Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ عمر بن عبد الله الهجرى قال : سمعت عبد الله بن خُبيق يقول : لا تَغْتمّ إِلاَ من شىءٍ يضرّك غدا . ولا تفرح بشىءٍ لاَ يَسُرك غداً ، وأَنفعُ الخوفِ ماحَجَزَك عن المعاصى وأَطال منك الحزن على ما فاتك ، وأَلزَمك الفكرة فى بقية عَمُرك . أَسند ابن خُبيق عن يوسف بن أَسباط وغيره . ٨٠٥ - أبو الحارس الأولاسى (١) : واسمه فيض بن الخَضِر (٢) كان شاباً يغنى فى أول أمره (٣) وقال : بينا أنا فى غَفْلتى رأَيت عَلِيلاً مطروحاً على قارعة الطريق ، فدنوت منه فقلت : هل تَشْتَهِى شيئاً ؟ قال : نعم رمّاناً . فجِئْتُه برمّان فلما وضعتُه بين يديه رفع بَصره وقال : تاب الله عليك . فما أَمسيتُ حتى تغيّر قلبى عما كنت عليه، وخرجتُ إلى الحج وأَنا أَسير بالليل إذا بقوم يشربون . فلما رَأَوْنِى ذُهِلوا فَأَجلسونى وعرَضوا علىّ الطعام والشراب . فقلت : أَحتاج إلى البول فذهبتُ فوقعتُ فى غابة فإذا سَبُعٌ . فقلت : اللهم إنك تَعْلم ما تركْتُ ومماذا خرجتُ ( وفيماذا خرجت (٤) ) فاصرف عنى شرَّ هذا السَبِّع. فولىّ السبع ودخلتُ مكة فلقِيت بها من انتفعتُ به ، منهم إبراهيم بن سعد العَلوىّ . الحسن بن خلَف قال: قال لى أَبو الحارث الأَوْلاسى فَيْض بن الخضر: رأيت إبليس له جُمّة شَعرِ فأَقبلت أَتملقَّه وأقول: ويحك ما أَنا فى هذا الخَلق ؟ خلّنى وربّى. فقال : هيهات هيهات ، كيف أَخلّيك وفيك (١) نسبة إلى (أولاس) بفتح أوله : وهو حصن على ساحل بحر الشام من نواحى طرسوس . ط : الأولاشى ، تصحيف . (٢) قط: خضر . ب: بن أبى الخضر . (٣) قط : عمره . (٤) من ب . ٢٨٢ وفى أَبيك(١) هلَكت؟ لا أَوْ تَهْلِكوا معى. قال: فأَخذتُ برأسه فجعلتُه على حجَر وأخذت بحلقِهِ أَخنقه ثم قلت : كيف أُقدر على قتله وقد أُخرّه الله عز وجل إلى يوم القيامة ؟ ولكن أَرفُق به فجعلت أَتملقه وهو يأبى. فقلت له: دُلْنِى على ما ينفعنى. فقال: أَدلّك على السكرّ والحُملان والجُوذابات (٢) والدنانير والدراهم أَن تُكثر منها . فقلت له : ياملعون أَنا أَسأَّلك أن تدلنى على شىءٍ ينفعنى فى أَمر آخرنى، تدلّنى على الدنيا وما أَصنع أَنا بهذا وما حاجتى إليه ؟ فقال : من ههنا صار رَأْسى وحَلْقى فى يدِك تُقلّبه كيف شِئت وتلعب به . قلت : أُفدتَنی علماً ، لا جَرَم إِنى لأَرجو أن لا أَنال منها شيئاً إِلَّ ما لا غِى بى عنه فقال إِن تركتُك فاصعَد العقَبة وسأَستعين عليك بولد جِنسْك الذين زيّنتَ فى أَعينهم ما قَبُح فى عينِك فأجابُونى إليه فَبِهِمْ أَسْتَعين عليك فيأُتوك من من مأُمَنك . ١ توفى أبو الحارث بطرسوس سنة سبع وتسعين ومائتين . ٨٠٦ - أبو الخير التيناتى (٢) : أصله من المغرب(٤) وسكن تِينات، وهى قرية من قرى أَنطاكيَّة. ويقال له الأَقْطَع ، لأَنّه كان مَقْطوع اليد . وكان سبب ذلك أنه كان فى جبال أَنطاكِيَّةً وحواليها يَطلب المباح وينام بين الجبال وأنه عاهد الله تعالى أن لايأكل من ثَمَر الجبال إِلَّ ما طَرَحَتْه الريح. فبقى أيامًا (١) أى بسبيك وسبب أبيك . (٢) الحملان (بضم الخاء): ما يحمل عليه من الدواب. والجوذابات : مفردها (جوذاب) بضم الجيم ، وهو طعام يصنع من سكر ورز ولم . (٣) نسبة إلى تينات ( بكسر التاء) وهو مرفأ على بحر الشام قرب المصيصة تجهز منه المراكب بالخشب إلى مصر . (٤) ط : الغرب . ٢٨٣ لم تَطْرَحْ إِليه الريح شيئًا. فرأى يومًا شجرةَ كُمْثرى فاشْتَهَى منها فلم يفعل ، فأَمَالَتْها الرّيح إليه فأَخذ واحدةً . واتفق أَن لصوصًا قطعوا هنالك الطريق وجلسوا يقتسمون . فوقع عليهم السلطان فأَخذَهم وأُخِذ معهم فقُطعت أَيديهم وأَرجلُهم وقُطِعتْ يده . فلما همّوا بقطع رِجله عَرفه رجل فقال(١) للأَّمير : أَهلكتَ نفسك ، هذا أَبو الخَير. فبكى الأَمير وسأَله أَن يَجْعَلَه فى حِلِّ. ففعل وقال : أَنا أَعرِفِ ذَنبِی . منصور بن عبد الله قال : قال أبوالخير : الدعوى رُعونة لا يحتمل القاب إمساكها، فليُلقِها إلى اللسان فتنْطِقَ بها أَلسنةُ الحمقى. قال : وسمعته يقول : دخلت مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وأَنا بفاقة. فأَقمت خمسة أيام ما ذقت ذوَةًا(٢). فتقدّمت إلى القبر فسلّمت ء على النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى أبى بكر وعمر ، وقلت : أَنا ضيفك الليلةَ يارسول الله . وتنحيّتُ فَنِمت خَلْف المنبر . فرأيت فى النوم النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله ، وعلى ابن أبى طالب بين يديه . فحرّكنى علىّ وقال لى : قُم قد جاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقمت إليه وقَبَّلت بين عَيْنَيْه . فدفع إِلىّ رغيفًا فأكلتُ نصفه وانْتَبَهْت وإِذا فى يدِى نصفُ رغيف . إِبراهيم بن محمد المَرَاغِى قال : سمعت أبا الخير التيناتى يقول : بقيت بمكة سنةً فأَصابنى ضرُّ وفاقَة. فكلَّما أردت أن أَخرج إلى المسْأَلَة هَتَفَ بى هاتِفٌ يقول : الوجهُ الذى يَسْجد لى تَبْذُلُه لغيرى؟ أخبرنا المحمدان ابن عبد الملك وابن ناصر قال انبأ أحمد بن (١) ط : وقال : (٢) الذواق: طعم الشىء ، أى لم يلق شيئاً من الطعام أو الشراب . ٢٨٤ الحسن بن خيرون قال : قرأت على أبى الحسين على بن محمود الصوفى أخبركم على بن المثنى. وأخبرنا أبو بكر العامرى قال : أَنبأُ علىّ ابن أبى صادق قال: أَنا ابن باكُويَه قال: أَخبرنى ابراهيم بن أحمد(١) المراغى قالا : سمعنا أبا الخير التّناتى الأَقْطع يقول : ما بلغ أحد إلى حالةٍ شريفةٍ إِلَّا بِمُلازمة الموافقة ومُعَانَقَة الأَدَب وأداء الفرائض وصُحْبة الصّالحين وخِدْمة الفقراءِ الصّادقين . محمد بن الفضل قال : خرجت من أَنطاكِيَّة ودخلت تِيناتَ ودخلت على أبى الخير الأَّقطع على غفلةٍ منه بغير إذْنِ فإذا هو ينسُجِ زِنْبيلاً بيديه (٢). فتعجّت. فنظرَ إِلىّ وقال: يا عدوّ نَفْسه، ما الذى حَمَلَك على هذا ؟ فقلت : هَيَجَان الوجْدِ لِما بى من الشوق إليك . فَضحك ثم قال لى: اقعُد لاتَعُدْ إلى شىءٍ من هذا بعد اليوم . ثم قال: استُر علىَّ فى حياتى . ففعلت . قال ابن باكويه : وسمعت إبراهيم بن محمد السبّاك بِرُها (٣) يقول : كنا نطَّلِع على أبى الخير التيناتى من الخَوْخة وهو يَسُفِّ الخُوص (٤) بيديه فإذا خرج رأيناه أَقْطَعَ . أبو الحسن البَغْراسى (٥) قال: قال لى أَبوالخير التيناتى: إِيَّاك وكَثْرةَ السَّفر فإِنَّه يُقْسِّى القلب ويَذهب بالدِّين. (١) قط: أحمد بن المراغى. (٢) ق: بيده. وأثبت ما فى ط . (٣) الرها ، والرهاء (بضم الراء فيهما) : مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام . (٤) ينسج ورق النخيل . والخوخة : الباب الصغير فى الباب الكبير . (٥) يفتح الباء وسكون الغين، نسبة إلى بغراس وهى مدينة قرب أنطاكية . ق : البغراشى ، تصحيف . ٢٨٥ أبوبكر المِصرى قال : سمعت بعض أصحابنا فقيرًا يُعرف بالأَنصارى يقول : دخلت على أبى الخير فناولنى تفَّاحتين فجعلتهما فى جَيبِى وقلت : لا أَتناولهما وأَتبرّك بهما لِموضع الشيخ عندى فكانت تَجرى علىَّ فاقاتُ لاأَتناولُهُما فأَجهَدْتنِى الفاقة فأخرجتُ واحدةً فأكلتها وأَدخلتُ يدِى لأَخرج الثانية فإذا التفّاحتان مكانَهما، فمازلت آكل منهما حتى دخلتُ المَوْصل فجُزْتُ على خرابٍ وإِذا بِعايلٍ يُنادى من الخراب(١): ياناس أَشْتَهى تفاحةً. ولم يكن وَقْتَ التفّاح . فأَخرجت التفاحتين فناولتهما إياه فأَكل وخرجَت روحُه من وقته . فعلمت أن الشَّيْخَ أَعطانى من أَجْلِ ذلك العليل . صحب أبوالخير التيناتى أَبا عبد الله بن الجلَّاءِ وغَيْره من المشايخ. ولانعلمه أَسْنَدَ شيئًا من الحديث . وتوفى بعد الأربعين وثلاث مائة . ذكر المصطفين من عباد الثغور المجهولى الأسماء ٨٠٧ - عابد طرسوسى : أبوسليمان المغربى قال : كنت أَحمِل الحطب من الجبل وأَتَقَوّت منه، وكان طريقى فيه التوقّى(٢) والتحرّى. قال فرأَيت جماعةٌ من البصريين فى النوم ، منهم الحسن ومالك بن دينار وفَرقد السّبخِىّ ، فسألتهم عن عِلم حالي فقلت : أَنتم أئمة المسلمين دُلُّونى على الحلال الذى ليس لله فيه تَبعة ولا لِلْخَلْق فيه مِنّة. فأخذوا بیدی فأَخرَجونى من طرَسوس إِلى مَرج فيه خُبَّازَى فقالوا لى : هذا الحلال الذى ليس لله عز وجل فيه تَبعة ولا للمخلوق فيه مِنَّة. قال: فمكثتُ(٣) آكل (١) ب : بين الخراب. (٣) قط : فكنت . (٢) ق، ب : التقوى . وأثبت ما فى قط. ٢٨٦ منه نصف سنة، ثلاثة أشهر فى دار السبيل، وكنت آكله نيًّا(١) ومطبوخًا فصار لى حديثُ ، فقلت : هذه فتنة . فخرجت من دار السبيل فكنت آكله ثلاثة أشهر أُخَر . فأَوجدنى الله عزّ وجل قلبًا طيبًا حتى قلت إن كان أهل الجنة بهذا القلب الذى لي فهُم واللهِ فى شىءٍ طيِّب ، وما كنت آنسُ بكلام الناس ، فخرجت يومًا من باب قَلَمْيَة (٢) إِلى صِهْريج (٣) يُعرف بالمدنِف فجلست عنده فإِذاأَنا بفتًى قد أقبل من ناحية لامِش (٤) يريدطرسوس وقد بقى معى قطيعات (٥) من ثمن الحطب الذى كنت أَجىِّ به من الجبل فقلت أنا قد قنعت بهذا الخُبَّازَى، أَعطِى هذه القِطع (٦) هذا الفقير ، إِذا دخَل طرَسوس اشتَرَى بها شيئًا وأَكله. فلما دنا منى أُدخلت يدى إلى جيبى حتى أُخرِج الخِرْقة فإِذا أَنا بالفقير قد حرّك شفتيه وإِذا كلّ ماحولى من الأرض ذَهبٌ يَنَّقِدِ حتى كاد يَخْطف بَصرى، ولِبِسنى منه هيبةٌ فجازو لم أُسلِّم عليه من هَيْبته . قال الشيخ أبو بكر: وزادنى أَبو الفرج بن أبان فى هذه الحكاية قال : فقلت له : فرأيته بعد ذلك ؟ فقال : نعم .، خرجت يومًا خارج طَرْسوس فإِذا بالفتى جالس تحت بُرجٍ من الأَبرجة وبين يديه رَكوةٌ فيها ماءٌ فسلَّمت عليه ثم اسْتَدَعَيْت منه موعظةً فمدّ رجله فقلَب الماءَ ، ثم قال لى : كَثْرَةُ الكلام تُنشِّف الحسنات كما أَنشفَت الأَرضُ هذا الماءَ . قم يكفيك . .(١) الى (بكسر النون وتشديد الياء) لغة فى (الىء) على الإبدال والإدغام، وهو الذى لم تمسه النار ولم يعالج بطبخ . (٢) قلمية (بفتحتين وسكون الميم) . كورة من بلاد الروم قرب طرسوس . (٣) حوض الماء . (٤) من قرى فرغانة . (٥) قطع قليلة من الدراهم . (٦) ط : القطعة . ٢٨٧ ٨٠٨ - عابد آخر : علىّ بن الحسن بن موسى قال : قال رجل : لأُمْتَحنَنَّ أَهل البلاءِ. قال : فدخلت على رجل بطرَسوس وقد أُكلت الآكِلةُ (١) أَطرافه. فقلت له : كيف أَصبحت ؟ قال : أَصبحتُ واللهِ وكلّ عِرْق وكلٌ عِضَوٍ يألم على حِدَتِهِ من الوجع ، وإِنَّ ذلك لَبِعَیْن الله أحبُّه إِلىّ أُحبُّه إِلى الله، وما قَدْرُ ما أُخذ ربِّى منى؟ وددت أَنَّ ربِّى قطَع منى الأَعضاء التى اكتسبت بها الإثم ، وأَنَّه لم يُبق منى إلا لسانى يكون له ذاكرًا . قال : فقال له رجل : متى بدأَتْ بِكَ هذه العلَّة ؟ فقال: الخَلْقِ كلِّهم عَبِيدُ الله وعِيالُه ، فإذا نزلَت بالعباد علَّة فالشكوى إلى الله ليس يُشتكى إِلى العباد . ٨٠٩ - عابد مصيصى : علىّ بن الحسن قال : كان رجل بالمصيّصة ذاهبٌ نِصفُه الأسفل لم يَبق منه إِلَّ روحُه فى بعض جَسده، ضريرٌ على سرير مَثْقُوب فَدَخلُ عَلَيْه داخِل فقال له : كيف أَصبحتَ يا أَبا محمد ؟ قال : مَلِك الدنيا، منقطع إلى الله عز وجل مالى إِليه من حاجة إلَّا أَن يتوقَّانى على الإِسلام . ٨١٠ - عابد من اهل بيروت : أبو عبد الرحمن الأَزدى قال : كنت أَدور على حائط. بيروت فمررت برجلٍ متدلىّ الرجلين فى البحر وهو يكبّر . فاتكأَتُ على الشُرّافة (٢) التى إِلى جنبه فقلت: ياشاب مالكَ جالسًا وحدك ؟ قال: اتّقَ الله ولا تَقُل لِى إِلَّ حقًا، ما كنتُ قطّ. وحْدِى منذ ولدَتْنى أُنِّى، إِن معى ربِّى حيث ماكنتُ ، ومعى مَلَكَان يَحْفَظَان علىّ، وشيطان (١) الآكلة : (بكسر الكاف) داء فى العضو يأتكل منه. (٢) كذا فى النسخ، وضبطت فى ق يضم الشين وتشديد الراء . ولم تذكرها المعاجم. ولعلها (الشرفة) بلا ألف، وهى أعلى الشىء. ويقال المكان العالى: الشرف (بفتحتين). ٢٨٨ ما يفارقنى فإذا عرضَت لى حاجة إلى ربِّى عز وجل سألته إِيَّاها ولم أَسأَله بلسانى ، فجاءنى بها . ومن المصطفيات من عابدات الثغور ٨١١ - زينب الطبرية : هارون بن الحسن قال : سمعت سَلمًا الخوّاص يقول : كانت عندنا جارية يقال لها زينب ، وكانت تُحسن خدمةَ مَوْلاها. فذَهَبْت أُسلِّم عليها . فقالت: يا أَبا محمد كنتُ منذ ليالٍ(١) قائمة أُخدم مولاى فغَلَبَتنى عينى فسمعتُ (٢) قائلاً يقول : صلاتُك نورٌ والعبادُ رُقُودُ قومى فصَلِّيٍ للغفورِ الوَدود (٣) قال : وخرجَتْ يومًا فى حاجة فعثَرتْ فانقطَع إِصبَع من أصابعها قال : فاجتمعنا رجالاً ونساءً نعزّيها فى إصبعها . فقالت : يا إخوتى وأَخواتى أَنسانى لذةَ ثوابها وجَعُها فوهَب الله لى ولكم الرّضا والعفْو عمَّا مضى ، قُوموا (٤) حتى نخدم من الطريقُ عليه غدًا . ذكر المصطفين من عباد أهل الشام المجهولى الأسماء ٨١٢ - عابد يقال له الديلمى (٥) : محمد بن المبارك الصّورى قال : سمعت الوليدبن مسلم يقول : غزا المسلمون غزوةً فيهم الديلمى . فأَسرَتْه الروم وصلَبوه على الدَّقَل (٦). فلما رآه المسلمون مَصْلوبًا حملوا على الروم حملةً فأخذوا المركب الذى (٢) ط : سمعت . (١) ط : ليالى . (٣) كذا عجز البيت بخرم تفعيلته الأولى (عولن) . وهو من البحر الطويل. والبيت مصرع فينبغى رفع ( الورود ) فتكون نعتاً مقطوعاً . وجرها هو الأصل نعتاً الغفور (٤) قط : قومى . (٥) ق : المجهولين الأسماء . وأثبته ما فى ط . (٦) الدقل ( يفتحتين) : خشيبة طويلة تشد فى وسط السفينة ويمد عليها الشراع . ٢٨٩ فيه الشيخ فأَنزلوه عن الدّقَل . فقال لهم : أعطونى ماءً أَصبّ علىّ. فقالوا : لمَ تصُبّ عليك؟ فقال: إِنى جُنُبُ، لأَنهم لمَّا صَبونى أَخذَثْنی نعسةٌ فرأيتُ نفسى كأنى على نهر فيه وصائف (١) فمددتُ يَدی إلى واحدة منهن فافترَعتُها (٢) فَأَصَابَتْىٍ جَنابةٌ . ٨١٣ - عابد آخر: عن معروف الكَرْخِىّ قال. رَأَيْتُ رَجُلاً فى البادية شابًا حَسَنَ الوَجْهِ ، له ذُوابتان حسنتان، وعلى رَأْسِهِ رِداءَ قصَبٍ وعَلَيْهِ قَميصُ كنَّان ، وفى رِجْله نعلُ طاق (٣) . قال معروف: فتعجّبت منه فى مثل ذلك المكان ومن زِيّه فقلت : السلام عليك ورحمة الله وبركاته . فقال : وعليك السلام ورحمة الله ياعم . فقلت : الفتى من أين ؟ فقال (٤): من مدينة دمشق . قلت : ومتى خرجت منها ؟ قال : ضَحوةَ النهار . قال معروف : فتعجّبت وكان بينه وبين الموضع الذى رأيته فيه مراحِلَ كثيرة (٥) فقلت لَهُ: وأَيْنَ المقصِد ؟ فقال: مكة. فعلمت أنه محمولٌ فودّعته ومضى ولم أره . حتى مضت ثلاث سنين . فلما كان ذات يوم وأنا جالس فى منزلی أُتفگّر فى أمره وما كان منه إِذا بإِنسان يدقّ الباب فخرجتُ إليه فإِذا أَنا بصاحبى فَسَلَّمت عليه وقُلت: مرحبًا وأَهْلاً. وأَدخلتُه المنزل فرأيته مُنْقَطعاً والهاً تَالِفًا (٦) عليه زُرْمانقة (٧) حافياً حاسِرًاً فقلت : هِيهِ أَىّ شىءٍ الخبرُ ؟ فقال: يا أُستاذ لاطَفنى حَتَّى (١) ج وصيفة وهى الفتاة فى مقتبل العمر . (٢) أزال بكارتها . (٣) نوع من النعال . (٤) ط : قال . (٥) بعدها فى ط : فقال، ولا محل لها هنا . (٦) ط : قالقاً، تحريف. (٧) الزرمانقة ( بضم الزاى وسكون الراء) : جبة من صوف . والكلمة معربة . (٢ ١٩ - صفة الصفوة جـ ٤) ٢٩٠ أَدخَلَى الشَّبكة وَرَمّانى، فمرّةً يلاطفنى ومرّةً يُهدِّدنى(١)، ويُجيعنى مرةً ويُكرمنى أُخرى . فليته وقَفنى على بعض أسرار أوليائه ثم(٢) ليفعل بى ماشاءَ . قال معروف : فأَبْكانى كلامه فقلت له : فحدّثنى . ببعض ماجرى عليك منذ فَارَقْتَنى. فقال : هيهات (٣) أَن أبديه وهو يريد أن نخفيه (٤)، ولكن بَدِّيًا (٥) مافعل، فى طريقى إليك ، مولاىَ وسيِّدِى. ثم استفرغه البكاء(٦) فقلت: وما فَعل بك ؟ قال: جوّعَنِى ثلاثين يومًا ثم جئت إلى قرية فيها مَقدأَةُ (٧) قد نُبذ منها المُدوِّد وطُرح، فقعدت آكل منه فبصر بى صاحب المَقئأَة فَأَقْبل إِلىّ يضرب ظَهْرى وبَطْنِى، ويقول : يالصّ ما خرّبَ مَقدأَتِى غيرُك، منذ كَم أَنا أَرصدك (٨) حتى وقعتُ عليك ؟ فبينا هو يضربنى إذْ أَقبل فارسٌ نحوه مُسرعًا إليه وقلب السوط فى رأسه وقال: تعمَدُ إِلى ولىّ من أولياء الله عزَّ وجلّ فتقول له: بالصّ ؟ فأَخذ صاحب المقشأَّةُ بيدى فذهَب بى إلى منزله(٩) فما أَبقى من الكرامة شيئًا إِلَّا عمله واسْتَحَلَّى وجعل مَقدأَته لله عز وجل ولأصحاب مَعْروف فقلت له : صِفْ لى معروفًا. فوَصف لى فعرفتُك بما قد كنتُ شاهدتُه من صِفتك. قال معروف: فما استثم كلامَه حتى دقَّ صاحب المَقناة البابَ ودخل إلىّ وكان مُوسِرًا فأخرج جميع ماله وأَنفقه على الفقراء وصحِب الشابَّ سنةً وخرَجا إلى الحجّ فماتا بالرَّبذَة (١٠) (١) ط : يتهددنى. (٣) قط وحدها : هيهات ما إن . (٥) كذا . والبدىء : العجيب البديع . (٧) موضع القثاء ومنبته . (٩) ط : منزل له . (٢) ثم : ساقطة من ط . (٤) ق : يخفيه . وأثبت ما فى ط . (٦) بكى كثيراً حتى نفد دمعه . (٨) ب : أحرصك. (١٠) من قرى المدينة على ثلاثة أيام. ٢٩١ ٨١٤ - عابد آخر : داود بن رُشَيد (١) قال: حدثنى الصَّبيح والمليح ، شابان كانا يتعبَّدان بالشام ، سُمِّيا الصَّبيحَ والمَلِيحَ لحُسن عبادئهما ، قالا: جُعنا أيامًا ، فقلت لصاحبى ، أو قال لى : أُخرج بنا إلى الصحراء ، لعلّنا (٢) نرى رجلاً نعلّمه بعضَ دينه ، لعل الله عز وجل أن ينفعنا به . فلما أُصحرنا استقبانا أَسودُ على رأسه حزمةُ حطب . فَدَنَوْنا منه فقلنا له : ياهذا - مَن ربّك؟ فرمىَ الحُزْمة عن (٣) رأسه وجلس عليها وقال : لا تَقُولا لى مَن ربُّك ؟ ولكن قولا لى : أين محل الإِيمان من قلبك فنظرتُ إلى صاحبى ونظر إلىّ صاحبى ، ثم قال : سلا ، سلاً ، فإِنَّ المريد لا تَنْقَطِع مَسائله . فلما رآنا لا نَحير جوابًا قال: اللهم إن كنت تعلم أنَّ لك عبادًا كلَّما سألوك أَغْطيتَهم فحوّل حُزْمتى هذه ذهبًا . فرأيناها قُضبانَ ذهب تلتمع . ثم قال: اللهم إن كنتَ تَعلم أَن لك عبادًا الإِخمالُ (٤) أُحبّ إليهم من الشّهرة فرُدَّها حطبًا . فرجعَت واللهِ حطبًا. ثم حملها على رأسه ومضَى فلم نجترِىء أَن نَتْبَعه(٥). ٨١٥ - عابد آخر : عن عبد السلام بن حرب قال : ذکر الحسن بن حَیّ رجلاً من أهل الشام فذكر عبادته ، فقال له خلف بن حَوشب : فكيف كانت وقَّته ؟ قال : ذهبَت رِقَّته، أما رأيت(٦) الفَّكلى تَكْمد؟. (١) بالتصغير. وتوفى داود ٢٣٩ هـ. (٢) ط : لعلنا . (٣) ط : من . (٤) عدم الشهرة . (٥) ط: فلم نجتَر أن نتبعه . (٦) ب : أما ترى . ٢٩٢ ٨١٦ - عابد آخر : بَكْر العابد قال : كان عابدٌ من أهل الشام قد حَمل على نفسه فى العبادة. فقالت له أُمّه : يابنىّ عملتَ مالم يعمل الناسُ أَما تريد أَنْ تَهْجَع ؟ فأَقْبَل يُردِّد عليها ويقول: ليتكِ كُنْتَ لِ عقيمًا، إِنَّ لبنيك فى القبر حَبْسًا طويلاً . ٨١٧ - عابد آخر : أبوبكر الكتَّانى وجماعة مِنَ المشايخ قالوا: كان لأبى جَعْفر الدِّيَنَورَى(١) أَخٌ يكون بالشام، وكان لا يقيم فى قرية ولا بمدينة أَكْثَرٍ مِنْ لَيْلةٍ أَويوم ثم يخرج . فدخل إلى قرية فاعْتلَّ فيها سبعة أيام لم يأكل ولم يشرب ولم يكلِّمه أحد . فمات فأصبح القوم فى اليوم الثامن فوجدوه ميتًا فَغَسلوه وحنَّطوه وكفَّنوه وصلَّوا عليه ، وحملوه ليدْفِنُوه ، فجاءَ الناس من كلّ قرية إليهم وقالوا : سمعنا صائحًا يَصيح: مَن أراد أن يحضر جنازةَ ولِىّ من أولياء الله عزَّ وجل فليحضر قرية كذا وكذا . قال : فصلّوا عليه ودقَنوه . فلما كان من الغد وجَدُوا الكفن والحَنُوط. (٢) مَصرُورًا فى محْرابهم(٣) ومعه كتاب فيه مكتوب : لاحاجة لنا فى كفنكم هذا، يُقيم بين أظهركم ولىّ من أولياء الله عز وجل سبعة أيام، لا عُدْتُموه ولا علَّلْتُموه ولا أَطعمْتموه ولا سقيتُموه ولا كلَّمتموه؟ قال الكتَّانى: فجعل أَهل تلك القرية فيها بيتًا للضيافة . ومن عقلاء مجانين الشام ٨١٨ - عابد (٤): عبد الواحد بن زيد قال . خَرَجْتُ إِلى الشَّام فى طَلَبِ العبّاد (١) مرت ترجمته فى هذا الجزء برقم ٦٦١. (٢) الحنوط ( بفتح الحاء) .: ما يجعل على الميت من ذريرة أو مسك أو عنبر وغيره . (٣) ب : كتابهم (!) . (٤) التسمية إضافة من عندنا . ٢٩٣ فَجَعَلْتُ أَجِدُ الرَّجُلَ بعد الرجل شديدَ الاجتهاد حتى قال لى رَجُلٌ : قد كان هاهنا رجلٌ من النحو الذى تُريد ، ولكنا فَقدنا من عقله، فلا ندرى. يُريد أن يحتجب مِنَ النَّاس بذلك أَم هو شىءٍ أَصابَهُ﴾(١) قلت : وما أَنْكَرْتُم مِنْه ؟ قال. إِذا كلَّمه أَحَدُ قال . الوليد وعائكة ، لايَزيده عليه . قال: قلتُ فكيفَ(٢) لى به؟ قال: هذه مَدرجته(٣). فانتظرته فإذا برجل واله ، كريهِ الوجه ، كريه المنظر ، وافرِ الشَّعر، متغيّر اللون وإِذا(٤) الصبيان حوله وخلفَه وهو ساكت يمشى، وهم خلفه سكوتُ يَمْشون وعليه أَطمار دَنِسة (٥). قال: فتقدّمت إليه فسلّمت(٦) عليه ، فالتفتَ إِلىّ فردّ علىّ السلام . فقلت : يرحمك الله إنى أُريد أن أُكلَّمك . فقال : الوليد وعاتكة . قلت : قد أُخبرت بقصتك ، فقال الوليد وعاتكة . ثم مضى حتى دخل المسجد ورجع الصبيان الذين كانوا يَتْبعونه فاعْتَزَل إِلى سَارِبة فركع فأَطال الركوع ثم سجَد . فدنوتُ منه فقلت : رحمك الله ، رجلٌ غريب يريد أن يكلِّمك ويسألك عن شىءٍ ، فإن شئتَ فَأَطِلْ وإِن شئتَ فَأَقْصِر ، فلستُ ببارح حتى تكلِّمنى. قال:(٧) وهو فى سجوده ، يدعو ويتضرّع ، ففهمتُ عنه ، وهو يقول: يسترك ◌ِترك . قال : فأَطال السّجود حتى سئمتُ فدنوت منه فلم أَسمع له نفسًا ولا حركة . قال : فحرّكته فإذا هو ميّت كأَنّه قد ماتَ من دهر طويل . (١) قط : أم هو إصابة. (٣) طريقه الذى يمشى فيه . (٥) ثياب بالية قذرة. (٧) ط : فقال . (٢) ط : وكيف. (٤) ط : فإذا . (٦) ط : وسلمت . ٢٩٤ قال فخرجتُ إِلى صاحبى الذى دلَّنى عليه فقلت : تعالَ فانظر إلى الذى زعمتَ أَنك أَنكرتَ من عقله . وقصصتُ عليه قصّته . قال فهيّأْناه ودفنَّاه . ذكر المصطفيات من عابدات الشام ٨١٩ - أم الدرداء : واعلم أن أُمّ الدرداء اثنتان . فالكبرى تُسمَّى خَيْرة بنت أَبِى حَدْرَد ، زوجة أبى الدرداء ، لها صحبة ورواية عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ويقال إنها ماتت قبل أبى الدرداء . وأُم الدرداء الصغرى : اسمها(١) مُجَيمة بنت حُيَيّ الوصابية (٢) ، قبيلة من حِمْيَر، وهى زوجة أبى الدرداء أيضاً . ويقال فيها جُهَيْمة وهىَ التى خَطَبها معاوية بعد موت أَبى الدَّرْداء فأَبَت أَن تتزوَّجه . قال عبد الرحمن بن أبى حاتم : الكبرى لها صحبة ، وَرَوَت عن النبى صلى الله عليه وسلم ثلاثة أحاديث ، والصغرى لا صحبة لها، روَت عن أبى الدرداء وكِلْتاهما زوجةُ أبى الدرداء . وقال أبو القاسم الطَّبرى : يَروِى عن الصغرى : اسماعيلُ بن عبد الله بن أبى المهاجر ، وزيد بن أسلم ، وطلحة بن عبد الله بن ◌ُرَیز ، وصفوان بن عبد الله بن صفوان ، وعثمان بن حيَّان الدمشقى ، وسالم ابن أبى الجَعْد، ويونس بن مَيسرة بن حَلْبَس (٣). قلت : وكان لأبى الدرداء بنت تُسمى الدّرداء ، وليست من هذه ولا من هذه ، بل من امرأة أُخرى على ما ذكر محمد بن سعد . وقد (١) ب : يقال لها . (٢) كذا. وفى تقريب التهذيب (٦٢١/٢): ((الأوصابية)). وقال: ((وأما الكبرى فاسمها خيرة ولا رواية لها فى هذه الكتب. والصغرى ثقة فقيهة ... مات سنة [مائة ] وإحدى وثمانين». (٣) هؤلاء كلهم رووا عن أم الدرداء الصغرى . : ٢٩٥ أخرج مسلم فى صحيحه من حديث صفوان بن عبد الرحمن قال : قدمتُ الشام فأَتيت أَبا الدَّرَداء فى منزله فلم أجده ووجدتُ أُم الدرداء فقالت : أَتريد الحجّ العامَ ؟ فقلت : نعم . قالت : فادعُ لنا بخير فإِنّ النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول ((دعوةُ المرء المسلم لأخيه بظَهر الغيب مستجابةٌ ،عند رأسه مَلكُ موكَّل كلّما دعا لأَخيه بخير قال الملك المؤكّل به : آمين ولك بمثل (١) )). قال : فخرجت إلى السوق فلقيت أبا الدرداء فقال لى مثل ذلك يَرويه (٢) عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. أخرجه مسلم فى كتاب الدعاء . وأَخرَج متّصلاً به ليدل على أن الحديث من روايتها عن أبى الدرداء ، من حديث طلحة بن عبد الله بن كُريز ، قال : حدثتنى أم الدرداء قالت : حدثى سيدى ، يعنى أبا الدرداء ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من دَعا لأَّخيه بظهر الغيب قال الملك المؤكَّل به : ولَك بمثل (٣) . قال أبو عبد الله محمد بن أبى نَصر الحميدى : قال أبو بكر البرقانى : وهذه أم الدرداء الصغرى التى روَت هذا الحديث وليس لها صحبة ولا سَماع من النبى صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو من مسند أبى الدرداء . فأَما أُم الدرداء الكبرى فلَها صحبة وليس لها فى الكتابين حديث والله أعلم . قلت : فإذ قد كشفنا عن هاتين الكُنيتَين على ما يوجبه النظر فى النقل فالأَخْبار التى نُوردُها عن الصغرى (٤) لا عن الكبرى والله أعلم. عبد الله بن أَحْمد قال : حدّثتنى خديجة أُم محمد ، وكانت تجىءُ (١) الحديث صحيح أخرجه مسلم (٨٦/٨) وهو برقم ١٨٨٢ فى مختصر مسلم المنذرى ، (٢) ب : برواية . وأخرجه أيضاً الدار قطنى فى العلل بلفظ ((لا ترد)). (٣) الحديث صحيح أخرجه مسلم فى كتاب الدعاء ، باب دعاء المؤمن بظهر الغيب . وأخرجه البزار برجال ثقات . (٤) الجار والمجرور فى موضع الخبر للمبتدأ ((الأخبار)). ٢٩٦ إلى أبى تَسْمَعُ مِنْه ويحدّثها ، قالت: حدثنا إسحاق الأزرق قال: حدثنا المسعودى عن عَون بن عبد الله قال: كذّا نجلس إلى أم الدرداء فنذكر الله عندها فقالوا : لعلّنا قد أَمَلْلناكٍ قالت : تزعمون أنكم قد أَمللتمونى؟ فقد طابتُ العبادة فى كل شىء فما وجدت شيئاً أشفى لصدرى ولا أحرى أَن أُصیب به الذی أُرید من مجالس الذكر . عن عون بن عبد الله قال كنا نأتى أم الدرداء فنذكر الله عندها . قال : فاتكأت ذات يوم . فقيل لها لعلّنا أن نكون قد أَمْلَلْنَاكِ يا أُم الدرداء . فجلست فقالت : زعمتم أنكم قد أُمللتُمونى ؟ فقد طلبت العبادة بكلّ شيءٍ فما وجدتُ أَشْفى لصدرى ولا أَخْرِى أَن أُدركِ منه ما أُريد من مجالسة [ أهل ] الذكر . عن إِبراهيم بن أبى عبلة قال : قُلت لأم الدرداء ادعى لنا : قالت أَو بلغتُ أَنا ذلك ؟ . عن ميمون بن مهران قال : مادخلت على أم الدرداءِ فى ساعة صلاة إِلا وجدتها مصلّية . يونس بن ميسرة بن حَلْبَسَ (١) قال : كنا نحضر أم الدرداء وتحضرها نساءً متعبدات يقمن الليل كلّه حتى إن أقدامهنّ قد انْتَفَخَتْ من طول القيام . شيخ من بني تميم قال : حدّثنى هِزّان قال : قالت لى أم الدرداء : ياهِزّان هل تدرى ما يقول الميت على سريره ؟ فقلت: لا. قالت (٢): فإنّه يقول (٣) ياأَهلاه وياجِيراناه وياحملةَ سَريراه، لا تغرّكْم الدنيا كما غَرَتْنِى ، ولا تَلْعَبن بكم الدنيا كما لعبت بى فإنّ أَهلى لا يحملون عنّى من وزرى شيئاً ، ولو حاجونى عند الجبّار لحجّونى (٤) . ثم قالت (١) بفتح الحاء والباء وسكون اللام. ويونس هذا ثقة عابد من المعمرين مات سنة ١٣٢هـ. (٤) غلبونى بحجهم . (٣) قط : ينادى . (٢) ط : فقالت . ٢٩٧ أم الدرداء الدنيا أَسحر لقلوب العابدين من هاروت وماروت ، وما آثرَها عبدٌ قَطُ، إِلا أَضْرَعَتْ خدّه (١). عن أبى عمران الأَنصارى قال : كنت أَقودُ دابّة أُم الدرداءِ فيما بين بيت المقدس ودمشق فقالت لى : ياسليمان أسمع الجبال وما وعَدها الله عز وجل (٢) فأَرفع صَوتى بهذه الآية ((ويومَ نسيّر الجبال)) (٣). سعيد بن عبد العزيز قال : أَشرفت أم الدرداء على وادى جهنم ومعها إسماعيل بن عُبيد الله (٤) فقالت: يا إِسماعيل اقرأْ فقراً ((أَفَحَسِبْتُم أَنَّمَا خَلْقَناكُمَ عَبَئاً وأَنَّكُمْ إِلْينا لا تُرجَعون (٥) )) فخرَّت أُم الدرداء على وجهها وخر إسماعيل على وجهه فما رفَعا رؤُوسَهما حتى ابتلّ ما تحتَ وجوههما من دموعهما . عن خالد بن ذكوان قال : أخبرتنى أَميّ أَن ابنةً لأَبى الدرداءِ توفيت فصلّت عليها أُم الدرداء ثم رجعت فدعت بالمِجْمَر (٦) فوضعته تحت ثيابها ثم ناولَتْنِیه . وقال يحيى بن معين : ماتت الدرداءُ قبل أُم الدرداء ، فلما دفَنْتها قالت : اذهبى إلى رّبك وأذهبُ إلى ربى . فدخلَت المسجد . عن ميمون بن مهران قال : خَطَبَ مُعاوية أُم الدرداء فأَبَتْ أَن تَزوَّجه وقالت سمعت أبا الدرداء يقول : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم ((المرأة فى آخر أَزواجها)) أَو قال ((لآخر أزواجها)) (٧) وكما قال (٨) ولست أُريد بأبى الدرداء بدلاً . (١) جعلته ذليلا . (٢) مااوعدها الله تعالى. (٣) الكهف : ٤٧ . (٤) قط: عبد الله. (٥) المؤمنون : ١١٥. (٦) ما يجعل فيه الجمر . (٧) الحديث ضعيف أخرجه الطبرانى فى الأوسط عن أبى الدرداء والخطيب فى تاريخ ١ (٨) ق: قالت . صوابه ما أثبتناه من ط . بغداد عن عائشة . ٢٩٨ عن شَهْر بن حَوْشب ، عن أم الدرداء قالت : إنّما الوجَل فى قلب ابن آدمٍ كَاخْتِراق السَّعَفة (١)، أَما تجد لها قُشَعريرة ؟ قال: بلى : قالت : فادعُ الله إِذا وجدتَ ذلك ، فإن الدعاء يُسْتَجَاب عند ذاك . ٨٢٠ - عثامة (٧) : عن محمد بن سليمان أَن عَثّامة كُفَّ بصرها . وكانت متعبّدة . قال الجرَوىُّ : حدثنا عمرو بن أبى سلمة عن سعيد بن عبد العزيز قال : ما نعلم أَحدًا أَحنثَ فى مَشْىٍ فمشَى إِلاَ عثامة فإنّها حنثَت فمشت إلى مكة فأَنفقَت خمسمائة دينار . محمد بن سليمان بن بلال بن أبى الدرداء أَن أُمّه عثامة كُفّ بصرها فدخل عليها ابنها يومًا وقد صلَّى . فقالت: أَصلّيتُم أَىْ بنّى ؟ قال نعم ، فقالت : حلّت بدارك داهِيَهْ عَّامَ مالِكِ لَاهِيَهْ (٣) إِنْ كنِت يَوماً باكيَه ابكِى الصّلاة لِوَفْتها قَدْ كنت يوماً تاليَهْ وابكِى القُرآن (٤) إِذا تُلِى تَتْلِينه بتفكرٍ ودموع عينكِ جاريةْ إلا وعندك تاليه تتلينه لا فالیوم ما عشتِ طول حياتِيَهْ لَهَفى عليكِ صَبسابةٌ ٨٢١ - أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر: عن على بن أبى جُملة قال : سمعت أُمّ البنين ابنةَ عبد العزيز بن مروان تقول: أَفِّ للبخل، لو كان قميصاً مالبستُه، ولو كان طريقاً ماسلكتُه. (١) ورقة النخل وأكثر ما يقال إذا كانت يابسة. ج: سف (يفتحتين). (٣) قط : ساهية . (٢) بفتح العين وتشديد الثاء . (٤) أى: القرآن ، خففت همزته بسبب الوزن. ٢٩٩ سعيد بن مسلمة بن هشام الأَموى قال : كانت أُمّ البنين ابنةُ عبد العزيز بن مروان تَبْعث إِلى نِسَائها فيجْتَمعْن ويتحدّثن عندها وهی قائمة تصلِّى. ثم تنصرف إليهن فتقول : أحبّ حديثكم فإذا قمتُ فى صلاتى لَهَوْتُ عنكنّ ونسيتكنّ. قال: وكانت تَكْسُوهنّ الثياب الحسنة وتُعْطِيهنّ الدّنانير وتقول : الكسوة لكُنّ والدنانير اقسِمْنَها بين فقرائكُنْ . وكانت تقول : جُعل لكل قوم نَهمةٌ فى (١) شىءٍ، وجعات مهمتى فى البذْل والإِعطاء، والله لَلصّلةُ والمواساةُ أَحبّ إِلىّ من الطعام الطيّب على الجوع، ومن الشراب البارد على الظما. وكانت تقول : وهل يُنال الخير إِلاَّ باصطناعه ؟ وكانت تقول : ما حسدت أَحدًا قطٌ على شىءٍ، إِلاَّ أَنْ يكون ذا معروف فإنِّى كُنْتُ أُحِبُّ أَن أَشركه فى ذلك . أَحمد بن سهل قال : حَدَّثْنى مَنْصور ، مَوْلى بنى أُمية ، قال : کانت ◌ُمُّ البنین تُعتق فی کل جمعة رقبةً ، وتحمل على فرس فی سبیل الله عزَّ وجل . قال محمد : وحدثنى يوسف بن الحكم قال حدثنى مروان بن محمد بن عبد الملك بن مروان قال: دخلَت عزّة على أُمّ البنين . فقالت لها : يقول(٢) كثير : قَضَى كلّ ذى دَيْن علمتُ غَرِيمِه وعَزَّةُ مَمطولٌ مُعتَّى غَرِيمُها ما كان هذا الدَّين ياعزة ؟ فاستَحْيَت . فقالت : علىّ ذلك . قالت : كنت وعدْته قُبْلة فتحرّجْت منها . فقالت أمّ البنين أَنجزِيها له وإِثْمُها علىّ (٣). (١) النهمة: (بفتح النون وسكون الهاء) : الشهوة والرغبة. (٢) ط : ما يقول . (٢) الخبر فى الشعر والشعراء (٥١٠/٢ ط ٢). وأم البنين هى بنت عبد العزيز بن مروان . ٢٠٠ قال محمد: وقال لى يوسف بن الحكم : حدثنى رجل من بنى أمية يكنى أبا سعيد قال : بلغنى أن أُمّ البنين أَعتَقت لكلمتها هذه أربعين رَقَبَةً وكانت إِذا ذكّرتْها بكت وقالت : لیتی خَرِستُ ولم أُتكلم بها . قال يوسف : وحدثنى سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك قال : حدّثتنى امرأة من أهلى قالت : سمعت أُم البنين تقول : ما تَحَلّى المُتَحَلّون بشىءٍ أَحسن عليهم من عِظم مَهَابة الله فى صُدورهم . ٨٢٢ - عبدة اخت ابى سليمان الدارانى : أبو سليمان قال : وَصفتُ لأُخْتِى عَبْدة قنطرةً من قناطر جهنم ، فأَقامت يوماً وليلةً فى صيحة واحدة ما تسكت . ثم انقطع عنها بعدُ . فكلما ذُكِرت لها صاحَت . قلتُ : من أَىّ شىءٍ كان صِياحُها ؟ قال : مثَّلت نفسَها على القنطرة وهى تُكَفأُ بها (١) . وقد روى أحمد بن الحوارِئ عن أبى سلیمان أنه قال : سمعت أُختی تقول: الفقراءُ كلّهم أموات إلا مَن أَحياه الله تعالى بعزّ القناعة والرّضا بفقره . وذكر أبوعبد الرحمن السُلَمى أنه كان لأَّبِى سليمان أُختان (٢): عَبدَة وآمِنَةٍ (٣) قال: وكانتا من العقل والدين بمحلٌ عظيم . ٨٢٣ - رابعة بنت اسماعيل زوجة أحمد بن أبى الحوارى : كذا نسبها أبوبكر بن أبى الدنيا . وقد ذكر أبوعبد الرحمن السُلَمى أَن رابعة العدوية تُشارك هذه فى اسمها واسم أبيها وعُموم مايأتى فى الحديث عن زَوْجة أَحمد أنها رابعة بالباء، والعدَوِيَّة بَصرية وهذه شامية . (١) كفأ الشىء : قلبه و کبه . (٢) ق : أختين . وهى صواب فى ط . (٣) قط : وأمية .