Indexed OCR Text
Pages 201-220
201 الطَّبقة الثَّالثة راهويه، عن محمَّد بن عبيد الطَّنافسي به(63)؛ وأصله في الصَّحيح من وجوهٍ آخرٍ، والله أعلم. 92) عبد الملك(64) بن محمَّد بن عَدي، أبو نُعَيم الجرجاني الأستراباذي. الفقيه الإمام الحافظ، الرحّال الجوّال. سمع الرَّبيع بن سليمان، وسليمان بن سيف وعلي بن حرب وعمر بن شبَّة، وأبا حاتم، وأبا زرعة الرَّازيين، وجماعة بالعراق ومصر والشَّام والجزيرة والحجاز وخراسان . وروى عنه ابن صاعد، وأبو علي الحافظ، وأبو علي المخلدي، وأبو إسحاق المزني، وأبو بكر الجوزقي(65)، وخلقٌ. وقال الحاكم أبو عبد الله: كان من أئمّة المسلمين، سمعت الأستاذ أبا الوليد حسَّان بن محمَّد الفقيه يقول: لم يكن في عصرنا من الفقهاء أحفظ للفقهيَّات وأقاويل الصَّحابة بخراسان منه، ولا بالعراق من أبي بكر بن زياد النيسابوري. قال: وسمعت الحافظ أبا علي يقول: كان أبو نعيم الجرجاني أحد الأئمّة، ما رأيت بخراسان بعد ابن خزيمة مثله أو أفضل منه. كان يحفظ الموقوفات والمراسيل، كما نحفظ نحن المسانيد. وقال أبو سعيد الإدريسي: ما أعلم نشأ بأستراباذ مثله في علمه وحفظه. وقال الخطيب(66): كان أحد الأئمّة، ومن الحفّاظ لشرائع الدِّين، مع صدقٍ وتيقُظِ وورعٍ. وقال حمزة السَّهمي(67): كان مقدَّمًا في الفقه والحديث، وكانت الرِّحلة إليه . (63) في - ب - الطَّالسي. (64) السُّبكي 3/ 335، والإسنوي 1/ 7، والبداية 183/11. (65) - ب - الخوارزمي. (66) تاريخ 10/ 428، . تاريخ جرجان 536 . (67) 202 طبقات الشافعية مولده سنة اثنتين وأربعين ومائتين، ومات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. وذكره الشَّيخ أبو إسحاق في الطَّبقات فقال(68). ومنهم: أبو نعيم عبد الملك ابن محمَّد بن عَدي الأستراباذي، صاحب الرَّبيع بن سليمان؛ روی حديث ابن مسعود عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال(69): ((لا تسبُّوا قريشًا فإنَّ عالمها يملأ الأرض علمًا، اللَّهم أذقتَ أوَّلها نكالاً فأذق آخرها نوالاً» ثمَّ قال: وفي هذا الحديث علامة بيِّنة، إذا تأمَّله النَّاظر المميّز علم أنَّ المراد به رجلٌ من علماء هذه الأمَّة من قريش [يظهر علمه، وتلك صفة لا تصلح إلاَّ للشَّافعي رحمه الله تعالى، فإنَّه عالم من قريش،](70) قد بيَّن العلم ومهَّد الطَّريق وشرح الأصول وبيَّن الفروع وصنَّف المصنَّفات (71) التي سارت بها الرُّكبان. قال شيخنا أبو عبد اللَّه الذَّهبي فيما قرأت عليه: أخبرنا أحمد بن عساكر، عن المؤيد الطُّوسي، أخبرنا أحمد بن سهل المساجدي، أخبرنا يعقوب بن أحمد الفقيه، حدَّثنا الحسن بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو نعيم ابن عَدي، حدَّثنا عمر ابن شبّة، حدَّثنا عبد الوهاب الثَّقفي، حدَّثنا أيُّوب، عن أبي قلابة، عن أنس رضي الله عنه قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، ويُوتر الإقامة، هذا حديث متَّفق على إخراجه في الكتب الستّة، رواه البخاري(72) ومسلم (73) والتِّرمذي(74) والنَّسائي (75) بأسانيدهم من طرقٍ عن عبد الوهّاب بن عبد المجيد الثّقفي به ورواه أبو داود وابن ماجة وبقيّة الجماعة أيضًا من وجوه أخر عن أيُّوب السَّختياني به، وفي لفظ النَّسائي: (( أمر رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بلالاً أن يشفع الأذان ويُوتر الإقامة، وفي الصَّحيحين زيادة: إلاَّ الإقامة)). (68) الشِّیرازي 104. (69) أخرجه ابن حنبل. (70) ما بين المعقوفين ساقط من - ب -. (71) هديّة 1/ 624. في كتاب الأذان. (72) في كتاب الصَّلاة. (73) في كتاب الصَّلاة. (74) في كتاب الأذان. (75) 203 الطّبقة الثّالثة 93) علي(78) بن إسماعيل ابن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال ابن أبي بُرْدَة ابن أبي موسى عبد الله بن عبد الله بن قيس الأشعري، أبو الحسن الأشعري، أبو الحسن البصري. أحد الأئمَّة المتكلِّمين، صاحب التَّصانيف في الأصول والملل والنِّحل، كالموجز، ومقالات الإسلاميِّين، والإبانة، والتَّفسير الكبير، وغير ذلك من الكتب النَّفيسةِ(77). قال أبو محمَّد بن حزم: ومصنَّفات أبي الحسن الأشعري خمسة وخمسون مصنفًا. أخذ علم الكلام أوَّلاً عن شيخه أبي علي محمَّد بن عبد الوهّاب الجبَّائي شيخ المعتزلة، ثمَّ فارقه الأشعري ورجع عن الاعتزال، وأظهر ذلك إظهارًا، فصعد منبر البصرة يوم الجمعة ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا فلان ابن فلان، كنت أقول بخلق القرآن وأنَّ اللَّه لا يُرى في الدَّار الآخرة بالأبصار، وأنَّ العباد يخلقون أفعالهم، وها أنا ذا تائب من الاعتزال، معتقدٌ الردّ على المعتزلة، مبيِّن لفضائحهم، ثمَّ شرع في الردِّ عليهم والتَّصنيف على خلافهم . ودخل بغداد وأخذ عن زكريَّاء بن يحيى السَّاجي أحد أئمَّة الحديث والفقه، وعن أبي خليفة الجمحي، وسهل بن سرح، ومحمَّد بن يعقوب المزني، وعبد الرَّحمان بن خلف الضبِّ البصريّين، وروى عنهم كثيرًا في تفسيره. وصنّف في حال اعتزاله بعد رجوعه عن اعتزاله الموجز وهو في ثلاث مجلَّدات، كتاب مفيد في الردِّ على الجهميَّة والمعتزلة، ومقالات الإسلاميين، وكتاب الإبانة . وقال الخطيب البغدادي(78): أبو الحسن الأشعري المتكلّم، صاحب الكتب السُبكي 3/ 347، والإسنوي 1/ 72، والبداية 187/1، ووفيات 3/ 284، والذَّهبي: (76) سير 15/ 85. (77) هديَّة 676/1. تاريخ 11 / 346، . (78) 204 طبقات الشافعية والتَّصانيف في الردّ على الملحدة وغيرهم من المعتزلة والرَّافضة والجهميَّة والخوارج وسائر أصناف المبتدعة، وهو بصريٍّ سكن بغداد إلى أن توفّي بها، وكان يجلس في أيَّام الجمعات في حلقة أبي إسحاق المروزي الفقيه في جامع المنصور. وقد جمع الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر(79) ترجمةً حسنةً له، وردًّ على من تعرَّض لأبي الحسن الأشعري بالطّعن، وذكر فضائله ومصنَّفاته وانكبابه على العلم، ومتابعته في كتبه المذكورة للسنَّة وانتصاره لها وذبِّه عنها. وممَّن أخذ عن الشَّيخ أبي الحسن الأشعري ابن مجاهد، وزاهر بن أحمد، وأبو الحسن الباهلي، وأبو الحسن عبد العزيز بن محمَّد بن إسحاق الطَّبري، وأبو الحسن علي بن أحمد بن مهدي الطَّبري، وأبو جعفر الأشعري النقّاش، وبُنْدار بن الحسين الصُّوفي، وغيرهم. قال بُنْدار خادم الأشعري: كانت غلَّة أبي الحسن من ضيعةٍ وقَفَها جدُّهم بلال بن أبي بُردة على عَقِبه، فكانت نفقته في السَّنة سبعة عشرة درهمًا. وقال أبو بكر ابن الصَّيرفي أحد أئمّة الشَّافعيَّة: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتَّى أظهر اللَّه الأشعري فحجزهم في أقماع السِّمْسِمِ. وقال أبو عمرو الرَّزجاهي(80): سمعت أبا سهل الصُّعلوكي يقول: حضرنا مع الأشعري مجلس علويٍّ بالبصرة، فناظر أبو الحسن المعتزلة وكانوا كثيرًا حتّى أتى على الكلِّ فهزمهم، كلَّما انقطع واحد أخذ الآخر، حتَّى انقطعوا، فعدنا في المجلس الثّاني فما عاد أحد، فقال بين يدي العلويِّ: يا غلام، اكتب على الباب، فرُّوا. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول: دخلت البصرة وكنت أطلب أبا الحسن فإذا هو في مجلسٍ يناظر وثمَّ جماعة من المعتزلة، فكانوا يتكلَّمون، فإذا سكتوا وأنهوا كلامهم قال: إذا قلت: كذا وكذا، عنون ابن عساكر هذا الكتاب: تبيين كذب المفتري في الذبِّ عن أبي الحسن، وترجم (79) فيه لأتباعه، ونشر في دمشق سنة 1347 هـ . (80) في الأصل الزردجاهي، والتَّصحيح من السُّبكي، وفي اللُّباب 1/ 465: رزجاهي بفتح الرَّاء وسكون الزَّاي وفتح الجيم قرية من قرى بسطام. 205 الطَّبقة الثَّالثة والجواب، كذا وكذا إني أجيب الكلَّ، فلمَّا قام تبعته فقلت: كم لسانٍ لك، وكم أذنِ لك، وكم عينٍ لك؟، فضحك. وقال ابن عساكر: قرأت بخطّ علي بن بقاء المصري المحدِّث في رسالةٍ كتب بها أبو محمَّد ابن أبي زيد القيرواني المالكي جوابًا لعلي بن أحمد بن إسماعيل البغدادي المعتزلي حين ذكر الأشعري ونسبه إلى ما هو منه بريء، فقال أبو محمَّد ابن أبي زيد في حقِّ الأشعري: هو رجلٌ مشهورٌ، إنَّه يردُّ على أهل البدع وعلى القدريَّة والجهميّة متمسِّكٌ بالسُّنن. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: كنت في جنب أبي الحسن الباهلي كقطرةٍ في البحر. وسمعته يقول: كنت أنا في جنب أبي الحسن الأشعري كقطرةٍ في جنب البحر. وقال القاضي الباقلاني: أحسن أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن الأشعري. قلت: ذكروا للشّيخ أبي الحسن رحمه الله ثلاثة أحوال: أولاها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة. الحال الثّاني: إثبات الصِّفات العقليَّة السَّبعة، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسَّمع والبصر والكلام وتأويل الجبريَّة كالوجه واليدين والقدم والسَّاق ونحو ذلك. والحال الثّالثة: إثبات ذلك كلِّه من غير تكييف ولا تشبيهٍ جريًا على منوال السَّلف، وهي طريقته في الإبانة التي صنَّفها آخرًا، وشرحها القاضي الباقلاني، ونقلها الحافظ أبو القاسم ابن عساكر، وهي التي مال إليها الباقلاني وإمام الحرمين وغيرهما من أئمّة الأصحاب المتقدِّمين في أواخر أقوالهم، والله أعلم. قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: سمعت أبا علي الدقّاق يقول: سمعت زاهر بن أحمد الفقيه يقول: مات الأشعري ورأسه في حجري، وكان يقول شيئًا في حال نَزَعِه من داخل حلقه، فأدنيت إليه رأسي فكان يقول: لعن اللَّه المعتزلة موَّهوا ومخرقوا. وقال الحافظ أبو حازم العبدوي: سمعت زاهر بن أحمد يقول: لمَّا حضر أبو الحسن الأشعري في داري ببغداد أتيته فقال: أشهد عليَّ أنّي لا أكفّر أحدًا من أهل هذه القبلة، لأنَّ الكلَّ يشيرون إلى معبودٍ واحدٍ وإنَّما هذا كلَّه اختلاف العبارات. 206 طبقات الشافعية قلت: مولد أبي الحسن الأشعري سنة ستِّين ومائتين، وقيل: سنة سبعين ومائتين والأوَّل أشهر. قال الأستاذ أبو بكر بن فورك والحافظ أبو يعقوب إسحاق ابن إبراهيم القرَّاب وأبو محمَّد بن حزم: ومات عن سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. وقال غيرهم: سنة ثلاثين. وقيل: سنة نيِّف وثلاثين وثلاثمائة. وقيل: سنة عشرين، والأوَّل أشهر، والله أعلم. وقد أطنب الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة الأشعري وبالغ وأفاد، فجمع مجلّدًا في ذلك، وذكر من ينسب إلى مذهبه من العلماء من بعده، فذكر عامَّتهم من الشَّافعيّة ليعرف زمانه وفضله وعلمه، والله يرحمه. وأيضًا فإنَّه أخذ العلم عن يحيى بن زكريَّاء السَّاجي وقد تقدَّم ذكره في أصحاب الشَّافعي، وجالس الشَّيخ أبا إسحاق المروزي أيَّام الجمعات، قاله الخطيب، وحكى الشَّيخ أبو محمَّد الجويني والد إمام الحرمين، وهو أحد أئمّة الشَّافعيَّة عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني أنَّه كان يقرأ على أبي إسحاق الفقه، وهو يقرأ على أبي الحسن الكلام، والله أعلم. قرأت على شيخنا الحافظ الكبير بقيَّة السَّلف جمال الدِّين أبي الحجّاج يوسف ابن الزَّكي عبد الرَّحمان بن يوسف المِزِّي رحمه اللَّه في رمضان سنة أربعين وسبعمائة، أخبرنا الإمام تاج الدِّين أبو عبد اللَّه محمَّد ابن القاضي الإمام العلاَّمة شهاب الدِّين أبي محمَّد عبد السَّلام ابن القاضي شهاب الدِّين أبي الفضائل المطهّر ابن قاضي القضاة شرف الدِّين ابن أبي سعد عبد الله بن محمَّد ابن أبي عصرون التَّميمي الشَّافعي المصري الموصلي بقراءتي عليه، أخبرتنا الشَّيخة الصَّالحة أمُّ المؤيَّد زينب بنت عبد الرَّحمان بن الحسن الشعري إجازةً، أخبرنا أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي إجازةً أيضًا، أخبرنا الشَّيخ أبو إبراهيم أسعد بن مسعود العتبي (قال: ذكر ما انتهى إلينا من حديث إمامنا أبي الحسين علي بن إسماعيل الأشعري الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، ولي عنه إجازة، حدَّثنا القاضي أبو محمَّد بن عمر المالكي قاضي إصطخر، قدم علينا رسولاً في سنة أربع وستِّين وثلاثمائة، حدَّثنا الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ببغداد في مسجد أبي إسحاق المروزي، حدَّثنا زكريَّاء ابن يحيى السَّاجي، حدَّثنا بُندار وابن المثنَّى قالا: حدَّثنا أبو داود، حدَّثنا ابن أبي 207 الطَّبقة الثَّالثة ذيب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((السَّبع المثاني فاتحة الكتاب)). ورواه البخاري عن آدم ابن أبي إيَّاس عن عبد الرَّحمان ابن أبي ذیب بإسناده نحوه. وبالإسناد إلى أبي الحسن الأشعري قال: حدَّثنا زكريَّاء بن يحيى السَّاجي، حدَّثنا محمَّد بن عبد الملك ابن أبي الموارث، حدَّثنا خالد بن عبد اللَّه الواسطي، حدَّثنا عبد الرَّحمان بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرَّحمان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلّم: ((فاتحة الكتاب السَّبع المثاني التي أُعطيتها)). وبه قال: حدَّثنا زكريَّاء السَّاجي، حدَّثنا ابن أبي الشّوارب، حدَّثنا أبو عوانة عن إسماعيل السدِّي، عن عبد حر، عن علي: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ اُلْمَثَانِ﴾، قال: فاتحة الكتاب. وبالإسناد المتقدَّم إلى أبي إبراهيم أسعد بن مسعود العتبي)(81) قال: حدَّثنا الإمام أبو منصور البغدادي، حدَّثنا الإمام أبو سهل محمَّد بن سليمان العجلي، حدَّثنا الإمام أبو الحسن الأشعري، حدَّثنا زكريَّاء بن يحيى السَّاجي، حدَّثنا عبد الجبّار، حدَّثنا سفيان، حدَّثنا العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((يقول اللَّه: قسمت الصَّلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال: الحمد لله ربِّ العالمين، قال: حمدني عبدي. فإذا قال: الرَّحمان الرَّحيم قال: مجَّدني عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدِّين، قال: فوَّض إليَّ عبدي، فإذا قال: إِيَّاك نعبد وإِيَّاك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل))، إلى آخره. انفرد بإخراجه مسلم(82) دون البخاري من طريق العالية؛ وبه إلى العتبي قال: أخبرنا الإمام أبو منصور البغدادي قال: سمعت عبد الله بن محمود بن طاهر الصُّوفي يقول: رأيت أبا الحسن الأشعري في مسجد البصرة وقد أنهت المعتزلة في المناظرة، فقال له بعض الحاضرين: قد عرفنا تبخّرَكَ في علم الكلام وإنِّي أسألك عن مسألة ظاهرة في الفقه، فقال: سلْ عمَّا شئتَ، فقال: ما (81) ما بين القوسين ساقط من - ب - . (82) أخرجه مسلم وأبو داود في كتاب الصَّلاة، والتِّرمذي في تفسير سورة الفاتحة، والنِّسائي في الافتتاح، وابن ماجة في الأدب. 208 طبقات الشافعية تقول في الصَّلاة بغير فاتحة الكتاب؟. فقال: حدَّثنا زكريَّاء بن يحيى السَّاجي، حدَّثنا عبد الجبّار، حدَّثنا سفيان، حدَّثني الزُّهري، عن محمود بن الرَّبيع، عن عُبادة بن الصَّامت، عن النبيِّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم قال: ((لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب (83)). ثمَّ قال الأشعري: وحدَّثنا زكريَّاء، حدَّثنا بُنْدار، حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن جعفر بن ميمون، حدَّثني أبو عثمان، عن أبي هريرة قال: ((أمرني رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن أنادي بالمدينة، أنَّه لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب (84)). قال: فسكت السَّائل، ولم يقل شيئًا. أمَّا الحديث الأوَّل من هذين الحديثين فهو مخرج في الصَّحيحين من حديث الزُّهري؛ وأمَّا الثّاني فرواه أبو داود من حديث يحيى بن سعيد القطَّان بإسناده عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أخرج فنادِ في المدينة أنَّه لا صلاة إلاَّ بقرآنٍ، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد)) (85). 94) علي (88) بن الحسين بن حرب بن عيسى البغدادي، القاضي، أبو عبيد .20 ابن حَرْبُوَيْه. قاضي مصر، أحد أصحاب الوجوه المشهور يسمع الحديث من أحمد بن المقدام العجلي، والحسن بن عرفة، [والحسن بن محمَّد](87) الزَّعفراني، وزيد بن أخرم، ویوسف بن موسى. وعنه أبو بكر ابن المقري، وأبو عمرو بن حيَّويه، وعمر ابن شاهين، وجماعة. وقال ابن يونس في تاريخ مصر: هو قاضي مصر، أقام بها طويلاً، وكان شيئًا عجبًا ما رأينا مثله، لا قبله ولا بعده، وكان تفقَّه على مذهب أبي ثور، واستعفي من القضاء، فعزل سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، فذهب وأقام في بغداد، وكان ثقةً ثبتًا. رواه ابن ماجة في الإقامة. (83) (84) أخرجه الترمذي في كتاب المواقيت، وابن ماجة في الإقامة. (85) أخرجه أبو داود في كتاب الصَّلاة، باب القراءة في الفجر. السُّبكي 3/ 446، والإسنوي 1/ 397، والكندي: الولاة 523. (86) ما بين المعقوفين ساقط من - ب -. (87) 209 الطَّبقة الثَّالثة وقال البرقاني: ذكره الدَّارقطني(88)، فذكر من جلالته وفضله، وقال: حدَّث عنه النَّسائي في الصَّحيح، [ولم يحصل منه حرف](89)، وقد كتب الحديث [قَبْلَ] موته بخمس سنين. وقال ابن زولاق في تاريخ القضاة بمصر: كان عالمًا بالخلاف والمعاني والقياس، عارفًا بعلم القرآن والحديث، فصيحًا عاقلاً عفيفًا، قوَّالاً بالحقِّ، سمحًا [متعصِّبًا](90)، وكان قد ولي قضاء واسط قبل مصر، وذكر أنَّ أمير مصر تكين كان يأتي إلى مجلس القاضي أبي عبيد فلا يقوم له القاضي عن أمره له بذلك، وإذا جاء القاضي إلى مجلس تكين قام له ومشى خطواتٍ، وذكر أنَّه ولي قضاء مصر ثمان عشرة سنة، من سنة ثلاث وتسعين إلى سنة إحدى عشرة، وكان في وجهه جدريٍّ، ولم يكن منظره بذاك، ولكن كان من فحول الرِّجالِ، وكان رزقه في كلِّ شهرٍ مائة وعشرين دینارًا . قال: وهو آخر قاضٍ ركب إليه الأمير، وكان يقول: ما يقلِّد إلاَّ عصيٍّ أو عييٍّ، وجميع أحكامه بمصر باختياراته، وكان أوَّلاً يذهب إلى قول أبي ثورٍ، وكان يورِّث ذوي الأرحام، وذكر عنه حكايات تدلُّ على عقلٍ تامٌّ وعفافٍ وكرمٍ. وقال أبو بكر بن الحدَّاد: سمعت أبا عبيد القاضي يقول: ما لي وللقضاء، لو اقتصرت على الوراقة ما كان حظّي بالردِّي. قال الخطيب البغدادي(91): توفّ في صفر سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وصلَّى عليه أبو سعيد الإصطخري. وذكره الشّيخ أبو إسحاق الشّيرازي (92) مختصرًا قال: ومنهم القاضي أبو عبيد بن حَرْبُوَيه، مات سنة تسع عشرة وثلاثمائة، [وصلَّى عليه أبو سعيد الإصطخري](93) ولم يزد على هذا. في - ب - ذكره الدَّارقطني. (88) (89) السُّبكي: ولم يحصل لي عنه حرف. (90) السُّبكي : منقبضًا. (91) تاريخ 11/ 395: ودفن في داره. (92) الطبقات 110. لم ترد في الطَّقات. (93) 210 طبقات الشافعية ومن مفرداته: أنَّه وإبراهيم بن جابر من الأصحاب أوَّل من حدَّد الثُلثين بخمسمائة رطل، وتبعهما جمهور الأصحاب. ومنها أنَّه: منع من جوازٍ تعجيل الزَّكاة، حكاه عنه الماوردي، والقاضي أبو الطيّب، والمحاملي في المجموع، وهو في الرَّوضة أيضًا. ومنها: أنَّه جوَّز لمن عليه كفَّارة الظّهار بالصِّيام، أن يصوم رمضان بنيَّة رمضان وعن الكفَّارة، ويصوم معه شهرًا آخر وقد أجزاه، وهذا غريب جدًّا وخلاف الجمهور. ومنها أنَّه ألزم من أخرج جناحًا إلى الطَّريق أن يكون بحيث يمرُّ تحته الفارس ناصبًا رمحه، والجمهور يقولون: يكفيه أن يمرَّ تحته المحمل والكبيسة. 95) محمَّد(94) بن إبراهيم بن المنذر، أبو بكر النِّيسابوري. الفقیه، نزیل مكّة. أحد الأئمّة الأعلام، وممَّن يقتدى بنقله في الحلالِ والحرام، صنّف كتبًا معتبرة عند أئمّة الإسلام، ككتاب الإجماع، والإشراف في معرفة الخلاف، وكتاب الأوسط، والتّفسير، وغير ذلك من المصنَّفات(95). وكان على نهايةٍ في معرفة الحديث وخلاف العلماء، له اختيارٌ برأيه، وكان مجتهدًا لا يقلِّد أحدًا. وسمع الحديث من محمَّد بن ميمون، ومحمَّد بن إسماعيل الصَّائغ، ومحمَّد ابن عبد الله بن عبد الحكم، وغيرهم. وعنه أبو بكر بن المقري، ومحمَّد بن يحيى بن عمَّار الدُّمياطي، والحسن بن علي بن سفيان، وأخوه الحسين، وآخرون. وقد ذكره في طبقات الشَّافعيَّة الشَّيخ أبو إسحاق الشّيرازي(96)، وأرَّخ وفاته سنة تسع أو عشرٍ وثلاثمائة. (94) السُّبكي 3/ 102، والإسنوي 2/ 474. (95) البغدادي: هديّة 2/ 31. الطَّبقات 108، وفيه: توفّي سنة 309 أو 310 هـ. (96) 211 الطَّبقة الثَّالثة [وصنَّف في اختلاف العلماء كتبًا لم يصنّف أحدٌ مثلها، واحتاج إلى كتبه الموافق والمخالف، ولا أعلم عمَّن أخذ الفقه](97). قال شيخنا أبو عبد الله الذّهبي(98): وهذا ليس بشيءٍ، لأنَّ ابن عمَّار لقيه سنة ستَّ عشرة وثلاثمائة. قرأت على شيخنا الحافظ أبي الحجّاج المزِّي رحمه اللَّه: أخبرنا الإمام فخر الدِّين ابن البخاري، أخبرنا أبو العبَّاس الخضر بن كامل بن سالم السَّروجي المعبِّر المعروف بابن سبع، أخبرنا الإمام أبو الفتح نصر الله بن محمَّد [بن عبد القوي المصْيصي، حدَّثنا أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي، أخبرنا الفقيه أبو محمَّد عبد الحقَّ بن محمَّد بن](99) هارون الصقلّ، حدَّثنا أبو عبد الله الحسين بن عبد الرَّحمان الآجرائي، حدَّثنا أبو القاسم عبد الله بن محمَّد ابن خيران، الصَّيرفي، حدَّثنا أبو بكر محمَّد بن إبراهيم بن المنذر النِّيسابوري قال: حدَّثنا إبراهيم بن محمَّد بن إسحاق البصري، حدَّثنا إسحاق بن راهويه، حدَّثنا يحيى بن آدم، حدَّثنا سفيان الثّوري، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا قدم مكَّة أتى الحجر فاستلمه، ثمَّ مضى عن يمينه فرمَّل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثمَّ أتى المقام فصلَّى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، ثمَّ عاد إلى الحجر بعدما صلَّى ركعتين فاستلمه ثمَّ قال: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّى﴾، فخرج إلى الصَّفا. هذا قطعة من الحديث الطّويل في المناسك، وهو ما تفرَّد بإخراجه مسلم دون البخاري، والله أعلم. (97) ما بين المعقوفين سقط من موضعه في التَّرجمة، ووهم النّاسخ فألحقه بآخر ترجمة محمَّد بن جرير الطَّبري. (98) تذكرة الحفّاظ 3/ 782. ما بين المعقوفين سقط من - ب - . (99) 212 طبقات الشافعية 96) محمَّد(100) بن إدريس بن الأسود التُّجيبي، مولاهم، أبو عبد الله المصري، ويعرف بنقرة (101) قريش، لكثرة صحبته يونس بن عبد الأعلى وجواره له. روى عنه وعن أبي بكر الشّافعي في الغيلانيَّات. قال ابن يونس: توفّي في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثمائة. 97) محمَّد(102) بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الثَّقفي، مولاهم، أبو العَبَّاس السرَّاجِ النِّيسابوري. الحافظ، محدِّث خراسان ومُسندها. راوي محمَّد بن يحيى الذُّهلي، وسمع من إسحاق بن راهويه، وداود بن رُشَيد، وقتيبة، ومحمَّد بن عمر، وربيح، وأبي كريب، وخلق من أهل الطَّقة الّتي بعدهم. وروى عنه البخاري، ومسلم في غير الصَّحيحين، وأبو حاتم الرَّازي، وابن أبي الدُّنيا وهم من شيوخه، وخلق آخرون منهم: أبو العبّاس ابن عُقيده، وأبو حاتم ابن حبَّان البستي، وأبو عمرو بن حمدان، وأبو سهل الصُّعلوكي، وأبو إسحاق المزكِّي وآخرهم موتًا أبو الحسن الخفَّف قال الإمام أبو سهل الصُّعلوكي : حدَّثنا أبو العبّاس محمَّد بن إسحاق الأوحد في وقته الأكمل في وزنه، وقال أيضًا: كنَّا نقول: السَرَّاج كالسِّرَاج. وقال أبو إسحاق المزكِّي: سمعته يقول: ختَمت عن رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم اثني عشر ألفٍ ختمة، وضخَّيت عنه اثنتي عشر ألف أضحية. وقال محمَّد بن أحمد الدقَّاق: رأيته يضحّي في كلِّ أسبوع أو أسبوعين أضحيةً عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ يصيح بأصحاب الحديث فيأكلون . (100) المقريزي: المقفّى 419/5: أبو عبد اللَّه الصَّدفي الخولاني. (101) المقفَّى: بقرة، (وجاء في الهامش: قراءة ظنيَّة). السُّبكي 108/3، والإسنوي 34/2، وابن كثير: البداية 153/11، وابن الجزري غاية النّهاية (102) 97/2، والأنساب 134/3، والخطيب: تاريخ 248/1. 213 الطّبقة الثَّالثة وذكر الحاكم أنَّه كان شديدَ المناظرة للحنفيَّة، وكان لا يسمع أحدًا من أولاد الكراميَّة، وينكر على من يقول بخلق القرآنِ أشدَّ الإنكار. وقال أبو عمرو بن نجيد: رأيت السرَّاج يركب حماره وعبَّاس المستملي بين يديه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يقول: يا عبّاس غيِّر كذا أو اكسر كذا. وقال أبو عبد الله بن الأخرم: استعان بي السرَّاج في التَّخريج على صحيح مسلم، فكنت أتحيَّر من كثرة حديثه وحسن أصوله، وكان إذا وجد حديثًا عاليًا [في الباب](103) يقول: لا بدَّ من أن أكتب هذا، فأقول: ليس من شرط صاحبنا، فيقول: فينفعني في هذا الحديث الواحد. وقال الشَّيخ أبو عمرو ابن الصَّلاح في طبقات الشَّافعيَّة(104) في ترجمة السرَّاج هذا: توفّي في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة بنيسابور، احتجَّ في مسنده بالجهر بالبسملة، ولم يذكر ضدَّه. قال الحاكم: سمعت محمَّد بن عمر هو ابن قتادة يقول: رأيت أبا بكر محمَّد بن إسحاق بن خزيمة يقبّل وجه أبي العبّاس السرَّاج. 98) محمَّد (105) بن إسحاق بن خُزيمة ابن المغيرة بن صالح بن بكر السَّلمي النِّيسابوري. الحافظ، إمام الأئمَّة. سمع الحديث من إسحاق بن راهويه، ومحمَّد بن حميد الرَّازي، ولم يحدِّث عنهما لصغره، وتفقّه على الرَّبيع، والمزني، وكان جديرًا أن يذكر في الطّبقة الثّانية، ولكن تأخّرت وفاته بعد الثّلاثمائة. وروى الحديث عن محمود بن غَيْلان، ومحمّد بن أبَان المُسْتَمْلي، وإسحاق ابن موسى الخطمي، وعلي بن حُجْر، وأحمد بن مَنيع، ويونس بن عبد الأعلى، وخلق. (103) ساقط من - ب - . .99/1 (104) الشُبكي 109/3، والإسنوي 462/1، وابن الجزري: غاية 97/2، وابن كثير: البداية 11/ (105) 149، والذَّهبي: تذكرة 2/ 259، والمقفَّى295/5. 214 طبقات الشافعية وروى عنه خلق منهم: البخاري ومسلم في غير الصَّحيحين، وشيخهُ محمَّد ابن عبد اللَّه بن عبد الحكم، وأبو عمرو أحمد بن المبارك المُسْتَمْلي، وإبراهيم بن أبي طالب وهؤلاء أكبر منه، وأبو علي النِّيسابوري، وإسحاق بن سعد الفَسوي، وأبو عمرو بن حمدان، وحفيده محمَّد بن المفضَّل بن محمَّد بن إسحاق بن خزيمة وقال: سمعت جدِّي يقول: استأذنتُ أبي في الخروج إلى قتيبة، فقال: إقرأ القرآن أوَّلاً حتَّى آذن لك، فاستظهرت القرآن، فقال لي: أمكث حتَّى تصلّي بالختمة، فمكثت، فلمَّا عيَّدنا أذن لي فخرجت إلى مرو، فسمعت بها من محمَّد بن هشام فنَعَى إلينا قتيبة. قال: وكان جدِّي لا يدَّخر شيئًا جهده، بل يُنفقه على أهل العلم، وكان لا يعرف صنجةَ الوزنِ، ولا يميِّز بين العشرة والعشرين. وقال أبو أحمد حسينك: سمعت إمام الأئمّة ابن خزيمة يحكي عن علي بن خَشْرَم، عن إسحاق بن راهويه أنَّه قال: أحفظ سبعين ألفَ حديث، فقلت لابن خزيمة: فكم يحفظ الشَّيخ؟، فضربني على رأسي وقال: ما أكثر فضولك، ثمَّ قال: يا بنيَّ ما كُتِب سوادٌ في بياضٍ إلاَّ وأنا أعرفه. وقال أبو علي الحافظ: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيَّات من حديثه كما يحفظ القارئ الشُّورة. وقال أبو حاتم ابن حبَّان: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السُّنن ويحفظ ألفاظها الصِّحاح وزياداتها حتَّى كأنَّها بين عينيه إلاَّ محمَّد بن إسحاق ابن خزيمة فقط . وقال عبد الرَّحمان ابن أبي حاتم(106) وقد سئل عن ابن خزيمة فقال: ويحكم هو يسأل عنّا ولا نسأل عنه، هو إمام يُقتدى به. وقال الدَّار قطني: كان ابن خزيمة إمامًا ثبتًا معدومَ النَّظير. وقال أبو علي الحسن بن محمَّد الحافظ: لم أرَ مثل محمَّد بن إسحاق بن خزيمة . وقال أبو العبَّاس ابن سريج: كان ابن خزيمة يستخرج النُّكت من حديث رسول الله صلَّى الله وسلّم بالمنقاش. (106) الجرح 2/ 196 . 215 الطَّبقة الثَّالثة وقال الزَّاهد أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحربي: إنَّ اللَّه ليدفع البلاء عن أهل هذه المدينة بمكان أبي بكر محمَّد بن إسحاق، قال: وحدَّثنا ابن خزيمة، قال: كنت إذا أردت أن أصنّف الشّيء دخلت الصَّلاةَ مستخيرًا حتَّى يفتح لي فيها، ثمَّ أبتدئ التَّصنيف. وقال أبو بكر محمَّد بن جعفر: وسمعت محمَّد بن خزيمة يقول وسئل: من أين أوتيتَ العلم؟ فقال: قال رسول الله صلَّى اللَّه وسلَّم ((ماء زمزم لما شُرِبَ له))، وإنّي لمَّا شربت ماء زمزم سألت اللَّه علمًا نافعًا. وقال أبو بكر محمَّد بن سهل الطُّوسي: سمعت الرَّبيع بن سليمان وقال لنا: هل تعرفون ابن خزيمة؟، قلنا: نعم، قال: استفدنا منه أكثر ممَّا استفاد منَّا. وقال محمَّد بن إسماعيل السكّري: سمعت ابن خزيمة يقول: حضرت مجلسَ المزني يومًا وسئل عن شبه العَمْدِ وقال السَّائل: إنَّ اللَّه وصف في كتابه القتل صنفين: عمدًا وخطأً، فلم قلتم إنَّه على ثلاثة أصناف؟ ويحتجُّ بعليٍّ بن زيد بن جُدْعَانِ، فسكت المزني، فقلت لمناظره: قد روى هذا الحديث أيضًا [غير علي بن زيد، فقال: ومن رواه غير علي؟، قلت: أيُّوب السَّختياني](107) وخالد الحذَّاء، فقال لي: فمن عقبة بن أوس؟ قلت: بصري روى عنه ابن سيرين مع جلالته، فقال للمزني: أنت تناظر أم هذا؟ قال: إذا جاء الحديث فهو يناظر لأنَّه أعلم بالحديث منِّي ثمَّ أتكلّم أنا. وقال الحاكم النيسابوري: سمعت أبا سعد عبد الرَّحمان بن أحمد المقري، سمعت ابن خزيمة يقول: القرآن كلامُ اللَّه وَوَحْيُه، وتنزيلُه غير مخلوق، ومن قال إِنَّ شيئًا من وَخيه وتنزيله مخلوقٌ، أو يقول: إنَّ أفعاله مخلوقة، أو يقول: إنَّ القرآن محدث فهو جهميٌّ . وقال: من نظر في كتبي بان له أنَّ الكلابيَّةَ كذبةٌ فيما يحكون عنِّي، فقد عرف الخلق أنَّه لم يصنّف أحدٌ في التَّوحيد والقدر وأصول العلم مثل تصنيفي. قال الحاكم: وفضائل ابن خزيمة عندي محفوظة في أوراقٍ، ومصنَّفاته تزيد على مائة وأربعين كتابًا سوى المسانيد، والمسائل أكثر من مائة جزء، وله فقه حديث بَرِيرةَ في ثلاثة أجزاء(108) . (107) ما بين المعقوفين ساقط من - ب -. (108) هديَّة 29/2. 216 طبقات الشافعية وقال أبو زكريًّا العنبري: سمعت ابن خزيمة يقول: ليس لأحدٍ مع رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قول إذا صحَّ الخبر عنه. مولد ابن خزيمة في صفر سنة ثلاثٍ وعشرين ومائتين، وتوفِّي في ثاني ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة . [وقال الشَّيخ أبو إسحاق في الطَّبقات(109): مات سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة](110). قال: وكان يقال له: إمام الأئمَّة، وجمع بين الفقه والحديث، وذكر مناظرته مع المزني، ثمَّ قال: وحكى عنه أبو بكر النقّاش أنَّه قال: ما قلَّدت أحدًا منذ بلغت عشرين سنة. 99) محمَّد(111) بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، أبو جعفر الطَّبري، الإمام العالم. صاحب التَّصانيف العظيمة، والتّفسير الشَّهير الكبير، البحر في علوم القرآن، أصله من أهل طبرستان، وطوَّف الأقاليمَ في طلب العلم، وقرأ القرآن على سليمان ابن عبد الرَّحمان الطَلْحي صاحب خلاَّد، وسمع الحروف من يونس بن عبد الأعلى، وأبي كريب، وجماعة، وصنَّف كتابًا حسنًا في القراءات. فأخذ عنه مجاهد، ومحمَّد بن أحمد الدَّاجوني، وعبد الواحد بن أبي هاشم، وسمع الحديث من أحمد بن منيع، وإسحاق بن إسرائيل، وإسماعيل بن موسى الفزَّاري، ومحمَّد بن حُميد، وأبي كُريب محمَّد بن العلاء، وهنَّاد بن السَّريِّ، ويونس بن عبد الأعلى، وخلقٌ. وحدَّث عنه أبو شعيب الحرَّاني وهو أكبر منه سنًّا وأعلى إسنادًا، وأبو القاسم الطَّبراني، وأبو عمرو بن حمدان، وخلق. قال الحافظ أبو بكر الخطيب(112): كان ابن جرير أحد الأئمّة يَحكمُ . 105 (109) ما بين المعقوفين ساقط من - ب -. (110) السُّبكي 120/3، وابن الجزري: غاية 2/ 106، وابن كثير: البداية 11/ 145 والمقفّى 5/ . 481 (111) ●تاريخ 162/2. (112) 217 الطَّبقة الثَّالثة بقوله(113)، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحدٌ من أهل عصره، فكان حافظًا لكتاب اللَّه، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسُّنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصَّحابة والتَّابعين، بصيرًا بأيَّام النَّاس وأخبارهم، له الكتاب المشهور في تاريخ الأمم، وكتاب التَّفسير الذي لم يصنّف مثله، وكتاب تهذيب الأثار لم أر مثلَه في معناه، لكنَّه لم يُتمَّه، وله في الأصول والفروع كتب كثيرة، واختيارٌ من أقاويل الفقهاء، وتفرَّد بمسائل حُفظت عنه. قال الخطيب: وسمعت علي بن عبد اللّه اللُّغوي يقول: مكث ابن جرير أربعين سنةً يكتب كلَّ يوم أربعين ورقة. وقال صاحبه أبو محمَّد الفرغاني: حَسبَ تلامذته ما صنَّف، وبسطوه على عمره منذ احتلم إلى أن مات، فصار لكلِّ يوم أربع عشرة ورقة. قال الفرغاني: وكان ابن جرير ممَّن لا تأخذه في الله لومة لائم، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشَّفاعات من جاهلٍ وحاسدٍ وملحدٍ؛ فأمَّا أهل الدِّين والعلم فغير منكرين علمه وزهده في الدُّنيا ورفضه لها، وقناعته بما كان يرد عليه من حصَّةٍ خلَّفها له أبوه بطبرستان يسيرة. قال الفرغاني: ورحل ابن جرير لمَّا ترعرع من آمل، وسمح له أبوه في السَّفر، وكان طول حياته ينفذ إليه بالشّيء بعد الشَّيء إلى البلدان، فسمعته يقول: أبطأت عنّي نفقة والدي، واضطررتُ إلى أن فَتَقْتُ كُمَّيْ القميص فبعتهما. قال الفرغاني: وحدَّثني هارون بن عبد العزيز قال: قال لي أبو جعفر الطَّبري: أظهرت مذهب الشَّافعي، واقتديت به ببغداد عشر سنين، وتلقّاه منِّي ابن بشَّار الأحول شيخ ابن سريج. قال الفرغاني: فلمَّا اتَّسع علمه أدَّاه بحثه واجتهاده إلى ما اختاره في كتبه. قال: وكتب إلى المراغي أنَّ الخاقاني لمَّا تقلَّد الوزارةَ وجَّه إلى الطَّبري بمالٍ كثيرٍ، فأبى أن يقبله، فعرض عليه القضاء فامتنع، فعاتبه أصحابه وقالوا: لك في هذا ثوابٌ، وتُحيي سنَّةً قد درست، وطمعوا في أن يقبل ولاية المظالم، فانتهرهم (113) في - ب - بعقله. 218 طبقات الشافعية وقال: قد كنت أظنُّ أنّي لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه. قال: وكتب إلى المراغي يذكر أنَّ المكتفي قال للحسن بن العبَّاس: إنّ أريد أن أوقف وقفًا يجمع أقاويل العلماء على صحّته ويسلم من الخلاف، قال: فأحضر ابن جرير فأملى عليهم كتابًا كذلك، فأخرجت لهم جائزة سنيَّة، فأبى أن يقبلها، فقيل له: لا بدَّ من جائزةٍ أو قضاءٍ حاجة، فقال: نعم الحاجة أسأل أمير المؤمنين أن يتقدَّم إلى الشُرَطِ أن يمنعوا السُّؤال من دخول المقصورة يوم الجمعة، فتقدَّم بذلك وعظم في نفوسهم. قال الفرغاني: وأرسل إليه العبَّاس بن الحسن الوزير: قد أحببت أن أنظر في الفقه وسأله أن يعمل له مختصرًا، فعمل له كتاب الخفيف وأنفذه، فأرسل له ألفَ دينارٍ فلم يقبلها فقيل له: تصدَّق بها فلم يفعل . وذكر عبد الله بن أحمد السَّمسار وغيره أنَّ أبا جعفر بن جرير قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة قالوا: هذا ممَّا تفنَى الأعمار قبل تمامه، فقال: أما والله ماتت الهِمَمُ، فأملاه في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ولمَّا أراد أن يملي التّفسير قال لهم كذلك، ثمَّ أملاه بنحوٍ من التَّاريخ. وقال الفرغاني: ثمَّ من كتبه كتاب النَّفسير (114)، وكتاب القراءات والعدد والتّنزيل، ثمَّ له كتاب اختلاف العلماء، وثمَّ له كتاب التّاريخ إلى عصره، ثمَّ كتاب تاريخ الرِّجال من الصَّحابة والتَّابعين إلى شيوخه، ثمَّ كتاب لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام، وهو مذهبه الذي اختاره وجوَّده واحتجَّ له، وهو ثلاثة وثمانون كتابًا و كتاب الخفيف وهو مختصر، وكتاب التَّبصير في أصول الدِّين، وابتدأ بتصنيف كتاب تهذيب الآثار وهو من عجائب كتبه، ابتدأ بما رواه أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه ممَّا صحَّ عنه، وتكلَّم على كلِّ حديثٍ منه بعلله وطرقه وما فيه من الفقه والسُّنن، واختلاف العلماء وحججهم، وما فيه من المعاني والغريب، فتمَّ منه مسند العشرة وأهل البيت والموالي رضي اللَّه عنهم، ومن مسند ابن عبّاس رضي اللَّه عنه قطعة كبيرة، فمات قبل تمامه، وابتدأ بكتاب البسيط فخرَّج منه كتاب (114) هديَّة 26/2. 219 الطَّبقة الثَّالثة الطَّهارة في نحو ألف وخمسمائة ورقة، وخرَّج منه أكثر كتاب الصَّلاة، وخرَّج منه آداب الحكّام، وكتاب المحاضر والسجلات، وغير ذلك. ولمَّا بلغه أنَّ بكر بن أبي داود تكلّم في حديث (غدير خم) عمل كتاب الفضائل، فبدأ بفضل الخلفاء الرَّاشدين، وتكلّم على تصحيح حديث غدير خم، واحتجّ بتصحيحه. وقال محمَّد بن علي بن سهل الإمام: سمعت محمَّد بن جرير وهو يكلِّم ابن صالح الأعلم فقال: من قال: إنَّ أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدّى إيش هو؟ فقال ابن صالح: مبتدع، فقال ابن جرير: مبتدع مبتدع، هذا يقتل. وقال حُسينك بن علي النِّيسابوري: أوَّل ما سألني ابن خزيمة فقال: كنت عند محمَّد بن جرير؟ قلت: لا، قال: ولم؟ قلت: لأنَّه كان لا يظهر. وكانت الحنابلة تمنع من الدُّخول عليه، فقال: بئس ما فعلت، ليتك كنت لم تكتب عليَّ كلَّ من كتبت عنهم، وسمعت منه. وقال ابن بَالُوَيْه: سمعت ابن خزيمة يقول: ما أعلم على أديم الأرضٍ أعلم من ابن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة . وقال الشَّيخ أبو حامد(115) شيخ الشَّافعيَّة: لو سافر رجلٌ إلى الصِّين حتَّى يحصل على تفسير محمَّد بن جرير لم يكن كثيرًا. قلت: قد وقع بينه وبين الحنابلة أظنُّه بسبب مسألة اللَّفظ، واتُّهم بالتَّشيّع فطلبوا عقد مناظرة بينهم وبينه، فجاء ابن جرير رحمه اللَّه لذلك ولم يجىء منهم أحدٌ، وقد بالغ الحنابلة في هذه المسألة، وتعصَّبوا لها كثيرًا واعتقدوا أنَّ القول بها يقضي إلى القول بخلق القرآن وليس كما زعموا، فإنَّ الحقَّ لا يحتاط له بالباطل والله أعلم. قال ابن كامل: توفّي ابن جرير عشيّة الأحد ليومين بقيا من شوَّال سنة عشر وثلاثمائة، عن ستّ وثمانين سنة، ودفن في داره برحبة يعقوب، ولم يغيِّر شَيْبه، وكان الغالب عليه السَّواد في رأسه ولحيته، وكان أسمر إلى الأَدْمَةِ أعينَ، نحيف الجسم مديد القامة فصيحًا؛ واجتمع عليه من لا يحصيهم إلاَّ اللّه تعالى، وصلّي (115) هو أبو حامد الإسفراييني: الخطيب: تاريخ. 220 طبقات الشافعية على قبره عدَّة شهور ليلاً ونهارًا، ورثاه خلقٌ كثيرٌ من أهل الدِّين والأدبِ، فمن ذلك قول أبي سعيد ابن الأعرابي (116) رحمه الله: دقَّ في مثله اصطبار الصَّبورِ حَدَثٌ مقطعٌ وخطبٌ جَلِيلٌ قَامَ نَاعِي محمَّد بن جريرٍ قامَ نَاعي العلومِ أجمَع لمَّا أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجّاج المزِّي من لفظه، أخبرنا شيخ الإسلام أبو الفرج عبد الرَّحمان بن أبي عمرو، وفخر الدِّين ابن البخاري [وأحمد بن سنان وغير واحد سماعًا قالوا: أخبرنا أبو حفص ابن طبرزد، أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن البنَّا](117)، أخبرنا أبو محمَّد الحسن بن علي الجوهري أخبرنا أبو جعفر أحمد بن علي بن حجر الكاتب قراءة عليه وأنا حاضرٌ أسمع، حدَّثنا أبو جعفر محمَّد بن جرير الطَّبري، حدَّثني بشر هو ابن دحية، حدَّثنا قزعة بن سويد، حدَّثني عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنه أنَّ رسول اللّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال: ((من ختم له عند موته بلا إلاه إلاَّ اللَّه دخل الجنَّة،)) غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه. 100) محمَّد(118) بن جعفر، بن محمَّد(119) بن خازم، أبو جعفر الجرجاني الخازمي، الفقيه الشَّافعي. صاحب ابن سريج، أحد الأئمَّة، هكذا ترجمه شيخنا الذّهبي في تاريخه، ولم يزد. (116) أورد الخطيب البيتين مع أبيات أخر. (117) ما بين المعقوفين ساقط من - ب -. (118) السُّبكي 130/3، والإسنوي 352/1، والسَّهمي: تاريخ جرجان 437 وفيه محمَّد بن جعفر بن محمَّد بن حازم، توفي سنة 324 هـ. (119) محمَّد ساقطة من الأصل والإكمال من السُّبكي.