Indexed OCR Text

Pages 41-60

41
ترجمة الإمام الشّافعي
سمعنا من الشّافعي رضي اللَّه عنه الكتاب والسنَّة والإجماع. قال وحدَّثنا علي بن
الحسن ... قال: سمعت أبا إسماعيل التّرمذي يقول: سمعت إسحاق بن راهويه
يقول: ما تكلّم أحدٌ بالرَّأي وذكر الثّوري والأوزاعي ومالكًا وأبا حنيفة إلاَّ
والشَّافعي أكثر أتباعًا وأقلُّ خطأً منه، والله أعلم.
قال ابن عدي: سمعت منصور بن إسماعيل الفقيه ويحيى بن زكريَّاء يقولان:
سمعنا أبا عبد الرَّحمان التِّيباني يقول: سمعت عبد الله بن فضالة اللَّيثي الثّقة
المأمون يقول: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: الشَّافعي إمامٌ.
وقال ابن أبي حاتم: وحدَّثنا أحمد بن عمرو ابن أبي عاصم سمعت أبا
إسحاق الشَّافعي يعني إبراهيم بن محمَّد وذكر محمَّد بن إدريس فقال: هو ابن
عَمِّي وعظَّمه وذكر من قدره وجلالته يعني العلم.
وروى الخطيب عن أبي بكر عبد الله بن الزُّبير الحميدي أنَّه كان إذا ذُكر
عنده الشَّافعي يقول: حدَّثنا سيِّد الفقهاء الشَّافعي، وقال زكريَّاء السَّاجي حدَّثني ابن
بنت الشَّافعي فإنَّ لسانه كان أكبر من كتبه؛ وقال زكريّاء: حدَّثني أبو بكر بن
سعدان سمعت هارون بن سعد الأيلي يقول: لو أنَّ الشَّافعي ناظر على هذا العمود
الذي من حجارة أنَّه من خشبٍ لغلب لاقتداره على المناظرة. وقال ابن أبي حاتم:
سمعت أبي يقول: محمَّد بن إدريس الشّافعي فقيه ... صدوقٌ. وقال الدمير بن
عبد الواحد: سمعت عبد الله بن محمَّد بن جعفر القزويني بمصر يقول: سمعت
أبا زرعة الرَّازي يقول: ما عند الشّافعي حديث غلط فيه ونُقل نحوه عن أبي داود
فاللَّه أعلم .
وقال أبو بكر البيهقي: حدَّثنا أبو عبد الله الحافظ سمعت إسحاق بن سعد
بن الحسن بن سفيان يقول: سمعت جدِّي سمعت أبا ثور يقول: ما رأينا مثل
الشَّافعي، ولا رأى الشَّافعي مثل نفسه. وقال أبو بكر الخطيب: أخبرنا أبو الحسن
أحمد بن محمَّد المحرِّر سمعت عبد العزيز الحنبلي صاحب الزجَّاج يقول: سمعت
أبا الفضل الزجَّاج يقول: لمَّا قدم الشَّافعي إلى بغداد وكان في المسجد مائة ونيِّف
وأربعون أو خمسون حلقة فلمَّا دخل بغداد ما زال يقعد في حلقةٍ حلقةٍ ويقول
لهم: قال الله تعالى قال الرَّسول وهم يقولون: قال أصحابنا حتَّى ما بقي في
المسجد حلقة غيره؛ ولهذا قال حرملة: سمعت الشَّافعي يقول: سمِّيت ببغداد
ناصر الحدیث.

42
طبقات الشافعية
وقال الخطيب: أخبرنا محمَّد بن أحمد بن رزق أخبرنا أحمد بن كامل
القاضي حدَّثني أبو الحسين بن القوَّاس حدَّثني ابن بنت الشَّافعي سمعت الزُّبير بن
بكّار يقول: قال لي عمِّي مصعب: كتبت عن فتى من بني شافع من أشعار هذيل
ووقائعها وفرًا لم ترَ عيناي مثله.
وقال ابن أبي حاتم في كتابي عن الرَّبيع بن سليمان: سمعت أيُّوب بن سويد
يقول: ما ظننت أنّي أعيش حتَّى أرى مثل هذا الرَّجل، ما رأيت مثل هذا الرَّجل
قطُ؛ وقد رواه ابن عدي؛ حدَّثني يحيى بن زكريَّاء بن حيوة وإبراهيم بن إسحاق
ابن عمر قالا: حدَّثنا الرَّبيع سمعت أيُّوب بن سويد يقول: ما ظننت أنّي أعيش
حتَّى أرى مثل الشَّافعي وقد رأى الأوزاعي.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ أخبرنا أبو الوليد الفقيه حدَّثنا
إبراهيم بن مجرد قال: سمعت الزَّعفراني يقول: ما رأيت مثل الشَّافعي أفضل ولا
أكرم ولا أسخى ولا أتقى ولا أعلم منه. وقال عبد الرَّحمان بن عبد الحكم:
سمعت أبي ويوسف بن زيد يقولان: ما رأينا مثل الشَّافعي. وقال ابن أبي حاتم:
سمعت محمّد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: ما أحدٌ ممَّن خالفنا يعني خالف
مالكًا أحبُّ إليَّ من الشَّافعي.
وقال أبو بكر الخطيب: حدَّثنا محمَّد بن علي بن أحمد المقري أخبرنا
محمَّد بن جعفر التَّميمي بالكوفة أخبرنا عبد الرَّحمان بن محمَّد بن حاتم بن إدريس
البلخي أخبرنا نصر بن المكَّي حدَّثنا ابن عبد الحكم قال: ما رأينا مثل الشَّافعي،
كان أصحاب الحديث ونقَّاده يجيئون إليه فيعرضون عليه فربَّما أعلى .... النقّاد
منهم ويوقفهم على غوامض من نقد الحديث لم يقفوا عليها فيقومون وهم
متعجّبون، ويأتيه أصحاب الفقه المخالفون والموافقون فلا يقومون إلاَّ وهم
مذعنون له بالحذق والدراية، ويجيئه أصحاب الأدب فيقرأون عليه الشِّعر فيفسِّره،
ولهذا كان يحفظ عشرة آلاف بيت شعرٍ من أشعار هذيل بإعرابها وتمييزها
ومعانيها، وكان من أضبط النَّاس للتّاريخ، وكان يعينه على ذلك شيئان: وفور عقل
وصحّة دينٍ، وكان ملاك أمره إخلاص العمل للَّه. وقال ابن عدي: حدَّثني محمَّد
ابن القاسم بن شريح سمعت محمَّد بن عبد اللَّه المعمري سمعت الحافظ يقول:
نظرت في كتب هؤلاء النَّبغة الذين نبغوا فلم أر أحسن تأليفًا من المطَّلبي، كان
كلامه نظمُ درِّ إلی درًّ.

43
ترجمة الإمام الشَّافعي
وقال ابن عدي: سمعت يحيى بن زكريَّاء بن حيوه يقول: سمعت هاشم بن
مرتد الطَّبراني يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: الشَّافعي صدوق لا بأس به.
وقال زكريّاء السَّاجي: حدَّثنا أحمد بن لاحي البغدادي سمعت الزَّعفراني يقول:
كنت مع يحيى بن معين في جنازة فقلت له: يا أبا زكريَّاء ما تقول في الشَّافعي؟
فقال: دعنا لو كان الكذب مطلقًا لكانت مروءته تمنعه أن يكذب، وقال الحسن بن
محمَّد الزَّعفراني: كان أصحاب الحديث رقودًا حتَّى جاء الشَّافعي، وقال زكريّاء
السَّاجي: سمعت هارون بن سعيد الإيلي يقول: ما رأيت مثل الشَّافعي قدم علينا
مصر فقالوا: قدم رجلٌ من قريش فجئنا وهو يصلّي فما رأيت أحسن صلاةً ولا
أحسن وجهًا منه، فلمَّا تكلّم ما رأينا أحسن كلامًا منه فافتتنًا به. وقال زكريَّاء بن
يحيى: حدَّثني الحسن بن محمَّد الزَّعفراني قال: حجَّ بشر المريسي سنة إلى مكّة
ثمَّ قدم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلاً ما رأيت مثله سائلاً ولا مجيبًا يعني
الشَّافعي رضي الله عنه، قال: قدم الشّافعي علينا بعد ذلك بغداد فاجتمع إليه
النَّاس وخقُوا عن بشر فجئت إلى بشر يومًا فقلت: هذا الشَّافعي الذي كنت تزعم
قد قدم، فقال: إنَّه قد تغيَّر عمَّا كان عليه، قال الزَّعفراني فما كان مثله إلاَّ مثل
اليهود في أمر عبد الله بن سلاَّم حيث قالوا: سيِّدنا وابن سيِّدنا فلمَّا أسلم قالوا:
شرُّنا وابن شرِّنا، فهذه شهادات الموافقين والمخالفين، والفضل ما شهد به
الأعداء.
فصل في معرفته بالكتاب والسنَّة، ومتابعته لهما،
ووقوفه عندهما، رضي الله عنه
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أبو الوليد الفقيه
حدَّثنا أبو بكر أحمد بن محمَّد بن عبيدة قال: كنا نسمع من يونس بن عبد الأعلى
تفسير زيد بن أسلم فقال لنا يونس: كنت أوَّلاً أجالس أصحاب التَّفسير وأناظر
عليه فكان الشَّافعي إذا أخذ في التَّفسير كأنَّه شهد التَّنزيل، وقال أبو حسَّان
الزِّيادي: ما رأيت أحدًا أقدر على معاني القرآن والعبارة على المعاني والاستشهاد
على ذلك من قول الشّعر واللّغة منه، رواه ابن عساكر، وروى البيهقي عن الحاكم
عن ابن زيد بن عبد الواحد عن أبي سعيد محمَّد بن عقيل الفارابي عن الرَّبيع أو
المزني أنَّ شيخًا سأل الشَّافعي رضي الله عنه عن الحجَّة في الدِّين فقال: كتاب

44
طبقات الشافعية
اللَّه وسنَّة رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أو اتّفاق الأمَّة، فقال له الشَّيخ: من
أين قلت اتّفاق الأمَّة أمن الكتاب أو السنَّة؟ فقال: من كتاب اللَّه تعالى فقال: من
أين في كتاب اللَّه هذا؟ قد أجَّلتك ثلاثة أيَّام فإن جئت بحجَّةٍ وإلاَّ فتب إلى الله،
فلمَّا كان اليوم الثّالث وجاء الشّيخ تلا عليهَ الشَّافعي رضي الله عنه قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ اُلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى
وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌّ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ (21)، قال الشَّافعي رضي الله عنه: لا يصليه على
خلاف المؤمنين إلا وهو فرض، قال: فقال الشّيخ: صدقت وقام فذهب.
وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمَّد الماليني أخبرنا أبو
بكر الإسماعيلي حدَّثنا عبد الله بن وهب يعني الدِّينوري حدَّثنا عبد الله بن محمَّد
ابن هارون الفريابي سمعت الشَّافعي محمَّد بن إدريس بمكّة يقول: سلُوني ما شئتم
أجبكم من كتاب اللَّه ومن سنَّة رسول اللَّه قال: قلت له: أصلحك اللَّه ما تقول
في المحرِم يقتل زنبورًا؟ فقال: نعم بسم اللَّهِ الرَّحمان الرَّحيم قال الله تعالى:
﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنتَهُواْ﴾(22). وحذَّثنا سفيان بن عيينة عن
عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حُذيفة قال: قال رسول الله صلَّى اللَّه عليه
وسلَّم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر))(23). وحدَّثنا سفيان عن مسعر عن
قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطّاب رضي اللَّه عنه أنَّه أمر
المحرم بقتل الزُّنبور. ورواها أبو القاسم ابن عساكر من وجهٍ آخر عن عبد الله بن
وهب الدِّينوري بها، وجعل ذلك ببيت المقدس، واستأنس ابن عساكر بذلك في
إرادة الشّافعي في تاريخ دمشق لأنَّه دخل الشَّام، وقال: لعلَّه سئل عن ذلك مرَّتين
في الموضعين، والله أعلم.
وقال البيهقي عن الحاكم عن محمَّد بن يعقوب الأصمِّ عن الرَّبيع عن
الشَّافعي أنَّه قال: الأصل كتابٌ أو سنَّةٌ أو إجماعُ النَّاس أو قول بعض أصحاب
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا من أدلِّ الدَّليل على أنَّ مذهبه أنَّ قول
الصَّحابي حجَّةٌ وهو الذي عوَّل عليه البيهقي وغيره من الأصحاب. وزعم الأكثرون
(21)
الآية 115 سورة النّساء.
(22)
الآية 7 سورة الحشر.
رواه الترمذي في كتاب المناقب، وابن ماجه في المقدَّمة.
(23)

45
ترجمة الإمام الشَّافعي
منهم الشَّيخ أبو حامد الإسفراييني أنَّه رجع عن هذا في الجديد، ورأى فيه أنَّ قول
الصَّحابي ليس بحجَّة، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الرَّبيع قال: سمعت الشَّافعي ودخلت عليه وهو
مريضٌ فذكر ما وضع من كتبه فقال: وددتُ أنَّ الخلق تعلمه ولا يُنسب إليَّ منه
شيءٌ أبدًا، وحدَّثنا ابن أبي حرملة بن يحيى قال: سمعت الشَّافعي يقول: وددت
أنَّ كلَّ علم أعلمه يعلمه النَّاس أوجرُ عليه ولا يحمدوني. وقال البيهقي عن
الحاكم: سمعت يحيى بن منصور القاضي يقول: سمعت أبا بكر محمَّد بن
إسحاق بن خزيمة وقلت له: هل يعرف سنَّةً لرسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم في
الحلال والحرام لم يودعها الشَّافعي في كتابه؟ قال: لا. قال: وأخبرنا أبو عبد اللَّه
الحافظ قال: قال أبو الوليد الحافظ: حدَّثنا أبو بكر ابن أبي داود السِّجستاني حدَّثنا
هارون بن سعيد الإبلي يقول: سمعت الشّافعي يقول: لولا أن يطول على النَّاس
لوضعت على كلِّ مسألةٍ جزءاً حججًا وبيانًا .
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدَّثني بحر بن نصر الخولاني المصري قال: قدم
الشَّافعي من الحجاز فبقي أربع سنين بمصر ووضع هذه الكتب في أربع سنين ثمَّ
مات وكان أقدم معه من الحجاز كتب ابن عيينة، وخرج إلى يحيى بن حسَّان
فكتب عنه، وأخذ كتبًا من أشهب بن عبد العزيز فيها آثارٌ وكلامٌ من كلام أشهب
وكان يضع الكتب بين يديه ويصنّف الكتب، فإذا ارتفع له كتابٌ جاءه كاتب يقال
له ابن هرم فيكتب ويقرأ عليه البويطي ويجمع من يحضر ليسمع في كتاب ابن هرم
ثُمَّ ينسخونه بعد، فكان الرَّبيع على حوائج الشَّافعي فربّما غاب في حاجته فيعلم له
فإذا رجع قرأ الرَّبيع عليه ما فاته. وقال البويطي: سمعت الشَّافعي رضي الله عنه
يقول: لقد ألَّفت هذه الكتب ولم أر فيها ولا بدَّ أن يوجد فيها الخطأ لأنَّ اللَّه
تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ ( ... )(24)،
فما وجدتم في كتبي هذه ممَّا يخالف الكتاب والسنَّة فقد رجعت عنه. وقال
البيهقي عن أبي عبد الرَّحمان السُّلمي عن الأصمِّ عن الرَّبيع سمعت الشَّافعي
يقول: إذا وجدتم كتابي خلاف سنَّة رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقولوا بها
ودعوا ما قلته. وقال البيهقي عن الحاكم عن الأصمِّ عن الرَّبيع سمعته يقول: وقال
(24) الآية 82 سورة النِّساء.

46
طبقات الشافعية
له رجلٌ: يا أبا عبد الله تأخذ بهذا الحديث فقال: متى رويت عن رسول الله
صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حديثًا صحيحًا ولم آخذ به فأُشهدكم أنَّ عقلي قد ذهب.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الرَّبيع بن سليمان سمعت الشَّافعي يقول وذكر نحوه
وقال: سمعته يقول: أيُّ سماء تظلُّني وأيُّ أرضٍ تقلُّني إذا رويت عن رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم حديثًا ولم أقل به، رواه البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو
ابن السَّماك عن أبي سعيد الجصَّاص عن الرَّبيع. وقال الحميدي: روى الشَّافعي
يومًا حديثًا فقلت: أتأخذ به؟، فقال: أرأيتني خرجت من كنيسة وعليَّ زنَّارٌ حتَّى
إذا سمعت من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حديثًا لا أقول به. وقال ابن أبي
حاتم عن أبي محمَّد البستي السِّجستاني فيما كتب إليه قال: قال أبو ثورٍ: سمعت
الشّافعي يقول: كلُّ حديثٍ عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فهو قولي وإن لم
تسمعوه منّي. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي سمعت حرملة بن يحيى يقول: قال
الشّافعي: كلَّما قلت فكان عن النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خلاف قولي ممَّا يصحُ،
فحديث رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أولى فلا تقلْدوني.
وقال القاضي أبو عمرو البسطامي(25): حدَّثنا أحمد بن عبد الرَّحمان بن عبد
الرَّحيم ابن الجارود: سمعت المزني يقول: سمعت الشَّافعي يقول: إذا وجدتم
سنَّة فاتَّبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحدٍ، وعن البويطي قال: سئل الشَّافعي كم
أصول الأحكام؟ قال: خمسمائة، قيل له: كم أصول السنَّة؟ قال: خمسمائة.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: قال الشَّافعي: أنتم
أعلم بالأخبار الصِّحاح منَّا فإذا كان خبرٌ صحيحًا فأَعلمني حتَّى أذهب إليه كوفيًّا
كان أو بصريًّا أو شاميًّا رواه الخطيب البغدادي عن الحافظ أبي نعيم الأصبهاني عن
أبي القاسم الطَّراني قال: سمعت عبد الله بن عمر يذكره عن أبيه.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرني عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل فيما كتب إليَّ
قال: قال لنا الشّافعي: أنتم أعلم بالحديث والرِّجال منِّي، فإذا كان الحديث
صحيحًا فأَعلموني كوفيًّا أو بصريًّا أو شاميًّا حتَّى أذهب إليه إذا كان صحيحًا،
ورواه البيهقي من غير وجهٍ عن عبد الله بن أحمد يذكره، ثمَّ قال: وإنَّما أراد
حديث أهل العراق لأنَّ المتقدِّمين من أهل الحجاز كانوا لا يفكّرون في رواية أهل
(25) يذكر في الطّبقة الخامسة المرتبة الأولى.

47
ترجمة الإمام الشَّافعي
العراق ولا يأخذون بها لما بلغهم من مساهلة بعضهم في الرِّواية، فلمَّا قام بعلم
حديثهم ومعرفة روَاته حفَّاظهم وميَّزوا صحيح الحديث من سقيمه أخذ الشَّافعي ما
صحَّ من ذلك، وكان أحمد بن حنبل من أهل العراق، وكان عرف من أحوال
رواتهم ما عساه يخفى على علماء الحجاز من ذلك فرجع الشَّافعي إليه في معرفة
أحوال رواة الحديث من أهل العراق، ثمَّ كان الشَّافعي أعرف منه بأحوال رواة
الحجاز، وذلك بيِّنْ في مذاكرتهما، انتهى كلامه في أصول العقائد. قال الإمام
أحمد بن حنبل: كان الشّافعي إذا ثبت عنده الحديث قلَّده وخير خصائله لم يكن
يشتهي الكلام إنَّما همته الفقه. وقال ابن أبي حاتم: سمعت الرَّبيع قال: أخبرني
من سمع الشَّافعي يقول: لئن يلقى اللَّه المرء بكلِّ ذنبٍ ما خلا الشّرك باللّه خيرٌ
من أن يلقاه بشيءٍ من الأهواء. ورواه غير واحدٍ عن الرَّبيع أنَّه سمع الشَّافعي يقول
ذلك، وقال محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشَّافعي يقول: لو علم
النَّاس ما في الكلام من الأهواء لفرُّوا منه كما يفرُّون من الأسد. وقال أبو ثورٍ
وغير واحدٍ عن الشَّافعي رضي الله عنه أنَّه قال: حكمي في أصحاب الكلام أن
يطاف بهم في القبائل وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنَّة وأقبل على
الكلام. وقال أبو نعيم بن عدي وغيره قال داود بن سليمان عن الحسن بن علي:
سمع الشَّافعي يقول: حكمي في أهل الكلام حكم عمر في ... وقال البويطي:
سمعت الشّافعي يقول: عليكم بأصحاب الحديث فإنَّهم أكثر النَّاس صوابًا. وعن
الشَّافعي قال: إذا رأيت رجلاً من أصحاب النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم جزاهم الله
خيرًا حفظوا لنا الأصل، فلهم علينا الفضل.
وقال محمَّد بن إسماعيل: سمعت الحسين بن علي الكرابيسي يقول: قال
الشّافعي: كلُّ من يتكلّم على الكتاب والسنَّة فهو الجدُّ وما سواه فهو هذيان، وعن
الشّافعي رضي اللَّه عنه أنشد (26).
كلُّ العلوم سوى القرآن مشغلةٌ
إلاَّ الحديث وإلاَّ الفقه في الدِّين
وما سوى ذاك وسواس الشَّياطين
العلمُ ما کان فیہ قال حدثنا
وقال ابن خزيمة(27): سمعت الرَّبيع يقول: لمَّا كلَّم الشَّافعي حفصا الفرد،
(26)
الدِّیوان ص 28 ..
يذكر في الطّبقة الثّالثة المرتبة الأولى.
(27)

48
طبقات الشافعية
وقال حفص: القرآن مخلوق، فقال له الشَّافعي: كفرت باللَّه العظيم، رواه ابن أبي
حاتم عن الرَّبيع: حدَّثني من أثق به وكنت حاضرًا في المجلس، فقال حفص
الفرد: القرآن مخلوق، فقال الشّافعي: كفرت باللّه العظيم.
وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم، أخبرنا أبو الفضل ابن أبي نصر الفرَّاء حدَّثني
حمد بن عمر العدل حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن فورك عن علي بن سهل الرَّملي
أنَّه قال: سألت الشَّافعي عن القرآن فقال: هو كلام الله غير مخلوق، قلت: فمن
قال بالمخلوق فمن هو عندك؟ قال لي: كافرٌ.
وقال الشّافعي: ما لقيت أحدًا منهم يعني أحدًا من أستاذيه إلاَّ قال: من قال
القرآن مخلوقٌ فهو كافرٌ.
وقال الرَّبيع (28): سمعت الشَّافعي يقول في قول اللَّه تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ
زَِّهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّحْبُوبُونَ﴾ (29)، علمنا بذلك أنَّ قومًا غير محجوبين ينظرون إليه لا
يضامون في رؤيته، كما جاء عن النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنَّه قال: ((ترون ربَّكم
كما ترون الشَّمس لا تضامون في رؤيتها)).
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ سمعت أبا محمَّد بن جعفر بن
محمَّد بن الحارث يقول: سمعت أبا عبد الله الحسين بن محمَّد الضخَّاك المعروف
بابن بحر يقول: سمعت إسماعيل بن يحيى المزني يقول: سمعت ابن هرم يعني
إبراهيم بن محمَّد بن هرم وكان من علية أصحاب الشّافعي يقول: سمعت الشَّافعي
يقول في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿كَّ إِنَّهُمْ عَنْ تَِّهِمْ يَوْمَيِذٍ ◌ََّحْبُونَ﴾، فلمَّا حجبهم في
السُّخط كان في هذا دليلٌ على أنَّهم يرونه في الرِّضا، فقال له أبو النَّجم القزويني:
يا أبا إبراهيم به تقول، قال: نعم وبه أدين اللَّه، فقام إليه عاصم فقبَّل رأسه،
وقال: يا سيِّد الشَّافعيِّين اليوم بيَّضت وجوهنا. وقد روي من غير وجهٍ عن
الشَّافعي نحوه.
وقال ابن خزيمة: أنشدنا المزني قال: أنشدنا الشّافعي لنفسه(30):
(28)
يذكر في الطّبقة الأولى.
(29)
الآية 15 سورة المطفّفين.
الدِّیوان ص 83 ..
(30)

49
ترجمة الإمام الشَّافعي
وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن
ما شئت كان وإن لم أشأ
ففي العلم يجري الفتى والمسن
خلقتَ العباد لما قد ما علمتَ
ومنهم قبيح ومنهم حسن
فمنهم شقيٍّ ومنهم سعيد
وذاك أعنتَ وذا لم تُعن
على ذا مننتَ وهذا خذلتَ
ورواه البيهقي عن عبد الرَّحمان السُّلمي: سمعت أحمد بن محمَّد بن مقسّم
أخبرني بعض أصحابنا أخبرني المزني قال: دخلت على الشَّافعي في مرضه الذي
مات فيه فأنشدني لنفسه، فذكر هذه الأبيات.
وأخبرني أبو عبد الله الحافظ حدَّثني الزُّبير بن عبد الواحد الحافظ حدَّثنا أبو
أحمد حامد بن عبد اللَّه المروزي حدَّثنا عمران بن فضاله حدَّثنا الرَّبيع بن سليمان
قال: سئل الشَّافعي عن القدر، فأنشأ يقول، وذكرها.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي سمعت حرملة بن يحيى قال: اجتمع حفص
الفرد ومصلان الأباضي عند الشَّافعي في دار الجروي بمصر في الإيمان، فاحتجَّ
مصلان في الزّيادة والنُّقصان، واحتجَّ حفص الفرد في الإيمان قولٌ، فعلا حفص
الفرد على مصلان وقوي عليه، وضعف مصلان فحمى الشَّافعي وتقلَّد المسألة
على أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ يزيد وينقص، فطحن حفصًا الفرد وقطعه.
وحدَّثنا أبي حدَّثنا عبد الملك بن حبيب الميموني حدَّثني أبو عثمان محمَّد
ابن محمَّد الشَّافعي قال: سمعت أبي، يعني محمَّد بن إدريس الشَّافعي يقول ليلةً
للحميدي: ما يحتجُّ عليهم - يعني أهل الإرجاء - بأنَّه أحجُ من قوله تعالى: ﴿وَمَآ
أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الْذِينَ حُنَفَءَ * وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ وَذَلِكَ وِيْنُ
الْقَيِّمَةِ﴾ (31).
وروى البيهقي بسنده عن الرَّبيع أنَّه قال: سمعت الشّافعي يقول: الإيمان
قولٌ وعملٌ يزيد وينقص. وقد نقل الطَّبري عن الإمام الشَّافعي: أنَّه حكى على
ذلك كما حكاه غيره من الأئمَّة.
وقال زكريَّاء السَّاجي: حدَّثنا عيسى بن إبراهيم حدَّثنا محمَّد بن نصر
(31) الآية 5 سورة البيِّنة.

50
طبقات الشافعية
التِّرمذي سمعت الرَّبيع يقول سمعت الشَّافعي يقول: أفضل النَّاس بعد رسول اللَّه
صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أبو بكر ثمَّ عثمان ثمَّ علي رضي الله عنهم.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي حدَّثنا حرملة بن يحيى سمعت الشَّافعي
يقول: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعليٍّ وعمر بن عبد العزيز رضي
الله عنهم .
فهذه أسانيدٌ صحيحةٌ ونصوصٌ صريحةٌ عن الإمام الشَّافعي في مذهب أهل
السنَّة والجماعة سلفًا وخلفًا فيتبيَّن بهذا خطأ قول أحمد بن عبد اللَّه العجلي في
الشَّافعي أنَّه شيعيٍّ، وهذا القول من العجلي مجازفةٌ بلا علم، وإنَّما غرَّه من ذلك
ما قدَّمنا ذكره من أنَّ أهل اليمن لمَّا رموه في جملة أولئك النَّفر القرشيِين وحمل
معهم إلى الرَّشيد وكان فيهم تشيُّعٌ اعتقد من لا يعلم أنَّ الشَّافعي كان إذَّاك على
مذهبهم، وإلاَّ فالإمام الشَّافعي أعظمُ محلاً وأجلُّ قدرًا من أن يرى رأي الشّيعة
الفرقة المخذولة والطّائفة المرذولة، وهو ذو الفهم الثَّام والذّكاء الزَّائد والحفظ
الخارق والفكر الصَّحيح والعقل الرَّجيح.
وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله السُّلمي سمعت أبا
الوليد حسَّان بن محمَّد الفقيه سمعت إبراهيم بن محمود بن حمزة حدَّثنا أبو
سليمان يعني داود بن علي الأصبهاني حدَّثني الحارث بن سريج النقّال سمعت
إبراهيم بن عبد اللَّه الرَّحبي يقول للشّافعي: ما رأيت هاشميًّا يفضِّل أبا بكر على
علي، فقال له: علي بن أبي طالب ابن عمِّي وابن خالي، وأنا رجلٌ من بني عبد
مناف، وأنت رجلٌ من بني عبد الدَّار، ولو كانت هذه مكرمة لكنت أولى بها
منك، ولكن ليس الأمر على ما تحسب. ابن حمكان بسنده عن المزني قال:
أنشدني الشّافعي من قبله :
شهدت بأنَّ اللَّه لا (شيء)(32) غيره
وأشهد أنَّ البعث حقٌّ وأخلصُ
وأنَّ عُرى الإيمان قولٌ مبيّن
وفعلٌ زكيٍّ قد يزيد وينقصُ
وكان أبو حفصٍ على الخير بحرصُ
وأنَّ أبا بكرٍ خليفة ربِّه
الدِّیوان ص 54، وفيه: لا ربَّ.
(32)
٠

51
ترجمة الإمام الشَّافعي
وأنَّ عليًّا فضله مُتخصِّصُ
وأُشهد ربِّي أنَّ عثمان فاضلٌ
لحى اللَّه من إِيَّاهم يتنقّصُ
أئمَّة قومٍ يُهتدى بهُداهُم
وما لسفيهٍ لا يخيس ويحرصُ
فما لغواة يشهدون سفاهةً
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: أخبرنا أبو الحسن الموازيني قراءةً عليه
عن أبي عبد الله القضاعي قال: قرأت على أبي عبد الله محمَّد بن أحمد بن
محمَّد، حدَّثنا الحسين بن علي بن محمَّد بن إسحاق الحلبي، حدَّثني جدُّ أبي
محمَّد وأحمد حدَّثنا إسحاق بن محمَّد قالا: سمعنا جعفر بن أحمد بن الرؤَّاس
بدمشق يقول: سمعت الرَّبيع يقول: خرجنا مع الشَّافعي من مكّة نريد منّى، فلم
ينزل واديًا ولم يصعد شعبًا إلاَّ وهو يقول:
واهتف بقاعد خيفها والنَّاهضِ
يا راكبًا قِف بالمحصَّب من منّى
فيضًا كملتطم الفراتِ الفائضِ
سحرًا (إذا قام)(33) الحجيجُ إلى منّى
فليشهد الثَّقلان إنّي رافضي
إذا كان رفضًا حُبُّ آل محمَّدٍ
قلت: ليس برفض حبَّ آل محمَّد، وكلُّ أهل السنَّة يحبُّون محمَّدًا صلَّى اللَّه
عليه وسلّم، ويجب عليهم ذلك كما يجب عليهم حبُّ أصحاب رسول الله صلَّى
اللَّه عليه وسلَّم أجمعين، ومع حبِّ الآل يقدَّم أبو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عثمان ثمَّ عليّ
رضي الله عنهم كما نصَّ عليه الشَّافعي وأتّمة المسلمين.
وروى هذه الأبيات ابن حمكان عن الزُّبير بن محمَّد بن محمَّد بن الأشعث
عن الرَّبيع عن الشَّافعي.
قال الحافظ البيهقي: أخبرنا الحاكم حدَّثنا الزُّبير أخبرني محمَّد بن عبد اللَّه
ابن عبيد العطَّار ببغداد أخبرني أحمد بن يوسف بن تميم حدَّثنا الرَّبيع بن سليمان
قال: أنشدني الشَّافعي رضي الله عنه (34).
قد نفذ النَّاس حتَّى أحدثوا بدعًا
في الدِّين بالرَّأي لم يُبعث بها الرُّسلُ
الدِّيوان ص 55، وفيه: ذا أفاض.
(33)
(34)
الدِّيوان ص 69، وفيه: لم يفتأ.

52
طبقات الشافعية
وفي الدِّين حملوا من حقُّه الشُّغلُ
حتَّى استخفَّ بحقُ النَّاس أكثرهم
قال الحاكم: وحدَّثنا محمَّد بن الحسن النقَّش حدَّثنا أبو نعيم عبد الملك بن
محمَّد حدَّثنا الرَّبيع بن سليمان قال: ناظر رجلٌ الشّافعي في مسألة فدقّق والشَّافعي
ثابت يجيب ويصيب، فعدل الرَّجل إلى الكلام في مناظرته، فقال له الشَّافعي: هذا
غير ما نحن فيه، هذا كلامٌ لستُ أقول بالكلام وأخرى ليست المسألة متعلّقة به،
ثُمَّ أنشأ الشَّافعي يقول:
وإن قدت بالحقِّ الرُّواسي تنقدٍ
متَى ما تَقد بالباطل الحقَّ يأبه
إذا ما أتيت الأمر من غير بابه
ضلَلت وإن تقصد إلى الباب تهتدٍ
فدنا منه الرَّجل وقبَّل يده، فهذه نبذة مختصرة في هذا الباب كافية إن شاء
الله تعالى.
فصل في ذكر أوصافه الجميلة، وشمائله وأخلاقه الفضيلة
قد تقدَّم أنَّه كان في صغره ذا قريحة وهمَّة عظيمة، وأنَّه حفظ القرآن
والموطّأ وله عشر سنين، وأنَّ عني بالأدب والشّعر واللُّغة برهة من عمره، ثمَّ أقبل
على الفقه فبرز فيه على أقرانه وفاق أهل زمانه، وكان مع ذلك من أعلم النَّاس
بالسِّير والمغازي وأيَّام العرب ووقائعها وأيَّام الإسلام، ومن أحسن النَّاس رميًا
بالنشَّاب، وأنَّه كان يصيب من العشرة عشرةً، وكان من أعلم النَّاس بالأنساب،
وبعلم الفراسة، ومن أسخى النَّاس كفًّا وأعطاهم للجزيل، وكيف لا وهو من بيت
النبوَّة الذين هم سادات النَّاس في الدُّنيا والآخرة، والنَّاس عيالٌ عليهم في الدُنيا
والدِّين :
من القوم آل رسول اللَّه منهم لهم دانت رقاب بني معَدٌ
أعطاه الرَّشيد مالاً جزيلاً ففرَّقه على ذوي الحاجات من قريش، وكان من
أورع النَّاس وتحرِّيه في رواية، يدلُّ على ذلك كما هو معروف في كلامه، ومن
أكمل النَّاس مروءةً، فإنَّه قال: لو علمت أنَّ شرب الماء البارد ينقص المروءة ما
شربته. وكان من أفصح النَّاس وأحلاهم عبارة.
قال ابن عدي: حدَّثنا يحيى بن زكريَّاء بن حيويه سمعت يونس بن عبد

53
ترجمة الإمام الشَّافعي
الأعلى يقول: كانت ألفاظ الشَّافعي كأنَّها سكّرٌ، وقال أبو جعفر التّرمذي عن
يونس: ما كان الشَّافعي إلاَّ ساحرًا، ما كنّا ندري ما يقول إذا قعدنا حوله. قلت:
في الصَّحيح عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: ((وإنَّ من البيان
(35)
لسحرًا))(35) .
قال: وحدَّثنا يحيى بن زكرَّياء سمعت أبا سعيد الفريابي سمعت محمود
النَّحوي سمعت ابن هشام النَّحوي يقول: طالت مجالستنا للشَّافعي فما سمعت منه
لحنةً قطُ، ولا كلمةً أحسن منها، قلت: وقد روى الأصمعي قريبًا من هذا.
وقال ابن أبي حاتم عن الرَّبيع قال: قال ابن هشام: كان الشَّافعي ممَّن تؤخذ
عنه اللُّغة، قال: وحدّثت عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنَّه قال: الشَّافعي ممَّن
تؤخذ عنه اللُّغة، الشكُّ منّي، يقول ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم: قال أبي: قال أحمد ابن أبي شريح: ما رأيت أحدًا
أفوه ولا أنطق من الشَّافعي. قال ابن أبي حاتم : وسمعت الرَّبيع يقول: كان
الشّافعي عربيَّ النَّفس عربيَّ اللِّسان. وأخبرني عبد الله بن أحمد فيما كتب إليَّ،
قال: قال أبي: كان الشَّافعي من أفصح النَّاس، وكان مالك تعجبه قراءته لأنَّه كان
فصیحًا .
وقال محمَّد بن يحيى الصُّولي(36): قال المبرَّد: رحم اللَّه الشّافعي كان من
أشعر النَّاس، وآدب النَّاس وأعرفهم بالقراءات. وعن المزني أنَّ رجلاً قرأ على
٠٠٠
الشَّافعي فلحن فقال: الشَّافعي ..
وقال زكريّاء السَّاجي: سمعت جعفر بن محمَّد الخوارزمي يحدّث عن أبي
عثمان المازني سمعت الأصمعي يقول: قرأت شعر الشّنفرى على الشَّافعي بمكّة.
وقال ابن أبي الدُّنيا: حدَّثنا عبد الرَّحمان ابن أخي الأصمعي قلت: لعمري
على من قرأت شعر هذيل؟، فقال: على رجلٍ من آل المطّلب يقال له: محمَّد بن
إدريس، وقد تقدَّم عن مصعب الزُّبيري أنَّه سمعها من لفظ الشَّافعي. وكان من
رواه البخاري في كتاب النّكاح والطبِّ، ومسلم وأبو داوود في كتاب الأدب، والتَّرمذي
(35)
في كتاب البرِّ.
(36)
أديب كاتب أخباري، ولد ببغداد، له: أدب الكتاب، والأوراق، وغير ذلك، توفّي سنة
335هـ. كحالة 105/12 ..

54
طبقات الشافعية
أحسن النَّاس صوتًا بالقرآن.
قال ابن عدي: حدَّثنا الحسين بن إسماعيل النقَّار حدَّثنا موسى بن سهل
حدَّثني أحمد بن صالح قال: الشَّافعي: تعبَّد من قبل أن ترأَس، فإنَّك إن ترأست
لم تقدر أن تتعبَّد قال: وكان الشَّافعي إذا تكلّم كان صوته صنْجًا أو جرسًا من
حسن صوته رحمه الله.
وقال زكريَّاء بن يحيى السَّاجي: سمعت هارون بن سعيد الإيلي يقول: ما
رأيت مثل الشَّافعي، قدم علينا مصر فقالوا: قدم رجلٌ من قريش فجئناه وهو
يصلّي فما رأيت أحسن منه صلاةً، ولا أحسن وجهًا منه، فلمَّا قضى صلاته تكلّم
فما رأيت أحسن كلامًا منه
وقال الحاكم: أخبرنا الزُّبير عن عبد الواحد سمعت عبَّاس بن الحسين
يقول: سمعت بحر بن نصر يقول: كنّا إذا أردنا أن نبكي قلنا: اذهبوا بنا إلى هذا
الفتى المطّلبي يقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن حتَّى يتساقط النَّاس بين يديه
ويكثر ضجيجهم بالبكاء، فإذا رأى ذلك أمسك عن القرآن من حسن صوته.
وروى الحافظ ابن عساكر: أنَّ الشَّافعي قرأ يومًا هذه الآية: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ
)﴾(37). فلم
(37)
جَعَتَكُ وَاْأَوَلِينَ ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴿ وَيْلٌ يَمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
يزل يبكي حتَّى غشي عليه. وكان كثير التّلاوة للقرآن، ولا سيَّما في شهر رمضان،
كان يقرأ في اليوم واللَّيلة ختمتين، وفيما عداه في كلِّ يوم وليلةٍ ختمةً، روى ذلك
الخطيب البغدادي عن علي بن الحسن القاضي عن أبي بكر محمَّد بن إسحاق بن
إبراهيم الصفَّار عن عبد الله بن محمَّد بن جعفر القزويني عن الرَّبيع به. وقال ابن
أبي حاتم : حدَّثنا الرَّبيع بن سليمان المرادي المصري قال: كان الشّافعي يختم
القرآن في رمضان ستّين مرَّة، كلُّ ذلك في صلاةٍ.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرَّحمان السُّلمي سمعت علي بن عمر الحافظ
سمعت أبا بكر النِّيسابوري سمعت الرَّبيع قال: كان الشَّافعي يختم في كلِّ شهرٍ
ثلاثين ختمة، وفي رمضان ستِّين ختمة سوى ما يقرأ في الصَّلاة. قال: وكان
يحدِّث وطستٌ تحته، فقال يومًا: اللَّهم إن كان لك فيه رضّى فزد، قال: فبعث
(37) الآيات من 38 إلى 40 من سورة المرسلات.

55
ترجمة الإمام الشَّافعي
إليه إدريس بن يحيى الغافري: إنَّك لست من رجال البلاء فسل اللَّه العافية. وكان
كثير الصَّلاة باللَيل، كان قد قسم اللَّيل ثلاثة أجزاء، فثلثه الأوَّل للاشتغال، والثَّاني
الصَّلاة، والثّالث ينامه ليقوم إلى صلاة الفجر نشيطًا رحمه اللَّه، رواه البيهقي عن
الحاكم حدَّثني أبو بكر محمَّد بن محمَّد البغدادي حدَّثنا أبو الحسن علي بن قريب
عن الرَّبيع فذكره.
وقال زكريَّاء السَّاجي عن محمَّد بن إسماعيل حدَّثنا حسين الكرابيسي قال:
بتُّ مع الشَّافعي فكان يصلِّي نحو ثلث اللَّيل، وما رأيته يزيد عن خمسين آية. فإذا
أكثر فمائة، وكان لا يمرُّ بآية رحمةٍ إلاَّ سأل الله لنفسه وللمؤمنين أجمعين، ولا
يمزُ بآيةٍ عذابٍ إلاَّ تعوَّذ بالله منه، وسأل النَّجاة لنفسه ولجميع المؤمنين، فكأنَّما
جمع له الرَّجاء والرَّهبة، قلت: هذا يكون تمامَ العبادة أن يجمع الرَّهبة والرِّغبة،
كما صحَّ عن رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم إنَّه كان إذا مرَّ بآيَةِ رحمةٍ وقف
فسأل الله، وإذا مرَّ بآيَةِ عذابٍ وقف وتعوَّذ، وقال اللَّه تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُّ ءَانَآءَ
الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآَيِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِِّّ﴾(38)، فلهذا استحبَّ أصحابنا هذا
الصَّنيع في جميع الصَّلوات للإمام والمأموم والمنفرد، وكان ذا همَّة عاليةٍ وقدرةٍ
بليغةٍ وعبارةٍ وسيعةٍ في حال المناظرة.
قال بعض من وصفه: لو شاء أن يقيم دليلاً على هذه السَّارية أنَّها خشبٌ
لفعل ذلك.
وقال محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم(39): لو رأيت الشَّافعي يناظرك
لظننت أنَّه سبعٌ يأكلك. قال: كنت إذا رأيت من يناظر الشَّافعي رحمته. وقال
أيضًا: الشّافعي علَّم النَّاس الحجج، وقد صحَّ عنه من غير وجهِ أنَّه قال: ما
ناظرت أحدًا على الغلبة. وقال أيضًا: ما عرضت الحجَّة على أحدٍ فقبلها إلاَّ عظم
في عيني، ولا عرضتها على أحدٍ فردّها إلاَّ سقط من عيني.
وقال الرَّبيع فيما رواه ابن عساكر بسنده عنه: سئل الشَّافعي عن مسألة
(38)
الآية 9 سورة الزُّمر.
أبو عبد الله، محدّث حافظ فقيه على مذهب مالك، وتفقّه بالشّافعي توفّي سنة 268 هـ.
كحالة 222/10 ..
(39)

56
طبقات الشافعية
فأعجب بنفسه فأنشأ يقول (40) :
كشفت حقائقها بالنَّظر
إذا المشكلات تصدَّينني
ل أسائل هذا وذا ما الخبر؟
ولست بإمَّعةٍ في الرِّجا
جلاَّب خيرٍ وفرَّاج شر
ولكنّني مُدرَهُ الأصغرين
ورواها أبو علي بن حمكان بسنده عن المزني أنَّ رجلاً سأل الشَّافعي عن
رجلٍ في فيه تمرة فحلف بالطَّلاق أنَّه لا يبلعها ولا يرمي بها، فقال له الشَّافعي:
يبلغ نصفها ويرمي نصفها حتَّى لا يكون بالعها كلَّها ولا يلفظ بها كلَّها ثمَّ أنشأ
يقول :
كشفت حقائقها بالنَّظر
إذا المشكلات تصدّينني
عمياء لا تجتليها الفكر
وإن برقت في عيون الأمور
وضعت عليها سهام النَّظرْ
مبرقعة في عيون الأمور
يٍّ أو كالحسام اليماني الذّكر
لسان كشقشقة الأرحب
ل أسائل هذا وذا ما الخبر؟
ولست بإمّعة في الرِّجا
أقيس بما قد مضى ما غبز
ولكنّني مُذْرَه الأصغرين
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا محمَّد بن إسحاق بن راهويه سمعت أبي يقول:
اجتمع مع الشَّافعي بمكّة فسمعته يسأل عن كراء بيوت مكّة فقلت له: أسألك عن
هذه المسألة لا أجاوز بك إلى غيرها، قال: ذاك أقدر لك.
قال ابن أبي حاتم: وسمعت أبا إسماعيل التّرمذي بمكّة سنة ستّين ومائتين
يحدِّثنا بأحاديث عن أيُّوب بن سليمان بن بلال، وقال أبو إسماعيل: سمعت
إسحاق بن راهويه يقول: جالست الشَّافعي بمكّة فاذكرنا في بيوت مكَّة وكان
يرخص فيه وكنت لا أرخص فيه، فذكر الشّافعي حديثًا وسكت، وأخذت أنا في
الباب أسرد، فلمَّا فرغت منه قلت لصاحب لي من أهل مرو بالفارسيَّة: مردك
(40) الدِّيوان ص 48 ..

57
ترجمة الإمام الشَّافعي
مالاي هست قرية بمرو، فعلم أنِّي راطنت صاحبي بشيء هجنته فيه، فقال لي:
أتناظر؟، فقلت: وللمناظرة جئت، قال: قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن
دِيَرِهِم﴾ ((4)، أنسب الدِّيار إلى مالكيها أم إلى غير مالكيها؟، وقال النَّبيُّ صلَّى اللَّه
عليه وسلَّم: ((من أغلق بابه فهو آمنٌ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ)). (42)
وقال: هل ترك لنا عقيل من رباع، أنسب الدِّيار إلى أربابها أو إلى غير أربابها؟.
وقال لي: اشترى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه دار السِّجن بمكّة من مالكٍ أو
غير مالكِ، فلمَّا علمت أنَّ الحجّة قد لزمتني قمت. قلت: هذه المسألة تناظر فيها
الشَّافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف من منّى أيَّام الموسم، وأظنُّ ذلك في
سنة ستّ وتسعين ومائة، وذلك بحضرة أحمد بن حنبل، وهو الرَّجل الذي راطنه
إسحاق بن راهويه واللَّه أعلم، فذهب الشَّافعي رضي اللَّه عنه إلى أنَّ دور مكّة
ورباعها تباع وتورَّث وتؤجَّر. واحتجَّ على ذلك بما ذكره من الآية والأحاديث.
واحتجَّ إسحاق بن راهويه على أنَّها لا تباع ولا تورَّث ولا تؤجَّر بحديث: ((إنَّما
كانت تدعى رباع مكّة ودورها السَّوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن)).
وتوسَّط الإمام أحمد في المسألة فعمل بمقتضى الدَّليلين، فقال: تباع وتورَّث ولا
تؤجّر، والله أعلم.
وقال الزُّبير (43) بن عبد الواحد الاستراباذي: سمعت إبراهيم بن الحسن
الصُّوفي يقول: سمعت حرملة يقول: سمعت الشَّافعي يقول: ما حلفت بالله
صادقًا أو كاذبًا .
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الرَّبيع قال: قال الشَّافعي رضي الله عنه: ما
شبعت منذ ستَّ عشرة سنة إلاَّ شبعةً أطرحها، يعني فطرحتها، لأنَّ الشَّبع يثقل
البدن، ويغشي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النّوم ويضعف صاحبه من العبادة.
قال: وأخبرني أبو محمَّد البستي السُّجستاني نزيل مكّة فيما كتب إليَّ،
حدَّثني الحارث ابن سريج قال: دخلت مع الشّافعي رضي اللَّه عنه على خادم
الرَّشيد وهو في بيتٍ قد فرش بالدِّيباج فلمَّا وضع الشَّافعي رجله على العتبة أبصره
الآية وردت في موضعين سورة الحجِّ، وفي سورة الحشر.
(41)
(42)
رواه مسلمٍ في كتاب الجهاد.
أبو عبد الله، محدّث حافظ، صنّف الشُّيوخ والأبواب توفّي سنة 347هـ. كحالة 180/4.
(43)

58
طبقات الشافعية
فرجع ولم يدخل، فقال له الخادم: ادخل، فقال: لا يحلُّ افتراش هذا، فقام
الخادم مبتسمًا حتَّى دخل بيتًا قد فرش بالأرمني فدخل الشَّافعي، ثمَّ أقبل عليه
فقال: هذا حلالٌ وذاك حرامٌ، وهذا أحسن من ذاك وأكثر ثمنًا منه، فتبسَّم الخادم
وسکت.
قال: وأخبرني السِّجستاني فيما كتب إليَّ قال: حدَّثني أبو ثور قال: أراد
الشّافعي رضي اللَّه عنه الخروج إلى مكَّة ومعه مالٌ، فقلت له - وقلَّ ما كان
يمسك الشّيء من سماحته -: ينبغي أن تشتري بهذا المال ضيعةً تكون لك
ولأولادك من بعدك، فخرج، ثمَّ قدم علينا فسألته عن ذلك المال ما فعل به،
فقال: ما وجدت بمكّة ضيعةً يمكنني أن أشتريها لمعرفتي بأصلها، أكثرها قد
وقفت، ولكن بنيت بمنى قصرًا يكون لأصحابنا إذا ينزلون فيه.
ورواه أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن محمَّد الحافظ البخاري المعروف
بغنجار حدَّثنا خلف بن محمَّد حدَّثنا إبراهيم بن محمود بن حمزة حدَّثني داود بن
خلف بن خالد الكلبي يعني أبا ثور عن الشَّافعي رضي اللَّه عنه بهذا وزاد بعد
قوله: ينزلون فيه قال: فكأنّي اهتممت، فأنشد الشَّافعي (44) قول ابن حازم:
فجلِ الهمَّ عنّي يا سعيدُ
إذا أصبحتُ عندي قوتُ يومي
فإنَّ غدًا له رزقٌ جديدٌ
ولا تخطر همومُ غدٍ ببالي
فأترك ما أريدُ لما يريدُ
أسلّم ما أراد اللَّه أمرًا
أراد اللَّه لي ما لا أريدُ
وما لإرادتي وجة إذا ما
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي سمعت عمرو بن سواد السَّرجي قال: كان
الشَّافعي رضي الله عنه أسخى النَّاس على الدِّينار والدِّرهم والطَّعام. وقال لي
الشّافعي رضي الله عنه: أفلست من دهري ثلاث إفلاسات، فكنت أبيع قليلي
وكثيري حتَّى حلي ابنتي وزوجتي، ولم أرهن قطّ.
قال: وحدَّثنا أبي أخبرني يونس بن عبد الأعلى قال: قال الشَّافعي: أفلست
من دهري ثلاث مرَّاتٍ، وربَّما أكلت الثَّمر بالسَّمك.
(44)
الدِّيوان ص 39.

59
ترجمة الإمام الشَّافعي
وعن الرَّبيع قال: قال عبد الله بن الحكم للشّافعي: إذا أردت أن تسكن
البلد يعني مصر فليكن لك قوت سنةٍ ومجلسٌ من السُّلطان تتعزَّز به، فقال له
الشَّافعي: يا أبا محمَّد من لم تعزَّه التَّقوى فلا عزَّ له، ولقد ولدت بغزّةٍ، وربِّيت
في الحجاز، وما عندنا قوت ليلة وما بتنا جياعًا قطُّ، رواه ابن عساكر.
وقال محمَّد بن عبد الله الصرَّار: أخبرنا أبو عمر بن محمَّد بن الحسين
البسطامي أخبرنا أحمد بن عبد الرَّحمان بن الجارود سمعت المزني سمعت
الشَّافعي يقول: السَّخاء والكرم يغطّيان عيوب الدُّنيا والآخرة بعد أن لا يلفحها
بدعة .
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الرَّبيع قال: تزوَّجت فقال لي الشَّافعي رضي اللَّه
عنه: كم أصدقتها؟ فقلت: ثلاثين دينارًا، قال: كم أعطتيها؟، قلت: ستّة دنانير،
فصعد داره وأرسل إليَّ بصرَّةٍ فيها أربعة وعشرون دينارًا.
وقال البيهقي: أخبرنا الحكم بن نصر بن محمَّد حدَّثنا أبو علي الحسن بن
حبيب بن عبد الملك بدمشق قال: سمعت الرَّبيع بن سليمان يقول: رأيت الشَّافعي
راكبًا حمارًا فمرَّ على سوق الحدَّادين فسقط سوطه من يده فوثب غلام من
الحدَّادين فأخذ السَّوط ومسحه بكمِّه وناوله إيّاه، فقال الشَّافعي لغلامه: ادفع تلك
الدَّنانير الّتي معك إلى هذا الفتى، قال: فلست أدري كانت تسعة أو سبعة دنانير.
وعن المزني قال: كنت مع الشَّافعي يومًا، فخرجنا الأكوام، فمرَّ بهدفٍ،
وإذا رجلٌ يرمي بقوسٍ عربيَّةٍ، فوقف عليه الشَّافعي ينظر وكان حسن الرَّمي،
فأصاب بأسهم، فقال له الشّافعي: أحسنت وبرَّك عليه، ثمَّ قال لي: أمعك شيءٌ؟
فقلت: معي ثلاثة دنانير، فقال: أعطه إيَّاها واعذرني عنده إذ لم يحضرني غيرها.
رواه أبو عبد الله القضاعي عن أبي عبد الله بن شاكر عن الحسن بن رشيق عن
سعيد بن أحمد اللَّخمي عن المزني.
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: قرأت بخطّ أبي الحسن الرَّازي عن
الزُّبير بن عبد الواحد الإستراباذي حدَّثني أحمد بن مروان حدَّثنا عبد الرَّحمان بن
محمَّد الحنفي قال: سمعت أبي يقول: خرجنا من بغداد مع الشّافعي رضي اللّه
عنه يريد مصر، فدخلنا حرَّان وكان قد طال شعره فدعا حجَّامًا فأخذ من شعره،
فوهب له خمسين دينارًا. ثمَّ قال ابن عساكر: وهذا يدلُّ على أنَّه سلك طريق

60
طبقات الشافعية
الشَّام إلى مصر، قلت: فلهذا ترجم في التّاريخ وليس عنده ما يدلُّ على دخوله
دمشق، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا عبد الرَّحمان بن إبراهيم حدَّثنا محمَّد بن روح
حدَّثنا الزُّبير بن سلمان الفارسي عن الشَّافعي رضي اللَّه عنه قال: خرج هرثمة
فأقراني سلام أمير المؤمنين هارون وقال: قد أمر لك بخمسة آلاف دينارٍ، قال:
فحمل إليه المال، فدعا الحجَّام يأخذ من شعره فأعطاه خمسين دينارًا، ثمَّ أخذ
رقاعًا فصرَّ من تلك الدَّنانير صُررًا ففرَّقها في القرشيِين الذين هم في الحضرة،
ومنهم بمكّة، حتَّى ما رجع إلى بيته إلاَّ بأقلَّ من مائة دينارٍ .
وقال ابن عساكر: أخبرنا أبو الحسن القرمطي حدَّثنا أبو نصر الخطيب حدَّثنا
أبو بكر بن أبي الحديد أخبرنا محمَّد بن بشر العكبري سمعت الرَّبيع يقول:
أخبرني الحميدي قال: قدم علينا الشّافعي رضي الله عنه من صنعاء، فضربت له
الخيمة ومعه عشرة آلاف دينارٍ، فجاء قوم وسألوه، فما قلعت الخيمة ومعه منها
شيءٌ. ثمَّ روى من طريق أبي جعفر التِّرمذي عن الرَّبيع عن الحميدي قال: قدم
الشَّافعي بثلاث آلاف دينارٍ، فدخل عليه بنو عمّه وغيرهم، فجعل يعطيهم حتَّى قام
وليس معه شيءٌ.
وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم سمعت أبا العبَّاس محمَّد بن يعقوب الأصمِّ
سمعتِ الرَّبيع بن سليمان يقول: سمعت الحميدي يقول: قدم الشَّافعي من صنعاء
إلى مكّة بعشرة آلاف دينارٍ في منديلٍ، فضرب خباه في موضع خارجًا من مكّة
وكان النَّاس يأتونه فيه، فما برحتُ حتَّى ذهبت كلُّها.
قال البيهقي: وقال غيره عن الرَّبيع في هذه الحكاية: وفرَّق المال كلَّه في
قریش، ثمَّ دخل مكّة.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: كان
الشَّافعي أسخى النَّاس بما يجدُ، وكان يمرُّ بنا فإن وجدني، وإلاَّ قال: قولوا
لمحمَّدٍ إذا جاء يأتي المنزل، فإنّي لست أتغذَّى حتَّى يجيء، فربَّما جئته، فإذا
قعدت معه على الغداء قال: يا جارية أضربي لنا فالوذجًا، فلا تزال المائدة بين
یدیه حثّی یفرغ منه ویتغدَّى.
وقال داود بن علي الظَّاهري: حدَّثنا أبو ثورٍ قال: كان الشّافعي من أجود