتِيّ الفِهْري (ت: ٧٢١هـ) في كتابه ((السَّن الأَبْيَن)) (ص: ١٦٩) وقد سماه: ((كتاب التاريخ والعلل))، وسماه في (ص ١٥٠): ((التاريخ)). ٣ - الإِمام الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥هـ) في ((شرح علل الترمذي)) (٦٤٦/٢/ عتر) سماه ((العلل)). ٤ - الإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢هـ) في ((تهذيب التهذيب)) (٣٣٩/٨/ الفكر) وقد سماه ((التاريخ والعلل))، وسماه في ((النكت على ابن الصلاح)) (٥٩٦/٢): ((كتاب العلل)). والذي أرجح أنه الصواب في تسمية هذا الكتاب؛ هو ما سماه به الضياء المقدسي، وهو: ((علل الحديث، ومعرفة الرجال، والتاريخ)»، وذلك لسببين: أولهما: أنه أكمل الأسماء التي وصلتنا، ثم إنه ذكره في معرض التعريف بالكتاب وبسماعه إياه من شيوخه، عن ابن المديني. بخلاف الباقين ممن سماه باسم مختصر من هذا؛ فإنهم ذكروه في معرض العزو، لا التعريف، وهذا العزو يكتفى فيه بما يميز الكتاب المعزو إليه، وهو - أي العزو - مَظِنَّةُ الاختصار . . وثانيهما: أن هذا الاسم، هو أكثر هذه الأسماء دلالة على مضمون الكتاب ومحتواه، فإن الكتاب في واقع الأمر، يشتمل على ثلاثة موضوعات رئيسة هي: علل الأحاديث، ومعرفة الرجال وأحوالهم، والتواريخ، وسوف يأتي تفصيل هذا مدعومًا بأمثلة من الكتاب بعد قليل إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٨ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ صحة نسبته إلى ابن المديني: ولا يخالجني أدنى شكِّ، في نسبة هذا الكتاب إلى ابن المديني، لأمور عديدة، أكتفي منها بما يلي: ١ - صحة الأسانيد إليه به، وسيأتى تفصيل ذلك بعد قليل، تحت عنوان (أسانيده). ٢ - أن كل نصٌّ من نصوصه، إلا النادر؛ قد وقفت - بحمدالله وفضله- على من نقله، أو نقل بعضه عن ابن المديني، وذكرت ذلك أثناء تحقيقي وتخريجي لهذه النصوص نصًّانصًا. ٣٩ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ أسانيد الكتاب وترجمة رواته هذا ومما يزيد الكتاب ثبوتًا، ويؤكد نسبته إلى مؤلفه ابن المديني، صحة الإسناد بهذا الكتاب إلى ابن المديني، وأنا ذاكر الآن جميع ما وقفت عليه من أسانيده التي وصلنا بها، ورواه بها الأئمة الأثبات في مصنفاتهم: أولاً : إسناد النسخة الخطية التي وصلتنا ((قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيخَانِ: الإِمَامُ الحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ، أَحمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحمَدَ السُّلَفِيُّ الأَصْبَهَانِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبدُ اللهِ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ ابنِ يَحيَى (١)، فِي كِتابَيهِمَا إِليَّ، قَالاَ: أَنَا أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ المُشَرَّفِ بنِ مُسلِمِ الأَنْمَاطِيُّ، مِن أَصلِ سَمَاعِهِ . قَالَ الحَافظُ أَبُو طاهرٍ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بِنُ الحُسَينِ بنِ عُمَرَ الفَرَّاءُ المَوصِلِيُّ، بِمِصرَ. قَالاً(٢): أَنَا أَبُو إِسِحَاقَ إِبِرَاهِيمُ بنُ سَعِيدِ ابنِ عَبدِ اللهِ الحَاَفِظُ، بِمِصرَ : أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبدُ الزَّحمَن بنُ عُمَرَ بنِ مُحَمَّدِ ابنِ سَعيدٍ، المَعْرُوفُ بِابنِ النَّخَاسِ المُعَدِّلُ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ مِصرَ، فِي المُحَرَّمِ، سَنَةَ سَبعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ: أَخبرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ دَعلَجُ بنُّ أَحمَدَ بن عَبدِ الرَّحمَن السّجزِيُّ - قَدِمَ عَلِينَا سَنَةَ سَّبْعٍ وَثَلاَثِينَ وَثَلاَئِمِائَة -: أَنَا أَبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ البَرَاءِ فِي رَبِيعِ الأَوَّلِ، سَنَّةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَينٍ: حَدَّثَنَا أَبُو الحَسَنِ عَلِيٍّ بنُ عَبدِ اللهِبنِ جَعَفَرِ بنِ نَجِيحِ السَّعْدِيُّ المَدِينِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيهِ، قَالَ : ... فَذَكَرَهُ)). وكما سيأتي؛ فإن هناك انقطاعًا بين ناسخ هذه النسخة، وبين راوييها الأولين، أبي طاهر السلفي وأبي محمد العثماني، ولكن هذا الانقطاع غير مؤثر هنا؛ إذ إن جميع النصوص الواردة في هذا الكتاب، قد ثبت نسبتها إلى ابن المديني، إما من هذا الطريق، أو من طرق أخرى، كما ستراه واضحًا في قسم التحقيق، إن شاء الله تعالى. (١) هو العثماني الديباجي، كما يأتى في ترجمته بعد قليل. (٢) يعني: ابن المشرف الأنماطي، وابن الفراء الموصلى. ٤٠ علل الحديث، ومعرفة الرجال والتاريخ وأيضًا؛ فقد وقفت على من وصل هذا الانقطاع(١)، وهذا ما سأذكره في (ثانيًا). ثانيا : إسنادهذا الكتاب، في الكتب التي نقلت عنه بالإسناد وقد نقل كثير من الأئمة في مصنفاتهم، نصوصًا كثيرة من هذا الكتاب، و کثیر منها مسند، فمنهم : ١ - الإمام الحافظ أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفَسَوي (ت: ٢٧٧ هـ) في ((المعرفة والتاريخ)) (٣٥٣/١)، عن محمد بن عبدالرحيم، عن ابن المديني. ٢ - الإمام الحافظ، أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت: ٣٢٧هـ)، وذلك في كتابه ((الجرح والتعديل))، في مواطن كثيرة جدًّا منها (١٧/١)، وفي (المراسيل))، في مواطن كثيرة أيضًا، منها (ص٧٢). وهو يروي هذا الكتاب عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن البراء، عن ابن المديني. ٣ - الإمام الحافظ، أبو عبد الله محمد بن إسحاق ابن مَنْدَه (ت: ٣٩٥هـ) في كتابه (شروط الأئمة)) (ص٤٠، وص ٨٥) عن محمد ابن الحسين أبي طاهر، عن أبي قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي. وعن سلم بن الفضل، ومسلم بن عقيل، كلاهما عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة. كلاهما (أبو قلابة، وابن أبي شيبة)، عن ابن المديني. وقد أسند ابن منده في كتابه المذكور، بهذه الأسانيد، ما يقارب ثلاث ورقات متواليات، من مخطوط كتابنا. ٤ - الإِمام الحافظ، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت: ٤٥٨هـ) في كتابه ((المدخل إلى السنن الكبري)) في مواطن، منها (١٤٩/١)، وفي ((معرفة السنن والآثار)) في مواضع، منها (٣٩٥/٤) عن أبي عبد الله الحاكم الحافظ عن أبي محمد الحسن بن (١) ويلاحظ أن هذا الانقطاع متأخر، وما ذكرته من أسانيد في (ثانيًا) متقدم إلى رقم (٧)، فهو قبل حدوث الانقطاع، والله تعالى أعلم.