Indexed OCR Text

Pages 21-40

21
ترجمة الإمام الشَّافعي
قلت: كان من عادة العرب الكتابة في العظام والعسب واللّخاف ورقاع الأدم
وغير ذلك لقلَّة القرطاس عندهم، ولهذا لمَّا كتب زيد بن ثابت رضي الله عنه
القرآن عن أمر الصِّديق رضي الله عنه كتب عامَّته من هذه الأشياء.
وقال أبو بكر الخطيب: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن عبد اللَّه الطَّبري
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الخضر المعدِّل حدَّثنا علي بن محمَّد بن سعد حدَّثنا
أحمد بن إبراهيم الطّائي الأقطع حدَّثنا إسماعيل بن يحيى المزني قال: سمعت
الشَّافعي رضي الله يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطَّأ وأنا
ابن عشر سنين، ثمّ روى الخطيب عن الشَّافعي رضي الله عنه قال: قمت في
بطون العرب عشرًا آخذ أشعارها ولغاتها، وحفظت القرآن فما علمتُ أنَّه مرَّ بي
حرفٌ إلاَّ وقد علمت المعنى فيه والمراد ما خلا حرفين أحدها دسَّاها والآخر نسيه
الراوي عنه.
قلت: فهذه همَّةٌ عاليةٌ ممَّن يحفظ الكتاب والسنَّة وله من العمر عشر سنين،
فرضي الله عنه. ويقال: إنَّ القبيلة الذي ضوى إليهم الشَّافعي رضي الله عنه هذيل
وهم أفصح العرب.
قال الحاكم النيسابوري(6): حدَّثنا أبو الوليد حسَّان بن محمَّد الفقيه حدَّثنا
إبراهيم بن محمود حدَّثني أبو سليمان يعني داود الأصبهاني حدَّثني مصعب بن عبد
اللَّه الزُّبيري قال: قرأ عليَّ الشَّافعي رضي الله عنه أشعار هذيل حفظًا، ثمَّ قال
لي: لا تخبر بهذا أهل الحديث فإنَّهم لا يحتملون هذا.
قال مصعب(7): وكان الشّافعي رضي الله عنه يسمر مع أبي من أوَّل اللَّيل
حتَّى الصَّباح ولا ينامان. قال: وكان الشَّافعي رضي اللَّه عنه في ابتداء أمره يطلب
الشّعر وأيَّام النَّاس والأدب، ثمَّ أخذ في الفقه بعد، قال: وكان سبب أخذه في
الفقه أنَّه كان يسير يومًا على دابَّة له وخلفه كاتبٌ لأبي فتمثَّل الشَّافعي رضي اللَّه
عنه ببيت شعرٍ فقرعه كاتب أبي بسوطه ثمَّ قال له: مثلك يذهب بمروءته في مثل
هذا، أين أنت من الفقه؟ فهزَّه ذلك فقصد لمجالسة الزّنجي بن خالد مفتي مكّة،
ثمَّ قدم علينا فلزم مالكًا بن أنس رحمه اللَّه.
(6)
يذكر في الطبقة الخامسة المرتبة الأولى.
مصعب بن عبد الله الزُّبيري، أبو عبد اللَّه المتوفّى سنة 236هـ، كحالة 191/12 ..
(7)

22
طبقات الشافعية
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنَا الرَّبيع بن سليمان المرادي قال: سمعت
الحميدي يقول: سمعت الزِّنجي بن خالد يعني مسلم بن خالد الزِّنجي شيخ
الشّافعيّ رضي الله عنه يقول للشَّافعي رضي الله عنه: أفت يا أبا عبد اللَّه فقد
واللَّه آن لك أن تفتي وهو ابن خمس عشرة سنة.
وقال ابن أبي حاتم: وأخبرني أبو محمَّد ابن بنت الشَّافعي فيما كتب إليَّ
قال: سمعت أبا الوليد يعني الجارودي أو عمِّي أو أبي أو كلَّهم عن مسلم بن
خالد أنَّه قال للشَّافعي رضي الله عنه وهو ابن ثمان عشرة سنة: أفت يا أبا عبد
اللَّه فقد آن لك أن تفتي.
وهكذا روى الخطيب من وجهٍ آخر عن الرَّبيع، سمعت الحميدي يقول: قال
مسلم بن خالد الزِّنجي للشّافعي رضي اللَّه عنه: أفت النَّاس آن لك أن تفتي، وهو
ابنّ دون عشرين سنة. ثمَّ قال الخطيب: وهذا هو الصَّواب، والأوَّل ليس بمستقيم
لأنَّ الحميدي يصغر عن إدراك الشَّافعي رضي الله عنه وله في تلك السنة خمس
عشرة سنة .
فصل في رحلته وطلب العلم
وولايته بأرض نجران وظيفة الحكم
قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الرَّبيع بن سليمان سمعت الشَّافعي يقول: قدمت
على مالك وقد حفظت الموطّأ ظاهرًا فقلت: إنّي أريد أن أسمع الموطَّأ منك،
فقال: اطلب من يقرأ لك، فقلت: لا عليك أن تسمع قراءتي فإن سهل عليك
قرأت لنفسي، قال: أطلب من يقرأ لك وكرَّرت عليه فقال: اقرأ، فلمَّا سمع
قراءتي قال: اقرأ فقرأت عليه حتَّى فرغت منه.
وحكى الإمام أحمد عن الشّافعي رضي الله عنه أنَّه قال: أنا قرأت على
مالكٍ وكانت تعجبه قراءتي، قال الحاكم أحمد: لأنَّه كان فصيحًا. قلت: وكذلك
كان حسن الصَّوت بتلاوة القرآن كما سنذكره بعد.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثني أبو بشر الدُّولابي في طريق مصر قال: حدَّثنا
أبو بكر بن إدريس ورَّاق الحميدي سمعت الحميدي يقول عن الشَّافعي رضي اللَّه
عنه: ولِّيت نجران وبها بنو الحارث وموالي ثقيف فجمعتهم فقلت: اختاروا سبعة

23
ترجمة الإمام الشَّافعي
منكم فمن عدَّلوه كان عدلاً ومن جرَّحوه كان مجروحًا، فجمعوا لي سبعةً منهم،
فجلست للحكم، فقلت للخصوم: تقدَّموا فإذا شهد الشَّاهدان عندي التفتُّ إلى
السَّبعة فإن عدَّلوه كان عدلاً وإن جرَّحوه قلت: زدني شهودًا، فلمَّا أتيت على ذلك
وجعلت أسجِّل وأحكم فنظروا إلى حكم جارٍ فقالوا: إنَّ هذه الضياع والأموال
التي تحكم علينا فيها ليست لنا وإنَّما هيّ لمنصور بن المهدي في أيدينا، فقلت
للكاتب: اكتب وأقرَّ فلانٌ بن فلانٍ الذي وقع عليه حكمي في هذا الكتاب أنَّ هذه
الضَّيعة أو المال الذي حكمت عليه ليست له، وإنَّما هي لمنصور بن المهدي،
ومنصور بن المهدي عليَّ حجَّته متى قام، قال: فخرجوا إلى مكّة فلم يزالوا
يعملون حتَّى رفعت إلى العراق فقيل لي: الزم الباب فنظرت فإذا أنا لا بدَّ لي من
الاختلاف إلى بعض أولئك، وكان محمَّد بن الحسن جيِّد المنزلة عند هارون
فاختلفت إليه وقلت: هذا أشبه لي من طريق العلم، فكتبت كتبه وعرفت قولهم،
فكان إذا قام ناظرت أصحابه.
قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الرَّبيع، سمعت الشَّافعي رضي الله عنه يقول:
حملت عن محمَّد بن الحسن حَمْل جمل ليس عليه إلاَّ سماعي. وحدَّثنا أبي قال:
حدَّثنا أحمد بن سريج سمعت الشَّافعي رضي اللَّه عنه يقول: أنفقت على كتب
محمَّد بن الحسن ستِين دينارًا ثمَّ تدبَّرتها فوضعت إلى جنب كلِّ مسألة حديثًا ردًّا
عليه .
قلت: هذا كلُّه كان في قدوم الشَّافعي رضي اللَّه عنه بغداد في القدمة
الأولى، وكان ذلك في سنة أربع وثمانين ومائة بعد موت القاضي أبي يوسف
رحمه اللَّه بسنتين، فلم يدركه ولا رآه؛ وما ذكره عبد الله بن محمَّد البلوي في
رحلة الشّافعي رضي الله عنه من مناظرة الشَّافعي رضي الله عنه أبا يوسف بحضرة
الرَّشيد وتأليب أبي يوسف عليه فكلامٌ مكذوبٌ باطلٌ اختلقه هذا البلوي قبَّحه الله .
وأبو يوسف رحمه اللَّه كان أجلَّ قدرًا وأعلى منزلةً ممَّا نُسب إليه، وإنَّما أدرك
الشّافعي رضي الله عنه في هذه القدمة محمَّد بن الحسن الشيباني فأنزله في داره
وأجرى عليه نفقته وأحسن إليه بالكتب وغير ذلك، رحمهم اللَّه، وكانا يتناظران
فيما بينهما كما جرت عادة الفقهاء، هذا على مذهب أهل الحجاز، وهذا مذهب
أهل العراق، وكلاهما بحرٌّ لا تكدِّره الدِّلاء؛ وقد بعث الشّافعي رضي الله عنه في
وقتٍ يطلب من محمَّد بن الحسن كتبًا عيَّنها فتأخّر إرسالها فكتب إليه:

24
طبقات الشافعية
ومن كان من رآه قد رآى من قبله
قل للذي لم تر عينا من رآه مثله
لعلَّه ببذله لأهله لعلَّه
العلمُ ينهى أهله أن يمنعوه أهله
ويقال: إنَّ هذه الأبيات لمحمَّد بن الحسن، وذلك فيما نقله ابن عساكر
بإسناده عن الشّافعي رضي الله عنه أنَّه قال: كنت أنظر في جزءٍ تجاه محمَّد بن
الحسن فقال: أرني ما تنظر فيه، فلم أرِهِ فتناول القلم والقرطاس فكتب هذه
الأبيات.
قلت: ولم يجتمع الإمام الشَّافعي رضي اللَّه عنه في هذه القدمة بأحمد بن
حنبل ولا بغيره من المحدِّثين، لأنَّ أحمد رحمه اللَّه كان عمره إذَّاك عشرين سنة
أو نحوها ولم يكن مشهورًا، وإنَّما اجتمع بهم في القدمتين الأخريتين في سنة
خمسٍ وتسعين، وأقام ببغداد سنتين ثمَّ رجع إلى مكّة ثمَّ عاد إلى بغداد في سنة
ثمان وتسعين فأقام أشهرًا، ثمَّ خرج إلى مصر فأقام بها حتَّى مات رحمه الله
ورضي الله عنه سنة أربع ومائتين؛ وكان سبب وروده بغداد في المرّة الأولى تظلُّم
أولئك النَّفر من أهل نجران عليه في أحكامه عليهم، وقد كان فيها بارًا راشدًا تابعًا
للحقِّ رحمه الله؛ ثمَّ عاد إلى بلده وطلبه، وقد كان في جميع أحواله يطلب العلم
ولا يصدُّه عن ذلك صادٌّ، ولا يثنيه عن ذلك رادٌ.
قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشَّافعي رضي
اللَّه عنه: ما اشتدَّ عليَّ فوت أحد مثل فوت ابن أبي ذئب واللَّيث بن سعد رحمهما
اللَّه، وحدَّثنا أحمد بن سلمة بن عبد اللّه النيسابوري عن أبي بكر بن إدريس ورَّاق
الحميدي يقول: قال الشَّافعي رضي الله عنه: خرجت إلى اليمن في طلب كتب
الفراسة حتَّى كتبتها وجمعتها، ثمَّ لمَّا حان انصرافي مررت برجلٍ في طريقي وهو
مختبئ في فناء داره أزرق العين ناتىء الجبهة، فقلت: هل من منزل؟ قال: نعم،
[فقال] الشّافعي رضي الله عنه: وهذا النَّعت أخبث ما يكون في الفراسة، فأنزلني
فرأيت أكرم رجلٍ بعث إليَّ بعشاءٍ وطيبٍ وعلفٍ لدابَّتي وفراشٍ ولحافٍ، وجعلت
أتقلَّب اللَّيل أجمع ما أصنع بهذه الكتب إذ رأيت هذا النَّعت في هذا الرَّجل، فلمَّا
أصبحت قلت للغلام: أسرج فركبت ومررت عليه وقلت له: إذا قدمت مكّة
ومررت بذي طوى فاسأل عن منزل محمَّد بن إدريس الشَّافعي، فقال لي الرَّجل:
أمولَى لأبيك أنا؟ قلت: لا، قال: فهل كانت لك عندي نعمة؟، قلت: لا، قال:

25
ترجمة الإمام الشّافعي
أدّ ما تكلَّفت لك البارحة، قلت: وماهو؟، قال: اشتريت لك طعامًا بدرهمين
وإدامًا بكذا وعطرًا بثلاثة دراهم وعلفًا لدابَّتك بدرهمين وكراء للفراش واللُحاف
بدرهمين قال: قلت: يا غلام اعطه فهل بقي من شيء؟، قال: كراء المنزل فإنّي
وسَّعت عليك وضيَّقت على نفسي، قال الشّافعي رضي اللَّه عنه: فغبطت نفسي
بتلك الكتب فقلت له بعد ذلك: هل بقي من شيء؟ قال: امض أخزاك اللَّه فما
رأيت قطُّ أشرَّ منك.
قلت: الشّافعي رضي الله عنه نشأ باليمن كما تقدَّم ثمَّ قدم مكَّة مع أمُّه ثمَّ
رجع إلى اليمن في حال الشَّبيبة فولي بها بعض الأعمال وحُمد فيها ثمَّ رجع إلى
مكّة فلامه على ذلك بعض العلماء منهم: إبراهيم بن محمَّد ابن أبي يحيى وسفيان
ابن عيينة فكانت موعظة سفيان أنجع عند الشّافعي رضي اللَّه عنه، ثمَّ بعد ذلك
ولي الحكم بنجران كما تقدَّم فكان من أمره ما كان.
وذكر ابن عساكر(8) بأسانيده أنَّ نائب اليمن كتب إلى الرَّشيد يشكو إليه من
جماعة من الطَّالبيِّين وكانوا ينسبون إلى التَّشيُّع وأدمج معهم الإمام الشَّافعي رضي
اللَّه عنه فبعث الرَّشيد إلى نائب اليمن في طلبهم وأنَّهم يبعثون مثقّلین بالحدید،
فلمَّا قدم الشّافعي رضي الله عنه بغداد واجتمع بأمير المؤمنين وجرى بينه وبين
محمَّد بن الحسن مناظرات حسنة، وعرفوا فضل الشّافعي وإمامته وسيادته عظّموه
وأكرموه، وأنزله محمَّد بن الحسن في بعض منازله وأجرى عليه الإحسان
والتَّفضيل وكانا يتناظران في الخلوةِ.
قال الشّافعي رضي الله عنه: وكانت فيه حدَّة في بحثه، وأطلق للشّافعي
رضي الله عنه قريبًا من ألفي دينار، وكثر ماله بسببها. ويقال: إنَّه فرَّقها إلاَّ أنَّه
قال: لم أملك مالاً أكثر منها. وقيل: بل أطلق له الرَّشيد خمسة آلاف دينار، واللّه
أعلم، وقد أعطى من هذا المال للقرشيّين أكثره أو عامَّته.
فصل في ذكر مشائخه في القراءة والحديث والفقه
قال عبد الرَّحمان ابن أبي حاتم: أخبرني محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم
قراءة أخبرنا الشَّافعي حدَّثنا إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين يعني قارئ مكّة
يذكر في الطبقة الثَّامنة المرتبة الثّالثة.
(8)

26
طبقات الشافعية
قال: قرأت على شبل يعني ابن عبَّاد وأخبره شبل أنَّه قرأ على عبد الله بن كثير
وأخبر عبد الله بن كثير أنَّه قرأ على مجاهد وأخبر مجاهد أنَّه قرأ على ابن عبَّاس
وأخبر ابن عبّاس أنَّه قرأ على أبيٍّ بن كعب وقرأ أبيُّ بن كعب على رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم، قال الشّافعي رضي الله عنه: وقرأت على إسماعيل بن
قسطنطين .
وأمَّا الحديث فرواه عن جماعة ذكرهم شيخنا الإمام الحافظ جمال الدِّين أبو
الحجّاج المزِّي رحمه اللَّه في تهذيبه مرَّتين على حروف المعجم، وكذلك الرُّواة
عنه، وقد زدت في الرُّواة عنه ممَّا ذكره الدَّارقطني وغيره، فقال شيخنا: روى عن
إبراهيم بن سعد الزُّهري وإبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك ابن أبي محذورة
الجمحي وإبراهيم بن محمَّد ابن أبي يحيى الأسلمي وإسماعيل بن عبد الله بن
قسطنطين وإسماعيل بن جعفر المدني وإسماعيل بن علية البصري وأبي ضمرة أنس
ابن عياض اللَّيثي وأيُّوب بن سويد البرمكي وحاتم بن إسماعيل المدني وأبي أسامة
حمّاد بن أسامة وداود بن عبد الرَّحمان العطَّار وسعيد بن سالم القدَّاح وسفيان بن
عيينة وعبد الله بن الحارث المخزومي وعبد الله بن المؤمِّل المخزومي وعبد الله
ابن نافع الصَّائغ ومات قبله وعبد الرَّحمان ابن أبي بكر المليكي وعبد العزيز بن
عبد الله ابن أبي سلمة الماجشون وعبد العزيز بن محمَّد الدَّراوردي وعبد المجيد
ابن عبد العزيز ابن أبي رؤَّاد وعبد الوهّاب بن عبد المجيد الثَّقفي وعطاف بن خالد
المخزومي وعمرو ابن أبي سلمة التّنيسي ومات قبله ومالك بن أنس ومحمَّد بن
إسماعيل ابن أبي فديك ومحمَّد بن الحسن الشَّيباني ومحمَّد بن خالد الحيدوي
ومحمَّد بن عثمان بن صفوان الجمحي وعمِّه محمَّد بن علي بن شافع ومسلم بن
خالد الزّنجي ومطرَّف بن مازن قاضي صنعاء وهشام بن يوسف الصَّنعاني القاضي
ويحيى بن حسَّان التّنيسي ويحيى بن سليم الطَّائفي ويوسف بن خالد السَّهمي.
وروى عنه أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي وإبراهيم بن محمَّد الشَّافعي
وإبراهيم بن المنذر الحزامي وأحمد بن حنبل وأحمد بن خالد الخلاَّل وأحمد ابن
أبي سريج الرَّازي وأحمد بن سنان القطّان الواسطي وأحمد بن صالح المصري
وأحمد بن عبد الرَّحمان بن وهب المصري ابن أخي وهب وأبو الطَّاهر أحمد بن
عمرو بن السَّرح وأحمد بن محمَّد الأزرقي وأحمد بن محمَّد بن سعيد الصَّيرفي
البغدادي وأحمد بن يحيى بن عبد العزيز البغدادي وأبو عبد الرَّحمان الشَّافعي

27
ترجمة الإمام الشَّافعي
المتكلِّم وأحمد بن يحيى ابن الوزير المصري وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه
وإسحاق بن بهلول وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني البلخي وحرملة بن
يحيى التَّجيبي والحسن بن عبد العزيز الجروي والحسن بن محمَّد بن الصَّباح
الزَّعفراني البغدادي والحسين بن علي الكرابيسي والرَّبيع بن سليمان المرادي
المؤذِّن راوية كتبه والرَّبيع بن سليمان بن داود الهاشمي وأبو بكر عبد الله بن الزُّبير
الحميدي وعبد العزيز بن عمران بن مقلاص وعبد العزيز بن يحيى الكناني المكِّي
صاحب الحيدة وعبد الملك بن قريب الأصمعي وعلي بن سلمة اللَّقي وعلي بن
معبد الرقّي وعمرو بن سواد الأسواني وأبو يحيى بن محمَّد بن سعيد بن غالب
العطَّار ومحمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم وابنه أبو عثمان محمَّد بن محمَّد بن
إدريس الشَّافعي ومحمَّد بن يحيى بن حبَّان التَّنيسي ومحمَّد بن يحيى العدني
ومسعود بن سهل المصري الأسود وأبو الوليد موسى ابن أبي الجارود المكّي وهو
راوي كتاب الأمالي وغيره وهارون بن سعيد الأيلي ويحيى بن عبد اللَّه الخثعمي
وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي ويونس بن عبد الأعلى الصَّدفي المصري
رحمهم الله.
قال أبو الحسن محمَّد بن الحسين بن إبراهيم الأبرِّي السَّجستاني(9) في كتاب
مناقب الشّافعي رضي الله عنه: سمعت بعض أهل المعرفة بالحديث يقول: إذا
قال الشّافعي رضي اللَّه عنه في كتبه: أخبرنا الثّقة عن أبي ذئب فهو ابن أبي
فديك، وإذا قال: أخبرنا الثّقة عن اللَّيث بن سعد فهو يحيى بن حسَّان، وإذا قال:
أخبرنا الثّقة عن الوليد بن كثير فهو أبو أسامة، وإذا قال: أخبرنا الثّقة عن الأوزاعي
فهو عمرو ابن أبي سلمة، وإذا قال: أخبرنا الثّقة عن ابن جريج فهو مسلم بن
خالد الزَّنجي، وإذا قال: أخبرنا الثّقة عن صالح مولى التَّوأمة فهو إبراهيم بن يحيى.
. أخرج له أصحاب السُّنن الأربعة: أبو داود والتّرمذي والنَّسائي وابن ماجة،
وذكره البخاري في موضعین من صحيحه:
أحدهما في الزَّكاة، وقال مالك وابن إدريس الرِّكاز دفن الجاهليَّة في قليله
وكثيره الزَّكاة وليس المعنى بركاز.
(9)
يذكر في الطّبقة الرَّابعة المرتبة الأولى.

28
طبقات الشافعية
والثّاني: في البيوع، وقال ابن إدريس العرية لا يكون إلاَّ بالكيل من الثَّمر
يدًا بيدٍ لا يكون بالجزاف وممَّا يقوِّيه قول سهل ابن أبي حثمة بالأوسق الموسقة.
قلت: وإنَّما لم يخرج له صاحبا الصَّحيح لنزول إسناده عندهما وإلاّ فجلالته
وإمامته مجمعٌ عليها. قلت: وقع لي من مصنّفات الشّافعي رضي الله عنه رواية
مسنده المنتخب من كتاب الأمّ، ورواية الرّسالة الكبيرة في أصول الفقه، والسُّنن
من طريق المزني.
وأمَّا الفقه فأخذه الشَّافعي رضي اللَّه عنه أوَّلاً عن مسلم بن خالد الزّنجي
بمكّة والزّنجي تفقَّه على ابن جريج وابن جريج أخذ الفقه عن عطاء ابن أبي رباح
وتفقَّه عطاء على ابن عبَّاس وابن الزُّبير وغيرهما، وأولئك أخذوا عن رسول اللَّه
صلَّى الله عليه وسلَّم. وتفقّه ابن عبّاس على عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن
ثابت وغيرهم من الصَّحابة رضي الله عنهم. وأخذ الشَّافعي رضي الله عنه أيضًا
عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس وابن عمر رضي اللَّه عنهم.
ثمَّ تفقَّه الشّافعي رضي الله عنه عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة في زمانه
ومالك تفقَّه بشيخه ربيعة ابن أبي عبد الرَّحمان عن أنس بن مالك ومالك أيضًا عن
نافع عن ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.
وأمَّا الذين تفقَّهوا بالشّافعي رضي الله عنه ومن بعدهم من الطَّبقات إلى
زماننا فسأورد لهم ديوانًا يجمع طبقات أصحاب المذهب من أصحاب الوجوه
المشهورين بجملة من المتقدِّمين منهم والمتأخّرين إن شاء اللَّه تعالى وبه الثّقة
والمستعان .
قلت: ومن أجلٌ من أخذ عنه واجتمع به وتفقَّه بكتبه الإمامان السيِّدان
الكبيران الحبران شيخا السنَّة أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه المروزيَّان.
قال الحسن بن محمَّد الزَّعفراني(10): كنّا نختلف إلى الشَّافعي عندما قدم إلى
بغداد ستّة أنفسٍ: أحمد بن حنبل وأبو ثور والحارث النقَّال وأبو عبد الرَّحمان
الشّافعي وأنا ورجلٌ آخر سمَّاه، وما عرضنا على الشّافعي كتبه إلاَّ وأحمد بن حنبل
حاضرٌ لذلك.
(10) يذكر في الطَّقة الأولى.

29
ترجمة الإمام الشَّافعي
وقال الخطيب: أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم حدَّثنا محمَّد بن خلف بن
حبَّان الخلاَّل حدَّثني عمر بن الحسن عن أبي القاسم بن منيع حدَّثني صالح بن
أحمد بن حنبل قال: مشى أبي مع بغلة الشّافعي رضي الله عنه فبعث إلیه یحیی
ابن معين فقال: يا أبا عبد اللَّه أما رضيت إلاَّ أن تمشي مع بغلته؟ فقال: يا أبا
زكريَّاء لو مشيت من الجانب الآخر كان أنفع لك.
وقال البيهقي(11): أخبرنا الحاكم أخبرني أبو الفضل ابن أبي نصر العدل
قال: وجدت عن أبي القاسم بن منيع قال لي صالح بن أحمد: ركب الشَّافعي
رضي الله عنه حماره فجعل أبي بيساره يمشي والشّافعي راكب وهو يذاكره فبلغ
ذلك يحيى بن معين فبعث إلى أبي فبعث إليه: إنَّك لو كنت في الجانب الآخر من
الحمار كان خيرًا لك، هذا أو معناه.
وقال أبو أحمد بن عدي(12): سمعت موسى بن القاسم بن موسى بن الحسن
ابن موسى الأشيب يذكر عن بعض شيوخه قال: لمَّا قدم الشّافعي رضي الله عنه
بغداد إذ لزمه أحمد بن حنبل يمشي مع بغلةٍ له فأخلى الحلقة التي يقعد فيها أحمد
ويحيى وأبو خيثمة وغيرهم، فوجَّه يحيى بن معين: إنَّك تمشي مع بغلة هذا
الرَّجل يعني الشَّافعي فوجَّه أحمد: لو كنت من الجانب الآخر كان أنفع لك.
وقال الحافظ أبو نعيم(13): حدَّثنا أحمد بن إسحاق حدَّثنا أحمد بن روح
حدَّثنا محمَّد حدَّثنا محمَّد ابن ماجة القزويني قال: جاء يحيى بن معين يومًا إلى
أحمد بن حنبل فبينما هو عنده إذ مرَّ الشَّافعي على بغلته فوثب أحمد فسلّم عليه
وتبعه فأبطأ ويحيى جالسٌ فلمَّا جاء قال يحيى: يا أبا عبد اللَّه لم هذا؟، فقال
أحمد: دع عنك إذا أردت الفقه الزم ذنب البغلة. قلت: الإمام أحمد رحمه الله
عرف قدر الشّافعي رضي اللَّه عنه بما عنده من الفقه، ويحيى بن معين لم يكن
عنده من ذلك كما عند الإمام أحمد، رحمهم الله.
وقال أبو عبيد اللّه الآجرِّي(14): سمعت أبا داود يقول: ما رأيت أحمد بن
يذكر في الطّبقة السَّادسة المرتبة الأولى.
(11)
(12)
يذكر في الطّبقة الرَّابعة المرتبة الأولى.
(13)
أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني المتوفّى سنة 430هـ.
محمَّد بن الحسين بن عبد اللَّه الآجرِّي، محدِّث حافظ إخباري توفّي سنة 360هـ،
(14)
كحالة 9/ 243 ..

30
طبقات الشافعية
حنبل يميل إلى أحدٍ ميله إلى الشَّافعي.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت محمَّد بن الفضل القزَّاز قال: سمعت أبي
يقول: حججت مع أحمد بن حنبل ونزلت في مكانٍ واحدٍ معه أو في دارٍ يعني
بمكّة، وخرج أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل باكرًا وخرجت أنا بعده؛ فلمًا
صلَّيت الصُّبح وردت المسجد فجئت إلى مجلس سفيان بن عيينة فكنت أدور
مجلسًا مجلسًا طلبًا لأبي عبد الله أحمد بن حنبل حتَّى وجدت أحمد بن حنبل
فقلت: يا أبا عبد اللَّه تركت ابن عيينة عنده الزُّهري وعمرو بن دينار وزياد بن
علاقة ومن التَّابعين ما الله به عليمٌ، فقال لي: اسكت، فإن فاتك حديث بعلوِّ
تجده بنزولٍ، لا يضرُّك في دينك ولا في عقلك ولا في فقهك، وإن فاتك عقل
هذا الفتى أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيت أحدًا أفقه منه في كتاب الله
من هذا الفتى القرشي، قلت: من هذا؟ قال: محمَّد بن إدريس الشَّافعي.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت من أبي إسماعيل التّرمذي قال: سمعت إسحاق
ابن راهويه يقول: كنّا بمكّة والشَّافعي بها وأحمد بن حنبل بها، فقال لي أحمد بن
حنبل: يا أبا يعقوب جالس هذا الرَّجل يعني الشَّافعي، قلت: وما أصنع به، سنُّه
قريبٌ من سنّنا، أترك ابن عيينة والمقري فقال: ويحك إن ذاك لا يفوت وهذا
يفوت فجالسته.
قلت: هذا لعلَّه كان في سنة ستّ أو سبع وتسعين ومائة بعد أن قدم
الشّافعي رضي الله عنه بغداد في سنة ثمانٍ وتسعين ومائة كما سيأتي.
وقال زكريّاء بن يحيى السَّاجي: حدَّثني محمَّد بن خالد البغدادي حدَّثني
الفضل بن زياد عن أحمد بن حنبل قال: هذا الذي ترون كلَّه أو عامَّته من
الشَّافعي، وما بتُّ منذ ثلاثين سنة إلاَّ وأنا أدعو اللَّه للشّافعي وأستغفر.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرني أبو عثمان الخوارزمي نزيل مكَّة في ما كتب
إليَّ: حدَّثنا أبو أيُّوب حميد بن أحمد البصري قال: كنت عند أحمد بن حنبل
نتذاكر في مسألة فقال رجل لأحمد: يا أبا عبد اللَّه لا يصحُّ فيه حديث فقال: إن
لم يصحُّ فيه حديث ففيه قول الشَّافعي رضي الله عنه وحجَّته أثبت شيءٍ فيه ثمَّ
قال: قلت للشّافعي: ما تقول في مسألة كذا وكذا؟ قال: فأجاب عنها فقلت: من

31
ترجمة الإمام الشَّافعي
أين قلتها؟ هل فيه كتاب أو حديث قال: بلى فرع في ذلك حديث النبيِّ صلَّى اللَّه
عليه وسلّم وهو حديث نصِّ.
وروى البيهقي عن المروذي أنَّه سمع أحمد يقول: إذا سئلت عن مسألة لا
أعرف فيها خبرًا قلت فيها بقول الشَّافعي لأنَّه إمامٌ عالمٌ من قريش. وروي عن
النبيِّ اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: ((عالم قريش يملأ الأرض علمًا))، وسيأتي
هذا مسندًا.
وقال الخطيب: حدَّثني الحسن بن أبي طالب حدَّثني علي بن عمر التمَّار
وحدَّثنا محمَّد بن عبد الله الشَّافعي: حدَّثوني عن إبراهيم الحربي أنَّه قال: أستاذ
الأستاذين قالوا: من هو؟ قال: الشّافعي، أليس هو أستاذ أحمد بن حنبل؟
وقال الحاكم النيسابوري: سمعت الفقيه أبا بكر محمَّد بن علي الشَّاشي
يقول: دخلت على ابن خزيمة وأنا غلام فقال: يا ابن علي على من درست الفقه
فسمَّيت له أبا اللَّيث فقال: على من درس؟ قلت: على ابن سريج فقال: وهل
أخذ ابن سريج العلم إلاَّ من كتب مستعارة؟ فقال بعضهم: أبو اللَّيث هذا مهجور
بالشّاش، فإنَّ البلد للحنابلة، فقال ابن خزيمة: وهل كان ابن حنبل إلاَّ غلامًا من
غلمان الشَّافعي.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أحمد بن عثمان النَّحوي سمعت أبا فديك
الكسائي يقول: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كتبت إلى أحمد بن حنبل وسألته
أن يوجِّه إليَّ من كتب الشَّافعي ما يدخل حاجتي فوجَّه إليَّ كتاب الرِّسالة.
قال: وحدَّثنا أبو زرعة قال: بلغني أنَّ إسحاق بن راهويه كتب له كتب
الشَّافعي فتبيَّن في كلامه أشياء قد أخذه عن الشَّافعي وقد جعله لنفسه. قال أبو
زرعة: ونظر أحمد بن حنبل في كتب الشَّافعي.
قال ابن أبي حاتم: وحدَّثنا أحمد بن سلمة بن عبد اللَّه النيسابوري قال:
تزوَّج إسحاق بن راهويه بمرو بامرأة رجلٍ كان عنده كتب الشَّافعي وتوفِّي ولم
يتزوَّج بها إلاَّ لحال كتب الشَّافعي رضي الله عنه، فوضع جامعه الكبير على كتاب
الشَّافعي، والجامع الصَّغير على جامع الثَّوري الصَّغير. قال: وأخبرني أبو عثمان
الخوارزمي نزيل مكّة فيما كتب إليَّ قال: قال أبو ثور: كنت أنا وإسحاق بن
راهويه وحسين الكرابيسي وذكر جماعة من العراقيِّين ما تركنا بدعتنا حتَّى رأينا
الشّافعي رضي الله عنه.

32
طبقات الشافعية
وحدَّثنا أبو عبد الله الفسوي (15) عن أبي ثور قال: لمَّا ورد الشَّافعي رضي
الله عنه العراق جاءني حسين بن علي الكرابيسي وكان يختلف معي إلى أصحاب
الرَّأي فقال: قد ورد رجلٌ من أصحاب الحديث يتفقَّه فقم بنا نسخر به فقمت
وذهبنا حتَّى دخلنا عليه فسأله الحسين عن مسألة فلم يزل الشَّافعي رضي اللَّه عنه
يقول: قال اللَّه قال رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حتَّى أظلم علينا البيت،
وتركنا بدعتنا واتَّبعناه.
وقال داود بن علي الأصبهاني الظَّاهري(16) وله كتاب فضائل الشَّافعي رضي
اللَّه عنه. قال لي إسحاق بن راهويه ذهبت أنا وأحمد بن حنبل إلى الشَّافعي بمكّة
فسألته عن أشياء فرأيته رجلاً فصيحًا حسن الأدب فلمَّا فارقناه أعلمني جماعة من
أهل الفهم بالقرآن أنَّه كان أعلم النَّاس في زمانه لمعاني القرآن، وأنَّه قد كان أوتي
فهمّا في القرآن، لو كنت عرفته للزمته. قال داود: فرأيته يتأسَّف على ما فاته من
الشّافعي رضي الله عنه. قال داود بن عبد العزيز المكِّي أحد من له فهمّ بالقرآن
كان أحد أصحاب الشّافعي رضي الله عنه وممَّن أخذ عنه، رواه ابن عساكر. وقال
ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: كتبت كتب الشَّافعي من الرَّبيع أيَّام يحيى
ابن عبد الله بن بكير سنة ثمان وعشرين ومائتين، وعندما عزمت على سماع كتب
الشَّافعي بعتُ ثوبين رقيقين كنت حملتهما لأقطعهما لنفسي فبعتهما وأعطيتهما
وأعطيت الورّاق، قال: وسمعت أبي يقول: قال لي: أحمد بن صالح: تريد أن
تكتب كتب الشَّافعي قلت: نعم لا بدَّ من أن أكتبها.
فهذه أسانيد جيّدة تدلُّ على أنَّ كلاً من هؤلاء الأئمَّة رحمهم الله حذا حذوه
واتَّبع أثره وسلك سالكه في النَّظر والاستنباط، فإذا عدَّ العادُ قول أبي ثور
والحسين بن علي الكرابيسي والمزني وابن خزيمة وابن المنذر وأضراب هؤلاء
وجدها في مذهب الشَّافعي رضي اللَّه عنه، فإنَّه قد ذكره جماعة من العلماء
لعلَّه: الحسين بن سفيان الفسوي المتوفّى سنة 353هـ، كحالة 228/3 ..
(15)
(16)
داوود بن علي الأصبهاني، ولد بالكوفة ورحل إلى نيسابور ونشأ ببغداد، كان أكثر النَّاس
تعصُّباً للشّافعي، نفى القياس في الأحكام الشّرعيَّة، وتمسَّك بظواهر النّصوص، وتبعه
جمعٌ كثير يعرفون بالظّاهريَّة، توفّي ببغداد سنة 270هـ، له كتابان في فضائل الشَّافعي،
كحالة 139/4 ..

33
ترجمة الإمام الشَّافعي
معدودًا من جملة أصحاب الشَّافعي، منهم: أبو داود السِّجستاني وداود بن علي
الظَّاهري والحربي وأبو إسحاق الشّيرازي في الطَّبقات وكذا قول إسحاق بن راهويه
كما ذكروا قول ابن خزيمة وابن المنذر وابن سريج وغيرهم من أئمَّة المذهب
وجوهًا في المذهب يعني أنَّها معتبرة في مذهب الشَّافعي، فللحاكم أن يحكم بها،
وللمفتي أن يفتي بها لأنَّها مؤصَّلة على تأصيل الشّافعي ومأخوذة من طريقته في
الاستنباط، فإنَّه قد نصَّ في غير موطنٍ على أنَّه إذا صحّ الحديث فهو مذهبه.
وقال للإمام أحمد: أنتم أعلم بالحديث منَّا، فإذا صحَّ الحديث أعلمني به
أذهب إليه حجازيًّا كان أو عراقيًّا أو شاميًّا أو يمنيًّا، وسيأتي ذكر هذا كلّه في
موضعه إن شاء اللَّه تعالى، وبه الثّقة.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرَّحمان السُّلمي سمعت عبد الرَّحمان بن عبد
اللّه الذُّبياني سمعت أبا الهبير سهل بن عبد الصَّمد الرقِّي سمعت داود بن علي
الأصبهاني يقول: اجتمع للشّافعي رضي اللَّه عنه من الفضائل ما لم يجتمع لغيره،
فأوَّل ذلك شرف نسبه ومنصبه وأنَّه رهط النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلّم، وفيها صحّة
الدِّين وسلامة المعتقد من الأهواء والبدع، ومنها سخاوة النّفس، ومنها معرفته
بصحيح الحديث وسقيمه، ومنها معرفته بناسخ الحديث ومنسوخه، ومنها حفظه
لكتاب الله، وحفظه لأخبار رسول الله، ومعرفته بسير النبيِّ رسول الله صلَّى اللَّه
عليه وسلَّم وسير خلفائه رضي اللَّه عنهم، ومنها كشفه لتمويه مخالفيه، ومنها
تأليفه الكتب القديمة والجديدة ومنها ما اتَّفق له من الأصحاب والتَّلامذة مثل أبي
عبد الله أحمد بن محمَّد بن حنبل في زهده وورعه وإقامته على السنَّة، ومثل
سليمان بن داود الهاشمي وعبد الله بن إدريس الحميدي والحسين الفلاَّس وأبي
ثور إبراهيم بن خالد الكلبي والحسن بن محمَّد بن الصَّباح الزَّعفراني وأبي يعقوب
يوسف بن يحيى البويطي وحرملة بن يحيى التُّجيبي والرَّبيع بن سليمان المرادي
وابن الوليد موسى ابن أبي الجارود والحارث بن سريج النقَّال وأحمد بن خالد
الخلاَّل والعالم بمذهبه أبو إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى المزني، ولم يتّفق لأحدٍ
من العلماء والفقهاء ما اتّفق له. قال البيهقي: إنَّما عدَّ داود من أصحاب الشَّافعي
رضي الله عنه طائفة يسيرة، وقد عدَّ أبو الحسين الدَّارقطني من روى عنه من
أحاديثه وأخباره وكلامه زيادة على مائةٍ مع قصور سنّه عن سنّ أمثاله من الأئمَّة،
وإنَّما تكثر الرُّواة عن العالم إذا جاوز سنُّه الستّين أو السَّبعين، والشَّافعي رضي الله

34
طبقات الشافعية
عنه لم يبلغ في السنّ أكثر من أربعٍ وخمسين سنة .
قال: وأخبرنا أبو عبد الله بن منجويه الدِّينوري حدَّثنا الفضل بن الفضل
الكندي حدَّثنا زكريَّاء بن يحيى السَّاجي قال: قلت لأبي داود السِّجستاني من
أصحاب الشّافعي؟ قال: أوَّلهم عبد الله بن الزُّبير الحميدي وأحمد بن حنبل
ويوسف ابن أبي يحيى أبو يعقوب البويطي والرَّبيع بن سليمان وأبو ثور إبراهيم بن
خالد الكلبي وأبو الوليد ابن أبي الجارود المكّي والحسن بن محمَّد الزَّعفراني
والحسين بن علي الكرابيسي وإسماعيل بن يحيى المزني وحرملة بن يحيى. قال:
ورجلٌ ليس بالمحمود وأبو عبد الرَّحمان أحمد بن يحيى الذي يقال له الشَّافعي،
وذلك أنَّه بدَّل وقال بالاعتزال، هؤلاء ممَّن تكلّم في العلم وعرفوا به من أصحابه.
وأمَّا أنا فأخذت الفقه في مذهب الإمام الشَّافعي رضي الله عنه أوَّلاً عن
الإمام العالم المحقّق محيي الدِّين أبي زكريّاء يحيى بن إسحاق بن فارس التِيباني
الشَّافعي الحاكم رحمه الله، وهو أخذ الفقه عن الشَّيخ الإمام العلاَّمة العابد الزَّاهد
الورع ضابط المذهب محيي الدِّين أبي زكريّاء يحيى بن شرف بن مرِّي نوَّر الله
ضريحه وقال: أخذت الفقه عن أبي الحسن سلار بن الحسن الإربلي ثمَّ الدَّمشقي
وهو الإمام المجمع على جلالته وإمامته وتقدُّمه في علم المذهب على أهل عصره
بهذه النَّواحي، وهو أخذه عن جماعة منهم: أبو بكر الماهاني عن أبي القاسم ابن
البزري الجزري عن أبي الحسن علي بن محمَّد بن علي إلكيالهراسي - ح - ثمَّ
أخذت الفقه أيضًا عن شيخنا الإمام العلاَّمة شيخ المذاهب برهان الدِّين أبي إسحاق
إبراهيم ابن الشَّيخ الإمام العلاَّمة تاج الدِّين عبد الرَّحمان بن إبراهيم الفزَّاري وغير
واحدٍ من أصحاب الشّيخ تاج الدِّين المذكور رحمة اللَّه عليهم كلُّهم، وهو تفقَّه
بالشّيخ الإمام عزّ الدِّين أبي محمَّد عبد العزيز بن عبد السَّلام، وهو تفقَّه على
الفخر ابن عساكر، عن الشَّيخ الإمام قطب الدِّين النِّيسابوري، عن الإمام أبي سعد
الدَّامغاني، عن أبي حامد الغزّالي وإلكيالهراسي تفقّها على إمام الحرمين واسمه أبو
المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، وهو أخذه عن أبيه الشَّيخ أبي
محمَّد الجويني، عن أبي بكر عبد الله بن أحمد القفَّال المروزي الصَّغير إمام
الطّريقة الخراسانيَّة، عن أبي زيد محمَّد بن أحمد بن عبد الله بن محمَّد المروزي،
عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمَّد المروزي، عن أبي العبّاس أحمد بن عمر بن
سريج، عن أبي القاسم عثمان بن بشّار الأنماطي، عن أبي إبراهيم بن إسماعيل بن

35
ترجمة الإمام الشَّافعي
يحيى المزني، عن الإمام العالم أبي عبد الله محمَّد بن إدريس الشَّافعي رحمه الله
ورضي الله عنه.
فصل في ذكر فضائله وثناء الأئمَّة عليه رحمهم اللَّه أجمعين
أخبرنا شيخنا الإمام العالم الحافظ الحجَّة جمال الدِّين أبو الحجّاج
يوسف(17) ابن الزَّكي عبد الرَّحمان بن يوسف المزي أخبرنا أبو الحسن علي بن
أحمد بن عبد الواحد ابن البخاري المقدسي أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن
زيد الكندي أخبرنا أبو منصور عبد الرَّحمان بن محمَّد بن عبد الواحد الشَّيباني
أخبرنا الحافظ أبو بكر الخطيب أخبرنا أبو نعيم الحافظ الأصبهاني حدَّثنا عبد الله
ابن جعفر بن فارس حدَّثنا يونس بن حبيب حدَّثنا أبو داود هو الطَّيالسي حدَّثنا
جعفر بن سليمان عن النَّضر بن معبد الكندي أو العبدي عن الجارود عن أبي
الأحوص عن عبد اللَّه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: ((لا تسبُّوا
قريشًا فإنَّ عالمها يملأ الأرض علمًا، اللَّهم إنَّك أذقت أوَّلها عذابًا أو وبالاً فأذق
آخرها نوالاً»، وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجه أحدٌ من أصحاب
الكتب، وقد رواه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري حدَّثنا إبراهيم بن محمَّد المؤذِّن
حدَّثنا عبد الملك بن محمَّد هو أبو نعيم حدَّثنا محمَّد بن عوف حدَّثنا الحكم بن
نافع حدَّثنا ابن عبّاس عن عبد العزيز بن عبيد اللَّه عن وهب بن كيسان عن أبي
هريرة رضي الله عنه عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنَّه قال: ((اللَّهم أهد
قريشًا فإنَّ عالمها يملأ طباق الأرض علمًا، اللَّهم كما أذقتهم عذابًا فأذقهم نوالاً)،
دعا بها ثلاث مرَّات.
قال عبد الملك بن محمَّد أبو نعيم(18): هذه الصّفة لا تنطبق إلاَّ على
الشَّافعي فإنَّا لا نعرف أحدًا من الفقهاء من قريش طبَّق علمه البلاد واشتهر في
الآفاق مثل الشّافعي رضي الله عنه، هذا حاصل كلامه.
وبالإسناد المتقدِّم إلى الخطيب أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدَّثنا عبد الله بن
(17)
محدِّث الدِّيار المصريَّة المتوفّى سنة 742هـ، له: تهذيب الكمال في أسماء الرِّجال،
وتحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، ومعجم الشُّيوخ، وغير ذلك، كحالة 308/13 ..
يذكر في الطبقة الثَّالثة المرتبة الأولى.
(18)

36
طبقات الشافعية
جعفر بن أحمد بن فارس حدَّثنا إسماعيل بن عبد اللَّه بن مسعود العبدي حدَّثنا
عثمان بن صالح حدَّثنا ابن وهب أخبرني سعيد ابن أبي أيُّوب عن شراحيل بن يزيد
عن أبي علقمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لا أعلمه إلاَّ على النبيِّ صلَّى
الله عليه وسلَّم قال: ((إنَّ اللَّه يبعث إلى هذه الأمَّة على رأس كلِّ مائة سنة من
يجدِّد لها دينها))، رواه أبو داود منفردًا به عن سليمان بن داود المهدي عن ابن
وهب به .
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدَّثني أبو الفضل ابن أبي نصر
العدل أخبرنا أبو الحسن محمَّد بن أيُّوب بن يحيى بن حبيب بمصر سمعت أحمد
ابن عمرو بن عبد الخالق البزَّاز يقول: كنت عند أحمد بن حنبل وجرى ذكر
الشَّافعي فرأيت أحمد يرفعه وقال: يروى عن النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: ((إنَّ اللَّه
يبعث لهذه الأمَّة على رأس كلٌّ مائة سنة من يقرّر لها دينها))، وكان عمر بن عبد
العزيز رضي الله عنه على رأس المائة وأرجو أن يكون الشَّافعي على رأس المائة
الأخرى.
قال البيهقي: وأخبرنا أبو عبد الرَّحمان السُّلمي حدَّثنا أبو عبد اللَّه محمَّد بن
العبّاس (العصمي) حدَّثنا أبو إسحاق أحمد بن محمَّد بن ياسين الهروي سمعت
إبراهيم بن إسحاق الأنصاري يقول: سمعت المروزي يقول: قال أحمد بن حنبل:
إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبرًا قلت فيها بقول الشَّافعي رضي اللَّه عنه
لأَنَّه إمامٌ من قريش، وقد روي عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: ((عالم
قريش يملأ الأرض علمًا))، وذكر في الخبر أنَّ اللَّه تعالى يقيّظ في رأس كلٌ [مائة]
سنة رجلاً يعلِّم النَّاس دينهم؛ وروى أحمد بن حنبل ذلك عن رسول اللَّه صلَّى
الله عليه وسلَّم قال أحمد: فكان في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز رضي الله
عنه وفي المائة الثّانية الشَّافعي رضي الله عنه، قال أبو عبد اللَّه: وإنِّي لأدعو
للشَّافعي منذ أربعين سنة في صلاتي.
قال أبو سعيد الفريابي(19): قال أحمد بن حنبل: إنَّ اللَّه يقيِّض للنَّاس في
رأس كلِّ مائة سنة من يعلِّمهم السُّنن وينفي عن النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم
لعلَّه: محمَّد بن يوسف بن واقد المعروف بالفريابي الكبير، أبو عبد الله، مفسِّر حافظ،
(19)
فقيه، أخذ الفقه عن سفيان، وقرىء عليه بمكَّة المتوفّى سنة 212هـ، هدية العارفين

37
ترجمة الإمام الشّافعي
الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز وفي رأس المائتين الشَّافعي
رضي الله عنه.
وقال عبد الرَّحمان بن مهدي: سمعت مالكًا يقول .... قريش إنَّهم من
هذا الفتى يعني الشَّافعي، وقال ابن عدي: سمعت عبدان يقول: سمعت عمرو بن
العاص يقول: قيل لعبد الرَّحمان بن مهدي: إنَّ الشَّافعي لا يورِّث المرتدَّ فقال
عبد الرَّحمان: إنَّ الشَّافعيَّ شابٌّ مُفَهَّم؟ لأنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
قال: ((لا يتوارث أهل ملَّتين))، وقال أبو ثور: كتب عبد الرَّحمان بن مهدي إلى
الشّافعي رضي اللَّه عنه وهو شابٌّ أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن ويجمع قبول
الأخبار فيه وحجَّة الإجماع وبيان النَّاسخ والمنسوخ من القرآن والسنَّة فوضع له
كتاب الرِّسالة.
قال عبد الرَّحمان: ما أصلِّي صلاةً إلاَّ وأنا أدعو للشّافعي فيها. وقال ابن
أبي الدُّنيا: سمعت أبا بكر بن خلاَّد يقول: سمعت ابن مهدي يقول: أنا أدعو الله
للشَّافعي في دبر صلاتي. وقال ابن أبي حاتم حدَّثنا الحسن بن محمَّد بن الصبَّاح
قال: أخبرت عن يحيى بن سعيد القطَّان أنَّه قال: إنِّي لأدعو الله للشّافعي في كلِّ
صلاة أو في كلٌّ يومٍ لما فتح اللَّه عليه من العلم ووقَّقه للسَّداد فيه.
وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي رحمه اللَّه: أخبرنا أبو عبد
اللَّه الحافظ أخبرني الزُّبير بن عبد الواحد سمعت عبدان الأهوازي يقول: حدَّثني
محمَّد بن الفضل حدَّثنا هارون قال: ذكر يحيى بن سعيد القطّان الشَّافعي فقال: ما
رأيت أعقل أو أفقه منه، قال: وعرض عليه كتاب الرِّسالة له. وروى له الحافظ
ابن عساكر عن ابن مهدي أنَّه قال: لمَّا نظرت في كتاب الرّسالة للشَّافعي أذهلتني
لأنّي رأيت كلام رجلٍ عاقلٍ فصيحِ ناصحِ، وإنّ لأكثر الدُّعاء له. وقال عبد اللَّه
ابن أبي حاتم: حدَّثنا محمَّد بن رَوّح عنّ إبراهيم بن محمَّد الشَّافعي قال: كنّا في
مجلس ابن عيينة والشّافعي حاضر فحدَّث ابن عيينة عن الزّهري عن علي بن
الحسين رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مرَّ به رجلٌ في
بعض اللَّيل وهو مع امرأته صفيَّة فقال: ((تعال هذه امرأتي صفيّة)) فقال: سبحان
10/2. ومحمَّد بن عبد الله العتقي الفيريابي، نزيل مصر، المتوفّى سنة 385هـ، له:
كتاب التاريخ الجامع إلى أيَّام العزيز العبيدي، وغير ذلك، هديَّة 55/2 ..

38
طبقات الشافعية
اللَّه يا رسول اللَّه فقال: ((إنَّ الشَّيطان يجري من الإنسان مجرى الدَّم))، فقال ابن
عيينة للشّافعي رضي الله عنه: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد اللَّه؟ قال: إن كان
القوم اتَّهموا رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كانوا بتهمتهم إيّاه كفَّارًا، لكنَّ رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم أذَّب من بعده فقال: إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا حتَّى
لا يظنّ بكم، لا أنَّ النبيَّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يثَّهم وهو أمين اللَّه في أرضه،
فقال ابن أبي عيينة: جزاك الله خيرًا يا أبا عبد الله ما يجيئنا منك إلاَّ كلَّ ما نحبُّه.
قال زكريَّاء السَّاجي(20): حدَّثني ابن بنت الشَّافعي رضي الله عنه قال:
سمعت أبي وعمِّي يقولان: كنّا عند ابن عيينة وكان إذا جاءه شيءٌ من التَّفسير
والفتيا يسأل عنها يلتفت إلى الشَّافعي فقال: سلوا هذا. وقال أبو سعيد بن زياد:
حدَّثنا تميم بن عبد الله أبو محمَّد سمعت سويد بن سعيد يقول: كنّا عند سفيان
ابن عيينة بمكّة فجاء الشَّافعي فسلّم وجلس وروى ابن عيينة حديثًا رقيقًا فغشي
على الشَّافعي رضي الله عنه فقيل: يا أبا محمَّد مات ابن إدريس فقال ابن عيينة:
إن كان مات ابن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه. وقال الدَّارقطني: حدَّثنا أبو
بكر محمَّد بن أحمد بن سهل النَّابلسي الشّهيد حدَّثنا أحمد بن محمَّد بن زياد
الأعرابي سمعت تميم بن عبد الله الرَّازي سمعت أبا زرعة سمعت قتيبة يقول:
مات الثّوري ومات الورع، ومات الشَّافعي ومات السُّنن، ويموت أحمد بن حنبل
وتظهر البدع. وقال قتيبة بن سعيد: الشَّافعي إمامٌ. وقال أبو عبيد القاسم بن
سلاَّم: ما رأيت رجلاً أعقل من الشَّافعي، وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت
أحدًا أعقل من الشَّافعي، لو جمعت أمَّ فجعلت في عقل الشَّافعي لوَسِعهم عقله.
وروى الحافظ أبو القاسم ابن عساكر عن الرَّبيع أنَّه قال: لو وُزن عقل الشَّافعي
بنصف عقل أهل الأرض لوسعهم، ولو كان في بني إسرائيل احتاجوا إليه. وعن
معمّر بن شبيب قال: سمعت المأمون يقول: قد امتحنتُ ابن إدريس في كلِّ شيءٍ
فوجدته كاملاً. وقال زكريَّاء بن يحيى السَّاجي: حدَّثنا أبو جعفر (الرندي) حدَّثني
أبو الفضل الولاسجردي سمعت أبا عبد الله الصَّاغاني قال: سألت يحيى بن أكثم
عن أبي عبيد القاسم بن سلام والشّافعي أيُّهما أعلم عندك فقال يحيى: كان أبو
عبيد يأتينا ههنا وكان رجلاً إذا ساعدته الكتب، كان حسن التَّصنيف من الكتب
يذكر في الطبقة الثَّالثة المرتبة الأولى.
(20)

39
ترجمة الإمام الشَّافعي
ويرتِّبها بحسن ألفاظه لاقتداره على العربيَّة، وأمَّا الشَّافعي فقد كان عند محمَّد بن
الحسن كثيرًا في المناظرة، وكان رجلاً قرشيَّ العقل والفهم والذِّهن، صافي العقل
والفهم والدِّماغ، سريع الإصابة، أو كلمة نحوها، ولو كان أكثر سماعًا للحديث
لاستغنت أمَّة محمَّد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن غيره من الفقهاء، وقال أبو بكر
محمَّد بن إبراهيم بن علي: سمعت خضر بن داود سمعت الحسن بن محمَّد
الزَّعفراني يقول: قال محمَّد بن الحسن: إن تكلّم أصحاب الحديث يومًا فبلسان
الشَّافعي لما وضع من كتبٍ، رواه ابن عساكر.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرني أبو عثمان الخوارزمي نزيل مكّة فيما كتب إليَّ
محمَّد بن عبد الرَّحمان الدِّينوري قال: سمعت أحمد بن حنبل قال: كانت أقفيتنا
في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع حتَّى رأينا الشَّافعي، وكان أفقه النَّاس في
كتاب الله وسنة رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ما كان يلقنه كان قليل الطَّلب في
الحدیث .
قلت: معنى قلَّة طلبه للحديث أنَّه لم يكثر السَّماع على مشائخ الحديث ولم
يُعن في الرّحلة فيه، بل كان عنده علومٌ كثيرةٌ وبلاغٌ عظيمٌ؛ وقد سئل إمام الأئمَّة
محمَّد بن إسحاق بن خزيمة، هل تعلم علمًا لم يبلغ الشَّافعي قال: لا، قلت:
ومعنى هذا أنَّه ليس ثمَّة سنَّة معتمد عليها في الأصول والفروع إلاَّ وقد بلغت
الشَّافعي لكن لم تبلغه من وجهٍ يرضيه فلذلك يقف في بعضها أو يعدل عنها أو
يعلّق القول على صحَّتها والله أعلم.
وقال الحافظ أبو أحمد بن عدي: حدَّثْنا زكريَّاء السَّاجي حدَّثني داود
الأصبهاني سمعت إسحاق بن راهويه يقول: لقيني أحمد بن حنبل بمكّة فقال:
تعال حتَّى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله قال: فجاء فأقامني على الشَّافعي. وهذا
صحيح وقد تقدَّم مع غيره.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ أنبأني أبو عمرو ابن السِّماك شفاهًا
أنَّ عبد الله بن أحمد حدَّثهم قال: قال لي: إنِّي كنت أجالس محمَّد بن إدريس
الشَّافعي فكنت أذاكره بأسماء الرِّجال وكان أبي يصف الشَّافعي فيطنب في وصفه،
وقد كتب أبي عنه حديثًا، وكتب من كتبه بخطّه بعد موته أحاديث عدَّةً ممَّا سمعه
من الشّافعي رضي الله عنه.

40
طبقات الشافعية
وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم سمعت محمَّد بن عبد الله بن شاذان يقول:
سمعت أبا القاسم ابن منيع سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان الفقه ثقيلاً على
أهله حتَّى فتحه الله بالشَّافعي. وقال الخطيب: أخبرنا محمَّد بن أحمد بن رزق
حدَّثنا عبد الله بن جعفر بن شاذان حدَّثنا عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول:
لولا الشَّافعي ما عرفنا فقه الحديث. وقال الميموني: قال أحمد: خمسة أدعو لهم
سحَرًا، أحدهم الشّافعي، وقال الحاكم: حدَّثني أبو الحسن أحمد بن محمَّد بن
السرِّي المقري حدَّثنا ... حدَّثنا أبو جعفر محمَّد بن عبد الرَّحمان حدَّثنا أبو
القاسم عبد الله بن محمَّد بن الأشقر البغدادي سمعت الفضل بن زياد يقول:
سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أحدٌ مسَّ محبرة وقلمًا إلاَّ وللشّافعي في عنقه
منَّةٌ. وقال زكريَّاء السَّاجي: حدَّثنا جعفر بن أحمد قال: قال أحمد بن حنبل: كلام
الشَّافعي رضي اللّه عنه في اللُغة حجَّة. وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم حدَّثنا إبراهيم
ابن عبد الواحد حدَّثني أبو الفضل المؤمِّل العبَّاس بن فضل سمعت محمَّد بن
عوف سمعت أحمد بن حنبل يقول: الشَّافعي فيلسوف في أربعة أشياء، في اللُّغة
واختلاف النَّاس والمعاني والفقه. وقال إبراهيم الحربي: سألت أحمد بن حنبل
عن الشَّافعي فقال: حديثٌ صحيحٌ ورأيٌ صحيحٌ. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي
حدَّثنا عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران قال: قال لي أحمد بن
حنبل ما لك لا تنظر في كتب الشَّافعي؟ فما من أحدٍ وضع الكتب حتَّى ظهرت
أتبع للسنَّة من الشَّافعي. وقال ابن عساكر: أخبرنا أبو محمَّد ابن الأكفاني قراءة
أخبرنا أبو عبد الله محمَّد بن يوسف الهروي حدَّثني محمَّد بن يعقوب الفرجي
قال: سمعت علي ابن المديني يقول لعلي بن المبارك وقد ذكر مسألة، فقال له
علي ابن المديني: عليكم بكتب الشَّافعي.
وحدَّثني محمّد بن يعقوب: سمعت محمَّد بن علي المديني يقول: قال أبي:
لا تترك للشّافعي حرفًا واحدًا إلاَّ كتبته فإنَّ فيه معرفة.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت ديبسا قال: كنت مع أحمد بن حنبل في
المسجد الجامع فمرَّ حسين يعني الكرابيسي فقال: هذا بعض الشَّافعي رحمة من
اللَّه تعالى لأمَّة محمَّد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من حسين، ثمَّ جئت إلى
حسين فقلت: ما تقول في الشَّافعي؟ فقال: ما أقول في رجلٍ ابتداء في أفواه
: الكتاب والسنَّة والاتُّفاق وما كنّا ندري ما الكتاب والسنَّة نحن ولا الأوَّلون حتَّى