Indexed OCR Text

Pages 61-80

61
ترجمة الإمام الشَّافعي
النَّاس وأسمحهم كفًّا، كان يشتري الجارية التي تطبخ، وتعمل الحلوى ويشترط
عليها هو أن لا يقربها لأنّه كان عليلاً لا يمكنه أن يقرب النِّساء في وقته لباسورٍ
كان به، ويقول لنا: تشتهوا ما أحببتم، فقد اشتريت جاريةً تحسن أن تعمل ما
تريدون قال: فيقول لها بعض أصحابنا: إعملي لنا كذا وكذا، فكنا نحن الذين
نأمرها بما نريد وهو مسرورٌ بذلك.
وروى أبو القاسم ابن عساكر بإسناده عن أبي جعفر أحمد بن الحسن المعدّل
قال: أنشدت للشّافعي رضي الله عنه(45):
على المقلِّين من أهل المروءات
يا لهفَ نفسي على مالٍ أفرَّقه
ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات
إنَّ اعتذاري إلى من جاء يسألني
وعنه قال: ما نذرت إلى اللَّه تعالى بعد الفرائض أفضل من طلب العلم.
وقال الرَّبيع: قال الشَّافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النَّافلة. وقال أبو ثور:
قال الشَّافعي: ينبغي للعالم أن يضع التُّراب عليَّ. وقال: ما أفلح في العلم إلاَّ من
طلبه بالقلَّة. وعنه قال: ما كذبت قطُ، ولا حلفت لا صادقًا ولا كاذبًا، ولا تركت
غسل الجمعة في حرِّ ولا بردٍ ولا سفرٍ ولا غيره. وقال: طلب فضول الدُّنيا عقوبةٌ
عاقب اللَّه بها أهل التَّوحيد. وعنه: أَنَّه كان يستصحب في مشيه العصا، فقيل له
في ذلك فقال: لأذكر أنّ مسافرٌ من الدُّنيا. وقال: سياسة النَّاس أشدُ من سياسة
الذَّواب. وقال: لو علمت أنَّ شرب الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته إلاَّ حارًا.
وقال: أهل المروءة في جهدٍ. وقال: ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته،
وقال: من صدق في أخيه قبل علَلَه وسدَّ خلَلَه وغفر زلله. وقال: من علامة
الصِّدق أن تكون لصديق صديقكَ صديقًا. وقال: ليس سرورٌ يعدلُ صحبة
الإخوان، ولا همّ يعدلُ فراقهم.
وقال: لا تقصر في حقِّ أخيك اعتمادًا على موذَّته، ولا تبذل وجهك إلى
من يهون عليه ردُك. وقال: من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه
علانيَّة فقد فضحه وشانه. وقال: من سامى بنفسه فوق ما يساوي ردَّه اللَّه إلى
قيمته. وقال: التَّواضع من أخلاق الكرام، والكبرُ من شيم اللّئام. وقال: أرفع
الدِّيوان ص 29.
(45)

62
طبقات الشافعية
النَّاس قدرًا من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلاً من لا يرى فضله. وقال: الشَّفاعات
زكاة المروءات. وقال: إذا كثرت الحوائج فابدأ بأهمِها. وقال: من كتم سرَّه
كانت الخيرة في يده. وهذه نبذة مختصرة محذوفة الأسانيد لتخفَّ على السَّماع،
والله أعلم.
ومن معرفته بالفراسة ما تقدَّم من خبر الذي ضيَّفه لمَّا رجع من اليمن، وما
جرى له معه، ووافق ما تفرَّس فيه الشَّافعي.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الرَّبيع بن سليمان قال: اشتريت للشَّافعي ظبيًا
بدينارٍ، فقال لي: ممَّن اشتريته؟، فقلت: من ذلك الأشقر الأزرق، قال: أشقرٌ
أزرقٌ، ردَّه ردَّه، ما جاءني خيرٌ قطُّ من أشقرٍ. قال: وأخبرني أبي، حدَّثنا حرملة
ابن يحيى قال: سمعت الشّافعي يقول: احذر الأعورَ والأحولَ والأحدبَ والأشقرَ
والكوسجَ وكلَّ من به عاهةٌ في يديه وكلَّ ناقصِ الخَلقِ فاحذره فإنَّه صاحبُ التواءِ
ومعاملةٍ عسرةٍ. وقال الشَّافعي: فإنَّهم أصحاب خبثٍ .
قال ابن أبي حاتم: إنَّما يعني إذا كانت ولادتهم بهذه الحالة، فأمَّا من
حدثت فيه هذه العلل، وكان في الأصل صحيح التَّركيب لم تضرَّ مخالطته.
وقال ابن عساكر: أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم أخبرنا أبو نصر
الخطيب حدَّثنا أبو بكر ابن أبي الحديد حدَّثنا محمَّد بن بشر الزُّبيري سمعت الرَّبيع
يقول: كنت عند الشَّافعي أنا والمزني وأبو يعقوب البويطي فنظر إلينا وقال لي:
أنت تموت في الحديد، وقال للمزني: هذا لو ناظره الشّيطان قطعه وخذله، وقال
للبويطي: أنت تموت في الحديد. قال الرَّبيع: فدخلت على البويطي أيَّام المحنة
فرأيته مقيّدًا إلى أنصاف ساقيه مغلولة يديه إلى عنقه. قال: وسمعت الرَّبيع يقول:
كنت في الحلقة إذ جاءه يعني الشَّافعي رجلٌ يسأله عن مسألةٍ فقال له الشَّافعي:
أنت نسَّاخٌ، فقال: عندي أجزاءٌ.
وقد روي عنه أشياء تدلُّ على تبخّره في علم الطبِّ، فعنه أنَّه قال: عجبت
لمن يدخل الحمَّام ثمَّ لا يأكل من ساعته كيف يعيش، وعجبًا لمن يحتجم ثمَّ يأكل
من ساعته كيف يعيش. وقال: من أكل الأترج ثمَّ نام لم آمن أن تصيبه ذبحةٌ.
وعنه قال: ثلاثة أشياء دواء من لا دواء له وأعيت الأطبَّاء مداواته: العنب
ولبن اللّقاح وقصب السكّر، ولولا قصب السكّر ما أقمت ببلدكم. رواه الرَّبيع

63
ترجمة الإمام الشَّافعي
المصري عنه. وعنه قال: عجبًا لمن تعشَّى البيض المسلوق ثمَّ ينام كيف لا
يموت. وعنه قال: الفول يزيد في الدِّماغ، والدِّماغ يزيد في العقل.
وعنه قال: لم أرَ للَّوز مثل زهر البنفسج يدهن به ويشرب.
وعنه: كان غلامي أعشى لا يبصر باب الدَّار، فأخذت له زيادة كبدٍ فكحلته
بها فأبصر.
وقال صالح جرزة عن الرَّبيع قال الشَّافعي: لا أعلم بعد الحلال والحرام
أنبل من الطبِّ، إلاَّ أنَّ أهل الكتاب قد غلبونا عليه. وقال حرملة: كان الشَّافعي
رضي الله عنه يتلهَّف على ما ضيَّع المسلمون من الطبِّ، ويقول: ضيَّعوا ثلثَ
العلمِ ووكلوه إلى اليهود والنَّصارى. ومن كلامه الحسن ومواعظه وشعره قال
يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشَّافعي رضي الله عنه: ليس إلى السَّلامة من
النَّاس سبيل فعليك بما فيه صلاحك فالزمه. وقال الشَّافعي أيضًا: إن لم يكن
العلماء العاملون أولياء اللَّه فلا أعلم للَّه وليًّا. وقال يونس بن عبد الأعلى: قلت
للشَّافعي: إنَّ صاحبنا يعني اللَّيث بن سعد كان يقول: إذا رأيتم الرَّجل يمشي على
الماء فلا تغترُّوا به حتَّى تعرضوا أمره على الكتاب والسُّنة، فقال: قصّر رحمه
الله، بل إذا رأيتم الرَّجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغترُّوا به حتَّى
تعرضوا أمره على الكتاب والسنّة.
وعن الشَّافعي أنَّه قال: أقدر الفقهاء على المناظرة من عوَّد لسانه الرَّكض في
ميدان الألفاظ ولم يتلعثم إذا رمته العيون والألحاظ.
وعنه أنَّه قال: بئس الزَّاد إلى المعاد العدوان على العباد. وعنه قال: العالِم
يسأل عمَّا يعلم وعمّا لا يعلم فيستثبت ما يعلم ويتعلَّم ما لا يعلم، والجاهل
يغضب من التّعليم، ويأنف عن التعلُّم. وعنه قال: ضياع الجاهل قلَّة عقله،
وضياع العالِم قلّة إخوانه، وأضيع منهما من آخى من لا عقلَ له.
وعنه قال: من استُغضبَ فلم يغضب فهو حمارٌ، ومن استرضيَ فلم يرضَ فهو
شيطان. وعنه قال: إذا خفت على عملك العجْبَ فاذكر رضى من تطلب وفي أيِّ
نعيم ترغب ومن أيُّ عتاب ترهب، فحينئذٍ يصغر عندك عملك. وعنه قال: آلات
الرّئاسة خمسٌ: صدق اللَّهجة وكتمان السرِّ والوفاء بالعهد وإهداء النَّصيحة، وأداء
الأمانة. وعنه قال: من أراد الدُّنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم.

64
طبقات الشافعية
قال الحافظ البيهقي: أخبرنا الحاكم حدَّثنا أبو عبد الله محمَّد بن إبراهيم
المؤذِّن سمعت محمَّد بن عيسى الزَّاهد يقول فيما بلغنا: أنَّ عبد الرَّحمان بن
مهدي مات له ابن فجزع عليه جزءًا شديدًا حتَّى امتنع عن الطَّعام والشَّراب، فبلغ
ذلك محمَّد بن إدريس الشَّافعي فكتب إليه: أمَّا بعد فَعزِّ نفسك بما تعزّي به
غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك، واعلم أنَّ أمضى المصائب
فقد سرورٍ مع حرمانِ أجرٍ ، فكيف إذا اجتمعا على اكتساب وزرٍ فأقول(46) .
إنّي أعزْيك لا إنِّي على طمعٍ
من الخلود ولكن سنَّةُ الدِّين
ولا المعزِّي وإن عاشا إلى حين
فما المعزَّى بباقٍ بعد صاحِبه
قال: فكانوا يتهادونه بينهم بالبصرة.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمَّد بن فتحويه الدِّينوري
بالدَّامغان حدَّثنا عبد الله بن محمَّد بن منبه حدَّثنا محمَّد بن إبراهيم الفانجاني
الأصبهاني حدَّثنا عمر بن عبد الله الخبازي أخبرني محمَّد بن سهل حدَّثني الرَّبيع
سمعت الشّافعي ینشد:
خلوت ولكن قل عليَّ رقيبُ
إذا ما خلوت الذَّهر يوماً فلا تقل
ولا إنَّ ما يخفى عليه يغيبُ
ولا تحسبنَّ اللَّه يغفل ساعةً
علينا ذنوبٌ بعدهنَّ ذنوبُ
غفلنا لعمر اللَّه حتَّى تداركت
ويأذن في توباتنا فنتوبُ
فيا ليت أنَّ اللَّه يغفر ما مضى
وروى ابن عساكر بسنده عن المزني أنشدنا الشّافعي لنفسه رضي الله عنه:
وعندك الإسلام والعافيه
لا تأس في الدُّنيا على فائتٍ
ففيهما من فائت كافيه
إن فات شيءٌ كنت تُدعى له
وروى أبو علي الحسن(47) بن الحسين الهمذاني المعروف بابن حمكان وهو
ضعيف بسنده عن المزني فأنشدنا الشَّافعي:
(46)
الدِّيوان ص 87.
يذكر في الطّبقة الخامسة المرتبة الأولى.
(47)

65
ترجمة الإمام الشَّافعي
رأسي لكثرة ما تدور رحاهُمَا
اللَّيل شيبٌ والنَّهار كذاهما
نهبَا علانيَّة ونحن نراهُمَا
يتناهبان لحومَنا ودماءنا
قال: وأنشدنا الزُّبير بن عبد الواحد أنشدنا ابن جوصا بدمشق للشَّافعي رضي
اللَّه عنه(48) :
فإنَّ النَّفس ما طمعت تهونُ
أمتُ مطامعي فأرحت نفسي
ففي إحيائه عِرضِ مصونُ
وأحييتُ القنوع وكان ميئًا
عَلَتْه مهانةٌ وعلاهُ هونُ
إذا طمعٌ يحلُّ بقلب عبدٍ
وقال أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ سمعت أبا محمَّد الحسن
بن أحمد بن يعقوب المأموني سمعت أبا عمرو الزَّاهد ينشد للشّافعي (49) :
عودًا فأثمر في يديه فصدِّقِ
وإذا سمعت بأنَّ مجدودًا حوى
ماءً ليشربه فغاض فصدَّقِ
وإذا سمعت بأنَّ محرومًا أتى
بؤسُ اللَّبيب وطيبُ عيش الأحمقِ
ومن الدَّليل على القضاء وحكمه
وقد رواه ابن عساكر بإسناده عن ابن خالويه النَّحوي قال: حدَّثونا عن
العبّاس بن الأزرق قال: دخلت على أبي عبد اللَّه محمَّد بن إدريس الشَّافعي فذكر
مصر، ثمَّ قال: فقال الشّافعي رضي الله عنه :
إنَّ الذي رُزق اليسارَ فلم يَصِرْ
حمدًا ولا أجرًا لغيرُ موفَّقٍ
والجدُّ يفتحُ كلَّ بابٍ مغلقٍ
فالجدُّ يدني كلَّ أمرٍ شاسع
ماءً ليشربه فغاض فحقّقِ
وإذا سمعت بأنَّ محرومًا أتى
عودًا فأثمر في يديه فصدِّقِ
وإذا سمعت بأنَّ مجدودًا حوى
ذو همَّة يبلى برزق ضيّقٍ
وأحقُّ خلق اللَّه بالهمِّ امرؤٌ
الدیوان ص 86.
(48)
الديوان ص 64.
(49)

66
طبقات الشافعية
بؤس اللَّبيب وطيبُ عيش الأحمقِ
ومن الدّليل على القضاء وحكمه
وقال أبو منصور التَّميمي البغدادي: أنشدنا عبد الله بن عمر المالكي أنشدني
أبي قال: أنشدني يونس بن عبد الأعلى للشّافعي: (50)
فتوّل أنت جميع أمرك
ما حكَّ جلدك مثل ظفرك
فاقصد لمعتـرفِ بقدرك
وإذا قصدت لحاجةٍ
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أنشدنا أبو الحسين علي بن
أحمد بن أسد الأديب أنشدني أبو عبد اللَّه محمَّد بن عبد الله بن راشد الكوفي
أنشدني علي بن محمَّد العلوي الحماني للشّافعي رحمه الله ورضي عنه:
مكاني ويُثني صالحًا حين أسمعُ
وذي حسدٍ يغتابني حيث لا يرى
وما هو إذ يغتابني يتوزَّعُ
تورَّعت أن أغتابه من ورائه
قال القاضي أبو عمر محمَّد بن الحسين بن محمَّد البسطامي: حدَّثنا أحمد
ابن محمود بن خرَّزاد الكازروني حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن محمَّد الأصبهاني
حدَّثنا أبو العبّاس الأبيوردي قال: خرج الشَّافعي لليمن إلى ابن عمَّ له قبره ببئر
غير طائل، فكتب إليه الشَّافعي رضي الله عنه:
كأنَّك عن برِّي بذاك تحيدُ
أثانيَ برّ منك في غير كنهه
يمينك إذ جاد اللّسان تجودُ
لسانك ..... بالنَّوال ولا أرى
ونال النَّدى من كان منك بعيدُ
إذا كان ذو القربى لديك مبعَّدًا
وأشفقت أن تبقى وأنت وحيدُ
تفرَّق عنك الأقربون لشأنهم
فيا ليت شعري أيَّ ذاك تريدُ
وأصبحت بين الحمد والذمِ واقفًا
قال: فكتب إليه ابن عمِّه: أن خذ هذه خمس مائة دينار وخمس مائة درهم
فاصرفها في نفقتك وخمسة أثواب من عصب اليمن فاجعلها في عينيك ونجيب
فار کبه .
(50) الدِّيوان ص 68.

67
ترجمة الإمام الشَّافعي
وقال أبو العبَّاس المبرَّد: دخل رجلٌ على الشَّافعي فقال: إنَّ أصحاب أبي
حنيفة رحمه الله لفصحاء، فأنشأ الشَّافعي رحمه اللَّه يقول (51) .
لكنت اليوم أشعر من لبيد
ولولاَ الشِعرُ بالعلماء يُزري
وآل مهلَّبٍ وأبي يزيد
وأشجع في الوغى من كلِّ ليثٍ
حسبت النَّاسَ كلَّهُم عبيدي
ولولاً خشية الرَّحمان ربِّي
فصل في رحلة الإمام الشَّافعي رضي اللَّه عنه
إلى الدِّيار المصريَّة ووفاته بها
قد تقدَّم أنَّه رحمه اللَّه قدم العراق ثلاث مرَّات، الأولى في سنَّة أربعٍ
وثمانين ومائة، وذلك بسبب مرافعة نائب اليمن فيه وفي أقوام معه، فدخلّ
الشّافعي على الرَّشيد مقيّدًا في الحديد، فلم يزل يخاطبه حتَّى تبيَّن براءته ممَّا نُسب
إليه من التشيّع والخروج مع أهل البيت، وقد كان قذفه بذلك بعض الجهلة بحاله
وإمامته، ثمَّ أحسن إليه الرَّشيد، وأطلق له قريبًا من خمسة آلاف دينار كما تقدَّم،
ثمَّ رجع إلى الحجاز، ثمَّ عاد إلى بغداد في سنة خمسٍ وتسعين، فاجتمع بأحمد
ابن حنبل وأضرابه في ذلك الزَّمان، ثمَّ عاد إلى الحجاز وقد اشتهر ذكره ببغداد
وغيرها، ثمَّ رجع إليها في سنة ثمانٍ وتسعين، ثمَّ حسن في رأيه المصير إلى الدِّيار
المصريَّة فسافر إليها عن طريق الشَّام، ويقال: إنَّه اجتاز بحرَّان، وأنَّه دخل بيت
المقدس. وأمَّا دمشق فلم أر أحدًا ذكر أنَّه وردها، والحافظ أبو القاسم ابن عساكر
مع تحريره وكثرة اطلاعه ترجمه رضي الله عنه في التّاريخ لمروره في الشَّام إلى
الدِّيار المصريَّة، ولم يقع له أنَّه دخل دمشق، وهذا عجيب. وقد زعم أنَّه دخل
مصر مرَّتين، المرَّة الأولى عن طريق الشَّام من العراق أيَّام محمَّد بن الحسن.
والثّانية من مكّة صحبة عبد الله بن الزُّبير الحميدي، وفي هذا نظرٌ والله أعلم؛
وإنَّما حمله على هذا ما رواه أبو محمَّد عبد الرَّحمان ابن أبي حاتم حدَّثنا أبو بشر
ابن أحمد بن حمَّاد في طريق مصر حدَّثنا أبو بكر بن إدريس سمعت الحميدي
يقول: كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكّة على سفيان بن عيينة فقال لي ذات
(51) الدِّيوان ص 39.

68
طبقات الشافعية
يوم أو ذات ليلةٍ: ها هنا رجلٌ من قريش له بيان ومعرفة، فقلت له: من هو؟
قالَ: محمّد بن إدريس الشَّافعي، وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق، فلم
يزل بي حتَّى أخطرني إليه وكان الشَّافعي قبالة الميزاب، فجلسنا إليه، ودارت
مسائل، فلمَّا قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ فجعلت أتتبَّع ما كان
أخطأ فيه، وكان ذلك منّي بالقرشيَّة يعني معنى الحسد، وكان أحمد قانت لا
يرضى أن يكون رجلٌ من قريش تكون له هذه المعرفة وهذا البيان أو نحو هذا من
القول عن مائة مسألة يخطىء خمسًا أو عشرًا اترك ما أخطأ وخذ ما أصاب؛ قال:
فكان كلامه وقع في قلبي فجالسته فغلبتهم عليه، فلم يزل يقدم مجلس الشَّافعي
رضي الله عنه حتَّى لا كان يقرب مجلس سفيان. قال: وخرجت مع الشَّافعي إلى
مصر، وكان هو شاركنا في العلوِّ ونحن في الأوسط، فربَّما خرجت في بعض
اللَّيالي فأرى المصباح فأصبح: يا غلام فيسمع صوتي فيقول: بحقّي عليك آرق
فأرقى فإذا قرطاس ودواة فأقول فيه: يا عبد اللَّه، فيقول: نفكّر في معنى حديث
أو مسألة فخفت أن يذهب عليَّ فأمرت بالمصباح وكتبته.
قلت: صنّف(52) كتبه الجديدة كلَّها بمصر في مدَّة نحو خمس سنين رحمه
الله.
وقال ابن أبي الدُّنيا(53): سمعت أبا سعيد أحمد بن عبد اللَّه بن قنبل قال:
سمعت الشّافعي رضي الله عنه يقول: قلت بيتين من الشِّعر(54):
لقد أصبحت نفسي تتُوق إلى مصر
ومن دونها أرضُ المفاوزِ والقفر
1
أُساق إليها أم أساق إلى القبرِ
فواللَّه ما أدري إلى الخفض والغنى
قال ابن سعيد: فسيق واللَّه إليهما جميعًا رحمه الله ورضي عنه.
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: أخبرنا أبو نعيم حدَّثنا أبو بكر محمَّد بن
إبراهيم بن علي سمعت إبراهيم بن علي بن عبد الرَّحمان بالموصل يحكي عن
هديّة العارفين 92/2، وفيها: الكتاب القديم، والكتاب الجديد، وغير ذلك.
(52)
(53)
لعلَّه: عبد الله بن محمَّد بن عبيد آبن أبي الدُّنيا، أبو بكر، محدِّث حافظ مشارك في
أنواع من العلوم، توفي سنة 281هـ. كحالة 131/6. وكشف الظنون 2/ 1409.
الدیوان ص 47.
(54)

69
ترجمة الإمام الشَّافعي
الرَّبيع قال: سمعت الشَّافعي يحكي بقولٍ في قصَّةٍ ذكرها:
ومن دونها أرض المهامه والقفرٍ
لقد أصبحت نفسي تتُوق إلى مصر
أساق إليها أم أساق إلى القبرِ
فوالله ما أدري أللفوز والغنى
قال: فوالله ما كان بعد قليلِ حتَّى سيق إليهما جميعًا رحمه الله.
وقال حرملة بن يحيى: قدم علينا الشَّافعي سنة تسع وتسعين ومائتين عندنا بمصر.
وقال أبو عبد الله بن منده(55): حدثت عن الرَّبيع سمعت أشهب بن عبد
العزيز وهو ساجدٌ يدعو على الشَّافعي يقول: اللَّهم أمت الشّافعي ولا تذهب علم
مالكٍ، فبلغ ذلك الشَّافعي فتبسَّم، وأنشأ يقول (56) :
فتلكَ سبيلٌ لستُ فيها بأوحدِ
تمنَّى رجالٌ أن أموت وإن أمُت
ولا عيشُ من قد عاش بعدي بمخلدي
وما موت من قد مات قبلي بضائري
به قبل موتي أن يكون هو الرَّدي
لعلَّ الذي يرجو فنائي ويدَّعي
تهيَّأ لأخرى مثلها فكأن قدِ
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى
لئن متُّ ما الذَّاعي عليَّ بمخلدِ
وقد علموا لو يعلم العلمَ عالمٌ
وقد رواه ابن حمكان من غير هذا الوجه. وقد مات الشَّافعي ولم يتأخّر بعده
أشهب إلاَّ سبعة عشرة يومًا.
وقال ابن خزيمة: سمعت إسماعيل بن يحيى المزني يقول: دخلت على
محمَّد بن إدريس الشَّافعي في مرضه الذي مات فيه، فقلت: يا أبا عبد اللَّه كيف
أصبحت؟ قال: فرفع رأسه وقال: أصبحت من الدُّنيا راحلاً، ولإخواني مفارقًا،
ولسوء أفعالي ملاقيًا، وعلى اللَّه واردًا، ما أدري روحي تصير إلى الجنَّة فأهنِيها أو
إلى النَّار فأعزّيها، ثمَّ بكى، فأنشأ يقول(57):
محمَّد بن إسحاق بن محمَّد العبيدي الأصبهاني، حافظ مؤرخ توفّي بأصبهان سنة 395هـ.
(55)
له تاريخ أصبهان، فتح الباب في الكنى والألقاب وغير ذلك. كحالة 42/9.
(56)
الدیوان ص 36.
الدِّیوان ص 78.
(57)

70
طبقات الشافعية
جعلتُ الرَّجا منّي لعفوك سلَّما
ولمَّا قسا قلبي وضاقت مذاهبي
بعفوك ربِّي كان عفوكَ أعظمًا
تعاظمني ذنبي فلمَّا قرنته
تجود وتعفو منَّةً وتكرُّما
فما زلتَ ذا عفوٍ عن الذَّنب لم تزل
ولو دخلت نفسي بجرمي جهنّما
فإن تنتقم منّي فلست بآيسٍ
فكيف وقد أغوى صفيك آدما
فلولاك لم يصمد لإبليس عابدٌ
وأعلم أنَّ اللَّه يعفُو ترحُما
وإِنِّيَ لآتي الذَّنب أعلم قدره
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: أخبرنا أبو الفضل محمَّد بن حمزة بن
إبراهيم الفزاري أخبرنا والد أبي يعلى حمزة بن إبراهيم حدَّثنا الشَّيخ إسماعيل بن
موسى الثّفيلي حدَّثنا الشَّيخ أبو بكر محمَّد بن نصر حدَّثنا أبو بكر محمَّد بن أحمد
الخطيب، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمَّد بن شاكر يعني في كتابه
مناقب الشَّافعي، قال: سمعت المزني قال: دخلت على الشَّافعي عند وفاته فقلت
له: كيف أصبحت يا أستاذ؟. فقال: أصبحت من الدُّنيا راحلاً، ولإخواني مفارقًا،
ولكأس المنيّة شاربًا، وعلى اللَّه واردًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا، فلا أدري إلى الجنّة
تصير فأهنِيها أو إلى النَّار فأعزّيها، فقلت: عظني فقال لي: اتَّق اللَّه ومثّل الآخرة
في قلبك، واجعل الموت نُصب عينيك، ولا تنس موقفك بين يدي اللَّه، وكن من
اللَّه على وجلٍ، واجتنب محارمه وأدّ فرائضه، وكن مع اللَّه حيث كنت، ولا
تستصغرنَّ نعمَّ اللَّه عليك وإن قلَّت، وقابلها بالشُّكر، وليكن صمتك تفكُّرًا
وكلامك ذكرًا، ونظرك عبرة، واعف عمَّن ظلمك، وصِلْ من قطعك، وأحسن إلى
من أساء إليك، واصبر على النَّائبات، واستعذ بالله من النَّار بالتَّقوى. فقلت:
زدنى، فقال: ليكن الصّدقُ لسانكَ، والوفاءُ عمادك، والرَّحمةُ ثمرتَك، والشُّكرُ
طهارتَك، والحقُّ تجارتَكَ، والتَّودُّدُ زينتَك، والكياسةُ فطنتَك، والطّاعةُ معيشتَك،
والرَّضا أمانتَك، والفهمُ بصيرتَك، والرَّجاءُ اصطبارَك، والحقُّ جلبابَك، والصَّدقةُ
حرزَك، والزَّكاةُ حصنكَ، والحياءُ أميرَك، والحلمُ وزيرَك، والتوكُّل درعَك، والدُّنيا
سجنَك، والفقرُ ضجيعَك، والحقُّ قائدَك، والحجُّ والجهادُ بُغيتَك، والقرآن
محدِّثَك، واللَّهُ مؤنسَك، فمن كانت هذه صفته كانت الجثّة منزلته، ثمَّ رنا بطرفه
إلى السَّماء، ثمَّ استعبر، وأنشأ يقول:

71
ترجمة الإمام الشَّافعي
وإن كنتُ يا ذا المنِّ والجودِ مجرمَا
إليك إله الحقِّ أرفعُ رغبتي
جعلت الرَّجا منّي لعفوك سُلَّمَا
فلمَّا قسا قلبي وضاقت مذاهبي
تعاظمني ذنبي فلمَّا قرنته
وما زلتَ ذا عفوٍ على الذَّنب لم تزل
بعفوك ربِّي كان عفوُك أعظَمَا
تجود وتعفو منَّةً وتكرُّمَا
فكيف وقد أغوى صفيّك آدمَا
فلولاك لم يغوَ بإبليس عابدٌ
ظلومٍ غشوم ما يزال مآئمًا
فإن تعفُ عنّي تعفُو عن متمرِّدٍ
وإن تنتقم منّي فلست بآيس
ولو أدخلت نفسي بجرمي جهنّمَا
وعفوك يا ذا العفو أعلى وأجسمًا
فجرمي عظيمٌ من قديم وحادثٍ
وهذا سیاق غريبٌ جدًّا.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثني يونس بن عبد الأعلى قال: ما لقيت أحدًا لقيَ
من السُّقم ما لقي الشَّافعي، فدخلت عليه فقال لي: يا أبا موسى اقرأ عليَّ ما بعد
العشرين والمائة من آل عمران وأَخِفَّ القراءة ولا تثقل، فقرأت عليه، فلمَّا أردت
القيام قال: لا تغفل عنّي فإنّي مكروبٌ. قال يونس عن الشّافعي بقراءتي ما بعد
العشرين والمائة ما لقي النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم أو
نحوه.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ سمعت أبا العبَّاس محمَّد بن
يعقوب يقول: سمعت الرَّبيع بن سليمان المرادي يقول: دخلت على الشَّافعي وهو
مريض، فسألني عن أصحابنا فقلت له: إنَّهم يتكلَّمون فقال لي الشَّافعي: ما
ناظرت أحدًا قطّ على الغلبة، وبودِّي أنَّ جميع الخلق تعلّموا هذا الكتاب، يعني
كتبه، على أن لا ينسب إليَّ منه شيء، قال هذا الكلام يوم الأحد ومات هو يوم
الخميس، وانصرفنا من جنازته ليلة الجمعة فرأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين.
قال: وسئل الرَّبيع عن سنِّ الشَّافعي فقال: نيِّف وخمسون سنةً. قال البيهقي:
وقيل: توفّي يوم الجمعة.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الرَّبيع بن سليمان المصري حدَّثنا اللَّيث الخفّف
وكان معدِّلاً عند القضاة حدَّثنا العزيزي وكان متعبِّدًا قال: رأيت ليلة مات الشَّافعي

72
طبقات الشافعية
في المنام كأنَّ يقال: مات النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في هذه اللّيلة، وكأنّي رأيته
يغسل في بيت عبد الرَّحمان الزُّهري في مسجد الجامع، وكان يقال لي: يخرج
بعد العصر، فأصبحت فقيل لي مات الشَّافعي، وقيل: يخرج به قبل العصر، فقلت
الذي رأيت في المنام، قيل لي يخرج بعد العصر، وكأنّي رأيت في النّوم حين
خرج به كان معه سرير امرأته ربَّة السَّرير، فأرسل أمير مصر لا يخرج به إلاَّ بعد
العصر، فحبس إلى بعد العصر. قال العزيزي: فشهدت جنازته، فلمَّا صرت إلى
الموضع الواسع رأيت سريرًا مثل سرير تلك المرأة ربَّة السَّرير مع سريره.
قال الرَّبيع: توفّي الشَّافعي ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة بعدما صلَّى
المغرب آخر يوم من رجب، ودفنَّاه يوم الجمعة وانصرفنا فرأينا هلال شعبان سنة
أربع ومائتين. وهكذا قال غير واحدٍ في تاريخ وفاته أنَّه سنة أربعٍ ومائتين.
وقد تقدَّم أنَّه وُلد سنة خمسين ومائة، فيكون عمره يوم مات أربعًا وخمسين
سنةً رحمه الله ورضي الله عنه.
وقال الحافظ أبو أحمد بن عدي: قرأت على قبر محمَّد بن إدريس الشَّافعي
بمصر على لوحين حجارة أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه نسبته إلى إبراهيم
الخليل صلَّى اللَّه على نبيّنا محمَّد وعليه: هذا قبر محمَّد بن إدريس الشَّافعي وهو
[يشهد] أن لا إله إلاَّ اللَّه وحده لا شريك له وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله وأنَّ الجنَّة
حقٍّ وأنَّ النَّار حقٍّ وأنَّ السَّاعة آتية لا ريب فيها وأنَّ اللَّه يبعث من في القبور وأنَّ
صلواته ونسكه ومحياه ومماته للَّه ربِّ العالمين لا شريك له وبذلك أمر وهو من
المسلمين عليه يحيا وعليه مات وعليه يبعث حيًّا إن شاء اللَّه؛ وتوفّي أبو عبد الله
ليومٍ بقي من رجب سنة أربع ومائتين.
قلت: وكان من صفته الطَّاهرة رحمه اللَّه ورضي عنه أنَّه كان طويلاً جسيمًا
نبيلاً خفيف العارضين، وكان يخضِّب خلافًا للشّيعة، وكان مهيبًا رضي اللّه عنه.
قال ابن خزيمة: سمعت الرَّبيع يقول: والله ما اجترأت أن أشرب الماء
والشّافعي ينظر إليَّ هيبة له.
وقال الحافظ أبو بكر: قرأت على أبي بكر محمَّد بن موسى الخوارزمي عن
أبي عبد الله محمَّد بن المعلَّى الأزدي قال: قال أبو بكر محمَّد بن الحسن ابن
دريد الأزدي يرثي الشَّافعي رضي الله عنه ورحمه:

73
ترجمة الإمام الشَّافعي
ذوائد عن ورد التّصابي روادعُ
بملتفتيه للمشيب طوالعُ
دعاه الصِّبا فاقتاده فهو طالعُ
يصرفه طوع العنان وربما
فليس له من شيب فوديه وازعُ
أم النُّصح مقبولٌ أم الوعظ نافع
بأنَّ الذي يوعي من المال ضائعُ
فراق الذي أضحى له وهو جائعُ
ولكنَّ جمعَ العلم للمرءِ نافعُ
دلائلها في المشكلات لوامعُ
وتنخفض الأعلام وهي فوارعُ
موارد فيها للرَّشاد شرائعُ
بما حكم التّنزيل فيها جوامعُ
ضياءٌ إذا ما أظلم الخطبُ ساطعُ
سما منه نورٌ في دجاهنَّ لامعُ
وليس لما يعليه ذو العرش واضعُ
من الزَّيخ إنَّ الزَّيغ للمرء صارعُ
لحكم رسول اللَّه في النَّاس تابعُ
على ما قضى في الوحي والحقُّ ناصعُ
إليه إذا لم يخش لبسا يسارعُ
لها مددّ في العالمين يتابعُ
خلائق هنَّ الباهرات البوارعُ
وخصَّ ببيت العزُّ مذ هو يافعُ
ومن لم يرعه لبُّه وحياؤه
هل النَّافر المذعور للحظّ راجعٌ؟
أم المهموم بالجمع عالم
وإنَّ قصاراه على فرط ظنّه
ويحمل ذكر المرء ذي المال بعده
ألم تر آثار ابن إدريس بعده
معالم يفنى الذَّهر وهي خوالد
مناهج فيها للهدى متصرَّفٌ
ظواهرها حكمٌ ومستنبطاتها
لرأي ابن إدريس ابن عمِّ محمَّدٍ
إذا المقطعات المشكلات تتابعت
أبى اللَّه إلاَّ دفعه وعلوّه
توخّى الهدى فاستنقذته يدُ الثُّقى
ولاذ بآثار الرَّسول فحكمه
وعوَّل في أحكامه وقضائه
بطيءٌ عن الرَّأي المخوف التباسه
جرت لبحور العلم أمداد فكره
وأنشاه منشيه من خير معدنٍ
تسربلَ بالثَّقوی ولیدًا وناشئًا

74
طبقات الشافعية
إذا التُمست إلاَّ إليه الأصابعُ
وهذِّب حتَّى لم تشر بفضيلة
فمرتعه في باحة العلم واسعُ
فمن يكُ علم الشَّافعي أمامه
وجادت عليه المدجنات الهوامعُ
سلامٌ على قبرٍ تضمَّن جسمه
جليلٍ إذا التفّت عليه المجامعُ
لو غيّبت أشراؤه جسمَ ماجدٍ
لهنَّ لما حكْمن فيه فواجعُ
لئن فجعتنا الحادثات بشخصه
وآثاره فيئًا نجومٌ طوالعُ
فأحكامه فينا بدورٌ زواهرٌ
ولابن دريد فيه قصيدة أخرى نونيَّة جيّدة المطلع قويّة المنزع رويَّة المشرع
مدحه فيها فأبدع وجرى في مضمار فضائله فأسرع، والله يغفر له ويسامحه.
وهذه نبذةٌ مختصرةٌ في فضائل الشَّافعي رضي الله عنه ورحمه وشمائله؛ ولو
تقصَّينا أخباره مبسوطة لطال الكتاب، ولكن اقتصرنا على هذا القدر إنَّ فيه مقنعٌ
لذوي الألباب، وقد جمع النَّاس ترجمة الشّافعي قديمًا وحديثًا، فأوَّل من نعرف
جمعها داود بن علي بن خلف الأصبهاني الظَّاهري، ثمَّ أبو محمَّد عبد الرَّحمان
ابن أبي حاتم الرَّازي، وزكريَّاء بن يحيى السَّاجي، والدَّارقطني، وأبو علي الحسن
ابن الحسين الهمذاني المعروف بابن حمكان وهو ضعيف وفي ما ينقله نكارة ولا
يكاد يخلو ما يرويه عن غرابة ونكارة، وأبو الحسين الرَّازي والد تمَّام، والحاكم
النّيسابوري، وأبو الحسين محمَّد بن الحسين بن إبراهيم الأبرِّي السِّجستاني،
والحافظ أبو بكر البيهقي، والحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه، ذكر ترجمة
بليغة أطنب فيها وأكثر وأطنب، وذكر أشياء من ترجمة أبي علي ابن حمكان
وأشياء من رحلة الشَّافعي لعبد الله بن محمَّد البلوى وهو كذَّابٌ وضَّاعٌ، وقد
أعرضت في هذه التَّرجمة عن كثير من ذلك، وذكر مقاصد ما ذكر هؤلاء الأئمَّة
ممَّا هو صحيحٌ أو قريبٌ منه، ولا يخفى ذلك على أولي العلم؛ وكذلك جمع
ترجمة الإمام الشّافعي أبو عبد اللَّه محمَّد بن عمر الرَّازي أستاذ المتكلِّمين في
زمانه في مجلَّدٍ وأطال العبارة فيها، ولكنَّه اعتمد على منقولاتٍ كثيرةٍ مكذوبةٍ ولا
نقد عنده في ذلك، فلهذا كثرت فيها الغرائب والنّكرات من حيث النَّقل، واللَّه
تعالى هو الموفّق للصَّواب وإليه المرجع والمآب، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله
العليّ العظيم، ربَّنا آتنا في الدُّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النَّار، ربَّنا

75
ترجمة الإمام الشَّافعي
اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا،
ربَّنا إِنَّك رؤوفٌ رحيمٌ.
فصل: وقد وقع لي حديثٌ عزيزٌ عظيمٌ من رواية الإمام الشَّافعي رضي الله
عنه فيه بشارة عظيمة لعموم المؤمنين ولا سيَّما للأبرار والمقرَّبين، أحببتُ أن
أسوقه بسندي إلى سيِّد المرسلين، وقد أخبرني به شيخنا الإمام الحافظ أبو
الحجّاج يوسف ابن الزَّكي عبد الرَّحمان بن سيف المزي رحمه اللَّه أخبرنا أبو
العبّاس أحمد بن شيبان بن ثعلب الشيباني والمسلِّم بن غيلان قالا: أخبرنا حنبل
ابن عبد اللَّه الرُّصافي المكبّر أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن الحصين الشَّيباني أخبرنا
أبو علي الحسن بن علي ابن المذهَّب التَّميمي أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن
حمدان بن مالك القطيعي حدَّثنا عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل حدَّثنا أبي
حدَّثنا محمَّد بن إدريس الشَّافعي عن مالك بن أنس عن الزُّهري عن عبد الرَّحمان
ابن كعب بن مالك عن أبيه قال: قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلّم: «نسمة
المؤمن طائرٌ تعلَّق في شجر الجنَّة حتَّى يرجعه اللَّه إلى جسده يوم يبعثه))(58) .
وهكذا رواه النَّسائي من حديث مالكِ والتّرمذي وابن ماجة من حديث الزُّهري به،
وقال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ.
قلت: وهذا فردٌ من الأفراد، اجتمع في سنده ثلاثة من الأئمَّة الأربعة، وهذا
عزيزٌ جدًّا.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن الشَّافعي أحاديث أخر غير هذا، بل قد
روى عن رجلٍ عنه، وذلك فيما رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه، حدَّثنا سليمان
ابن داود الهاشمي حدَّثنا الشّافعي عن يحيى بن سليم عن عبد الله بن نافع عن ابن
عمر رضي اللَّه عنهما أنَّ رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى صلاة الكسوف
أربع ركعات وأربع سجدات، هذا على شرط الصَّحيح ولم يخرجوه. وممَّا
استغرب من رواية الشّافعي رضي الله عنه ممَّا رواه الحافظ أبو بكر الخطيب
البغدادي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحرشي حدَّثنا أبو العبّاس محمَّد بن
يعقوب الأصمِّ حدَّثنا الرَّبيع بن سليمان حدَّثنا الشَّافعي حدَّثنا مالك عن أبي الزّناد
(58) رواه ابن ماجه في كتاب الزُّهد، والنّسائي ومالك في كتاب الجنائز.

76
طبقات الشافعية
عن الأعرج عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول الله صلَّى اللَّه عليه
وسلَّم: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذِّ بخمسة وعشرين جزءاً)(59)، ثمّ قال
الخطيب: لا أعلم أحدًا رواه عن الشَّافعي إن لم يكن الرَّبيع وَهم فيه، لأنَّ هذا
الحديث في الموطّأ عن مالك عن الزُّهري عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة،
قلت: هكذا أخرجه مسلمٌ في صحيحه عن يحيى بن يحيى، والنَّسائي عن قتيبة،
والتّرمذي عن إسحاق بن موسى الأنصاري عن معن بن عيسى القزَّاز، كلُّهم عن
مالك عن الزُّهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلّم به.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: تفرَّد به كذلك الرَّبيع عن الشّافعي، وقد رواه
المزني والزَّعفراني وحرملة عن الشَّافعي عن مالك عن الزُّهري عن سعيد عن أبي
هريرة، فقيل: إنَّه وهم فيه الرَّبيع. وقيل: بل هو محفوظ عن مالك، فقد أنبأنا أبو
عبد اللَّه الحافظ حدَّثنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم الثّقة المأمون حدَّثنا
إبراهيم بن أبي طالب وعبد الله بن محمَّد بن عبد الرَّحمان قال: حدَّثنا إسحاق بن
إبراهيم حدَّثنا روح بن عبادة حدَّثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة
رضي الله عنه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «فضّل صلاة الرَّجل في
الجماعة على صلاته وحده بخمسةٍ وعشرين جزءًا)).
باب
ذكر المسائل التي انفرد بها الإمام الشَّافعي رضي اللَّه عنه من دون إخوانه من
الأئمّة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين، وذلك
مرتَّبٌ على أبوابِ الفقه، من كتاب الطَّهارة إلى الصَّلاة
فمن ذلك: أنَّه كره استعمال الماء المشمس، واختلف الأصحاب فيه على
وجوه. والمستند حديث: ((لا تفعلي يا حميراء))، وهو ضعيف جدًّا من جميع
طرقه، والأثر عن عمر لم يصحَّ سنده أيضًا، والمرجع فيه إلى الطبِّ.
وقال في أحد القولين بنجاسة الماء إذا مات فيه ليس له نفسٌ سائلةٌ كسائر
الميِّتات، ووافق في الآخر الثّلاثة لحديث: ((فامقلوه))، وجعل المرجع فيه ضابط
رواه البخاري في كتاب الأذان والمساجد والبيوع، والتّرمذي والدَّارمي والنَّسائي في كتاب
(59)
الإمامة، وابن ماجة في كتاب المساجد.

77
ترجمة الإمام الشافعي
الماء إلى القلَّتين لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما، ووافقه أحمد في رواية.
وقسّم الماء إلى طاهرٍ ونجسٍ وطهورٍ، وكذا عند أحمد في رواية.
وعنه قولٌ في استعمال أواني الذَّهب والفضَّة، أنَّ النَّهي عنهما محمول على
التَّنزيه، ووافق في القول الآخر الثّلاثة على التَّحريم وهو الصَّحيح. وفي اتِّخاذها
وجهان: أحدهما يجوز خلافًا للثّلاثة، وحكاه ابن أبي موسى الحنبلي قولاً عن
الشَّافعي، والأصحُ في المذهب أنَّه لا يجوز اتّخاذها لأنَّه ذريعة إلى استعمالها
ووفاقًا لهم.
وقال فيمن اشتبه عليه ماءٌ طاهرٌ وماءٌ نجسٌ أنَّه يتحرَّى ويتوضَّأ بالماء الطَّاهر
على ما غلب في ظنّه مطلقًا. وعن الإمام أحمد أنَّه لا يتحرَّى بل يتيمَّم. وعن أبي
حنيفة: إن كانت الأواني الطَّاهرة أكثر من النَّجسة تحرَّى وإلاَّ فلا. وعن مالك
يتوضَّأ بكلِّ منهما ويصلِّ بعددها. وعنهم رواياتٌ أخرى غير ما ذكرنا. والغرض
أنَّه عن كلٌّ واحدٍ قولٌ.
وكره السِّواك للصَّائم بعد الزَّوال لإزالته الخلوف من الفم، ووافقه أحمد في
رواية. وحكى التّرمذي عن الشَّافعي أنَّه لا يكره والحالة هذه كقول الثَّلاثة لعموم
أحاديث التّرغيب في السِّواك.
وقال بوجوب الختان على الرِّجال والنِّساء. وعن أبي حنيفة أنَّه سنَّة مطلقًا.
وقال أحمد بوجوبه على الرِّجال وسنِيته للنّساء.
وقال إنَّه تحرَّى في مسح الرَّأس ما يطلق عليه المسح ولو على شعرةٍ،
ووافقه أحمد في روايةٍ. وقال مالك وأحمد في الرّواية الأخرى باشتراط
الاستيعاب. وعن أبي حنيفة مقدار ربع الرَّأس والنَّاصية أو ثلاثة أصابع، روايات.
واستحبَّ الشَّافعي تكرار مسحه ثلاثًا لعموم أحاديث في الصَّحيح. وَنصُّ بعضها
في السُّنن؛ ووافقه أحمد في روايةٍ، وهكذا في مسح الأذنين، ووافقه في استحباب
تکرار مسحها ثلاثًا .
وقال الشَّافعي: يجزي في مسح الخفُ ما يقعُ عليه الاسم. وقال مالك:
يجب استيعابه. وقال أحمد: يجب مسح أكثره، وقال أبو حنيفة: يجب مسح
مقدار ثلاثة أصابع .
وقال بانتقاض الوضوء لمن لمس النِّساء الأجنبيَّات مطلقًا لعموم الآية. وله

78
طبقات الشافعية
في ذوات المحارم قولان. وقال مالك: إن لمس بشهوة انتقض وإلاَّ فلا. وقال أبو
حنيفة: لا ينتقض إلاَّ إن لمس برأس ذكره شفرها. وعن أحمد ثلاث روايات
كقول الشَّافعي ومالك. والثّالثة لا ينتقض مطلقًا، والله أعلم.
وقال في الجديد بانتقاض الوضوء أيضًا من مسٌّ حلقة الدُّبر، وهو الرِّواية
عن أحمد. وله قولٌ آخر: "أنَّه ينتقض وفاقًا للثَّلاثة.
وعنه في لحم الجزور قولٌ حكاه ابن القاصِّ: أنَّه لا ينتقض الوضوء لحديث
في صحيح مسلم، وهو رواية عن أحمد، والمشهور عن الشَّافعي أنَّه لا ينقض
كقولهم.
وانفرد الشَّافعي بإيجاب الغسل من إنزال المني مطلقًا وإن كان بغير شهوةٍ
خلافًا لهم.
وكذا عنده: يجب الغسل على من خرج منه منيٌّ بعد الغسل. وقال مالكٌ:
لا غُسل عليه. وقال أبو حنيفة: إذا كان خروجه بعد البول فلا غسل، وإن كان
قبله وجب. وعن أحمد ثلاث رواياتٍ كالثَّلاثة.
وقال الشَّافعي فيمن بدنه صحيحٌ وجريحٌ. يغسل الصَّحيح ويتيمَّم عن
الجريح. وقال مالك يغسل الصَّحيح ويمسح الجريح ولا يتيمَّم. وقال أبو حنيفة:
إن كان الأكثر صحيحًا غسله ولا يمسح ولا يتيمَّم. وإن كان جريحًا تيمَّم ولا
مسح ولا غسل.
ومن كتاب الصَّلاة إلى الزّكاة
الجديد من مذهب الشَّافعي: أنَّه لا وقت للمغرب إلاَّ وقتٌ واحدٌ لحديث
جابر وابن عبَّاس رضي الله عنهم، وهو رواية عن مالك والقديم وعليه الفتوى.
والمختار من جهة الدَّليل أنَّ وقتها موسّع إلى غيبوبة الشَّفق، كقول الثَّلاثة لثلاثة
أحاديث في صحيح مسلمٍ.
والجديد من مذهبه: أنَّ تعجيل العشاء أفضل لعموم الأحاديث الواردة في
فضيلة أوَّل الوقت. والقول الآخر: إنَّ تأخيرها أفضل كقول الثّلاثة لما ورد في
ذلك من الدَّليل الخاصِّ به. وله قولٌ آخر: أنَّه إذا اجتمع الجماعة عجّل وإلاّ
أخّر، والله أعلم.

79
ترجمة الإمام الشَّافعي
وذهب الشَّافعي رضي الله عنه إلى أنَّ الأذان تسع عشرة كلمة، تكبِّر أربعًا
في أوَّله مع التَّرجيع وهو أذان أبي محذورة. وقال الإمام مالكٍ: وهو سبع عشرة
كلمةً، يكبِّر في أوَّله مرَّتين مع التَّرجيع. وقال أبو حنيفة وأحمد: هو خمس عشرة
كلمةً يكبِّر أربعًا في أوَّله من غير ترجيع، وهو أذان بلال.
واختار الشّافعي إقامة بلالٍ رضي اللَّه عنهما إحدى عشرة كلمة، الله أكبر
الله أكبر أشهد أنَّ لا إله إلاَّ اللَّه وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول اللّه حيَّ على الصَّلاة
حيَّ على الفلاح قد قامت الصَّلاة قد قامت الصَّلاة اللَّه أكبر الله أكبر لا إله إلاَّ
اللَّه. ووافقه الإمام أحمد في روايته. وقال مالك: الإقامة فرادى لهذا إلاَّ أنَّه
يقول: قد قامت الصَّلاة مرَّةً واحدةً، فجعلها عشر كلمات. وقال أبو حنيفة:
الإقامة هي الأذان مثنى مثنى كما تقدَّم وزيادة قد قامت الصَّلاة مرَّتين، فجعلها سبع
عشرة كلمةً.
والجديد من مذهب الشَّافعي أنَّه لا تثويب في أذان الصُّبح؛ وقال في
القديم: هو سنَّة كقول الثّلاثة وهو المفتى به للحديث، وقد اختلفوا في موضعه
من الأذان.
وقال في الجديد: من صلَّى باجتهاده إلى القبلة ثمَّ تبيَّن الخطأ لزمه الإعادة.
وقال في القديم: لا إعادة عليه، كقول أبي حنيفة وأحمد؛ وقال مالك: إن تبيَّن
أنَّه كان منحرفًا فلا إعادة عليه، وإن کان مستديرًا فعنه روايتان.
ومن أفراده الجهر بالبسملة في الصُّبح والأولتين من المغرب والعشاء. وقال
أبو حنيفة وأحمد: يُسرُّ بها. وقال مالك: لا يقرأها بالكليّة. ثمَّ هي عند الشَّافعي
رضي الله عنه من أوَّل الفاتحة أنَّه على الصَّحيح، وقيل: بعض آية، وكذا من
سائر السُّور على أصحِّ الطَّريقين. وقال مالك وأبو حنيفة: ليست بآية لا من
الفاتحة ولا من غيرها. وقال أحمد: ليست آيةً من غيرها، روايةٌ واحدةٌ، وهل
هي من القرآن على روايتين؟ .
وعنه أنَّها تركت منفصلة عن السُّور للفصل بينهما وليست منها والله أعلم.
ثُمَّ الجديد من مذهبه: أنَّه يجب على المأموم قراءة الفاتحة فيما أسرَّ فيه
الإمام وجهر لعموم قوله صلَّى اللَّه عليه وسلّم: ((لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب)) (60) .
(60) رواه الترمذي في كتاب المواقيت ..

80
طبقات الشافعية
وقوله في القديم: أنَّها لا تجب إلاَّ في الجهريَّة، وتجب في السرِّية، وقالوا في
المشهور عنهم: ليس على المأموم قراءة لا في الجهريَّة ولا في السريّة لما جاء في
الحديث: ((من كان له إمامٌ فقراءته له قراءة)).
وقال الشَّافعي: يؤمِّن الإمام على قراءة نفسه، وله في المأموم قولان.
وقال مالك: يؤمِّن المأموم، وعنه في الإمام روايتان. وقال أبو حنيفة: لا
يؤمِّن هذا ولا هذا. وقال الإمام أحمد: يؤمِّن هذا وهذا للحديث: ((إذا أمَّن الإمام
فأمّنوا))، فإنَّه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدَّم من ذنبه.
والجديد من المذهب أنَّه يسنُّ قراءة السُّورة في الأخيرتين من الرُّباعيَّة. وقال
في القديم: لا وعليه الفتوى، وهو قول الثَّلاثة. وقال الشّافعي بصحّة صلاة من
قرأ في صلاته من مصحف. وعن الإمام أحمد مثله. وعنه أنَّ ذلك يجوز في
النَّافلة دون الفريضة كمذهب مالك. وقال أبو حنيفة: تبطل صلاة من فعل ذلك
مطلقًا .
وقال الشَّافعي لا يجزي السُّجود على كور العمامة خلافًا للثّلاثة، إلاَّ روايةً
عن أحمد كالشَّافعي. وقال في الجديد باستحباب الصَّلاة على النبيِّ صلَّى اللّه عليه
وسلَّم في التَّشهُّد الأوَّل، ولم يستحببه في القول الآخر كمذهب الثَّلاثة.
وقال الشّافعي بوجوب التَّشهد الأخير وهو المشهور عن أحمد، وعنه رواية
كقول أبي حنيفة ومالك أنَّه سنَّة وليس بفرض، ثمَّ اختلفوا أيَّ التَّشهُّدات أفضل،
فاختار الشَّافعي ما رواه ابن عبّاس لأنَّه أكثر ذكرًا وهو في صحيح مسلم، واختار
مالك ما رواه في موطّئه عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنَّه قال على المنبر.
واختار أبو حنيفة وأحمد تشهُّد ابن مسعود رضي اللَّه عنه عن رسول الله صلَّى اللَّهِ
عليه وسلَّم وهو في الصَّحيحين. ومذهب الإمام الشّافعي رضي الله عنه: أنَّ
الصَّلاة على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في التَّشُد الأخير فرض لا تصحُ الصَّلاة
بدونه خلافًا لهم. وقد ادَّعى بعضهم أنَّ الشَّافعي رضي اللَّه عنه تفرَّد بهذا المذهب
دون العلماء ولا سلف له فيه، وليس كما قالوا، بل قد روي هذا عن ابن مسعود
والشّعبى والباقر وغيرهم، وهو الذي اختاره
وجابر وابن عمر وأبي
الإمام أحمد بن حنبل في آخر أمره وصار إليه، وذهب إليه ابن المؤَّاز من
المالكيَّة، وقد أفردت في ذلك مصنَّفًا، حتَّى إنَّه اختلف أصحاب الإمام أحمد في