Indexed OCR Text

Pages 641-660

643
الطّبقة الثَّامنة
وقد حدَّث بأصبهان وخراسان وبغداد وغيرها من البلاد.
وسمع من جماعة من كبار الحفّاظ، كأبي العلاء الهمذاني، وأبي سعد
السَّمعاني، وروى عنه ابنه القاسم، وبنو أخيه: فخر الدِّين أبو منصور، وزين
الأمناء، وتاج الأمناء، وعبد الرَّحيم، وعزَّ الدِّين النسَّابة محمَّد بن تاج الأمناء،
والحافظ أبو المواهب ابن صَصْرى، وأخوه أبو القاسم ابن صَصْرى، والحافظ عبد
القادر الرُّهاوي، والقاضي أبو القاسم ابن الحرستاني، والقاضي أبو نصر ابن
الشِّيرازي، ومحمَّد ابن أبي الشَّيخ أبي البيان، والبهاء علي بن الحربي، وخلقٌ
کثیرٌ، وجمّ غفيرٌ.
قال الحافظ أبو سعد السَّمعاني في تاريخه: هو كثير العلم، غزير الفضل
حافظ ثقة متقن ديِّن حسن السَّمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد صحيح
القراءة متثبّت حجَّ ورحل وتعبَّد وبالغ في الطَّلب إلى أن جمع ما لم يجمعه غيره،
وأزبى على أقرانه وصنَّف التّصانيف وخرَّج التَّخاريج وشرع في تاريخ دمشق.
وقال ابنه الحافظ أبو محمَّد القاسم: كان أبي رحمه اللَّه مواظبًا على الجماعة
وتلاوة القرآن، يختم في كلِّ جمعة، ويختم في رمضان كلَّ يوم، ويعتكف في
المنارة الشَّرقيّة، ويُحيي ليلة النّصف والعيدين بالصَّلاة والذِّكر، وكان كثير النَّوافل
والأذكار، يحاسب نفسه على لحظةٍ تذهب في غير طاعةٍ. وقال لي: لمَّا حملت
بي أمّي رأت في منامها قائلاً يقول لها: تلدينَ غُلامًا يكون له شأنٌ. قال: وحدَّثني
أنَّ أباه رأى رُؤيا معناها يولد لك ولد يُحيي الله به السنَّة. قلت: تصديق هذه
الرُّؤيا ما جلب إلى الشَّام من كتب الإسلام المشهورة، كمسند الإمام أحمد،
ومسند أبي يعلى الموصلي، وغير ذلك من المسانيد الكبار والصِّغار.
قال: وحدَّثني أبي قال: كنت يومًا أقرأ على أبي الفتح المختار بن عبد
الحميد وهو يتحدَّث مع الجماعة، فقال: قدم علينا أبو علي ابن الوزير، فقلنا: ما
رأينا مثله، ثمَّ قدم علينا أبو سعد السَّمعاني فقلنا: ما رأينا مثله حتَّى قدم علينا هذا
فلم نرَ مثله.
وقال الحافظ الرَّئيس أبو المواهب ابن صَصْرَى: أمَّا أنا فكنت أذاكره في
خلواته عن الحفّاظ الذين لقيهم، فقال: أمَّا ببغداد فأبو عامر العبدري(36)، وأمَّا
(36) في - ب - البغدادي.

644
طبقات الشافعية
بأصبهان فأبو نصر اليُونَارِتي، لكن إسماعيل الحافظ كان أشهر منه، فقلت له:
فَعَلَى هذا ما رأى سيِّدنا مثله، فقال: لا تقل هذا، قال اللّه تعالى: ﴿فَلَا تُرَّكُواْ
أَنْفُسَكُمْ﴾(37). قلت: وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾(38). قال:
نعم، لو قال قائل: إنَّ عيني لم تَرَ مثْلِي لصدق.
قال أبو المواهب: وأنا أقول: لم أرَ مثله ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه
من لزوم طريقةٍ واحدةٍ مدَّة أربعين سنة من لزوم الصَّلوات في الصفِّ الأوَّل إلاَّ من
عذرٍ، والاعتكاف في رمضان وعشر ذي الحجَّة، وعدم التطلع إلى تحصيل
الأملاك وبناء الدُّور، قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من
الإمامة والخطابة، وأباها بعد ما عرضت عليه، وقلَّة التفاته إلى الأمراء، وأخذ
نفسه بالمعروف والنّهي عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم.
ثمَّ قال لي: لمَّا عزمت على التَّحديث واللَّه المطلِّع أنَّه ما حملني على ذلك
حبَّ الرِّئَاسة والتَّقدُّم، بل قلت: متى أروي ما جمعت، وأيُّ فائدة في كوني أخلّفه
بعدي صحائف فاستخرت الله واستأذنت أعيان شيوخي ورؤساء البلد وطفت عليهم
فكلٌّ قال: ومن أحقُّ بهذا منك، فشرعت في ذلك في سنة ثلاثٍ وثلاثين.
وذكره ابن النجّار في تاريخه فقال: إمام المحدِّثين في وقته، ومن انتهت إليه
الرِّئاسة في الحفظ والإتقان والمعرفة التامَّة والثّقة، وبه خُتِمَ هذا الشأن.
روى عنه جماعة في حياته سماعًا وإجازةً، قال: وقرأت بخطّ الحافظ معمِّر
ابن الفاخر في معجمه: أخبرني أبو القاسم علي بن الحسين الدِّمشقي الحافظ من
لفظه بمنّى إملاءً يوم النّفر الأوَّل وكان أحفظَ من رأيت من طلبة الحديث والشأن.
وكان شيخنا الإمام إسماعيل بن محمَّد يفضِّله على جميع من لقيناهم من
أهل أصبهان وغيرها.
وقال الحافظ أبو عبد الله الذَّهبي(39): سمعت أبا الحسين اليُونيني يقول:
سمعت أبا محمَّد المنذري الحافظ يقول: سألت شيخنا علي بن المفضَّل الحافظ
(37)
الآية 32 من سورة النَّجم.
(38)
الآية 3 من سورة الضُّحى.
تذكرة الحفّاظ 4/ 1333.
(39)

645
الطّبقة الثَّامنة
عن أربعةٍ تعاصَرُوا أيُّهم أحفظ؟ فقال: من؟، قلت: الحافظ ابن ناصر، وابن
عساكر، فقال: ابن عساكر، فقلت: الحافظ أبو موسى المديني وابن عساكر،
فقال: ابن عساكر، فقلت: الحافظ أبو طاهر السِّلفي وابن عساكر، فقال: السّلفي
شيخنا السِّلفي شيخنا.
قال الذَّهبي: معناه أنَّه وقَّر شيخه أن يصرِّح بأنَّ ابن عساكر أحفظ منه، وإلاَّ
فهو أحفظ منه، وما رأى ابن عساكر مثل نفسه، أنا جازم بذلك.
قال: وكذلك رأيت شيخنا الحافظ أبا الحجّاج المزِّي يميل إلى ذلك، قال:
وقرأت بخطّ أبي عمر ابن الحاجب قال: حكى من أثق به أنَّ الحافظ عبد الغني
قال: الحافظ ابن عساكر برجال الشَّام أعرف من البخاري بهم، وندم على ترك
السَّماع منه ندامَةٌ كلِّيَّة، رحِمهما اللَّه تعالى وأكرم مثواهما.
وقال الحافظ أبو محمَّد عبد القادر الرُهاوي: رأيت الحافظ السِّلفي والحافظ
أبا العلاء الهمذاني والحافظ أبا موسى المديني ما رأيت فيهم مثل ابن عساكر.
قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللَّه الذّهبي: ومع جلالته وحفظه يروي الأحاديث
الواهية والموضوعة ولا يتثبَّتها، وكذا كان عامَّة الحفّاظ الذين بعد القُرون الثَّلاثة
إلاَّ من شاء ربُّك، ... لهم اللَّه على ذلك، وأيُّ فائدة لمعرفة الرِّجال ولمصنَّفات
التّاريخ والجرح والتَّعديل إلاَّ كشف الحديث المكذوب وهتكه وتبيين أمره لئلاً
يروج على من لا يعلم.
قلت: لقد صدق أثابه الله في هذا وبرَّ ورشد، وأنزل من هذا بدرجات من
يحتجُّ بذلك مع علمه أو تجاهله، فيدخل فاعل ذلك في قول القائل:
وإن كنت تدري فالمُصيبة أعظمُ
فَإِن كُنتَ لا تَدرِي فَتلكَ مصیبةٌ
قال: وله شعرٌ جيّد يُملي منه عقيب مجالسه، فمنه:
فَمَاذا التَّصابِي وَمَاذَا الغَزل
أَيَا نَفْسُ وَنِحَكِ جَاءَ المُشِیبُ
وَجَاءَ مَشِيبِي كَأَنْ لَمْ يَزَّلْ
تولَّى شبابي كَأَنْ لم يَكنْ
وَمَا قدَّر اللَّهُ لِي فِي الأَزَل
فَيَا لَيْتَ شِعْرِيَ مِمَّنِ أَكون
قال ابنه الحافظ أبو القاسم: توفّي أبي رحمه الله في حادي عشر رجب سنة

646
طبقات الشافعية
إحدى وسبعين وخمسمائة، وحضر الصَّلاة عليه السُّلطان صلاح الدِّين، وصلَّت
عليه في الجامع والشَّيخ قطب الدِّين النّيسابوري في الميدان الذي مقابل المصلَّى،
ودفن بمقبرة باب الصَّغير.
ورأى له جماعة منامات حسنة، ورثي بقصائد رحمه الله وأكرمه، ومن
مصنَّفاته المشهورة(40): التّاريخ الكبير ثمان مئة جزء في ثمانين مجلّد، الموافقات
اثنان وسبعون جزءاً، الأطراف، السُّنن الأربعة ثمانيّة وأربعون. عوالي مالك واحد
وثلاثون، التّالي لحديث مالك العالي، غرائب مالك سبع مجلّدات، عوالي الثّوري
مجلَّدان، معجم شيوخه اثنا عشر، مناقب الشبَّان، فضل أصحاب الحديث مائة
وأحد عشر، السباعيَّات سبعة، تبيين كذب المفتري على الشيخ أبي الحسن
الأشعري مجلّد، ذكر ترجمة حسنة للأشعري وطبقات أصحابه إلى زمانه، وذكر
اعتقاده من كتابه الإبانة، وغيرها من الكتب التي صار إليها الأشعري بعد رجوعه
عن الاعتزال ونُزوعه إلى طريقة أهل السنَّة والاعتدال، وردّ فيه على من رماه
بالعظائم، وبيَّن مناقبه ومآثره على الفضائل والعزائم، وبالجملة فهو كتاب نافع
يحتاج إلى الوقوف عليه كلُّ فاضلٍ بارع، كتاب الزَّهادة في ترك الشّهادة مجلّد،
فضل الحمد مجلَّد، فضل عاشوراء ثلاثة أجزاء، الأربعون الطّوال، الأربعون
الجهاديَّة، الأربعون البلدانية، كتاب الزلازل ثلاثة أجزاء، وأجزاء كثيرة متفرّقة في
فضائل البلدان، ومن أحايث أهلها، وله أربعمائة مجلس، وثمان مجالس في فنون
شتَّى، وفوائد كثيرة، وخرَّج لشيخه جمال الإسلام مشيخة، ولجماعة من مشائخه
وأصحابه تخاريجَ كثيرةً، وخرَّج في آخر عمره لنفسه كتاب الأبدال ولم يتمَّه، ولو
تمَّ لجاء في نحو مئة جزء.
وقد تولَّى مشيخة دار الحديث الثّوريَّة(41)، وأملى على كرسيٍّ الحديث الذي
بها، وله فيه مجلس مفيدٌ، وقصيدة في أنبوبته وصندله إذا كان ممَّا يمليه عليه
(40)
هديّة 701/1.
(41)
منادمة 58، دار الحديث النُّوريَّة، هي بسوق العصرونيَّة، تقلّبت بها الأيَّام والدُّهور
فصارت دار سكنى، اختلف في بانيها وواقفها، فقيل: نور الدِّين محمود ابن أبي بن آق
سنقر التُّركي، وهو أوَّل من بنى دارًا للحديث سنة 569 هـ، وقيل: أوقفتها عصمت التي
قيل إنَّها كانت زوج السُّلطان صلاح الدِّين، وهو خلاف المعروف.

647
الطَّقة الثَّامنة
خالص العنبر ونفيسه ومندله، فكان أوَّل من وضعت له دار الحديث، وأفضل من
جلس في زمانه للإملاء والتَّحديث، فرحمه اللَّه وأكرم مثواه.
689) علي (42) ابن أبي المكارم ابن فِتْيان، أبو القاسم الدِّمشقي،
الشَّافعي.
أحد الأعيان بمصر.
قال الشّيخ محيي الدِّين ممَّا ألحقه من التّراجم على طبقات ابن الصَّلاح(43):
تفقَّه على الإمام أبي المحاسن يوسف بن عبد الله الدِّمشقي مدرّس النّظاميَّة، وأعاد
عنده، وله معرفة بفنون. وتوفّ سنة تسع وسبعين وخمسمائة.
690) محمَّد(44) بن أسعد بن محمَّد بن الحسين ابن القاسم، الإمام مجد
الدِّين، أبو منصور الظُّوسي العَظَّاري، المعروف بحَفَدَهْ.
أحد أئمّة الشَّافعيّة فقهًا وأصولاً ووعظًا.
تفقَّه أوَّلاً بمرو على أبي بكر محمَّد بن منصور السَّمعاني، ثمَّ انتقل إلى مرو
الرُّوذ فلازم محيي السنَّة [أبا محمَّد ابن الحسين ابن مسعود البغوي، وتفقَّه أيضًا
بالغزَّالي، وسمع منه معالم التّنزيل، وشرح السنَّة](45)، وغيرهما.
ثمَّ رحل إلى بخارى واشتغل بها على بعض مشائخ الحنفيَّة، وعاد إلى
أذربيجان، واجتمع النَّاس عليه لوعظه وحسن كلامه وفصاحته، وسمع أيضًا من
عبد الغفَّار الشّيروبي، وأبي الفتيان الرُّؤاسي الحافظ، وناصر بن أحمد العياضي.
وعنه أبو المواهب ابن صَصْرى، وأبو أحمد ابن سُكَيْنة، وعبد العزيز بن
الأخضر، وآخرون.
وقال السَّمعاني: كتبت عنه بمرو ونيسابور، وكان فقيهًا واعظًا مناظرًا جلدًا
فصیحًا .
ابن الصَّلاح 239/7، وحسن المحاضرة 406/1.
(42)
(43)
ابن الصَّلاح 648/2.
السُّبكي 92/6، والإسنوي 441/1، والبداية 299/12، وسير 539/02.
(44)
ما بين القوسين ساقط من - ب -.
(45)

648
طبقات الشافعية
مولده سنة ستِّ وثمانين وأربعمائة.
قال ابن خلكان(46): وتوفّي بتبريز في ربيع الآخر سنة إحدى، وقيل: ثلاث
وسبعين وخمسمائة، والله أعلم. قال الذَّهبي(47): الثَّاني أصحُ. قال شيخنا الحافظ
الذّهبي فيما قرأت عليه: أخبرنا أحمد بن إسحاق، أخبرنا يوسف بن رافع الأسدي
قدم علينا مصر، أخبرنا محمَّد بن أسعد، أخبرنا محيي السنّة الحسين بن مسعود،
أخبرنا أحمد بن عبد اللَّه الصَّالحي، حدَّثنا أبو الحسين ابن بشران، حدَّثنا إسماعيل
الصفَّار، حدَّثنا أحمد بن منصور، حدَّثنا عبد الرزّاق، أخبرنا معمِّر، عن عاصم
ابن أبي النُّجود، عن أبي وائل، عن معاذ أنَّ رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم
قال (48): ((وهل يكبّ النَّاس في النَّار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم إلاّ
حصائد ألسنتهم» .
691) محمَّد(49) بن عبد الله بن القاسم بن المظفَّر بن علي، قاضي
القضاة، كمال الدِّين أبو الفضل ابن أبي محمَّد ابن الشَّهرَزُوي، ثمَّ الموصلي
الشَّافعي.
ولد سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وتفقّه ببغداد على أسعد الميهني، وسمع
الحديث من جدِّه لأمّه علي بن أحمد بن طَوْق، وأبي البركات ابن خميس،
وغيرهم، ونور الهدى أبي طالب الزَّينبي، وتولَّى قضاء بلده الموصل، وكان يتردّدُ
في الرسليَّة إلى بغداد وخراسان من الأتابك زنكي، ثمَّ قدم الشَّام وافدًا على الملك
نور الدِّين، فأكرمه ونفذه رسولاً من حلب إلى الدِّيوان العزيز ببغداد. ثمَّ ولي
قضاء دمشق في سنة خمسٍ وخمسين وخمسمائة، ونظر الأوقاف والأموال
السُّلطانيَّة وغير ذلك، وتقدَّمَ عنده وهو حقيقٌ بذلك، فأحسن السِّيرة في الظَّاهر
والسَّريرة وبنى المساجد وعمَّر الجامع وجدَّد معالم (وفتح مشاهد)(50) واستحدث
(46)
وفيات 238/4.
(47)
تذكرة الحفّاظ 4/ 1333 .
(48)
رواه الترمذي في كتاب الإيمان، وابن ماجة في كتاب الفتن.
السُبكي 117/6، والإسنوي 99/2، والوافي 331/3، والبداية 296/12 والعبر 4/ 215.
(49)
ما بين القوسين ساقط من - ب -.
(50)

649
الطّبقة الثَّامنة
الشبّاك الكمالي الذي يصلّ فيه نوَّاب السَّلطنة اليوم، ويجلس فيه الحاكم الشَّافعي
بعد (الصَّلاة)(51) للنّظر في المظالم، وصرف الصَّدقات جريًا على عادة هذا
المكان .
وقد بنى القاضي كمال الدِّين أثابه الله مدرسةً بالموصل، ومدرسةً بنصيبين،
ورباطًا بالمدينة النَّبويَّة، ووقف الهانية (52) على الحنابلة، وله غير ذلك من
المعروف والبرِّ والقُرب.
قال أبو محمَّد القاسم ابن عساكر: ولي قضاء دمشق سنة خمس وخمسين،
وكان يتكلَّم في الأصول كلامًا حسنًا، وكان أديبًا شاعرًا ظريفًا فَكِهَ المجلسِ، وقف
وقوفًا كثيرة، وكان خبيرًا بالسِّياسة وتدبير الملك.
وقال القاضي ابن خلِّكان(53): وليَ قضاء دمشق، وترقَّى إلى درجة الوزارة،
وحكم في البلاد الشَّاميَّة، واستناب ولده محيي الدِّين في (الحكم)(54) بحلب،
وتمكَّن في الأيّام النّوريَّة تمكُّنًا بالغًا، فلمَّا تملَّك السُّلطان صلاح الدِّين أقرَّه على
ما كان عليه.
وله أوقاف كثيرة بالموصل ونصيبين ودمشق، وعظمت رئاسته، ونال ما لم
ينله أحدٌ من التقدُّم.
وذكر سبط ابن الجوزي(55): إنَّ السُّلطان صلاح الدِّين لمَّا دخل دمشق سنة
سبعين تلقَّاه العامَّة، ونثروا عليه الذَّهب والدَّراهم، ففرح بذلك، ونزل في دار
العقيقي، وتأخّر عنه فتح القلعة أيَّامًا، فمشى بنفسه إلى دار القاضي كمال الدِّين،
فانزعج له القاضي وخَرَجَ لتلقِّيه بالرَّحب والإجلال، وقال: يا سيِّدنا طبْ نفسًا وقرَّ
عينًا فالأمر أمرك والبلد بلدك وكان هذا ممَّا دفع منزلة القاضي عند النَّاس وحبَّب
الملك بتواضعه إليهم أيضًا.
(51)
في - ب - الخلوة.
(52)
كذا بالأصل، وفي السُّبكي: المرجع السَّابق ص 119: وهو الذي وقف الحصّة من قرية
الهانية على المقادسة.
(53)
وفيات 242/4.
(54)
في الحكم ساقطة من - ب -.
مرآة الزَّمان 340/8 .
(55)

650
طبقات الشافعية
وقد ذكره أبو الفرج في منتظمه (56)، وأثنى عليه وقال: كان رئيس أهل بيته،
ولأَّه نور الدِّين القضاء ثمَّ استوزره وورد رسولاً إلى بغداد، فذكر أنَّه كتب قصَّةً
إلى المقتفي، وكتب في أعلاها: محمَّد بن عبد اللَّه الرَّسول، فكتب المقتفي:
صلَّى الله عليه وسلَّم.
قلت: وقد روى عنه أبو المواهب ابن صَضْری وأخوه القاسم ابن صَضْری،
والشَّيخ موفَّق الدِّين ابن قدامة، والبهاء عبد الرَّحمان، وأبو محمَّد بن الأخضر
وآخرون.
وكانت وفاته في يوم الخميس سادس المحرَّم سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة،
ودفن بقاسيون، وقد رثاه ولده القاضي محيي الدِّين قاضي حلب بقصيدته التي
أوَّلها :
عَلى جدثٍ بَادِي السنَا وتَرَخَّمُوا
أَلِمُوا بسَفْحي قاسيون وسلْمُوا
يُكَلِّفُكُمْ إِهْدَاءَهَا القَلْبُ وَالفَمُ
وَأَدُّوا إليْهِ عَنْ كِثيبٍ تَحِيَّةً
وممَّا يؤثر من شعر القاضي كمال الدِّين رحمه اللَّه تعالى:
بِجِسْمِيَ مِنْ دَاءِ الصَّبَابَةِ الْوَانُ
وجَاءوا عشَاءَ يهْرَعُون وقد بَدَا
أَصَابَتْكَ عَيْنٌ قلت: أَن وَأَجْفَانُ
فَقَالُوا: وَكُلٌّ مُعْظِمٌ بَعْضَ مَا رَأی:
قوله: أن لغة في نعم أو بمعناها كما روي عن عبد الله بن الزُّبير أنَّ رجلاً
قال له: لعن اللَّه ناقةً حملتني إليك، فقال له: أنْ وصاحبها.
692) محمَّد(57) بن عبد العزيز، الفقيه، أبو عبد اللَّه الإربلي.
الشَّافعي، معيد النّظاميَّة. كان بارعًا في المذهب.
قال ابن النجَّار: بلغني أنَّه أتى الشَّام فمات بها في حدود سنة ثمانين
و خمسمائة .
(56)
المنتظم 268/10.
السُّبكي 126/6، والإسنوي 122/1.
(57)

651
الطَّبقة الثَّامنة
ومن شعره(58):
بِمَكْرُوهِهَا مِنْ أهْلِهَا وصِحَابِهَا
رُوَيْدَكَ بِالدُّنيَا الدَّنيَّة كَم دَنَتْ
أَفَاقِ بِهَا من سكرِهِ وصَحَا بِهَا
لَقدِ نَاقَ فِي الآفاق كلُّ مُوفَّقٍ
أخَلَّفها من بعده أم سرى بِهَا؟
فَسَلْ جَامِعَ الأَموال فيهَا بِحِرْصِهِ
ومَا الآلُ إلاَّ لمعةٌ من سرَابِهَا
هيَ الآلُ فَاحذرها وذرْهَا لأهْلِهَا
وَلَوْ نَابَها خطبٌ إذا ما وَنَى بِهَا
وَكُمْ أَسَدٍ سَادَ البِرَايَا بِبرِّهِ
بِمِخْلبهَا قد مَزَّقَتْهُ ونَابِهَا
فَأَصبح فيهَا عِبْرةَ لأُولي النُّهَى
693) محمَّد (59) بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن، أبو الفضل
القَزْويني الرَّافعي.
والد الشَّارح المشهور.
تفقَّه ببلده على ملكداد بن علي أبي عمرو بن العمركي، وأبي علي ابن
الشَّافعي، وأبي سليمان الزُّبيري، وسمع منهم الحديث.
ثمَّ قدم بغداد فتفقَّه على أبي منصور سعيد بن الرزَّاز بالنِّظاميَّة، وسمع منه،
ومن سعد الخير ومحمَّد بن طراد الزَّينبي، وغيرهم.
ثُمَّ رحل إلى نيسابور فتفقَّه على محمَّد بن يحيى تلميذ الغزَّالي فبرع عليه
وحصَّل المذهب، وسمع بها من أبي عبد اللَّه الفراوي، وعبد الخالق ابن
الشّحامي، ثمَّ عاد إلى وطنه ودرَّس الفقه وروى الحديث وأخذ عنه ولده أبو
الفضائل الرَّافعي رحمه اللَّه .
توفّي في رمضان سنة ثمانين وخمسمائة، وهو في عشر السَّبعين.
(58)
الوافي 259/3.
السُبكي 131/6، والإسنوي 56/2، والوافي 156/5، وفيه: ودفن بالعطافيَّة.
(59)

652
طبقات الشافعية
694) محمَّد بن المحسن بن الحسين ابن أبي المضاء، الخطيب، شمس
الدِّين، أبو عبد الله البعلبكي.
ثُمَّ المصري.
نشأ بمصر وقرأ بها الأدب، وسمع بدمشق من ابن عساكر، وغيره.
ودخل بغداد فاشتغل بها وسمع بها من أبي زرعة، وابن البطي، ثمَّ عاد إلى
مصر فاتَّصل بالسُّلطان صلاح الدِّين وولاَه خطابة مصر، وهو أوَّل من خطب بها
لبني العبّاس ونفذه بذلك السُّلطان صلاح الدِّين رسولاً إلى بغداد.
وأثنى عليه القاضي الفاضل في رسالته بذلك.
وكانت وفاته بدمشق في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ولم يكمل الأربعين
رحمه الله.
695) محمَّد(80) بن هبة الله بن عبد الله السَّديد السَّلمَاسي (61)
الفقيه الشَّافعي.
قال ابن خلِّكان(62): هو الذي شهر طريقة الشّريف بالعراق وقصده النَّاس
واشتغلوا عليه، وخرج من تلامذته علماء ومدرِّسون، منهم العماد محمَّد، والكمال
موسى ابنا يونس الموصليَّان، والشَّرف محمَّد بن علوان بن مهاجر.
وكان متشدِّدًا في الفتوى، وأعَاد في نظاميَّة بغداد، وأتقن عدَّة فُنُونٍ .
وتوفّي في شعبان سنة أربعٍ وسبعين وخمسمائة.
696) مسعود(83) بن محمَّد بن مسعود، قطب الدِّين النِّيسابوري، أبو
المعالي الطُّرَيْثيني.
الفقيه الشّافعي، نزيل دمشق.
السُّبكي 23/7، والإسنوي 570/1، والوافي 280/3.
(60)
نسبة إلى سلماس مدينة مشهورة بأذربيجان (معجم البلدان 238/3).
(61)
(62)
وفيات 237/4.
السُّبكي 297/7، والإسنوي 498/2، وتذكرة الحفّاظ 1341/4، والعبر 235/4، والبداية
(63)
. 312/12

653
الطَّبقة الثَّامنة
مولده سنة مات الغزّالي سنة خمسٍ وخمسمائة .
أخذ عن والده علم الأدب، ثمَّ رحل إلى مرو فتفقَّه على أبي إسحاق إبراهيم
ابن محمَّد المروزي، وتفقَّه بنيسابور على ابن يحيى، وبرع في المذهب، ودرس
في نظاميَّة نيسابور نيابةً، ورد بغداد فوعظ بها، وحصل له قبولٌ تامٍّ، ثمَّ ورد
دمشق سنة أربعين فأقبل عليه أهلها لدينهِ وعلمهِ وتفتُّنهِ، ودرَّس بالمجاهديَّة،
وبالزَّاويَّة الغزّاليّة بعد نصر اللَّه المصيصي.
ثُمَّ رحل إلى حلب فدرَّس بالمدرستين النُّوريَّةِ والأسديَّة، ثمَّ مضى إلى
همذان وولي بها التَّدريس مدَّةً، ثمَّ عاد إلى دمشق وعاد إلى تدريس الغزّاليَّة
والجاروخِيَّة (64)، وتفرَّد برئاسة المذهب وحصل على قبولٍ جيّدٍ في الوعظ، وكان
متودِّدًا حسن الأخلاق جيّد النَّظر فصيحًا بليغًا كثير النَّوادرِ فقيهًا نحريرًا فانتفع به
النَّاس، وحضر بعضَ مجالسه الملك نور الدِّين فجعل يتكلّم ويناديه في كلامه بيا
محمود كما كان يخاطبه البرهان البلخي، فأنفذ إليه الحاجب يقول: لا تخاطب
الملك باسمه، وقيل لنور الدِّين بعد ذلك، فقال: كان البلخي إذا قال هذا يقسو
قلبي، حكاه السَّبط ابن الجوزي.
وقد سمع الحديث من هبة اللَّه السيِّدي، وعبد الجبّار البَيْهَقي.
وحدَّث عنه [عمر بن علي القرشي، وأبو المواهب وأبو القاسم ابنا
صَصْرَى، وتاج الدِّين عبد الله](65) ابن حَمُّويه، وجماعة. وأجاز للبهاء، والضّياء
المقدسيِّین.
مات سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة، ودفن بمقبرةٍ له أنشأها عند مقابر
الصُّوفيَّة، وبنى مسجدًا على الصَّخرات التي بمقبرة طاحون الميدان، ووقف
کتبه(66) رحمه الله.
(64) منادمة 93، أنشأ جاروخ التركماني وكانت داخل باب الفرج والفراديس لصيقة الإقباليَّة
الحنفيّة شمالي الجامع الأموي والظّاهريَّة الجوانيَّة.
(65)
ما بين القوسين ساقط من - ب -.
السُّبكي وفيه: ووقف كتبها، ومقرُّها بخزانة كتب المرسة العادليَّة الكبرى بدمشق.
(66)

654
طبقات الشافعية
697) هبة(67) اللَّه ابن أبي نصر محمَّد بن هبة الله بن محمَّد البُخَاري، أبو
المظفر.
ابن عمِّ قاضي القضاة أبي طالب.
كان بارعًا في علم مذهب الشّافعي وفي الكلام، وولاَّه الخليفة النَّاصر لدين
اللَّه نيابةَ الوزارة، فمكث فيها أقلّ من سنةٍ .
ومات في محرَّم سنة ثمانين وخمسمائة.
698) هبة اللَّه(68) بن محمَّد بن هبة الله بن مَميل، أبو محمَّد ابن أبي نصر
الشيرازي.
ثُمَّ البغدادي، وُلد بها، ثمَّ الدِّمشقي استوطنها.
كان مولده ببغداد سنة خمسمائة، وقدم دمشق سنة ثلاثين، وولي إمامة مشهد
علي بالجامع، وفوَّض إليه عقد الأنكحة، وكان ديّنًا حسن الطّريقة عدلاً فاضلاً
صوفيًّا واعظًا.
وسمع ببغداد أبا علي ابن نبهان، ومحمَّد بن الحسن بن باكر الفارسي،
وجماعة .
وعنه ابنه القاضي أبو نصر، وابن ابنه أبو المعالي أحمد بن محمَّد، وأبو
المواهب ابن صَصْرَى، وآخرون.
توفّي سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة.
699) هبة الله(69) بن يحيى بن الحسن، أبو جعفر ابن البُوقي الواسطي
العظّار.
الفقيه الشَّافعي .
السُبكي 327/7، والإسنوي 174/2.
(67)
(68)
العبر 236/4 .
السُّبكي 328/7، وفيه: هبة الله بن يحيى بن الحسين، والإسنوي 264/1، وسير 21/
(69)
.48

655
الطّبقة الثّامنة
كان عارفًا بالمذهب والخلاف والفرائض.
تفقَّه على الشَّيخ أبي علي الفارقي، وبرع في المذهب وناظر واستقدمه الوزير
عون الدِّين ابن هبيرة إلى بغداد فحدَّث بها، وسمع بها أبا بكر الأنصاري، وسمع
أيضًا من أبي نعيم الخماري، وأبي نعيم بن زبزب، وخميس الحَوْزِي.
وعنه ابن الأخضر، وأبو إسحاق الكاشغري، وجماعةٌ.
ومات ببلده واسط في ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وله ثلاث
وثمانون سنة.
700) يوسف بن محمَّد بن علي ابن أبي سعد الموصلي، ثمَّ البغدادي.
أخو سليمان وعلي، ووالد الموفّق عبد اللَّطيف.
صحب الشّيخ نجيب الدِّين السَّهرَوردي وتفقَّه عليه، وسمع أبا القاسم ابن
السَّمرقندي، وأبا منصور ابن خيرون، وخلقًا.
وسمع منه ابنه.
توفِّي في محرَّم سنة ستٌّ وسبعين وخمسمائة، عن إحدى وستين سنة.
701) يونس (70) بن محمَّد بن منعة بن مالك بن محمَّد، الإمام رضيُّ الدِّين
أبو الفضل. الموصلي الشَّافعي.
والد بني يونس المواصلة الشَّافعيَّة، وابناه لصلبه كمال الدِّين موسى وعماد
الدِّين محمَّد، مشهوران كبيران.
مولده بإربل سنة إحدى عشرة وخمسمائة .
وتفقَّه بها على الحسين بن نصر بن خميس الجهني، وسمع منه كثيرًا من
حديثه .
ثُمَّ انحدر إلى بغداد فتفقَّه على أبي منصور سعيد بن محمَّد الرزَّاز، ثمَّ رجع إلى
الموصل وسكنها وأقبل عليه متولِّيها، ودرَّس وأفتى وناظر وانتفع به جماعةٌ من الفقهاء.
وتوفّي في محرَّم سنة تسعٍ وسبعين وخمسمائة (71).
(70)
الإسنوي 569/2، ووفيات 252/6.
(71)
الإسنوي، وفيه: توفّي سنة 576 هـ.

656
طبقات الشافعية
المرتبة الرَّابعة
من الطّبقة الثَّامنة من أصحاب الشَّافعي
فيها من أوَّل سنة إحدى وثمانين وخمسمائة إلى آخر سنة تسعين
702) إسماعيل(1) بن علي بن إبراهيم ابن أبي القاسم، أبو الفضل
الجَنْزَوِي الأصل.
وجَنْزة(2) من مدن أران بين أذربيجان وأرمينيَّة. ثمَّ الدِّمشقي الدَّار والمولد،
الفقيه الشَّافعي الشُّروطي، كان يشهد على باب الجامع بدمشق، بصيرًا بكتابة
الشُّروط، وله عنايةٌ بعلم الفقه والحديث.
تفقَّه على جمال الإسلام(3)، ونصر اللَّه المِصِّيصي، وسمع الحديث منهما،
ومن هبة اللَّه ابن الأكفاني، وعلي بن قبيس، ويحيى بن بطريق وجماعة.
ورحل إلى بغداد مرَّات، فسمع بها من جماعة آخرين، وبالأنبار
وغيرهما (4).
وعنه عمر بن علي القرشي، وأبو المواهب ابن صَصْرى، والحافظ عبد
القادر الرَّهاوي، والشَّيخ موفَّق الدِّين، والبهاء عبد الرَّحمان، ويوسف بن خليل،
الشُبكي 52/7، وفيه: الجنزوي ويقال: الجنزي، والإسنوي 370/1، والعبر 266/4،
(1)
والتَّكملة 170/1.
(2)
معجم البلدان 171/2، جنزة اسم أعظم مدينة بأرَّان، وهي بين شروان وأذربيجان،
وتسمِّيها العامَّة كنجه.
(3)
هو ابن المسلّم.
العبر، سمع بها أبا علي الحسن بن محمَّد الباقرجي وأبا الحسن محمّد بن مرزوق
(4)
الزعفراني، والكبار.

657
الطّبقة الثَّامنة
والعماد ابن عبد الهادي، والزَّين ابن عبد الدَّائِم وجماعة.
توفِّي في سلخ جمادى الأولى سنة سبعٍ وثمانين وخمسمائة(5)، عن تسعين
سنة .
703) أحمد(8) بن إسماعيل بن يوسف، رضيُّ الدِّين أبو الخير الطَّالقاني
القزويني.
الفقيه الإمام، العلاَّمة في مذهب الشَّافعي وفي الوعظ. مولده سنة اثنتي
عشرة وخمسمائة بقزوين.
وتفقّه بها على أبي بكر ملكداد بن علي ابن عمرو العمركي، ثمَّ ارتحل إلى
نيسابور فتفقَّه بها على محمَّد بن يحيى حتَّى برع في المذهب وساد وتقدَّم وصار
رئيس الأصحاب.
وقدم بغداد فوعظ بها، وحصل له قبولٌ تامّ من العامٌّ والخاصِّ. وكان يتكلّم
يومًا وابن الجوزي يومًا، ويحضر مجلسهما أمير المؤمنين المستضيء بأمر الله من
وراء الأستار ويحضر الخلائق والأُمم، وكان فصيحًا بليغًا مفوَّهًا حلوَ المنطق حسن
السَّمت كثيرَ العبادة والصِّيامِ والتّلاوةِ كثير الذِّكر قليل المأكل.
وقد ولي تدريس النّظاميَّة ببغداد سنة تسعِ وستِّين إلى ثمانين، ثمَّ عاد إلى
بلده .
قال ابن البخاري: وكان رئيس أصحاب الشَّافعي، إمامًا في المذهب
والخلاف والأصول والتَّفسير والوعظ، حدَّث بالكتب الكبار كصحيح مسلم ومسند
إسحاق ابن راهويه، وتاريخ نيسابور، والسُّنن الكبير للبيهقي، ودلائل النُّبوَّة،
والبعث والنُّشور له أيضًا، وأملى مجالس كثيرة، وسمع الكثير من أبيه، ومن أبي
عبد الله الفراوي، وزاهر الشّحامي، وعبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، وجماعة
ببغداد، والطّالقاني، وغير ذلك من البلاد.
وحدَّث عنه ابن الزَّينبي وأثنى عليه، والموفَّق عبد اللَّطيف وبالغ في وصفه
(5)
العبر ومعجم البلدان: توفّي سنة 588 هـ.
الشُّبكي 7/6، والإسنوي 322/2، وغاية النّهاية 39/1، والبداية 9/12.
(6)

658
طبقات الشافعية
ومدحه، وأبو البقاء إسماعيل بن محمَّد المؤدّب البغدادي حدَّث عنه بمسند إسحاق
وغيرهم.
قال ابن الدَّبيثي وزكي الدِّين المنذري(7): توفّي في تسعين وخمسمائة.
وقال ابن النجَّار عن والده أبي المناقب محمَّد بن أحمد بن إسماعيل: إنَّ
أباه توفّي في محرَّم سنة تسعٍ وثمانين وخمسمائة، فالله أعلم.
704) أحمد(8) بن عبد الله، فخر الدِّين أبو العبّاس ابن النوَيرَة.
الفقيه الشَّافعي الواعظ، قدم دمشق فوعظ بها وبمصر، وحصل له قبولٌ تام
بحلاوة إيراده. توفِّي في شؤَّال سنة تسعين وخمسمائة.
705) الحسن(9) ابن الإمام أبي جعفر هبة الله بن يحيى بن الحسن بن
أحمد، الفقيه أبو علي الواسطي الشَّافعي المعدِّل، المعروف بابن البُوقي(10).
ولد سنة ثلاثٍ وعشرين وخمسمائة. وتفقَّه على أبيه، وبرع في المذهب
وتقدَّم، وسمع من أبي الكرم نصر الله بن محمَّد بن مخلد، وأبي عبد اللَّه محمَّد
ابن علي الحلالي، وسعد بن عبد الكريم الغَنْدَجَاني، وببغداد من الوزير أبي
المظفَّر ابن هبيرة، وأبي الفتح ابن البطِّي، وجماعة.
وعنه أبو عبد الله الزَّينبي وقال: كانت إليه الفتوى بواسط، وتوفِّي في
سادس شعبان سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة .
706) الحسين بن حمزة بن الحسين بن محُبيش البهراني الحُبيشي القُضاعي
الحموي.
قاضيها أمين الدِّين أبو القاسم الشَّافعي. أحد الكرماء والأجواد، وكان الملك
(7)
(9)
(10)
التَّكملة 200/1.
(8)
التَّكملة 211/1.
السُّبكي 72/7، والإسنوي 264/1.
اللُّباب 153/1 وفيه: بوق قرية من أعمال أنطاكية، ومعجم البلدان 510/1، وفيه: بوقة
من قرى أنطاكية، وبوقة من قرى الصَّعيد، وبُوق، نهر بوق، كورة بغداد نفسها، ومشهد
البوق قرب رحبة مالك بن طوق، والتَّكملة 174/1.

659
الطّبقة الثَّامنة
صلاح الدِّين يكرمه ويجلِّه ويحترمه، وكان هذا الرَّجل يصف الخاصَّ والعامَّ، ولا
يقبل من أحدٍ برًا ولا شيئًا. مات سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
707) الحسين(11) بن عبد الله بن الحسين بن رواحة بن إبراهيم بن عبد
الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي، الحموي. ابن خطيبها الفقيه الشَّافعي،
الشّاعر.
ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة. وسمع بدمشق من أبي المظفَّر الفلكي،
وأبي الحسن علي بن سليمان المرادي، والصَّائن هبة اللَّه، وجماعة، وكان قد عزم
على الدخول إلى المغرب فركب البحر فوقع في أسرِ الفرنج، فمكث عندهم مدَّةً،
ووُلد له هنالك، ثمَّ سلَّمه الله فخرج ومعه ابنه عزَّ الدِّين عبد اللّه، فدخل
إسكندريَّة وأسمعه من السِّلفي الكثير. وله شعرٌ جَيِّدٌ رائقٌ. ثمَّ كانت وفاته شهادة
على عكا مع الملك صلاح الدِّين في سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة.
708) عبد اللَّه (12) بن أسعد بن علي بن عيسى، مهذَّب الدِّين، أبو الفرج
ابن الدَّمَّان.
الموصلي الفقيه الشّافعي، الأديب الشّاعر، له ديوان(13)، ويعرف أيضًا بابن
الحمصي، وكان مجموع الفضائل متفنّئًا، وقد ورد على الملك صلاح الدِّين
فأكرمه وأحسن إلیه.
وقال جمال الدِّين القفطي(14): قدم الشَّام صحبة أبي سعد ابن أبي عصرون
وكان يلزم درسه، ثمَّ إنَّه ولي التَّدريس بحمص، وتوفِّي بها في شعبان سنة إحدى
وثمانين وخمسمائة .
فوات الوفيات 375/1، وخريدة القصر - قسم الشَّام - 481/1، والتَّكملة 116/1.
(11)
(12)
السُّبكي 120/7، ولم يذكر سوى اسمه وأورد المحقّقان في الهامش ترجمته من الطَّبقات
الوسطى والإسنوي 440/2، وفيه: توفّي سنة 581 هـ، وقيل: سنة 582 هـ، والبداية 12/
317، .
(13) هديَّة 457/1.
إنباه الرُّواة 103/2، وخريدة القصر: شعراء الشَّام 279/2، والمقفَّى 576/4، وانظر
ترجمته مفصّلة في مقدَّمة ديوانه، تحقيق د. عبد الله الجبوري.
(14)

660
طبقات الشافعية
709) عبد اللَّه(15) بن برِّي بن عبد الجبَّار بن برِّي، العلاَّمة أبو محمَّد ابن
أبي الوحش.
المقدسي الأصل المصري، النَّحوي الشَّافعي.
قرأ النَّحو على أبي بكر محمَّد بن عبد الملك النَّحوي، وسمع الحديث من
أبي صادق المديني، وأبي عبد اللَّه محمَّد بن أحمد الرَّازي، وأبي العبَّاس ابن
الحطيّة، وغيرهم، وتصدَّر بالجامع للاشتغال بالعربيّة، ورحل إليه الطلبة، وتخرَّج
به جماعة، وانفرد بهذا الشأن.
وقد تصدَّر جماعة من تلامذته في حياتِه، ومن أشهرهم أبو موسى عيسى بن
ملاعب الجزولي صاحب القانون.
قال القفطي(16): كان عالمًا بكتاب سيبويه وعِلَلِهِ سيَّما بالشّواهد، وكان لا
يُرسل كتابٌ إلى ملك الآفاق حتَّى يعرض عليه ليتصفَّحه، وكان يُنسب إليه تغفُّلٌ
مع هذا.
وروى عنه الحافظ علي بن المفضَّل، والشّيخ أبو عمرو المقدسي، والفقيه
نجم الدِّين عبد الله بن نجم بن شاس صاحب الجواهر(17)، والبهاء ابن الحموي.
قال الموفَّق عبد اللَّطيف: كان ابن برِّي شيخًا محقّقًا حصيفًا ساذجَ الطّباع
أبلةَ في أمور الدُّنيا فيه تغفُّلٌ عجيبٌ يستبعدُ من سمعه أن يجتمع في رجل متقن
للعلم، فمن ذلك أنَّه كان يلبس الثِّياب الفاخرة ويأخذ في كمِّه العنبَ والبيضَ
والحطبَ، وربَّما وجد منزله مغلقًا فرمى بالبيض من الطّاقة إلى داخلٍ ويقطر ماء
العنب على (رأسه)(18)، فيرفع رأسه إلى السَّماء ويقول: العجب إنَّها تمطر مع
الصَّحو، وكان يتكلّم ملحونًا ولا يتكلَّف، ويتبرَّم ممَّن يخالطه بإعرابٍ.
مولده سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وتوفّي في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
السُّبكي 121/7، والإسنوي 267/1، وبغية الوعاة 34/2، والعبر 247/4، والبداية 12/
(15)
319، والمقفَّى 450/4.
(16)
إنباه الرُّواة 110/2 .
عقد الجواهر الثّمينة في مذهب عالم المدينة قمنا بتحقيقه بمشاركة الدُّكتور محمَّد بو
الأجفان ونشره مجمع الفقه الإسلامي في جدَّة برعاية جلالة الملك فهد.
(17)
في - ب قدمیه.
(18)

661
الطَّبقة الثَّامنة
ذكر ابن الصَّلاح(19) أنَّه رأى مولده هكذا بخطّه، وأرَّخ وفاته أيضًا بهذا،
وذكر أنَّ له تعليقًا على صحاح الجوهري مجلَّدات مفيدة(20).
710) عبد اللَّه(21) ابن أبي الفتوح بن عمران، الإمام أبو حامد القزويني.
الفقيه الشّافعي.
رحل إلى نيسابور فتفقَّه على الإمام محمَّد بن يحيى، وتفقّه ببغداد على
الإمام أبي المحاسن يوسف بن بندار الدِّمشقي، وسمع الحديث من محمَّد بن
ناصر الحافظ، وأبي الفضل الأرموي، وجماعة، وحدَّث بقزوين.
وتوفِّي سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة.
711) عبد اللَّه(22) بن محمَّد بن هبة الله بن المطهّر ابن أبي عصرون ابن
أبي السَّري، قاضي القضاة شرف الدِّين التَّميمي.
ثُمَّ الموصلي، ثمَّ الدِّمشقي. أحد أئمّة الشَّافعيّة في زمانه وقضاتهم الأخيار.
مولده سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
تفقَّه أوّلاً على القاضي المرتضى ابن الشّهرزوري، وأبي عبد اللَّه الحسين بن
خميس الموصلي، وتوجَّه إلى واسط فتفقَّه أيضًا على الشَّيخ أبي علي الفارقي وبرع
عنده، وعلَّق ببغداد عن أسعد الميهني، وأخذ الأصول عن أبي الفتح أحمد بن
علي ابن برهان، ودرس النَّحو على أبي الحسن بن دبيس، وأبي دلف، وقرأ
ببغداد بالسَّبع على أبي عبد الله الحسين بن محمَّد البارع، وبالعشرة على أبي بكر
المَزْرَفِي، وسبط الخيَّاط، وسمع الحديث من أبي القاسم ابن الحصين، وإسماعيل
ابن أبي صالح المؤذِّن، وأبي البركات ابن البخاري وغيرهم.
(19)
ابن الصَّلاح 505/1.
سمّاها التَّنبيه والإيضاح عمَّا وقع في الصَّحاح، صدرت في القاهرة 1980 بتحقيق مصطفى
(20)
حجازي وعبد العليم الطّحاوي.
(21)
السُّبكي 321/2، وفيه: عبد الله بن عمران، والتَّكملة 124/1.
السُّبكي 132/7، والإسنوي 193/2، وغاية النّهاية 455/1، والتَّكملة 117/1، والبداية
(22)
333/12، ونكت الهميان 185 .

662
طبقات الشافعية
ثُمَّ عاد إلى بلده الموصل بِعلم جمٍّ، فدرَّس بها في سنة ثلاثٍ وعشرين
وخمسمائة، ثمَّ أقام بنيسابور مدَّة، ودّخل حلب في سنة خمسٍ وأربعين، ودرَّس
بها، وأقبل عليه ملكها نور الدِّين فلمَّا انتقل نور الدِّين إلى دمشق في سنة تسعٍ
وأربعين استصحبه معه، وولاَّه تدريس الغزّاليّة، وَوَلَيَ نظر الأوقاف.
ثمَّ ارتحل إلى حلب، وولي قضاء سنجار وحرَّان وديار ربيعة، وتفقّه عليه
هناك جماعةٌ، ثمَّ عاد إلى دمشق في سنة سبعين أيَّام الملك صلاح الدِّين، فمال
إلى ولاية القضاء عوضًا عن الضِّياء ابن الكمال الشّهرزوري، وعن الضِّياء ووليها
القاضي شرف الدِّين، واستنيب له الأوحد داود القاضي محيي الدِّين ابن الزَّكي
بمرسوم سلطانيٍّ فصارا كبيرين كالمشتغلين.
ولمَّا كان في سنة سبع وسبعين أضرَّ القاضي شرف الدِّين، وصنّف جزءاً في
جواز ولاية القضاء للأعمىّ ونصر ذلك وهو أحد الوجهين في المذهبين، فبادر
السُّلطان صلاح الدِّين فولَّى القضاء ولده القاضي ابن أبي عصرون، ولم يعزل
الوالد خيرًا واحتسابًا جزاه الله خيرًا.
قال الشَّيخ الإمام موفَّق الدِّين ابن قدامة المقدسي رحمه اللَّه: كان ابن أبي
عصرون إمام أصحاب الشَّافعي في عصره، وكان يذكر الدَّرس في زاوية الدَّولعي،
ويصلِّي صلاة حسنة الرُّكوع والسُّجود، وذكر من نسبه وأنَّه طريقة السَّلف رحمه
اللَّه. قال: وقد سمعت أنا وأخي أبو عمرو منه.
قلت: وروى عنه أيضًا أبو القاسم ابن صَصْرَى، وأبو نصر الشّيرازي، وخلقٌ
كثيرٌ آخرهم موتًا العماد أبو بكر عبد الله ابن النخَّاس، ومن أكبر تلاميذه في الفقه
الفخر أبو منصور ابن عساكر.
ومن تصانيفه(23): الانتصار في المذهب في أربع مجلّدات، صفوة المذهب
في نهاية المطلب في سبع مجلّدات، فوائد المهذَّب في مجلّدين، التَّنبيه في
الأحكام مجلّد، المرشد مجلَّدان، الذَّريعة في معرفة الشّريعة، التَّيسير في
الخلاف، مآخذ النّظر، مختصر الفرائض، الإرشاد في نصرة المذهب، ولم
یکمله .
(23) هديَّة 457/1.