Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
بشر بن الحارث قال : سمعت المعافى بن عمران يقول : عِزّ
المؤمن استِغْنَاؤُه عن الناس ، وشَرفه قيامُه بالليل .
مِرْداد بن جميل قال : سأَل عمرُو بن اسماعيل ، رجل من
أصحاب الحديث ، المعافى بنَ عمران فقال له : يا أَبا عمران
أَىِّ شىءٍ أَحبّ إِليك: أَسهرُ وَأُصلِّى، أَو أَكتبُ الحديث ؟ فقال:
كتابة حديث واحدٍ أَحبّ إلىّ من صلاة ليلة .
أَسند المعافَى عن مغيرة بن زياد وأسامة بن زيد وصالح بن أبى
الأخضر والثورى ، وابن أبى ذئب ، ومالك، وابن جريج ومِسَعروالليث
ابن سعد وغيرهم . وأَكثرَ ملازمةَ الثورى وتأَدّب بآدابه وصَنَّف كتبًاً
فى السنن والزهد والأدب وتوفى فى سنة أربع وثمانين ومائة . وقيل
خمس وثمانين وقيل ست (والله أعلم ) .
٧٢٣ - فتح بن محمد بن وشاح الازدی الموصلی، ویکنی أبا محمد :
محمد بن الوليد قال : سمعتُ فَتح بن محمد الأَزدى يقول فى
جوف الليل : رَبِّ أَجَعْتَنِى وَأَعرَبْتَنِى، وفى ظُلم الليل أَجْلَسْتَنِى،
فبأَىّ وسيلة أكرمْتَنِى هذه الكرامة؟ وكان يبكى ساعةً ويفرح ساعةً .
المعافَى بن عمران قال : دخلت على فتح الموصلى فرأيته قاعدًا فى
الشمس وصبيةٌ له عُريانة وابنٌ له مريض ، فقلت له : ايذن لى حتى
أَكسوَ هذه الصبيّة. قال: لا، قلت: وَلِمَ؟ قال: دعها حتى يرى الله
عَزَّ وجَلّ ضُرَّها وصَبرِى عليها فيرحمنى .
قالَ : فَتَجَاوَزْتُ إِلى الصبىّ فقعدْت عند رأسه فقلت: حَبيبى
أَلا تَشْتَهى شيئًا حتى أَحمله؟ قال : ومَن أَنت؟ قلت: مُعافَى بن
عمران فرفع رأسه إلى السماء وقال : مِنِّى الصبر ومنك البلاء .

١٨٢
أبوغسان المؤذن قال : خرجنا حُجّاجًا فأردنا غَسل ثيابنا مكة
فأُرشدنا إلى رجل له صلاح من أهل فارس ، يغسِل للناس ثِيَابهم
ويتَّجِر على الضُّعفاءِ فيغسل ثيابهم بغير أُجرةٍ (١) فأَتيناه فقال: ممن
أنتم ؟ قلنا : من أهل الموصل : قال : تعرفون فَتحاً؟ قلنا نعم . قال :
مافَعل؟ قلنا : مات قال : فتوجّع عليه وأظهر حزنًا ، فقلنا :
كيف تَعرفه وأنت رجل من أَهل فارس وهو بالموصل؟ قال: رأيت فى
مَنَامِى عِدَّة ليالٍ أَن إِيتِ فتحًا الموصلى فإنه من أهل الجنة . فخرجت
من فارس حتى أتيت الموصل فسألت عنه فقيل لى هو على الشطِّ ،
فأتيته فإذا رجل ملتفّ بكسائه وقد أَلتى شِصًّا له فى الماءِ فسلَّمت عليه
فردَّ علىّ فقلت له : أَتيتك زائرًا . قال : فلفَّ الشصَّ وقام فدخلنا
المسجد وغربت الشمس وصلَّينا وتفرق الناس .
فَأَتَى بطعامٍ فأكلنا ثم نُودى بالعشاءِ الآخرة فصلَّينا وتفرّق
الناس وقام (٢) فتح فى صلاته ورميت بنفسى فإذا رجل قد دخل
علينا المسجد فسلَّم وصلَّى إلى جنب فتح ركعتين وقعد فسلّم عليه
فتح وسأَلَّه ، فقال له الرجل : متى عَهدُك بأَبى الشّرِىّ؟ قال : مالى
به عهد منذ أيام . قال : فقم بنا إليه فإِنه مُعتلّ .
قال : فخرَجا من المسجد وأَنا أُنظر إليهما حتى مَضَيا إِلى دِجلة
يمشيا على الماءِ فقعدت أنظر رجوعهما فجاءً أحدهما فى آخر الليل
فإِذا هو فَتح فدخلت المسجد فرميت نفسى كأَّى نائم . فلما أَسفر
الصبح وصَلَّينا (٣) وتفرق الناس قمتُ إليه فقلت: يا أبا محمد قد
(١) ط : أجر .
(٢) ط : فقام .
(٣) ط : فصلينا .

١٨٣
قضيتُ من زيارتك وطرًا وقد رأيتُ الرجل الذى أَتاك البارحة وما كان
٦ منكما. فجعل يعارِضنى. فلما علم أَنِّى قد علمت الخبر أُخَذْ علىَّ العهود
أن لاأُعلم بذلك أحدًا ما علمت أنه حىّ. وقال لى : ذاك الخَضِر
وأبو السَّرِىّ حمزة الخولانى ، وهو رجل صالح فى هذه القرية ،
وأشار بيده إليها ، وقال: اجعل طريقك عليه فالقَه وسلَّم عليه فمضيت
إليه وسلَّمت عليه .
ذكر المعافَى بن عمران أنه لم يلق أحدًا أَعقل من فتح هذا .
وقال أبونصر التمَّار توفى فى سنة سبعين ومائة رحمة الله عليه (١)
٧٢٤ - فتح بن سعيد الموصلى يكنى أبا نصر :
وقد يَشتبه هذا بالذى قبله إِذا قيل : فتح الموصلى ، وهما اثنان
معروفان عند أهل العلم وإِذا فُرّق بينهما بالكنية أو باسم الأَّب تَباينا .
وقد حُكى عن هذا نحو الحكاية التى حكيناها عن الأول فى حق
أولاده ويحتمل أن يكون عن الأول .
أبوبكر بن عفان قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : بلغنى
أَن بنْئًا لفتح الموصلىّ عَرِيَت فقيل له : ألاتَطلب مَن يكسوها؟ فقالَ:
لا ، أَدَعُها حتى يرى الله عز وجل عُرْيَها وصَبرِى عليها . قال : فكان
إذا كان ليالى الشتاءِ جَمع عياله وقال بكسائه عليهم (٢) ثم قال : اللهم
أَفقرتنى وأفقرت عيالى، وجَوّعتنى وجوّعت عيالى ، وأَعريتنى وأَعريت
عيالى، فبأَّىّ (٣) وسيلة توسّلتها إِليك، وإِنما تفعل هذا بأوليائك
وأحبائك ، فهل أَنامنهم حتى أَفرح .
(١) الجملة الدعائية ساقطة من ط .
(٢) أى ألقاهم عليهم ورماه فوقهم .
(٣) ط : بأى .

١٨٤
إبراهيم بن نوح الموصلى قال : رجع فتح الموصلى إلى أهله بعد
العتمة وكان صائمًا فقال: عَشَّونى. فقالوا : ما عندنا شىءُ نعشِّيك
به . قال: فما لكم جلوسًا (١) فى الظلمة ؟ قالوا ماعندنا شىءُ نُسرجُ
ولاسِراج ؟ بأَىّ يدٍ كانت منِّى ؟ فما زال يبكى إلى الصباح .
أبوبكر بن عفان قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : بلغنى عن
فتح الموصلى أَنه كان يَتَجَزَأُ بفَلْسٍ فى اليوم يشتَرى به نُخالة .
إبراهيم بن عبد الله قال : صُدّع (٢) فتح الموصلى ، ففرح وقال :
ياربّ ابتليتَنى ببلاءِ الأَنبياءِ. فَشُكْرُ هذا أَن أُصلِّى الليلةَ أَربعمائة
ركعة .
بشر بن الحارث قال : قال فتح الموصلى : مَن أَدام النظر بقلبه
ورَّته ذلك الفرحَ بالمحبوب ، ومَن آثره على هواه ورَثه ذلك حُبَّه
إياه ، ومن اشتاق إليه وزَهِد فيما سِواه ورَغَى حقَّه وخافه بالغيب ،
ورَّثه ذلك النظرَ إلى وجهه الكريم .
أبوجعفر ، ابن أُخت بشربن الحارث ، قال : كنت يوماً واقفًا
ببابنا إِذْ أَقبل شيخ ثائر الشَّعر ملتفٌ بالعَبَاءِ فقال لى : بِشْرٌ فى البيت؟
قلت : نعم فقال : إِدخُل فقُل : فَتْحُ بالباب فدخلت فقلت : ياخال
شَيْخٌ فى عباءٍ قال لى: قل لبشرٍ فَتْحٌ بالباب. قال : فخرج مسرعًا فصافحه
واعْتَنَقَه فقال له الشيخ : يا أبا نصر إِنِى ذكرتك البارحة فاشتقتُ
إلى لقائك . قال : فدفع إِلىّ درهمًا فقال : خذ بأَربعة دوانيقَ خبزًا،
(١) فى النسخ: جلوس، والصواب ما أثبت لأنه منصوب على الحالية .
(٢) قط : صرع .

١٨٥
ويكون جيّدًا، وبدانقين تَمرًا . فقال الشيخ: قل له يكون شهريزًا (١)
فجئته به . فقال الشيخ : قل له يأكل مَعنا . فقال: كُل مَعنا فأكلتُ
معهم . فلما أَكلنا أَخذ مافضل فى طرف العباءِ ومَضَى ، فخرج خالى معه
يشيّعَه إِلى حَرْب. فلما رجع قال لى : يابنىّ ، تدرى مَن هذا ؟ قلت
لا ، قال : هذا فَتَحُ الموصلى .
محمد بن الصلت قال : كنت عند بشر بن الحارث فجاء رجل
فسلم على بشر ، فقال بشر إليه فقمت لقيامه ، فمنعنى . فلما سكّن
الرجل أخرج بِشرٌ درهمًا صحيحًا وقال: أَخرج واشتَرٍ خُبزًا وزُبدًا
وتمرَ بَرَنىِّ (٢) .
قال : فخرجت واشتريت وحملته فوضعته بين يديه ، فأكل
الرجل وحمل الباقى وقام فخرج ، فلما خرج قال لى بشر : يابنىّ
تَدرى لِمَ منعتُك عن القيام له؟ قلت لا . قال : لأنه لم يكن بينك
وبينه معرفة فكان قيامك لقيامى فأردت أن لايكون قيامك إلاللّخالصاً،
وتدرى لماذا دفعتُ إليك الدرهم وقلتُ اشتَر كذا وكذا؟ قلت : لا.
قال : إن طيب الطعام يَستخرج خالص الشكرلله تعالى ، وتدرى
لِمَ حَمل الباقى؟ قلت لا - قال: عندهم إِذا صحّ التوكّل لم يضرّ (٣)
الحَمل ، وهذا فتحُ الموصلى جاءَنا زائراً .
عن أحمد بن أبى الحوارِىّ أنه قال : سمعت شيخًا من أصحاب
فتحٍ الموصلى قال : كانت لفتحِ الموصلىّ بضاعة عند أَخ له يعمل
(١) تمر شهريز (بضم الشين وكسرها، وبالنعت وبالإضافة): نوع جيد من التمر
معروف عندهم . ويقال أيضاً (سهريز) بالسين .
(٢) كذا فى النسخ ولعلها على الإضافة. والتمر البربنى (بفتح الباء وتشديد الياء) نوع
(٣) ط : لا يضر .
جيد أيضاً من التمر .

١٨٦
بها فى البر والبحر ، فبعث فَتحٌ فاسْتَرَدّها وأَنفقها وقال : رأيت قلبى
يميل إليها فكرهتُ أَن تكون ثِقتی سِواهُ .
ابراهيم بن موسى قال : رأيت فتحًا الموصلى يوم عيد وقد رأى على
الناس الطَّالس والعمائِم . قال : فقال لى : يا ابراهيم إنما ترى ثوبًا
وجَسَدًا يأكله الدّود غدًا، هؤلاءِ أَنفَقُوا خَزَائنهم على بُطُونهم وظُهُورهم
ويُقْدِمون على ربَّهم مَقاليسَ .
عبد الله بن الفرج قال : قال فتح الموصلى : كبرتْ علىّ خَطاياىَ
وكثرت حتى لقد آيسَنْنى من عظيم عفْرِ الله عزوجل قال : ثم قال :
وانَّى آيسُ منك وأنت الذى جدت عَلى السَّحرة بعد أَن غَدوا كفَرةً
فَجَرة؟، وأَنَّى آيِسُ منك وأنت ولىُّ كل نعمة؟ وأَنَّى آيسُ منك
وأنت المؤمّل لكل فَضل ومعروف؟، وأَنَّى آيسُ منك وأنت المغيث
المغيث عند الكرب؟ ولم يزل يقول : آيسُ منك ، حتى سقط.
مغشيًا عليه .
عمران بن موسى الطَّرسوسى قال : مرّفتح الموصلى بصبّيين مع
أحدهما كِسرةٌ عليها عسل ومع الآخر كسرةٌ عليها كامَخ(١). فقال
الذى معه الكامَخ للذى معه العسل : أَطعِمنى من خبزك قال : إِن
كنت كلبًا لى أَطعمتك. قال: نَعم . فأَطعمه من خبزه وجعل فى فمه
خيطًا وجعل يقوده فقال فتح : لورضيتَ بخبزك ما كنتَ كلبًا لهذا .
قال أبوموسى فهكذا الدنيا .
عثمان بن عمارة قال : غبت غيبةً فلما قدمت لقيت فتحًا الموصلى
فى حانوت سالم الدّوْرَقى. فقال لى : يابصرىّ أَىّ شىءٍ رأَيتَ فى
(١) الكامخ : إدام يؤقدم به .

١٨٧
غيبتك؟ فقلت : رأيت عجائبَ كثيرة وأخبارًا مختلفة . فصاح
صَيْحة . فقلت : أَنت تصيح من الخبر ، فكيف لوشاهدتَ القيامة
أَو شاهدتَ صاحب القيامة ؟ فشهق شهقة ووثب من الحانوت فخرّ
مغشيًا عليه فحملناه فأدخلناه الحانوت فما زال مغشيًا عليه إلى العصر ،
فلما صليت العصر تنفَّس ثم فتح عينيه .
رِياح بن الجراح العبدىّ قال: جاءَ فتحّ الموصلى إلى منزل صديق
له يقال له عيسى التمَّار فلم يجده فى المنزل ، فقال للخادم :
أُخرِ جی إلی کیس أَخی . فأخرجتْه فأخذ منه درهمین ، وجاء عيسى
إلى منزله فأخبرتْه الجارية بمجىءٍ فتح وأخذِهِ الدّرهمين فقال إِن كنتٍ
صادقة فأَنتِ حُرّة . فنظر فإذا هى صادقة فَعتِقَتْ .
محمد بن عبد الرحمن بن حبيب الطُّفاوى قال : دخلت على فتح
الموصلى وهو يُوقِد بالآجرّ . وكان فتح رجلاً من العرب، وكان شريفًا
زاهدًا .
عبد الله بن الفرج العابد قال : كان بالموصل رجل نصرانى يكنى
أَبا إسماعيل . قال : فمرّ ذات ليلة برجل وهو يَتَهَجَّد على سطحه وهو
يقرأ ((وَلَه أَسلَم مَنْ فى السَّمواتِ والأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وإِليه تُرْجَعُون (١)
قال : فصرخ أَبواسماعيل صرخةً غُشِىَ عليه فلم يزل على حاله تلك
حتى أصبح فلما أصبح أسلم ثم أتى فتحًا الموصلى فاستأذنه فى صحبته
فكان يصحبه ويخدمه .
قال : وبكى أبواسماعيل حتى ذهبت إحدى عينيه وعَشِىَ (٢) من
الأُخرى ، فقلت له ذات يوم : حدِّثْنى ببعضٍ أَمر فتح الموصلى . قال
(١) آل عمران : ٨٣.
(٢) ضعف بصر عينه الأخرى. والأعشى فى الأصل: الذى لا يبصر ليلا. ق : وغشى.

١٨٨
فبكى ثم قال : أُخبرك عنه : كان والله كهيئة الرّوحانيين ،
معلَّق القلب بما هناك ، ليست له فى الدنيا راحة . قلت : على ذاك
قال : شهدتُ (١) العيدَ ذات يوم بالموصل ورجع بعد ماتفرّق الناس
ورجعتُ معه فنظر إلى الدّخان يفور من نواحى المدينة فبكى ثم قال :
قد قرّب الناس قُربانَهم ، فليت شعرى ما فعلتُ فى قُربانى عندك أيُّها
المحبوب؟ ثم سقط مغشيًا عليه .
فجئت بماءٍ فمسحت به وجهه ، فأَفاق ثم مضى حتى دخل بعضَ
أَزْقَّة المدينة فرفع رأسه إلى السماءِ ثم قال: قد علمت طُول ◌َمِّى
وحُزْنِى وتَرْدَادى فى أَزِقَّه الدنيا ، فحتى متى تَحِسُ أَيّها المحبوب ؟
ثم سقطَ. مغشِيًّا عليه فجئت بماءٍ فمسحتُ على وجهة فأَفاق . فما عاش
بعد ذلك إِلا أَيَّامًا حتى مات رحمه الله .
ابراهيم بن موسى قال : رأيت فتحًا الموصى فى يوم عيد أضحى
وقد شَمَّ ريح القُتار (٢) ، فدخل إلى زُقاق فسمِعْتة يقول : تقرَّب
المتقرّبون بقُربانهم وأَنا أَتقرّب إليك بطُول حُزْنى يامحبوب، كم
تَتْركُنى فى أَزِقَّة الدنيا محبوسًا؟ ثم غُشِىَ عليه وحمل فدفنَّاه بعد
ثلاث .
إسماعيل بن هشام ، عن بعض أصحاب فتح الموصى قال : دخلت
عليه يومًا وقد مدّ كفَّيه يبكى ، حتى رأيت الدموع من بين أصابعة
تنحدر . فدنوت منه لأَنظر إليه فإذا دموعه قد خالَطْتها صُفرة . فقلت :
بالله يافتح بكيت الدم ؟ فقال : لولا أَنك حلَّفتَنى بالله عز وجل
(١) ط : شهد.
(٢) القتار ( بضم القاف): رائحة الشواء.

١٨٩
ما أَخبرتك ، بكيت دمًا . فقلت : على ماذا بكيتَ الدموع؟ وعلى
ماذا بكيت الدم فقال : بكيت الدموع على تخلَّقى عن واجب حقّ الله
عزوجل ، وبكيت الدم على الدموع خوفًا أن تكون ماصحّت ◌ِىَ
الدّموع .
قال (١) الرجل : فرأيت فتحًا بعد موته فى المنام . فقلت : ماصنع
الله بك؟ فقال (٢) غفرلى - قلت فما صنع فى دموعك؟ فقال: (٢)
قَرّبنى ربِّى عزَّوجل وقال لى: يافتح ، الدّمع على ماذا؟ قلت : ياربّ
على تخلُّفى عن واجب حقّك قال : فالدّمَ لِمَ بكيتَ ؟ فقلت : ياربٌ
على دموعى خوفًا أَن لاتصِحّ لى فقال لى : يافتح ما أردت بهذا كلَّه؟
وعزَّى لقد صَعِدَ إِلىّ حَافِظَاكَ أربعين سنة بِصَحِيفتك مافيها خَطِيئة.
أدرك فتح عيسى بن يونس وأقرانه وأسند عن عيسى وتوفى سنة
عشرين ومائتين .
٧٢٥ - سباع الموصلى :
أحمد بن أبى الحوارى قال: سمعتُ المضاءَ يقول لِيسِبَاعِ الموصلىّ (٣)
يا أبا محمد إِلى أَىّ شىءٍ أَفضى بهم الزهد ؟ قال : إِلى الأنس به.
٧٢٦ - أحمد الموصلى :
عن أَحمد الميمونىّ ، من ولد ميمون بن مهران ، قال : قدم علينا
أَحمد الموصلى فأَنيته فقال لى : يا أَحمد إِن تعمَلْ فقد عمل العاملون
قبلك ، وإِن تعبد فقد تعبّد المتعبدون قبلك ، أولئك الذين قَرّبوا
الآخرة وباعَدوا الدنيا ، أُولئك الذين وَلِىَ الله إقامتهم على الطريق
(١) ط : فقال .
(٢) ب : قال .
(٣) بعدها فى قط : قالوا .

١٩٠
فلم يأخذوا يميناً ولاشمالاً ، (١) فلوسمعت نغمةً من نغماتهم المختمرة فى
صدورهم ، المتغرغرة فى حلوقهم لغيّبت (٢) عليك عيشك، ولطردت
عنك البطالة أيام حياتك .
ذكر المصطفيات من عابدات الموصل
٧٢٧ - الوف الموصلية :
أَبوسليمان قال : خطب رجل امرأةً من أَهل الموصل يقال لها أُلوف
فقالت للرسول : قل له ما يسرّنى أَنك ليَ عبدُ وجميع ما تملكه لى،
وأَنك شغلتَنى عن الله عزّوجل طرفة عين .
٧٢٨ - رقية :
عبيد الله بن عمربن عبيدالله (٣) المَعمرىّ قال: أَنبأً جدى قال:
سمعت فتحاً الموصلى يقول : سمعت امرأة متعبّدة عنذنا تقول :
إلهى وسيّدى ومولای لوأنك عذّبتَنى بعذابك كلِّه لكان مافاتَى من
قربك أعظم عندى من العذاب ، ولونَعْمَتَنِى بنعيم أهل الجنَّة كلِّهم
كانت لَدَّةُ حبك فى قلبى أكثر .
قلتْ : هذه العابدة هى رُقَيّة .
منصور بن محمد قال : قالت رقيّة الموصلية : إنى لأُحب ربِّى
حبًا شديدًا فلو أَمَربى إلى النار ما وجدت للنار حرارةٌ مع حبه ، ولو
أَمربى إلى الجنة لما وجدت للجنة لذَّة مع حبّه ، لأن حبّه هو الغالب علىّ.
محمد بن كثير المصيصى قال : قالت رقيّة العابدة ، وكانت
بالمَوصِل : حَرامٌ على قلب فيه رهبانيَّةُ المخلوقين أَن يذوق حلاوة
(١) ط : ولو.
(٢) كذا فى ط . وذكر فى الحاشية أنها بغير نقط واضح. وفى ق: لنثبت (؟)
ولعلها ( لغثئت ) بتشديد الثماء ، أى أفسدت .
(٣) قط : عبد اللّه.

١٩١
حلاوة الإيمان ، شَغَلَوا قاوبهم بالدنيا عن الله عزوجلّ ولوتركوها لجالت
فى الملكوت ورجعت إليهم بطُرَف الفوائد ..
وكانت تقول تفقَّهوا فى مذاهب الإِخلاص ولا تفقَّهوا فيما يؤثّيكم
إلى الركوب على القِلاص (١).
٧٢٨ - أمية بنت أبى المورع :
أَبو الوليد ، رياح بن أبى الجرّاح العبدى ، قال : ما رأيت قطَّ.
مثل أُميَّة بنت أبى المورّع الموصلية ، وكانت من الخائفين ، وكانت
إذا ذكرت النار قالت : أُدخِلوا النارَ، وأَكلوا من النار ، وشَربوا
من النار ، وعاشوا . ثم تَبكى . وكان بكاوُّها أَطول من ذلك ،
وكانت كأنها حَبَّةٌ على مِقْلى، وكانت إذا ذكرت النار بكت وأبكت
دمًا وما رأيت أَحدًا أَشدّ خوفًا ولا أكثر بكاءً منها .
٧٣٠ - موافقة ويقال موفقة :
أبو عبد الله الحصرى قال : سمعت فتحًا الموصلى يقول مرّت بى
امرأة متعبّدة (٢) يتمال لها: مُوافقة، فعثرَتْ فسقط. ظفرُ إِبهامها ،
فضحكتْ ، فقيل لها يا مُوافقة يسقط. إبهامُكِ وتَضحكين؟ فقالت :
إِنَّ حَلاوة ثوابه أَزالت عن قلبى مَرارَة وَجَعِهِ .
عبد الله بن حُبَيق (٣) قال : مرّت بفتحِ الموصلى امرأةٌ يقال لها
مُوقَّقة، فعثرَت فسقط. ظُفْرُ إِبهامها فضحكت ، فقيل لها ياموفَّقة
سقط. ظفر إِبهامكِ وتضحكين ؟ فقالت: والله إن حلاوة ثَوابه أَزالت
عن قلبى مرارة وجَعه .
(١) مفر دها قلوص وهى الناقة .
(٢) الكلمة ساقطة من ط .
(٣) ق : خبيق ، تحريف .

١٩٢
وقد روى أن هذه القصة جرت لامرأة فتح الموصلى .
قال زيد بن أبى الزرقاء .: عثرت امرأة فتح الموصلى فانقطع ظُفرها
فضحكت فقيل لها فأَينَ ما تجدِينه من حَرارة الوجع ؟ فقالت : إِنَّ
لذة ثوابه أزالت عن قلبى مرارة وجَعه .
٧٣١ - راهبة الموصلية :
أحمد بن أبى الحوارى قال : حدثتنى امرأتى رابعة قالت : دخلتُ
على أُخت لى عائقٍ بالموصل ، فقالت لى : هل تَدرين ما معنى قوله
(إلَّا مَن أَتَى اللهَ بقلبٍ سَليم (١) ؟ قالت : قلتُ لا - قالت : القلب
السليم الذى يلقى الله عز وجل وليس فيه (٢) شىءٌ غير الله عز وجل
قال أحمد حدثتُ بهذا أبا سليمان فقال ليس هذا كَلام الرّاهبة هذا كَلام
الأَنْبِياءِ .
انتهى ذكر أَهل الموصل بحمد الله ومنّه (٣)
(١) الشعراء : ٨٩.
(٢) ق ، ب : فى قلبه، وأثبت ما فى قط .
(٣) الكلمات الثلاث الأخيرة ليست فى ط .

١٩٣
ذكر المصطفين من أهل الرقة
٧٣٢ - ميمون بن مهران ، يكنى أبا أيوب :
مولى بنى نصر - وقيل مولى الأزد ولد سنة أربعين .
عن جَعْفَر عن مَيْمُون بن مهران قال : قال لى عُمَر بن عبد العزيز
مواليك ؟ قلت ، كانت أُىِّ مولاةً للأَرْد وكان أَبِى مُكاتبًا مَن
لبنى نصر . فقال لى عمرياميمون أَنت مولىً للأَّرد .
خلَف بن حوشب قال : تكارَيْنا مع ميمون بن مَهْرانِ دَوابٌ
إِلى مكانٍ فقال ميمون لولا أَنَّ الدوابّ بكراءٍ لمَرْرنا على آل فلان .
جَعْفَر بن برقان قال : قَالَ مَيْمُون بن مهران : ياجعفر قُل لى فى
وجهى ما أكرهُ فإِنَّ الرجُل لاينصح أَخَاهُ حتى يقول له فى وجهه مايَكْرَهُ.
أَبو المليح عن ميمون قال : لاتَضرب المملوك فى كلّ ذَنْب ،
ولكن احفظ. ذلك له فإِذا عصَى الله عزوجل فعاقِبْه على معصية الله ،
وذكِّره الذنوب التى أَذنب بينك وبينه .
أَبو المليح قال: مارأيت أحدًا أَفضل من ميمون بن مهران ،
قَالَ له رَجُل يومًا: يا أبا أيوب أَىَّ شىءٍ تشتكى (١)؟ أَراك مصفرًا؟
قال : نعم لِما يبلغنى فى أقطار الأرض .
عبد الملك الميمونى قال : سمعت أبى يقول: سمعت عَمِّى عمر (٢)
يقول : ما كان أبى يكثر الصيام ولا الصلاة ولكنه كان يكره أَن يَعصِىَ
اللهَ عزوجل .
قال : وسمعت أبى يقول : وَدِدْت أَنَّ إِصبَعِى قُطِعت من هاهنا
وأَنَّى لم أَلِ (٣). فقلتُ: ولا لِعُمر؟ قال: لالعُمر (٤) ولا غيره.
(١) ب، ق: ((يا أبا أيوب أتشتكى)). وأثبت ما فى قط. (٢) ب، ق : عمراً.
(٤) ط : ولا لعمر .
(٣) فعل مضارع ، من الولاية .
( م ١٣ - صفة الصفوة جـ ٤)

١٩٤
أَبو المليح قال : سمعت ميمونًا يقول: لاخير فى الدنيا إِلَّا
لِأَحَد رجلين : رجلٍ تائب ، ورجُلُ يعمل فى الدّرَجات .
جعفر بن برقان قال : سمعت ميمون بن مَهْرَان يقول: إِنَّ العبد إذا
أَذنب ذنبا ذُكِت فى قلبه نُكتةٌ سوداءَ فإذا تاب مُحيثْ من قلبه فترى
قلبَ المؤمن مجْلوًّا مثلَ المرآة، ما يأتيه الشيطان من ناحِيَةٍ إلَّ
أَبْصره ، وأَما الذى يَتَتَابع فى الذنوب فإِنَّه كلَّما أَذنب نُكِت فى قلبه
نُكتة سوداء فلايزال يُنَكت فى قلبه حتى يَسْوَدّ قلبه فلايُبصر الشيطان
من حيث يأتيه .
قال : وسمعت ميمون بن مهران يقول : لايكون الرجل من
اللَّقين حتى يحاسِب نفسه أَشدّ من محاسبة شريكه ، حتَّى يعلَم مِن
أين مَطعَمُه؟ ومِن أَين ملبسه؟ ومن أين مَشرَبه؟ أَمِن حِلَّ ذلك أَم
مِن حَرام ؟
أَبو المليح عَنْ مَيْمُون قال : الصَّبرُ صَبْران، والذِّكرِ ذِكْران :
فذِكر الله عزوجل باللسان حَسن ، وأفضل منه أن تذكر الله عزوجل
عندما (١) تشرف عليه من مَعَاصِيه، والصّبر عند المصيبة حسَن وأفضل
منه أَن تَصبر نفسُك على ماتكره من طاعة الله عزَّوجل وإِن ثَقُل عليك.
قال ميمون : وأدركت من لم يتكلم إلَّ بحقَّ أَويسكتُ، وقد أدركت
مَن لم يكن يتكلّم بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس إلَّا بما يَصعدُ،
وقد أدركت من لم يَملَأَ (٢) عينيه من السماءِ فَرَقًا من ربَّه عز وجل ،
ولو أَن بعض من أَدركت نُشرٍ حتى يُعاينكم ما عَرف منكم شيئًا إِلَّا
قِبْلَتگُم .
(١) ب : على ما .
/٦
(٢) ط : تملأ، تصحيف .

١٩٥
عيسى بن كثير الأَسدى قال : مَشَيْت مع ميمون بن مهران حتى
إذا أتى باب دارِه ومعه ابنه عمروا ، فلما أردت أن أَنصرف قال له
عمرو : يا أَبَة أَلا تعرض عليه العَشَاءَ؟ قال (ليس) ذلك من نيتى .
أسندميمون عن ابن عمر ، وابن عباس ، وغيرهما . وتوفى فى
سنة سبعَ عشرة ومائة .
٧٣٣ - حناذ القلاء (١):
حذيفة المرعشى قال : مررتُ بالرّقَّة بأَصحاب السّويق، ورجلٌ
يبيع السَّويق عليه بَتَّة (٢) وهو مقبل على غلامين، وعلى رأسه كُمَّةُ
دَنِسة (٣) فقلت: لو أَلقيت هذه الكُمَّة .
فقال : أَصبتُ قلبى يَصلُح عليها. قلت : أَراك مقبلاً على الغُلامين
أَفَمِن حُبَّهما؟ قال: إِنِّى أَجّل الله عزوجل أَن أَشغَل قلبى بحبٌ أَحدٍ
مع حُبَّه، ولكنْ (٤) أَرحَمُهما .
حذيفة العابد، صاحب يوسف بن أسباط.، قال: لما اصْطَلَح
الروم والعرب قلت: فما أَصنع الآن فى الرّباط.؟ فخرجتُ حتى أتيت
الرَّقَّة فجئت إلى قومٍ قُلَّثين ، فقلت أَعمل معكم فتنظُرون إِلى عَمل
فَتَجْزُون من الكِراءِ (٥) بقدرما أستحقَّه . قالوا نعم . فجعلت أَعمل
معهم . وكان ثَمَّ شيخ جالس بين يديه زنبيلُ سُويقٍ يبيع ، على
(١) بعدها فى ط: رضى الله عنه. وحناذ: على وزن كنان. ق : جناذ، تحريف.
ط : القلا .
(٢) كذا فى النسخ، والذى فى القاموس وغيره: (بت) بلا تاء التأنيث.
وهو الطليسان من خز ونحوه . والسويق : الناعم من دقيق الحنطة والشعير .
(٣) الكمة ( يضم فتشديد ) : القلنسوة المدورة . والدنسة : القذرة ، الوسخة.
(٤) ط : ولكنى .
(٥) أى من الأجرة . ط : الكرى.

١٩٦
رأسه قلنسوة سوداء مخرقة وفروٌ مخرّق (١) وبين يديه صبيّان يلعبان
ويقتَتِلان ، وهو متشاغل بهما يزجرهما وينهاهما .
قال : فقلت له : أَنى أَحسبك تحبّهما . قال : لا والله ما أَحبِّهما ،
ولكن أَرحَمُهما، وما أَحدٌ أَحبّ إِلىّ من الله عزوجل .
قال : فأَعَجَبنى قوله . وأَنِست به ، وكان ثَمَّ شباب يَرفُث
بعضُهم على بعض فقلت له : أَلاتَنهى هؤلاءِ الشباب؟ فقال : إِنى
لأَجّل الله عزوجل أَن أَذكره عند مثل هؤلاءِ قال : فأَعجَبْتنى مقالته
فَقُلْت: كيف حُبَّكَ لِمَدِحَة النَّاسِ؟ قال: ما أَحبّ أَنَّ لِى مِلْءَ بيت
دنانيرَ وأَنه يقع فى قَلْبِى حُبّ مِدْحة النَّاس لى . فقلت : فما هذه
القَلَنْسُوة على رأسك؟ قال : وجدت قلبى يَصلُح عليها.
قال حذيفة : فلم أَرَ أَحدًا إِن شاءَ الله كان أَصدق منه . قيل منه.
قيل له : أَين كان من يوسف بن أَسباط. ؟ قال : ما كان يوسف بن
أَسباط. يَصلح إِلا شاكِرْ دًا (٢) لذاك.
قال أَبو عمر : فذكرت ذلك لبعض الرقَّبيّن فقال : ذاك حَنَّاذا
القلَاءِ (٣).
٧٣٤ - توبة بن الصمة (٤):
عبد الله بن محمد بن أبى الدنيا قال : حدثنى رجل من قريش ،
ذكر أنه من ولَد طلحة بن عبيد الله ، قال : كان توبة بن الصمَّة
بالرقٍ وكان محاسبًا لنفسه ، فحسَبَ فإِذا هو بن ستِّين سنة ،
فحسَب أَيامها فإِذا هى أَحدٌ وعشرون ألف يومٍ وخمسمائة يوم فصرخ
(١) قط : وفروة محرقة .
(٢) شاكرد: كلمة فارسية لم تذكرها المعاجم العربية ومعناها : تلميذ ، أو أجير .
(٤) بعدها فى ط : رضى الله عنه .
(٣) ط : القلا .

١٩٧
وقال (١): يا ويلتا، أُلقَى المليك (٢) بأَحد وعشرين ألفَ ذنْب، كيف؟
وفى كلّ يوم عشرة آلاف (٣) ذنْب ثم خرّ مغشيًا عليه فإذا هوميِّت .
فسمعوا قائلاً يقول : يالكِ ركضةً إِلى الفردوس الأعلى (رضى الله عنه)
٧٣٥ - ابراهيم بن داود القصار أبو اسحاق الرقى :
أبو بكر بن شاذان قال : سمعت إِبراهيم القصّار يقول : المعرفة
إِثْبات الربّ عزّوجل خارجًا عن كل موهوم .
وقال ابراهيم الأبصار قويّة والبصائر ضعيفة .
وقال : من اكتفى بغير الكافى افتقر من حيث استغنى .
وقال : الكفايات تصل إليك (٤) بلاتعب والأشغال والتعب فى
الفضول .
وقال أَضعف الخلق مَن ضَعُفَ عن رَدّ شهواته، وأَقوى الخلق
من قَوِىَ على رَدّها .
ابراهيم بن أحمد بن المُولد يقول : سأَل رجل ابراهيم القصّار فقال
هل يُبدى المحبّ حبَّه؟ أوهل ينطق به؟ أوهل يُطيق كتمانه؟ فأَنشأَ
يقول متمثلا :
بِكِتْمانِ عينٍ دَمْعُها الدَّهْرَيَذِرِفُ
ظفرتُم بكثْمان اللِّسان فَمَن لكمْ
لأَعْجَزُ عن حَملِ القَمِيصِ وأَضعُفُ
حَملتم جِبَال الحُبّ فَوْقِى وإِنَّنى
قال السُلَمِىّ : ابراهيم بن داود من جِلَّة مشايخ الشام ، من أُقران
الجُنَيد وابن الجلَاءِ عُمر، وصحِبَه أكثر مشايخ الشام، وكان لازمًا
للفقر مجرّدًا فيه ، محبًّا لاهله . توفى سنة ست وعشرين وثلثمائة .
(١) وقال : ساقطة من ط .
(٢) ب : الملك .
(٣) ق : ألف . وهو جائز، وأثبت ما فى ط .
(٤) قط : تجعل القلب .

١٩٨
ذكر المصطفيات من عابدات الرقة (١)
٧٣٦ - عابدة (٢) :
عبيد الله بن عبد الخالق قال : سَبِ الروم نساءً مسلماتٍ ، فباغ
الخبر الرَّّة وبها هارون الرشيد أمير المؤمنين، فَقِيل لمنصور بن عَمَّار :
لو اتَّخذت مجلسًا بالقُرْب من أَمير المؤمنين فحرّضت الناس على الغزو.
فَفَعَل. فبينا هو يذكِّرهم ويحرّض إِذا نحْن بخرْقةٍ مَصْرورة مختومة
قد طرحت إِلى منصور ، وإِذا كتاب مضموم إِلى الصُّرّة فَفكَّ الكتابَ
فقرأَه فإذا فيه : إنى امرأة من أَهل البيوتات من العرب، بلغنى مافَعَلَ
الروم بالمسلمات، وسمعت تحريضَك الناس على الغزو ، وترغيبك فى
ذلك ، فعمدت إِلى أَكرم شىءٍ مِن بدنى وهما ذُوَّابتاىَ فقطعتُهما وصَرَرْتُهما
وصَرَرْتُهما فى هذه الخِرْقة المختومة، وأُناشِدُك (٣) بالله العظيم لَما
جعلتَهما قَيْدَ فرسٍ غازٍ فى سبيل الله ، فَلَعَلَّ الله العظيم أَن يَنْظُر إِلىّ على
تلك الحال نظرةً فيرحمنى بها .
قال: فبكى وأَبكى الناس ، وأَمر هارون أَن يُنادَى بالنَّفير،
فَغَزا بنفسه فأَنكى (٤) فيهم وفتح الله عليهم .
قلت : هذه امرأة حَسُنَ قَصدها وغلطَت فى فعلها ، لأَنّها جهلت
أَنَّ ما فعلَت مَنهىٌّ عنه ، فليُنظر إلى قَصدها .
عابدة أخرى :
٧٣٧ -
من أَهل الشام نُقل عنها مثل هذه .
بلغَنا عن أَبِى قُدامة الشامىّ قال : كنت أَميرًا على الجيش فى
بعض الغزَوات ، فدخلتُ بعض البلدان فدعوتُ الناس إلى الغزو (٥)
(٢) ق: عابد، تحريف . وبعدها فى ط: رضى الله عنها.
(١) بعدها فى ط: رضى الله عنهن.
(٤) ق : وأنكماأ .
(٣) قط : وأنا أنشدك .
(٥) ب : للغزو .

١٩٩
ورغَّبِتُهم فى الثواب ، وذكرتُ فضل الشهادة وما لأهلها . ثم تفرّق
النَّاس وركبت فَرسى وسرتُ إلى منزلى . فإِذا أَنا بامرأة من أُحسن
الناس تُنادى : يا أَبا قُدامة . فقلتُ : هذه مكيدةٌ من الشيطان .
فمضيت ولم أُجِب . فقالت : ما هكذا كان الصالحون . فوقفت .
فجاءَت ودفعت إِلىّ رُفْعَةً وخِرْقةً مَشْدودةً وانصرفَتْ باكية .
فنظرتُ إِلى الرّقعة فإِذا فيها مكتوب : إِنَّك دعوتَنا إلى الجهاد
ورغَّبتَنا فى الثواب ، ولاقُدرة لى على ذلك فقطعتُ أَحسن مافىّ ، وهما
ضغيرتاىَ وأَنفذتُهما إليك لتجعلَهما قَيدَ فرسِك، لعل الله يَرى شَعرِى
قَيدَ فَرسِكَ فى سَبيله فيغفر لى .
فلما كانت صبيحة القتال فإِذا بغلام بين يدَى الصفوف يقاتل
فتقدِّمت إِليه وقلت : يافتى أَنت غلامٌ غِرُّ راجِلٌ ولا آ منُ أَن تَجولَ
الخَيْلُ فتطَأَك بأَرجُلها فارجع عن مَوْضِعك هذا فقال: أَتأَّمرنى بالرّجوع؟
وقد قال الله تعالى (يا أيُّها الذين آمنُوا إِذا لقيتُم الَّذِينَ كَفَرُوا
زَحْفًا فلا تُوَلُّوهُم الأدبارَ. ومَنْ يُولِّهِمْ يومئذٍ دُبُرَه إِلَّ متحرِّفًا لقتالٍ
أومتحيِّزًا إِلى فئةٍ فقد باءَ بغضبٍ من الله ومأَواهُجهنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ)(١)
فحملتُه على هَجين كان معى فقال : يا أَبا قدامة أَقرضْنِى ثلاثة
أَسْهمٍ . فقلت : أَهذا وقتُ قرضٍ؟ فما زال يلحّ علىّ حتى قلت بشرطٍ :
إِن مَنّ الله بالشهادة أَكون فى شَفَاعتك . قال: نعم . فأَعطيته ثلاثة
أسهم فوضع سهمًا فى قوسه وقال : السلام عليك يا أَبا قُدامة . ورمى
به فقتل روميًّا. ثم رَمى بالآخر وقال : السلام عليك يا أَبا قُدامة
فقتل روميًا. ثم رَمى بالآخر وقال : السلام عليك سَلام مودِّع.
(١) الأنفال : ١٥ - ١٦ .

٢٠٠
فجاءَه سهم فوقع بين عينيه فوضع رأسَه على قَرَبوس (١) سرجه.
فتقدّمت إِليه وقلت : لاتنسَها . فقال : نعم ولكن لى إليك حاجة :
إِذا دخلت المدينة فأَتِ والدتى وسلِّم خرْجِى إِليها وأخبرها فهى التى
أَعطتك شَعرها لتقيِّدبه فرسك، وسلِّم عليها فإِنها العامَ الأَّل أُصيبت
بوالدِي ، وفى هذا العام بى . ثم مات .
فحفرت له ودفنته . فلما هممنا بالإنصراف عن قبره قَذَفَتْهُ
الأَرض فأَلَقَتْه على ظهرها . فقال أصحابى : إِنه غلامٌ غِرَّ ولعله خرَج
بغير إذن أُمِّه . فقلت: إِنَّ الأَرض لتَقبلُ مّن هو شرَّ من هذا. فقمتُ
وصلَّيت ركعتين ودعوت الله عزّ وجل فسمعت صوتًا يقول : يا أَبا
قدامة اترك ولىَّ الله .
فما برحتُ حتى نزلَت عليه طيورٌ بيض فأَكلَتْه . فلما أَتِيتُ
المدينة ذهبتُ إلى دار والدتِه فلما قرعتُ الباب خرجت أُخته إِلىّ فَلَمَّا
رأتنى عادت وقالت : يا أُمَّه هذا أبوقُدامة ليس معه أَخِى ، فقد
أُصِبنا فى العام الأَوّل بأَبى ، وفى هذا العام بأَخى .
فخرجَت أُّه إِلىّ فقالت: أَمعزِّيًّا أَم مهنِّثًا؟ فقلت مامعنى هذا؟
فقالت : إِن كان ماتَ فَعَزِّنى، وإِن كان استُشهد فهنِّثُنِى. فقلت :
لابل مات شهيدًا . فقالت : له علامة فهل رأَيتَها؟ قلت : نعم لم
تَقبله الأَرض ونزلَت الطيور فأَكلَت لحمه وتركت (٢) عِظَامه فدفنتُها
فقالت : الحمدلله . فسلَّمت إليها الخرْج ففتحته فأَخرجَت منه
مِسْحًا وغُلاَّ من حَدِيد، وقالت: إِنه كان إِذا جَنَّه الليل لبس هذا
(١) القربوس ( بفتح القاف والراء) : حنو السرج، وهما قربوسان.
(٢) ب : وبقيت .