Indexed OCR Text

Pages 161-180

161
الطَّبقة الأولى
ابن واصل البخاري الباهلي؛ وهو أوَّل من حمل كتب الشَّافعي إلى بخارى، وأبو
الوليد ابن أبي الجارود، وأبو حاتم الرَّازي (205). وقال: صدوقٌ.
وقال الخطيب(206) البغدادي: وكان قد حمل إلى بغداد في أيَّام المحنة،
وأُرِيدَ على القول بخلق القرآن، فامتنع عن الإجابة إلى ذلك، فحبس ببغداد، ولم
يزل في الحبس إلى حين وفاته، وكان صالحًا متعبِّدًا زاهدًا.
قال أبو الوليد ابن أبي الجارود: كان البُويطي جاري، فما كنت آتيه ساعة
من اللَّيل إلاَّ أسمعه يقرأ ويصلّي.
قال الرَّبيع: وكان أبو يعقوب أبدًا يحرّك شفتيه بذكر اللَّه. قال الرَّبيع: سمعته
يقول: إنَّما خلق كلَّ شيء بكُنْ، فإن كانت كُنْ مخلوقٌ، فمخلوقٌ خلق مخلوقًا.
وقال الرَّبيع: ما رأيت أحدًا أبرع بحجّة من كتاب اللَّه منه. وقال الرَّبيع: وكانت له
من الشَّافعي منزلة، وكان الرَّجل ربَّما تسأله عن المسألة فيقول: سل أبا يعقوب
البُويطي (فإذا أجاب أخبره فيقول هو كما قال، وربَّما جاء إلى الشَّافعي رسول
صاحب الشّرطة فيوجِّه الشَّافعي أبا يعقوب البُويطي ويقول: هذا لساني) (207) .
وقال أبو سعيد ابن يونس في تاريخ مصر: كان من أصحاب الشَّافعي، وكان
متقشِّفًا، حمل من مصر أيَّام المحنة والفتنة بالقرآن إلى العراق، فأرادوه على الفتنة
فامتنع، فسجن ببغداد وقيّد وأقام مسجونًا إلى أن توفّي في السِّجن والقيد ببغداد
سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، كذا قال في تاريخ وفاته.
والصَّحيح الذِّي ذكره موسى بن هارون الحافظ وغير واحدٍ أنَّه مات في
رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
وقال الشَّيخ ابن عبد البرِّ (208): كان من أهل الدِّين والعلم والفهم والثّقة،
صليبًا في السنّة، يردُّ على أهل البدع، وكان حسن النّظر.
قرأت على شيخنا الحافظ المزِّي أخبرنا أبو العزّ بن شيبان، أخبرنا أبو اليمن
(205) الجرح 9/ 235.
(206) تاريخ 299/14.
(207) ما بين المعقوفين ساقط من - ب -.
(208) ابن عبد البرِّ: الانتقاء 109.

162
طبقات الشافعية
الكندي، أخبرنا أبو منصور القزَّاز، أخبرنا الحافظ أبو بكر الخطيب، أخبرنا أبو
نصر الحسين بن محمَّد بن طلاب الخطيب بدمشق، أخبرنا محمَّد بن أحمد بن
عثمان السُّلمي، حدَّثنا محمَّد بن بشر الزُّهري بمصر قال: سمعت الرَّبيع بن
سليمان قال: كنت عند الشَّافعي أنا والمزني وأبو يعقوب البويطي فنظر إلينا فقال:
أنت تموت في الحديث، وقال للبويطي: أنت تموت في الحديد، وقال للمزني:
هذا لو ناظره الشّيطان قطعه أو جَدَلَه.
قال الرَّبيع: فدخلت على البُويطي أيَّام المحنة فرأيته مقيّدًا في أنصاف ساقيه
مغلولة يداه إلى عنقه، قلت: هذا من كرامات الشَّافعي، ومناقب البُويطي.
وعن الرَّبيع قال: كان البويطي حين مرض الشَّافعي بمصر هو وابن عبد
الحكم والمزني، فاختلفوا في الحلقة أيُّهم يقعد فيها، فبلغ الشَّافعي فقال: الحلقة
للبُويطي، فلهذا اعتزل ابن عبد الحكم الشَّافعي وأصحابه، وكانت أعظم حلقة في
المسجد، وكان أبو يعقوب البويطي يصوم ويقرأ القرآن، لا يكاد يمرُّ يوم وليلة إلاّ
ختمه، مع صنائع المعروف إلى النَّاس، قال: فسعى به وكان أبو بكر الأصمُّ،
وليس ابن كيسان ممَّن سعى به، وكان من أصحاب ابن أبي داود وابن الشَّافعي
ممَّن سعى به، حتَّى كتب فيه ابن أبي داود إلى والي مصر فامتحنه فلم يجب،
وكان الوالي حسن الرَّأي فيه، فقال: قل فيما بيني وبينك، فقال: إنَّه يقتدي بي
مائة ألف، ولا يدرون المعنى، قال: وكان قد أمر أن يحمل إلى بغداد في أربعين
رطل حديدٍ. قال الرَّبيع: فرأيته على بغلِ في عنقه غلُّ وفي رجليه قيدٌ، وبين الغلِ
والقيد سلسلة حديدٍ وهو يقول: إنَّما خلق الخلقَ بكُن، فإذا كانت مخلوقة فكأنَّ
مخلوقًا خلق بمخلوقٍ، ولئن أدخلت عليه لأصدقنَّه ولأموتنَّ في حديدي هذا،
حتَّى يأتي قوم يعلمون أنَّه قد مات في هذا الشّأن قوم في حديدهم.
قال أبو عمر المستملي: حضرنا مجلس محمَّد بن يحيى الذُّهلي، يقرأ علينا
كتاب البُويطي إليه، وإذا فيه: والذي أسألك أن تعرض حالي على إخواننا أهل
الحديث لعلَّ اللَّه يخلّصني بدعائهم، فإنّي في الحديد وقد عجزت عن أداء
الفرائض من الطَّهارة والصَّلاة، قال: فضجَّ النَّاس بالبكاء والدُّعاء له.
قلت: وبلغني أنَّه كان يغتسل يوم الجمعة ويتطهّر ويتطيّب ويلبس ثيابه، ثمَّ
يخرج إلى باب السِّجن إذا سمع النّداء فيردُّه السجّان ويقول له: أرجع يرحمك
الله، فيقول: اللَّهم إنِّي أجبت داعيك فمنعوني، وقد حكاها الشَّيخ أبو إسحاق في

163
الطَّقة الأولى
الطَّبقات(209)، عن نقل السَّاجي عنه.
قال أبو بكر الأثرم: كنّا في مجلس البُويطي فقرأ علينا عن الشَّافعي رضي
الله عنه: إنَّ التيمُم ضربتان، فقلت له: حديث عمَّار عن رسول الله صلَّى اللَّه
عليه وسلَّم: ((إنَّ التيمُم ضربةٌ واحدة))(210) قال: فحكَّ من كتابه (ضربتان) وصيّره
ضربةً على حديث عمَّار، ثمّ قال: قال الشَّافعي: إذا رأيتم عن رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم الثَّبت فاضربوا على [قولي] وخذوا بالحديث، فإنَّه قولي.
قال الشَّيخ أبو عمرو بن الصَّلاح (211): رواها الحافظ أبو بكر بن مردويه،
وهذا القول الذي حكي عن القديم: أنَّ التيمُم للوجه والكفَّين فحسب.
وقال الرَّبيع: كتب إليَّ البُويطي: أن اصبر نفسك للغرباء، وحسِّن خلقك
لأهل جلدتك، فإنّي لم أزل أسمع الشَّافعي يتمثّل بهذا البيت:
أُهِينُ لَهُم نفْسي لِكَيْ يُكْرِمُونَهَا ولا تكرمُ النَّفسُ الّتي لا تُهينهَا (212)
روى له أبو داود في كتاب المسائل قوله: من قال إنَّ القرآن مخلوق فهو
كافر. والتّرمذي عن الشَّافعي قوله.
قال الشَّيخ أبو إسحاق: مات ببغداد في السِّجن والقيدُ في رجليه، وكان
حُمل من مصر في فتنة القرآن، فأبى أن يقول بِخَلْقِهِ، فسُجن وقيّد حتَّى مات سنة
إحدى وثلاثين ومائتين.
56) يونس(213) بن عبد الأعلى بن ميسرة بن حفص بن حيَّان الصَّدفي، أبو
موسى المصري.
أحد أصحاب الشّافعي. روى عن أشهب، وابن وهب، والشَّافعي، والوليد
ابن مسلم، وجماعة .
(209) الشيرازي 98.
(210) رواه البخاري في كتاب التيمُم وابن ماجة في كتاب الطَّهارة.
(211)
الطَّبقات 2/ 681.
الخطيب: المرجع السَّابق وفيه: ولا .
(212)
السُّبكي: 2/ 170، والإسنوي 1/ 33، والجزري: طبقات القرَّاء 2/ 406، والمزِّي:
(213)
تهذيب 8/ 212.

164
طبقات الشافعية
وعنه مسلم، والنَّسائي وابن ماجة، وابنه أحمد بن يونس، وبقيُّ بن مخلد،
وأبو زرعة، وأبو حاتم، وكان يوثّقه، ويرفع من شأنه، وقال: سمعت أبا الطَّاهر
ابن السَّرج يحثُ عليه ويعظّم شأنه، وابن خزيمة، وأبو عوانة الإسفراييني.
وقال النَّسائي: ثقةٌ. وقال أبو جعفر الطَّحاوي: كان ذا عقلٍ، ولقد حدَّثني
علي بن عمرو بن خالد قال: سمعت أبي يقول: قال الشَّافعي: يا أبا الحسن،
انظر إلى هذا الباب الأوَّل من أبواب المسجد الجامع، فنظرت إليه، فقال: ما
يدخل من هذا الباب أحدٌ أعقل من يونس بن عبد الأعلى. وذكره ابن حبَّان في
كتاب الثّقات.
وقال حفيده أبو سعيد عبد الرَّحمان ابن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى
الصَّدفي في تاريخ دعوتهم في الصَّدف: وليس من أنفسهم ولا من مواليهم.
توفّي غداة يوم الإثنين ليومين مضيا من ربيع الآخر سنة أربعٍ وستّين
ومائتين، وكان مولده في ذي الحجّة سنة سبعين ومائة فيما حدَّثني أبي.
وقال الشَّيخ أبو إسحاق في الطَّقات(214) في ذكر أصحاب الشّافعي، ومنهم:
أبو موسى يونس بن عبد الأعلى الصَّدفي. مات سنة أربع وستِّين ومائتين السَّنة
الّتي مات فيها المزني، رحمهما الله تعالى.
(214) الشِّيرازي: 80.

الطَّبقة الثّانية
من أصحاب الإمام الشَّافعي رضي اللَّه عنه
ممَّن لم يدركه ومات، إلى سنة ثلاثمائة
57) أحمد(1) بن سيَّر بن أيُّوب، أبو الحسن المروزي. الحافظ الفقيه أحد
الأعلام.
سمع ابن راهويه، وسليمان بن حرب، وصفوان بن صالح الدِّمشقي،
وعثمان بن مسلم، ومحمَّد بن كثير، ويحيى بن بكير، وغيرهم.
وعنه النَّسائي ووثَّقه. ويقال: إنَّ البخاري روى عنه، عن محمَّد بن أبي بكر
المقدَّمي، وحدَّث عنه محمّد بن نصر(2) المروزي، ومحمَّد بن خزيمة، وأبو بكر
ابن أبي داود، وطائفة.
وقال ابن أبي حاتم(3) رأيت أبي يطنب في مدحه، ويذكره بالعلم والفقه.
وقال الحافظ أبو بكر بن الخطيب(4): كان إمام أهل الحديث في بلده علمًا
وأدبًا وزهدًا وورعًا، وكان يُقاس بعبد الله بن المبارك في عصره.
وذكره الدَّارقطني(5) فقال: رحل إلى الشَّام ومصر، وصنّف، وله كتاب في
أخبار مرو(6)، وهو ثقةٌ في الحديث.
السُّبكي 2/ 183، وابن قاضي شهبة 28/1، وابن حجر: تهذيب 35/1، والمزِّي:
(1)
تهذیب 42/1.
(2)
في الأصل صقر، والإصلاح من السُّبكي: المرجع السَّابق، والمزِّي: تهذيب 43/1.
(3)
الجرح 2/ 53.
(4)
تاريخ 4/ 187.
(5)
المؤتلف والمختلف رقم 222.
البغدادي: هدَّية 1/ 50، وفيه: له تاريخ مرو الرُّوذ.
(6)

166
طبقات الشافعية
وذكره الشَّيخ أبو عمرو ابن الصَّلاح في طبقات الشَّافعيِين(7)، وحكى عنه أنَّه
وجد عند القفَّال المروزي فيما علَّق عنه من فتاويه: أنَّ أحمد بن سيَّار قال: إذا لم
يرفع يديه للافتتاح لم تصحّ صلاته خلافًا لجمهور العلماء قال: ويفارق سائر
المواضع لأنَّ تكبيراتها يجوز تركها، فجاز ترك رفع اليدين فيها، أمَّا تكبيرة الإحرام
فلا يجوز تركها، فلا يجوز ترك رفع اليدين فيها لأنَّه من تتمَّتها وشرطها. قال
الشَّيخ أبو عمرو: وقد نظرت في خلاف العلماء، فلم أجد ذلك محكيًّا عن أحدٍ،
والله أعلم.
قلت: وقد نقل عنه إيجاب الأذان لصلاة الجمعة دون غيرها، وهذا غريب
أيضًا، والله أعلم.
وقد أرَّخ الحاكم النِّسابوري وغيره وفاته بربيع الأوَّل سنة ثمانٍ وستِّين
ومائتين، عن سبعين سنة .
58) أحمد(8) بن محمَّد بن ساكن، أبو عبد الله الزِّنجاني.
الفقيه، من كبار الأئمّة. رحل إلى العراق ومصر، وتفقَّه على المزني وغيره،
وسمع الحديث من إسماعيل ابن بنت السدِّي، وأبي مصعب، وأبي كليب،
والحسن بن علي الحلواني، وغيرهم.
وعنه عبد الرَّحمان ابن أبي حاتم، وعلي بن أبي سلمة القطَّان، ويوسف بن
القاسم المنايحي وجماعة أخرون، وآخرهم موتًا إبراهيم بن أبي حمَّاد الأبهري.
قال الحافظ أبو يعلى الخليل: توفّي قبل الثَّلاثمائة، وبقي إلى سنة تسع
وتسعين ومائتين، رحمه الله.
59) الجنيد(9) بن محمَّد بن الجنيد، أبو القاسم النُّهَاوندي، ثمَّ البغدادي
القَوَاريري الخزَّاز.
وقيل كان أبوه قواريريًّا يعني زجَّاجًا، وهو الإمام العَلَم في طريقة التصوُّف،
(7)
(8)
.342 /1
الإسنوي 1/ 610، والمقريزي: المقفَّى 720/1.
السُّبكي 2/ 260، والإسنوي 1/ 434، وابن قاضي شهبة 436/1، والسُّلمي: طبقات 155.
(9)

167
الطَّبقة الثّانية
وإليه المرجع في السُّلوك في زمانه وبعده رحمه اللَّه، اشتغل الجنيد في الفقه على
أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وأبو ثور أحد أصحاب الشَّافعي كما تقدَّم(16)،
وكان الجنيد يفتي بحلقة أبي ثور وله من العمر عشرون سنةً.
وسمع الحديث من الحسن بن عرفة، وغيره.
اختصَّ بصحبة سريٍّ السقطي، والحارث بن أسد المحاسبي، وأبي حمزة
البغدادي .
وروى عنه جعفر الخلدي، وأبو محمَّد الجريري، وأبو بكر الشّبلي، ومحمّد
ابن علي بن حسن، وعبد الواحد بن علوان، وخلق من الصُّوفيّة.
وكان ممَّن برِّز في العلم والعمل، وجمع بينهما.
وقال الخلدي: لم نرَ في شيوخنا من اجتمع له علمٌ وحالٌ غير الجنيد؛
كانت له حالٌ خطيرةٌ وعلمٌ غزيرٌ، فإذا رأيت حاله رجَّحته على علمه، وإذا رأيت
علمه رجّحته على حاله.
وقال أحمد بن جعفر المنادي في تاريخه: سمع الكثير (11) وشاهد الصَّالحين
وأهل المعرفة، ورزق من الذَّكاء وصواب الجواب في فنون العلم ما لم يُرَ في
زمانه مثله عند أحدٍ من أقرانه، ولا ممَّن أرفع سنًّا منه ممَّن كان منهم، ينسب إلى
العلم الباطن والعلم الظَّاهر في عفافٍ وعزوفٍ عن الدُّنيا وأنبائها .
لقد قيل لي: إنَّه قال ذات يوم: كنت أفتي في حلقة أبي ثورٍ ولي عشرون
سنة .
وقال أحمد بن عطاء الروذباري: كان الجنيد يتفقَّه لأبي ثورٍ ويفتي في
حلقته .
وعن الجنيد أنَّه قال: ما أخرج اللَّه إلى الأرض علما(12) وجعل للخلق إليه
سبيلاً إلاَّ وقد جعل لي فيه حظًّا.
قال أبو القاسم الكعبي المتكلّم المعتزلي يومًا لأصحابه: رأيت لكم شيخًا
(10) انظر ترجمة أبي ثور (الطَّقة الأولى).
(11)
في - ب - : سمع الكبراء.
علمًا، ساقطة من أ، و - ب -، والإكمال من السُّبكي: المرجع السّابق.
(12)

168
طبقات الشافعية
ببغداد يقال له الجنيد ما رأت عيناي مثله، [كان الكتبة يحضرون لألفاظه،
والفلاسفة يحضرونه لدقَّة معانيه، والمتكلِّمون يحضرونه لتمام علمه، وكلامه بائنٌ
عن فهمهم وعلمهم] (13).
وعن ابن سريج: أنَّه تكلّم يومًا فأعجب به بعض الحاضرين، فقال ابن
سريج: هذا ببركة مجالستي لأبي القاسم الجنيد رحمه الله.
وقال الحافظ أبو نعيم(14): حدَّثنا علي بن هارون، ومحمَّد بن أحمد بن
يعقوب قالا: سمعنا الجنيد غير مرَّة يقول: عِلمُنا مضبوطً بالكتاب والسنَّة، من لم
يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقَّه لا يقتدى به.
وقال عبد الواحد بن علوان: سمعته يقول: علمنا هذا، يعني التصوُّف
مشبكٌ بحديث رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم.
وقال الحريري: سمعته يقول: ما أخذنا التصوُّف من القالِ والقيلِ، لكن عن
الجوع، وترك الدُّنيا، وقطع المألوفات.
ويقال: كان نقشُ خاتمه: إذا كنت تأمله فلا تأمنه.
وقال أبو جعفر الفرغاني: سمعته يقول: أقلُّ ما في الكلام سقوط هيبة الربِّ
جلَّ جلاله من القلب، والقلب إذا عري من الهيبة عري من الإيمان.
وقال السُّلمي(15): سمعت جدِّي إسماعيل بن عبد يقول: كان الجنيد يجيء
فيفتح حانوته ويدخل، فَيُسْبِلُ السِّترَ ويصلِّي أربعمائة ركعة. وقال غيره(16): كان
ورده كلَّ يوم في سوقه ثلاثمائة ركعة، وكذا كذا ألف تسبيحة.
قال أبو بكر العطوي: كنت عند الجنيد حتَّى احتضر، فختم القرآن ثمَّ ابتدأ
فقرأ من البقرة سبعين آية، ثمَّ مات رحمه الله.
قال أبو الحسين بن المبارك(17): مات في شؤَال سنة ثمانٍ وتسعين
ما بين المعقوفين ساقط من - ب -.
(13)
(14)
الحلية255/1.
(15)
في - ب -: قال الشِّبلي.
السُّبكي: المرجع السَّابق، وفيه: قال الخلدي: وبلغني أنَّ الجنيد كان في سوقه وكان
ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثين ألف تسبيحة.
(16)
في - ب - ابن المنادي.
(17)

169
الطّبقة الثّانية
ومائتين(18)، وشهد جنازته نحو ستّين ألفًا، ودفن إلى جانب قبر سريِّ السَّقطي
رحمهما الله تعالى.
وقال الحافظ أبو نعيم: أخبرنا الخلدي كتابةً قال: رأيت الجنيد في النّوم
فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: طاحت تلك الإشارات، وغابت تلك العبارات،
وفنيت تلك العلوم، وفقدت تلك الرُّسوم، وما نفعنا إلاَّ ركعات كنّا نركعها في
الأسحار.
وبالإسناد المتقدِّم إلى الخطيب قال: أخبرني أبو سعيد الماليني قراءة عليه،
أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمَّد بن أحمد بن مقبل البغدادي، حدَّثنا جعفر بن
محمَّد الخلدي، حدَّثنا الجنيد بن محمَّد، حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا محمَّد بن
كثير عن عمرو بن قيس المُلائي، عن عطيَّة، ابن أبي سعيد الخدري قال: قال
رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم: ((اتَّقوا فراسة المؤمن، فإنَّه ينظر بنور الله))، ثمَّ
قرأ: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِلْمُنَّوَسّمِينَ﴾(19). ورواه التّرمذي(20) من وجهٍ آخر عن عمرو
ابن قيسٍ وقال: غريبٌ.
60) إسحاق (21) ابن أبي عمران الإسفراييني، وهو إسحاق بن موسى بن
عمران.
الفقيه الحافظ، وهو والد الحافظ أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني
صاحب الصَّحیح.
تفقَّه بالمزني، وسمع المبسوط من الرَّبيع. وروى عن قتيبة، وعلي بن
حُجر، ومحمَّد بن بكّار بن الريَّان، وجُبارة بن المفلَّس، وأبي مصعب، وهشام بن
عمَّار، وخلق بالشَّام والعراق ومصر.
وعنه ابنه أبو عوانة في كتابه الصَّحيح، ومحمَّد بن الأحزم، ومحمَّد بن
ابن خلكان: وفيات 1/ 374، وفيه: توفّي يوم السَّبت 297هـ وقيل 298هـ آخر ساعة من
(18)
نهار الجمعة، ودفن بالشُّونيزيَّة عند خاله سري السَّقطي.
(19)
الآية 75 سورة الحجر.
(20)
في تفسير سورة الحجر.
السُّبكي 2/ 258، والمقريزي: المقفّى 57/2.
(21)

170
طبقات الشافعية
عبدَك، ومؤمِّل بن الحسن، وجماعة. وكان من كبار الأئمَّة في الفقه والحديثِ.
توفّي بإسفرايين في رمضان سنة أربع وثمانين ومائتين.
61) داود (22) بن علي بن خلف بن سليمان الأصبهاني، ثمَّ البغدادي،
مولى المهدي، إمام أهل الظاهر.
ولد سنة اثنتين ومائتين، وسمع الحديث من سليمان بن حرب، والقعنبي،
وعمرو بن مروان، ومحمَّد بن كثير العبدي، ومسدَّد، وأبي ثور الفقيه، وإسحاق
ابن راهويه، سمع منه المسند والتَّفسير بنيسابور، وجالس الأئمَّة، وصنَّف
الكتب(23) وسمع منه ابنه أبو بكر محمَّد، وزكريَّاء السَّاجي، ويوسف بن يعقوب
الدَّاوودي الفقيه، وعبَّاس بن أحمد المذكّر، وغيرهم.
قال الحافظ أبو بكر الخطيب(24): كان إمامًا ورعًا ناسكًا زاهدًا، وفي كتبه
حديثٌ كثيرٌ، لكن الرِّواية عنه عزيزة جدًّا.
قال أبو محمَّد بن حزم: إنَّما عرف بالأصبهاني لأنَّ أمَّه أصبهانيَّة، وكان أبوه
حنفيَّ المذهب. قال: وكتب داود ثمانية عشر ألف ورقة.
وقال الشَّيخ أبو إسحاق الشِّيرازي في الطَّبقات (25): ولد سنة اثنتين ومائتين،
وأخذ العلم عن إسحاق، وأبي ثور، وكان زاهدًا متقلّلاً.
قال أبو العبّاس ثعلب: كان داود عقله أكبر من علمه.
وقال أبو إسحاق: قيل: كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر.
قال: وكان من المتعصِّبين للشَّافعي. صنَّف (26) كتابين في فضائله والثَّناء
عليه .
(22)
السُّبكي 2/ 284، وفيه: أبو سليمان، وابن قاضي شهبة 32/1، وابن خلكان: وفيات:
. 255 /2
(23)
البغدادي: هديّة 359/1.
(24)
تاريخ 8/ 369.
الشِّیرازي 92.
(25)
البغدادي: هدَّية 1/ 359 له: كتاب الكافي في مقالة المطلّبي، أي الإمام الشّافعي وسمَّاه
أيضًا كتاب السِّير.
(26)

171
الطَّبقة الثّانية
قال: وانتهت إليه الرِّئاسة في العلم ببغداد، وأصله من أصبهان، ومولده
بالكوفة ومنشأه ببغداد وقبره بها .
وقال أبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي: رأيت داود بن علي يردُّ على
إسحاق بن راهويه، وما رأيت أحدًا قبله ولا بعده يردُّ عليه هيبةً له.
وقال عمر بن محمَّد بن بجير: سمعت داود بن علي يقول: دخلت على
إسحاق بن راهويه وهو يحتجم فجلست، فأخذت كتب الشَّافعي، فأخذت أنظر
فصاح: إيش تنظر؟ فقلت: ﴿مَعَاذَ اَللَّهِ أَن تَأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ﴾،
فجعل يضحك ويتبسَّم.
وقال أبو بكر الخلاَّل: أخبرنا الحسين بن عبد اللَّه قال: سألت المروزي عن
قصَّة داود الأصبهاني وما أنكر عليه أبو عبد اللَّه فقال: كان داود خرج إلى خراسان
إلى ابن راهويه، فتكلَّم بكلام شهد عليه أبو نصر بن عبد المجيد وآخر، شهدا
عليه أنَّه قال: القرآن محدث، فقال لي ابن عبد الله بن داود بن علي: لا فرَّج الله
عنه، قلت: هذا من غلمان أبي ثورٍ، قال: جاءني كتاب محمَّد بن يحيى
النِّيسابوري أنَّ [داود الأصبهاني قال ببلدنا: إنَّ القرآن محدث.
قال المروزي: حدَّثني محمَّد بن إبراهيم النِّيسابوري أنَّ](27) إسحاق بن
راهويه لمَّا سمع كلام داود في بيته وثب عليه إسحاق فضربه وأنكر عليه.
وقال الخلاَّل: سمعت أحمد بن محمَّد بن صدقة يقول: سمعت محمَّد بن
الحسين بن صبيح يقول: سمعت داود الأصبهاني يقول: القرآن محدث، ولفظي
بالقرآن مخلوق .
قلت: وقد اختلف أصحابنا والعلماء من غيرهم أيضًا في أنَّه هل يعتدُّ
بخلاف داود ووفاقه في نقض الإجماع وإبرامه على قولين؟ فذهب الشَّيخ أبو علي
ابن أبي هريرة إلى أنَّه لا يعتدُّ بخلافه في الفروع دون الأصول، وقال إمام
الحرمين: الذي ذهب إليه أهل التَّحقيق أنَّ منكري القياس لا يعدُّون من علماء
الأمَّة ولا من حملة الشّريعة، لأنَّهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضةً وتواترًا.
وقال الشَّيخ أبو عمرو بن الصَّلاح: الذي اختاره الأستاذ أبو منصور وذكر أنَّه
(27) ما بين المعقوفين ساقط من - ب -.

172
طبقات الشافعية
الصَّحيح من المذهب، أنَّه یعتبر خلاف داود.
قال ابن الصَّلاح: وهذا هو الذي استقرَّ عليه الأمر آخرًا كما هو الأغلب
الأعرف من صفوِ الأئمّة المتأخّرين الذين أوْرَدُوا مذهب داود في مصنّفاتهم
المشهورة كالشّيخ أبي حامد والماوردي وأبي الطيّب، فلولا اعتدادهم به لما ذكروا
مذهبه في مصنّفاتهم. قال: وأرى أن يُعْتَبَر(28) قوله إلاَّ فيما خالف فيه القياس
الجلي، وما أجمع عليه القياسيُّون من أنواعه، أو بناه على أصوله التي قام الدَّليل
القاطع على بطلانها فاتَّفاق من سواه إجماعٌ منعقدٌ.
قال ابن كامل: توفّ في رمضان سنة سبعين ومائتين.
وقد أورد له الخطيب في تاريخه حديثين استنكر إسنادهما، وقد سمعتهما من
لفظ شيخنا المزِّي(29) .
62) عبدان(30) بن محمَّد بن عيسى، الفقيه أبو محمَّد المروزي
الجَنُوچِردي (31)، نسبة إلى قريةٍ من قرى مرو.
وقال السَّمعاني(32): اسمه عبد اللَّه ولقبه عبدان، قال: وهو أحد من أظهر
مذهب الشَّافعي بخراسان، وكان المرجوع إليه في الفتاوى والمعضلات بعد أحمد
ابن سيَّار، وكان أحمد بن سيَّار قد حمل كتب الشَّافعي إلى مرو وأعجب بها
(28)
في - ب ۔ یفنّد.
(29)
المرجع السَّابق 8/ 370 وفيه: أخبرنا محمَّد بن عمر الدَّاوودي حدَّثنا عبد اللَّه بن محمَّد
الشَّاهد حدَّثنا العبّاس بن أحمد المذكّر حدَّثنا داود بن علي بن خلف حدَّثنا عيسى بن
يونس عن الأعمش عن ابن سفيان عن جابر قال: قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلّم:
((لا نكاح إلاَّ بوليٍّ)).
والثّاني: ((من آذى ذمِّيًّا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة)).
هذان الحديثان منكران بهذا الإسناد، والحمل فيهما عندي على المذكِّر فإنَّه غير ثقة،
والله أعلم.
(30)
السُّبكي: 2/ 297 والإسنوي 202/2، وفيه: عبد الله بن محمَّد وابن قاضي شهبة 34/1،
والخطيب: تاريخ 11/ 135 والذَّهبي: العبر 2/ 95.
(31)
بالأصل: الجنوجري، والتَّصحيح من السُّبكي، وفيه جُنوجرد، قرية من قرى مرو،
(ياقوت: معجم 182/1).
الأنساب 180/9 .
(32)

173
الطَّبقة الثّانية
النَّاس، فأراد عبدان أن ينسخها، فمنعه ابن سيَّار من ذلك، فباع ضيعة له بجَنُوجرد
وسار إلى مصر ونسخ كتب الشَّافعي على الوجه وأكثر، ورجع فدخل عليه أحمد
ابن سيَّار مسلِّمًا ومهنًّا، واعتذر من منع الكتب، فقال: لا تعتذر، فإنَّ لك عليَّ
منَّة في ذلك، فلو دفعت الكتب إليَّ لما دخلت إلى مصر.
قلت: رحل إلى مصر وتفقّه بأصحاب الإمام الشَّافعي، وبرع في المذهب
ونشره، وكان يُوصَف بالحفظ والزُّهد، وقد صنَّف الموطّأ وغير ذلك(33)، وروى
الحديث عن قتيبة بن سعيد، وعن عبد الله من منير، وأبي كريب، وإسماعيل بن
مسعود الحَجْدَري، وعبد الجبَّار بن العلاء، ويُندار، وعلي بن حجر، وجماعة
بخراسان والعراق ومصر والحجاز.
وعنه عمر بن علَّك، وأبو العبّاس الدَّغولي، وأبو حامد بن الشَّرقي، وأبو
أحمد الغسَّال، وعلي بن حمشاد، وأبو القاسم الطَّراني، وغيرهم.
قال أبو نعيم عبد الرَّحمان بن محمَّد الغفاري: سمعته يقول: ولدت ليلة
عرفة سنة عشرين ومائتين.
قال أبو نعيم: وتوفّي ليلة عرفة سنة ثلاثٍ وتسعين.
قال الطَّبراني: حدَّثنا عبدان بن محمَّد المروزي بمكّة سنة سبع وثمانين
ومائتين، حذَّثنا قتيبة بن سعيد، حدَّثنا محمَّد سحيل بن أبي يحيى الأسلمي عن
أبيه، عن أبي حدرد الأسلمي قال: كانت ليهوديّ عليَّ أربعة دراهم، فطلب منّي
ورسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلّم، يريد الخروج إلى خيبر، فاستنظرته إلى أن
أقدم، فقلت: لعلَّنا أن نغنم شيئًا، فجاء بي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فقال: النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أعطه حقَّه)) مرَّتين، فقلت: يا رسول اللَّه إنَّك
تريد الخروج إلى خيبر، ولعلَّ اللَّه أن يرزقنا بها غنائم، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه
عليه وسلَّم: ((أعطه حقّه))، وكان النبيُّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إذا قال الشّيء ثلاث
مرَّات لم يراجع، وعليَّ إزارٌ وعلى رأسي عصابة، فلمَّا خرجت قلت: اشتر منِّي
هذا الإزار، فاشتراه بالدَّراهم التي له عليَّ، فاتَّزرتُ بالعصابة التي على رأسي،
فمرَّت إمرأة عليها شملة فألبستني إيَّاها، قال الطَّبراني: لا يروى عن أبي حدرد إلاّ
بهذا الإسناد، تفرَّد به قتيبة.
البغدادي: هديّة 442/1، وفيه: له كتاب المعرفة مائة جزء، وكتاب الموطّأ.
(33)

174
طبقات الشافعية
أخبرني بهذا شيخنا أبو الحجّاج رحمه اللّه قراءةً من لفظه، أخبرنا أبو عبد
الله محمَّد بن عبد المؤمن الصُّوري، وزينب بنت مكْي بن علي بن كامل الحرَّاني،
قالا: حذَّثنا أسعد بن سعيد بن روح الصَّالحاني، وعائشة بنت معمر بن عبد الواحد
بن التَّاجر القرشي إجازة، قالا: أخبرتنا فاطمة بنت عبد اللَّه الجوزذانيَّة، أخبرنا أبو
بكر محمَّد بن عبد اللَّه بن زيد الأصبهاني، قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم
الطَّراني فذكره، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب السنَّة، والله أعلم.
63) عثمان(34) بن سعيد بن بشّار، أبو القاسم الأنماطي(35) البغدادي،
الأحول.
أحد أئمّة الشَّافعيَّة في عصره. أخذ الفقه عن المزني، والرَّبيع. وأخذه عنه
أبو العبّاس ابن سريج، وروى عنه أبو بكر الشَّافعي. وروى الخطيب البغدادي عن
ابن المنادي قال(36): كان للنَّاس فيه منفعة.
قال الشَّيخ أبو إسحاق الشِّيرازي في الطَّبقات(37): كان هو السَّبب في نشاط
النَّاس لكتبٍ فقه الشَّافعي، ولحفظه .
قال: ومات ببغداد سنة ثمانٍ ومائتين، زاد غيره في شؤَّال منها.
وقال أبو سليمان الخطابي في الرّسالة النَّصحة: أخبرنا أبو عمر غلام ثعلب
قال: سمعت ابن بشّار الأنماطي يقول: سمعت المزني يقول: قال لي الشَّافعي
رضي اللَّه عنه: إِيَّاك وعلمًا إذا أخطأتَ فيه قيل لك كفرتَ، وعليك بعلمٍ إذا
أخطأتَ فيه قيل لك: أخطأتَ أو لحنتَ.
قال أبو عمرو بن الصَّلاح(38): ورأيت [للعبادي] خبطًا في اسمه، زعم أنَّه
الحكم بن عمرو وأحسبه مرَّ به ذكر أبي القاسم الحكم بن عمرو الأنماطي، وليس
كذلك، ذاك متقدِّم، روى عنه أبو حاتم الرَّازي وغيره.
السُّبكي 2/ 301 والإسنوي 44/1، وابن قاضي شهبة 1/ 35.
(34)
(35)
نسبة إلى الأنماط وبيعها، وهي البسط التي تفرش، وغير ذلك من آلة الفرش من الأنطاع
والوسائد (اللِّسان: نمط).
(36)
تاريخ 11/ 292.
(37)
الشيرازي 104.
الطَبقات 2/ 589.
(38)

175
الطَّبقة الثّانية
64) عثمان(38) بن سعيد بن خالد بن سعيد السَّجزي الدَّارمي السجستاني.
محدِّث هراة، أحد الحفّاظ والأعلام. أخذ الفقه عن أبي يعقوب البُويْطي،
والعربيَّة عن ابن الأعرابي، والحديث عن أحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني،
ويحيى بن معين، ولقي الكبار، وبرع في العلوم، وطوَّف في الآفاق، وسمع
الحديث [بحمص من أبي اليمان](40)، ويحيى بن الوحاظي، وحَيْوَة بن شريح
وغيرهم، وبدمشق من خطيبها هشام بن عمَّار، وحمَّاد بن مالك
الحرستاني، وطائفة، وبمصر من سعيد بن أبي مريم، وعبد الغفَّار بن داود، ونعيم
ابن حمَّاد، وطائفة، وبالعراق من سليمان بن حرب، وموسى بن إسماعيل
التبوذكي، وخلق.
وعنه أحمد بن محمَّد ابن الأزهر وأبو عمرو أحمد بن محمَّد الحربي،
وأحمد بن محمَّد بن عبدوس الطَّرائفي وأبو النصر محمَّد بن محمَّد الطُّوسي
الفقيه، ومحمَّد بن يوسف الهروي نزيل دمشق، وجماعة.
قال أبو الفضل يعقوب الهروي الفرَّان: ما رأينا مثل عثمان بن سعيد، ولا
رأى هو مثل نفسه. وقال الحافظ أبو حامد الأعمش: ما رأينا في المحدِّثين مثل
محمَّد بن يحيى، وعثمان بن سعيد، ويعقوب الفسوي.
وقال أبو عبد الله ابن أبي ذهل: قلت لأبي الفضل ابن إسحاق الهروي: هل
رأيت أفضل من عثمان بن سعيد الدَّارمي؟، فأطرق ساعةً، ثمَّ قال: نعم، إبراهيم
الحربي .
قال أبو الفضل: ولقد كنّا في مجلس عثمان غير مرَّة، ومرَّ به الأمير عمرو
ابن اللَّيث فسلّم عليه، فقال: عليكم. حدَّثنا مسدَّد ولم يزد على هذا.
وقال ابن عبدوس الطَّرائفي: لمَّا أردت الخروج إلى عثمان بن سعيد الدَّارمي
كتب لي ابن خزيمة إليه، فدخلت هراة في ربيع الأوَّل سنة ثمانين، فقرأ الكتاب
ورحّب بي، وسأل عن ابن خزيمة، ثمَّ قال: يا فتى متى قدمت؟، قلت: غدًا،
السُّبكي 2/ 302، والإسنوي 1/ 516، وابن أبي حاتم: الجرح 153/2، وابن كثير:
(39)
البداية 69/11.
في - ب - بحصن ابن أبي اليمان.
(40)

176
طبقات الشافعية
قال: يا بنيَّ فارجع اليوم فإنَّك لم تقدم بعد، أو قال: فإنَّك بعد في الطَّريق.
وقال شيخنا أبو عبد اللَّه الذَّهبي(41): وللدَّارمي(42) كتاب في الردّ على
الجهميَّة سمعناه، وكتاب في الردِّ على بشر المريسي سمعناه. قلت: ووقع لي
سماعهما أيضًا، ولله الحمد والمنّة.
قال الذّهبي: وكان جذعًا في أعين المبتدعين، وصنَّف مسندًا كبيرًا، وهو
الذي قام على محمَّد بن كرَّام وطرده من هراة فيما قبل.
وقال الحاكم: سمعت أبا الطيّب محمَّد بن أحمد الورَّاق يقول: سمعت أبا
بكر النَّسوي يقول: سمعت عثمان بن سعيد الدَّارمي يقول: قال لي رجل ممَّن
يحسدني: ماذا كنت أنت لولا العلم؟ فقلت: أردت شيئًا فصار دينًا. سمعت نعيم
ابن حمَّاد يقول: سمعت أبا معاوية يقول: سمعت الأعمش يقول: لولا العلم
لكنت بقَّالاً، وأنا لولا العلم لكنت بزَّزًا من بزَّازي سجستان.
وقال عثمان بن سعيد الدَّارمي رحمه اللَّه: من لم يجمع حديث شعبة
وسفيان ومالك وحمَّاد بن زيد وابن عيينة فهو مفلسٌ في الحديث.
قال أحمد بن محمَّد بن يونس الهروي وأبو يعقوب القرَّاب: مات في ذي
الحجّة سنة ثمانين ومائتين، ووَهمَ من قال سنة اثنتين وثمانين، والله أعلم.
65) الفضل بن هارون.
تلميذ أبي ثور. روى الحديث عن داود بن رشيد، ومحمَّد ابن أبي معشر
وجماعة .
وعنه أبو القاسم الطَّبراني، وأبو نعيم بن عدي.
قال الخطيب (43): توفّي سنة نيّفٍ وتسعين ومائتين.
(41)
(42)
العبر 2/ 64.
هديَّة 651/1.
تاريخ 12/ 372، ولم يؤرِّخ وفاته.
(43)

177
الطّبقة الثّانية
66) قاسم(44) بن محمَّد بن قاسم بن محمَّد بن شيبان، أبو محمَّد.
مولى الوليد بن عبد الملك.
سمع من محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، ولزمه وتفقَّه عليه، وأخذ عن
يونس بن عبد الأعلى، وعن المزني، وكلُّ هؤلاء أخذوا عن الشَّافعي رضي اللَّه
عنه. وذكر أنَّ والده أوصاه باتّباع مذهب الشَّافعي رضي الله عنه. وقد أثنى عليه
غير واحدٍ من الأئمَّة، منهم: بقيُّ بن مخلد، وأبو عمر بن عبد البرِّ.
وتوفّي سنة ستّ، وقيل: سبعٍ، وقيل: ثمانٍ وسبعين ومائتين.
ذكره ابن الصَّلاح(45) .
67) كُنَيْز (48) الخادم، أبو علي.
أحد الفقهاء من الشَّافعيَّة، وهو مولى المستنصر بالله ابن المتوكّل على الله.
أخذ الفقه عن حرملة، والرَّبيع، والزَّعفراني.
وروى عنه أبو القاسم الطَّراني، وأبو الحسن بن حبيب الحصائري قال:
وسمعته يقول: كنت للمستنصر بالله، فلمَّا مات خرجت إلى مصر، فكنت:
أجلس في حلقة ابن عبد الحكم وأناظرهم على مذهب الشَّافعي وكانوا مالكيِّين،
فكنت أقيم قيامتهم، فلمَّا لم يقووا لي سعوا بي إلى أحمد بن طولون وقالوا: هذا
جاسوس للدَّولة ههنا، فحبسني سبع سنين، فلمَّا مات أطلقت، فأعدت صلاة سبع
سنين، لأنَّ الحبس كان قذرًا.
قال الحصائري: وكان فقيهًا فهمًا، يقول بقول الشَّافعي.
وقال شيخنا أبو عبد اللَّه الذَّهبي(47): وكان يقرئ الفقه على مذهب الشَّافعي
بجامع دمشق، وكان من أئمّة المذهب.
أخبرني شيخنا أبو الحجّاج قراءةً عليه وأنا أسمع، أخبرنا أبو عبد اللَّه محمَّد
السُّبكي 2/ 244، وابن الفرضي: تاريخ العلماء 1/ 397.
(44)
(45)
الطَّبقات 667/2، وفيها: من قرطبة.
(46)
السُّبكي 2/ 345، والإسنوي 344/2.
المشتبه 545.
(47)

178
طبقات الشافعية
بن عبد المؤمن القونوي، وزينب بنت علي بن كامل الحرَّاني، أخبرنا أبو المفاخر
أسعد بن سعيد بن روح الصَّالحاني، وعائشة بنت بقيُّ ابن الفاخر إجازة لهما من
كلٌّ واحدٍ منهما قالا: حدَّثتنا فاطمة بنت عبد اللَّه الجوزذانيَّة، أخبرنا أبو بكر
محمّد بن عبد الله بن ربذة الأصبهاني، أخبرنا الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد
الطَّراني قال: حدَّثني كنيز الخادم المعدِّل الفقيه مولى أحمد بن طولون بمصر،
حدَّثنا الرَّبيع بن سليمان، حدَّثنا بشر بن بكير، عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي
رباح، عن عبيد بن عمير، عن ابن عبّاس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول الله
صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: ((إنَّ اللَّه تجاوز عن أمَّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا
عليه)). قال الطَّراني: تفرَّد به الرَّبيع ولم يروه عن الأوزاعي إلاَّ بشرٌ.
قلت: وهو غريب من هذا الوجه؛ وليس في شيءٍ من الكتب الستّة من هذا
الوجه؛ وإنَّما رواه ابن ماجة(48) من رواية عطاء بن عبَّاس، ومن غير وجه واحد
من الصَّحابة، وقد علَّل جميع طرقه الإمام أبو حاتم الرَّازي، والله أعلم.
68) محمَّد (49) بن أحمد بن جعفر، أبو جعفر التِّرمذي.
الإمام الزَّاهد الورع، سكن بغداد، فكان شيخ الشَّافعيَّة بالعراق قبل ابن سُرَيج.
تفقَّه على أصحاب الشَّافعي، وله وجهٌ في المذهب مشهورٌ، وسمع الحديث
من إبراهيم الحربي، وابن المنذر، وإسحاق بن إبراهيم البشتي، والقواريري،
ويحيى بن بُكير، ويوسف بن عدي، وطبقتهم.
وعنه أحمد بن كامل، وأحمد بن يوسف بن خلاَّد، وعبد الباقي بن قانع،
وأبو القاسم الطَّراني، وعدّة.
قال الدَّارقطني: ثقةٌ مأمونٌ ناسكٌ. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن السَّريِّ
الزجَّاج: أنَّه كان يجرى عليه في الشّهر أربعة دراهم(50)، وكان لا يسأل أحدًا
شيئًا. وقال محمَّد بن موسى بن حمَّاد: أخبرني أنَّه تقوَّت بضعة عشر يومًا بخمس
حبَّاتٍ، وقال: لم أكن أملك غيرها، فاشتريت بها لفتًا وكنت آكل منه. وقال
(48)
في كتاب الطَّلاق.
السُّبكي: 2/ 187، والإسنوي 1/ 298، وابن قاضي شهبة 38/1 والخطيب: تاريخ 1/ 365.
(49)
(50)
في - ب - دنانير، وفي السُّبكي: دراهم.

179
الطَّبقة الثّانية
أحمد بن كامل: لم يكن للشَّافعيَّة بالعراق أرأس منه، ولا أورع، لا أكثر تقلُّلاً
وهکذا بشرًا .
قال الشَّيخ أبو إسحاق في الطَّبقات (51) وذكر أنَّه ولد في ذي الحجَّة من سنة
مائتين. وتوفِّي في المحرَّم سنة خمس وتسعين، ثمَّ ذكر حكاية رجوعه عن مذهب
الإمام أبي حنيفة إلى مذهب الشَّافعي بالمنام الذي رآه بالمدينة، والله أعلم.
وذكر الإمام أبو عبد اللَّه الذَّهبي في تاريخه (52): أنَّ أبا جعفر التّرمذي سئل
عن حديث النُّزول كيف ينزل، فقال: كما قال الإمام مالك في الاستواء: النُّزول
معقولٌ، والكيف مجهولٌ، والإيمان به واجبٌ، والسُّؤال عنه بدعةٌ .
وذكر الشَّيخ أبو زكريّاء النَّووي رحمه اللَّه: أنَّ أبا جعفر الترمذي قطع بطهارةٍ
شعرِ النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال: ولا يطّرد في ذلك الخلاف في شعر
الآدمي، قال: وقد خالف في هذه المسألة جمهور الأصحاب.
قال شيخنا الحافظ الذّهبي: والواجب القطع بذلك لحديث أبي طلحة رضي
اللَّه عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فرَّق بين أصحابه شعر رأسه لمَّا حلقه، فما
كان ليفرِّق عليهم شيئًا نجسًا. قلت: وهو كما قال، والله أعلم.
ومن مفردات أبي جعفر التّرمذي: أنَّه إذا رمى حربيًّا فأسلم، ثمَّ أصابه
السَّهم فمات، أنَّه لا شيء على الرَّامي، قال النَّووي: والأصحُ الأشهر وجوب ديَّة
مسلم مخفّفة على العاقلة. قرأت على شيخنا الحافظ أبي الحجّاج المزِّي، أخبرك
الشَّيخ فخر الدِّين ابن البخاري وأحمد بن شيبان، وإسماعيل بن عبد الله بن حمّاد
العسقلاني، وزينب بنت مكِّي بن علي الحربي قالوا: أخبرنا أبو حفص عمر بن
محمَّد بن معمر بن طبرزد، أخبرنا هبة الله بن الحصين الشيباني، أخبرنا أبو طالب
محمَّد بن محمَّد بن إبراهيم بن الغيلاني، أخبرنا أبو بكر محمَّد بن عبد الله
الشّافعي، حدَّثنا محمّد بن نصر التِّرمذي، حدَّثنا أحمد بن محمَّد العمري، حدَّثنا
ابن أبي فديك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه
قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((الخلافة فيكم والنبؤَّة))، هذا حديث
غريب من هذا الوجه.
الشِيرازي 105 .
(51)
العبر 2/ 103 .
(52)

180
طبقات الشافعية
69) محمَّد(53) بن بشر بن عبد اللَّه الزُّبيري(54)، أبو بكر، المعروف
بالعَكري المصري.
حدَّث عن الرَّبيع بمختصر البُويطي وغيره. هكذا رأيته في الطَّبقات للشّيخ
أبي عمرو ابن الصَّلاح(55) رحمه الله.
70) محمَّد (56) بن عاصم بن يحيى، أبو عبد اللَّه الأصبهاني.
الفقيه الشَّافعي، کاتب الحكم.
رحل إلى مصر، وأخذ الفقه عن أصحاب الشَّافعي، وسمع ابن وهب،
وعلي بن حرب، وسلمة بن شبيب.
وعنه أحمد بن بُتْدَار، وأبو أحمد بن الغسَّاني، وأبو القاسم الطَّراني.
قال أبو الشّيخ(57) الأصبهاني: صنَّف كتبًا كثيرة، وتفقّه على مذهب الإمام
الشّافعي. وتوفّي سنة تسع وتسعين ومائتين.
71) محمَّد(58) بن عبد الله بن مَخْلد، أبو الحسين الأصبهاني. ويعرف
بصاحب الشَّافعي، وبورَّاق الرَّبيع بن سليمان.
نزل مصر، وحدَّث عن قتيبة، ومحمَّد بن أبي بكر المُقدَّمي، وهاني بن
المتوكّل، وكثير بن عبيد، وداود بن رشيد، وطائفةٌ.
الإسنوي 204/2، والذَّهبي: العبر 2/ 231، وفيه عاش أربعًا وثمانين سنة، وفي سير
(53)
15/ 314: ابن بشر بن بطريق العكَّري، توفّي في شؤَّال سنة 332 هـ، وفيه أيضًا: وقد
ضبطه ابن نقطة: الزَّنبري، والمقريزي: المقفَّى 5/ 452، وفيه: كان أبوه بطريقًا روميًّا،
ولد سنة 248 هـ بسرَّ من رأى، ودخل مع مزاحم الأمير إلى مصر سنة 250 هـ، وأرَّخ
وفاته سنة 332 هـ.
حاشية طبقات ابن الصَّلاح 1/ 103 وفيه: وقيل: الزَّنبري.
(54)
الطَّبقات 1/ 103.
(55)
(56)
السُّبكي 2/ 241، والإسنوي 1/ 416 وابن أبي حاتم: الجرح 46/8.
(57)
هو عبد الله بن محمَّد بن جعفر ابن حبَّان (السُّبكي 2/ 346).
السُّبكي 2/ 242، وأرَّخ وفاته سنة 272 هـ والمقريزي: المقفَّى 6/ 126 وفيه: توفّي سنة
(58)
262هـ. ، والصَّفدي: الوافي 3/ 339.