Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
٧٠٤ - حاتم الأصم :
واختلفوا فى اسم أبيه : فقيل حاتم بن عنوان ، وقِيل حاتم بن
يوسف ، وقيل حَاتِم بن عنوان بن يوسف . يُكنى أبا عبد الرحمن،
وهو مولى للمثنَّى بن يحيى المحاربى ، صحب شقيقًا .
محمد بن أبى عمران قال : سمعت حاتمًا الأَصم ، وسأَّه رجل
على(١) مابنيت أمرك هذا فى التوكل على الله؟ قال: على خِصَال أربع
علمت أَن رزقى لايأكله غيرى فاطمأَنَّت به نفسى ، وعلمت أن عملى
لا يعمله غَيْرِى فأَنا مشغول به ، وعلمت أن الموت يأتينى بغتة فأَنا
أُبادره، وعلمت أَنى لاأَخلو من عين الله حيث كنتُ فَأَنَا مُستَخْىٍ منه .
رباح بن الهَروى قال: مرّ عاصم بن يوسف بحاتم الأصم وهو يتكلم
فى مجلسه، فقال: يا حاتم كيف تصلَّى؟ قال حاتم: أَقوم بـ الأَمر،
وأَمشى بالسّكينة ، وأدخل بالنية، وأُكبّر بالعظمة، وأقرأ بالترتيل
والتفكر ، وأُركع بالخشوع، وأَسجد بالتَّواضع، وأُسَلِّم بالسّنة
وأُسلمها بالإِخلاص إِلى الله عزوجل، وأَخاف أن لاتُقبل(٢) منى. قال
تكلم فأَنت تُحسن تصلَّى .
عبد الله بن سهل قال : سمعت حاتمًا الأَصمَّ يقول : اختلفتُ إلى
شقيق ثلاثين سنة ، فقال لى يومًا : أَىّ شىءٍ تعلَّمت ؟ فقلت :
رأَيت رِزْفى من عند ربِّى فلم أَشْتَغِل إِلَّ بربىّ، ورأيت أن الله تعالى
وَكَّل بِى ملكَيْن يكتبان علىّ كلَّ ما تكلَّمتُ به فلم أَنطق إلا بالحق،
ورأيت أن الخلق ينظرون إلى ظاهرى والربّ تعالى ينظر إلى باطنى ،
فرأيت مراقبته أَوْلى وأَوجب ، فسقطَت عنّى رؤية الخلق ، ورأيت
(١) كذا ، وصحتها : علام؟
(٢) ط : لا يقبل .
(٢ ١١ - صفة الصفوة جـ ٤)

١٦٢
أَن الله مستحِثًّا يدعو الخلقَ إليه فاستعدَدْتُ له متى جاءنى لا أحتاج
يقتلنى ، يعنى ملكَ الموت . فقال لى : ياحاتم ماخاب سعيك .
الحسن بن على العابد قال : سمعت حاتمًا يقول : لو أَن صاحب
خَبر (١) جلس إليك ليكتب كلامك لاخْتَرَزْتَ منه، وكلامك يُعْرض
على الله تعالى فلا تَحتَرِز .
أَبوتُرَاب النَّخشبى قال : سمعت حاتمًا يقول : لى أَربع نسوةٍ
وتسعةٌ من الأولاد ، ماطمع الشيطان أَن يوسوس لى فى شىءٍ من
أرزاقهم
٠
حامِد اللفَّاف قال : سمعت حاتمًا الأَصمّ يقول : ما من صباح
إِلَّا والشيطان يقول لى : ما تأكل؟ وماتلبس؟ وأين تسكن ؟ فأقول :
آكل الموت وألبسُ الكفن وأسكن القبر .
قال : وقال رجل لحاتم ما تشتهى؟ قال : أَشتهى عافيةَ يومٍ
إلى الليل ، فقيل له : أَليست الأَيام كلَّها عافيةً ؟ قال : إِن عافية
يومى أَن لاأَعصىَ اللهَ فيه .
قال : وقال حاتم : تعهَّد نفسك فى ثلاثة مواضيع : إذا عملتَ
فاذْكُر نظَر الله إليك، وإِذا تكلَّمتَ فاذكر سَمْع الله إليك ، وإِذا
سكتَّ فاذكُر عِلم الله فيك .
عن علىّ بن الموفَّق قال : سمعت حاتمًا يقول : لقينا التّرك وكان
بيننا جَولة فرمانى تُركىّ بَوَهَق(٢) فقلبنى عن فرسى ونزل عن دابَّته
(١) هكذا فى النسخ وهو الصحيح . إلا أن أصحاب طبعة حيدر آباد أثبتوا فى صحيفة
الخطأ والصواب أن صوابها : حبر (بالحاء) !! .
(٢) الوهق : حبل فى طرفه أنشوطة يطرح فى عنق الإنسان حتى يؤخذ .

١٦٣
فَقَعَد على صدرى وأخذ بلحيتى هذه الوافرة وأخرج؟ من خُفّه سكّنًا
ليذبحنى . فَوَحَقّ سيّدى ما كان قلبى عنده ولاعند سكِّينه ، إنما كان
قلبى عند سيّدى أنظر ماذا ينزل (١) به القضاء منه. فقلت: سيدى
قضيتَ علىّ أَن يَذْبحنى هذا فعلى الرأس والعين، إِنما أَنَالَك ومِلْكُك
فبينا أنا أُخاطب سیدی وهو (٢) قاعدٌ على صدری آخذ باحیتی ایذبحنى ،
إِذْرماه بعض المسلمين بسهم فما أَخطأ حلْقه ، فسقط. عَنى فقُمتُ أَنا
إليه فاخذت السكِّين من يده فَذَبَحْته ، فما هو إلا أن تكون قلوبكم
عند السّيدحتى تَرَوْا من عجائب لُطفه مالم تَروا من الآباء والأمهات .
أَسند حاتم الحديث ولا أعرف له إِلَّ ما أَخبرنا به محمد بن عبد الباقى
قال : أخبرنا حمد بن أَحمد قال: أَنا أَحمد بن عبد الله ؟ قال : حدثنا
أبو الحسين محمد بن محمد بن أحمد المؤذن قال : حدثنا محمد بن
الحسين بن على قال : حدثنا محمد بن علويه قال : حدثنا ابن الحارث
قال : حدثنا حاتم الأصمّ قال : حدثنا سعيد بن عبدالله الماهيانى قال :
حدثنا إبراهيم بن طهمان قاك: حدثنا مالك عن الزهرى عن أنس عن
النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((صَلّ(٣) صلاة الضحى فإِنَّها صلاةُ
الأبرار، وسلَّم إِذا دخلت بيتك يَكثُرْ خيرٌ بيتِك))(٣).
٧٠٥ ساحمد بن الخضر :
وهو المعروف بابن خضرويه البلخى
يكنى أبا حامد ، صحب أباتراب النخشبى وحاتمًا الأَصمّ،
ورحل إلى يزيد وأبى حفص النيسابورى .
(١) ط : نزل .
(٢) أى التركى.
(٣) قط: صلوا . لم أجد الحديث بهذا اللفظ . وفى الباب قول الرسول صلى الله عليه
وسلم لأنس: ((يابنى إذا دخلت على أهلك فسلم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك)).
أخرجه الترمذى ، برقم ٢٦٩٩ بسند صحيح . وأحاديث صلاة الضحى صحيحة مشهورة .

١٦٤
وقال (١) أَبو حفص: مارأيت أَحدًا أكبر همَّةً ولا أصدق حالاً من
أَحمد بن خضرويه.
محمد بن الفضل قال : قال أحمد بن خضرويه : القلوب جَوّالةٌ
إِمَّا أَن تجول حول العرش وإِمَّا أَن تجول حول الحَشِّ.
محمد بن حامد الترمذى قال : أَحمد بن خضرويه : الصّبر زاد
المضطرّين ، والرضا درجة العارفين .
قال: وقال رجل لأَحمد بن خَضْرويه: أَوصنى . فقال: أَمِتْ
نفسك حتى تُحييها .
قال: وقال أحمد لانومَ أَثْقلُ من الغفلة ، ولارِقَّ أَمْلَكُ من
الشَّهوة ، ولولاثقل الغفلة لم تَظفر بك الشهوة .
قال : وسئل أحمد : أَىّ الأعمال أفضل ؟ فقال : رعاية السرّ
عن الالتفات إلى شىءٍ غير الله عز وجل .
محمد بن حامد قال: كنت جالساً عند أحمد بن خضرويه وهو
فى النزع، وكان قد أتى عليه خمس وتسعون سنة فسُئل عن مسألةٍ
فَدَمَعَتْ عيناه وقال: يابنىّ باب كنت أَدَقَّه خمسًا وتسعين سنة
هو ذايُفتح لى الساعة ، لاأدرى أَيُفتح لى بالسعادة أو بالشقاوة
أَنَّى لى أَوان الجواب ؟ .
وكان قد ركبه من الدَّيْن سبعمائة دينار، وحضره غُرَمَاوُه
فَنَظَر إِليهم فقال: اللهم إنك جعلتَ الرُهون وثيقة لأَرباب الأَموال
وأَنت تأُخذ عنهم وثيتتهم فأَدِّ عَنِىّ . قال : فَدَقَّ داقُّ الباب وقال :
هذه دار أَحمد بن خضْرويه؟ فقالوا : نعم . قال : أَين غرماؤُه؟
قال : فخرجوا فَقَضَى عنه ثم خرجت روحه .
(١) ط : وقال له .

١٦٥
أسند أحمد بن خضرويه عن محمد بن عَبدة المروزِىّ وتوفى سنة
أَربعين ومائتين .
٧٠٦ - محمد بن الفضل بن العباس أبو عبد الله البلخى :
أبوبكر محمد بن عبد الله الرازى قال : سمعت محمد بن الفضل
يقول : العَجب ممن يقطع الأَوْدِية والمفَاوِزِ والقِفَار ليصل إلى بيته
وحَرَمه لأَنَّ فيه آثار أنبيائه ؛ كيف لايقطع نفسه وهواه حتى يصل
إِلى قلبه لأَن فيه آثارَ مولاه ؟ .
الحسن بن علويه قال : قال محمد بن الفضل : أَنزلْ نفسك منزلَةً
مَن لاحاجة له فيها ولابدّ له منها ، فإِنَّ من مَلك نفسه عزَّ ، ومن
ملكَتْه ذَلّ .
ابراهيم الخوّاص قال : قال لى محمد بن الفضل : ما خطوتُ
أربعين سنة خطوةً لغير الله عزَّ وجل ، وما نظرت أربعين سنة فى شىءٍ
أستحسنه حياءً من الله عز وجلّ ، وما أَمليت على مَلَكىَّ ثلاثين سنة
شيئًا، ولوفَعلتُ ذلك لاسْتَحْيَيْت منهما .
أَسند محمد بن الفضل عن قتيبة بن سعيد ، وصحب أحمد بن
خضرويه وغيره ، وانتقل إلى سَمَرْ قَند فمات بها فى سنة تسعَ عشرة (١)
وثلثمائة .
٧٠٧ - أبو بكر الوراق :
واسمه محمد بن عمر ، ويقال له الحكيم وأَصله من تِرْمذ لكنه
أَقام ببَلْخ .
أبوبكر بن أَجيد البلخى قال : سمعت أبابكر الورّاق يقول :
(١) ط : تسعة عشر ، خطأ .

١٦٦
لوقيل للطمع مَن أَبوك ؟ قال : الشكّ المقدور ، ولوقيل : ما حِرْقتك ؟
قال : اكتساب الذل ولو قيل : ماغايتك؟ قال : الجِرمان .
غيلان السَمَرْقندى قال: دخلَ رجل على أَبى بكر الورّاق فقال: إِنى
أَخاف من فلان . فقال : لاتخف منه فإِن قلبَ مَن تخافه بيد منَ
ترجوه . محمد بن حامد قال: قُلت لأبى بكر الورّاق علَّمنى شيئًا يقرّبنى إلى
الله، ويقرّبنى من الناس . فقال : أَما الذِى يقرّبك من الله فمسألته ،
وأَما الذى يقربك من الناس فترك مَسْألتهم .
أَسند أبوبكر الورّاق الحديث عن موسى بن حزام الترمذى .
٧٠٨ - عابد بلخى لم يعرف اسمه :
عبد الوهاب قال : بينا أنا جالس فى الحدّادين ببَلْخ إِذ مرّ رجل
فنظر إلى النار فى الكُور فسقط. فقمنا فنظرنا إليه فإذا هو قد مات .
٧٠٩ - عابدة بلخية ( رضى الله عنها ) :
أَبوبلال الأسود قال : خرجت حاجًّا فلما صرت فى بعض الطريق
إذا أَنا بأمرأة ليس معها زاد ولا إِدَاوة(١). فقلت لها : من أين أنت؟
قالت : مِن بَلْخ . فقلت لها : ما أَرى معك زادًا ولاما تحملين فيه
الزّاد . فقالت لى : خرج معى من بَلخ عشرة دراهم وقدبقى بعضها (٢)
فقلت لها: إِذا نفدَتْ ما تَصْنعين؟ فقالت : علىّ هذه الجبّة أَبيعهاوآخذ
دُونَها وأَنْفِقِ ما بين ذلك . قلت : إِذا فَنى ما تَصْنَعِين؟ قالت : أَبيع
هذا الخِمار وآخذ دُونَهُ وأَنفق مابين ذلك . قلت فإِذا فَنى ما تَصِنِين
قالت: يا بطَّال أَسأَلَه فيُعْطينى. قلت: أَلاسَأََّتِهِ (٣) قبلَ ذلك؟
(١) الإدارة : إناء صغير من جلد .
(٢) هذه رواية ق وب . ط : نصفها .
(٣) فى النسخ: سألتيه . والصواب ما أثبت
:

١٦٧
قالت ، ويحك إِنى أُستحبى أَن أَسأَلَه شيئًا من الدنيا ومعى فضلٌ مِنْ
عَرَضها . قلت : اعقبى (١) على هذا الحمار عُقْبةً. فقالت : دَعْه .
فتركته معها وتخلَّفت لحاجة . فلما قضيت حاجتى أسرعتُ فى أَثرها
فإِذا أَنَا بالحمار واقف والخُرْج مملوءٍ فرآنى حوارِىٌّ لم أَربحُسنه
فطلبتها بعد ذلك فما رأيتها .
انتهى ذكر أهل بَلْخ بحمد الله ومنّه (٢).
ذكر المصطفين من أهل ترمذ (٣)
٧١٠ - على بن رزين أبو الحسن :
خراساني ، أَصله مِن تِرمِذ ، ويقال من هَراة كان أُستاذ أَبِى
عبد الله المغربى .
كان على بن رَزين قد صحِب الحسن البصرى فيما يذكر والله
أَعلم ، وكان يدخل إلى قَرْمِيسين(٤) فيما بلغنى فيكتب عنه ، وشَاعَ
فى الناس ذِكْره أنه يشرب فى كل أربعة أشهرٍ شَربة ماءَ، فسأَّه
رجل من أهل قرميسين عن هذا؟ فقال : نعم وأَىّ شىءٍ فى هذا؟
سأَلت الله عزَّوجلَّ أَن يكفينى مَؤُونة بطنى فكفانى.
عاش علىّ بن رزين مائة وعشرين سنة ، وتوفىّ سنة خمس وعشرين
ومائتين ، ودُفن على جبل الطُّور ، ودُفن إلى جانبه صاحبه أَبو عبد الله المغربى.
٧١١ - محمد بن على بن الحسين (٥) الترمذى :
يكنى أبا عبد الله ، من كبار مشايخ خراسان ، له التصانيف
(١) كذا فى ط. وق: اعتقبى.
(٢) الكلمات الثلاث ليست فى ط .
(٣) مدينة على الضفة الشمالية لنهر جيحون شمالى إيران .
(٤) بلد قرب همذان والدينور ، على جادة الحاج .
(٥) ق: الحسن . وأثبت ما فى ط .

١٦٨
المشهورة . وكان يقول ما صنَّفت شيئًا ليُنسب إِلىّ لكن كنت إذا
اشتدّ علىّ وَقَتِى أَتَسَلَىّ بمصنَّفاتى .
منصور بن عبد الله قال : قال محمد بن على الترمذى ليس فى
الدنيا حِمْل أَثقل من البِرّ لأَنَّ مَن برّك فقد أَوثقك ، ومَن جَفاك فقد
أَطْلقك .
الحسن بن علىّ قال : سمعت محمد بن علىّ الترمذى يقول : من
جهل أو صاف العُبودية فهو بنَعتِ الربوبية أَجهل .
أبو الحسيْن الفارسى قال: سمعت محمد بن على الترمذى يقول(١).
المؤمنُ بِشْرُه فى وجهه، وحُزنه فى قلبه، والمنافق حُزْنَه فى وجهه
وبِشْره فى قلبه .
وقال : اجعل مراقبتك لمن لاتَغيب عن نظره إليك ، واجعل
شُكرك لمن لاتنقطع عنك نِعْمَتُه(٢)، واجعل خضوعك أن لاتخرج
عن ملكه وسلطانه .
أَسند محمد بن على عن محمد بن رزام الأيلى .
انتهى ذكر أهل ترمذ بحمد الله ومنّه(٣) .
ذكر المصطفين من أهل بخاری
٧١٢ - محمد بن اسماعيل بن ابراهيم البخارى يكنى أبا عبد الله:
أبو جعفر محمد بن أبى حاتم الورّاق قال: قلت لأبى عبدالله محمد
ابن إسماعيل البخارى : كيف كان بَدْوُ أَمرك فى طلب الحديث ؟ قال :
ألهمت حفظَ. الحديث وأَنا فى الكُتَّاب. قلت : وكم أتى عليك إذ ذاك
(١) قط : قال .
(٢) ط : نعمه .
(٣) الكلمات الثلاث ليست فى ط .

١٦٩
فتقال : عشر سنين أو أقلّ ، ثم خرجت من الكُتَّاب بعد العشر فجعلت
أَخْتَلِفِ إِلى الداخليّ وغيره . فقال يومًا ، فيما كان يقرأ للناس : سفيان
عن أبى الزبير عن ابراهيم . فقلت له : يا أَبا فلان إِن أَبا الزبير لم يَرو
عن إِبراهيم . فَانْتَهَرَنى. فقلتُ له ارجع إلى الأَصل إِن كان عندك ..
فدخل فنظر فيه ثم خرج فقال لى : كيف هو ياغلام؟ قلت : هو
الزبير بن عَدِى عن إبراهيم . فأخذ القلم منِّى فأَحكم كِتابه وقال :
صَدَقْت ، فقال له بعض أصحابه : ابن كم كنت إِذ رددت عليه؟
قال : ابن إحدى عشرة سنة . فلما طعنتُ فى سن ستَّ عشرة
حفظت كُتب ابن المبارك وَوَكيع ، ثم خرجت مع أبى وأَخى إِلى
مَكَّة فلما حججتُ(١) رجع أَخى وتخلَّتُ بها فى طلب الحديث . فلما
طعنتُ فى ثمانَ عَشرةَ جعلت أَصنِّف قضايا الصّحابة والتابعين وأَقاويلهم،
وصنَّفْت كتاب التاريخ عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى
الليالى المقمرة(٢).
أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن البخارى قال :
سمعت أبا عبدالله محمد بن اسماعيل يقول لقيت أكثر من ألف رجل
من أَهل العالم (من) أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط.
وبغداد والشام ومصر .
السعدانى قال : سمعت بعض أصحابنا يقول : قال محمد بن
إسماعيل أَخرجت هذا الكتاب، يعنى الصحيح ، من زُهاءٍ ستمائة
ألف حديث .
(١) ب : حجت .
(٢) ق : القمر . وأثبت ما فى ط .

١٧٠
مُحَمَّد بن يوسف الفربرى قال : قال محمد بن إسماعيل :
ماوضعت فى كتاب الصحيح حديثًا إِلا اغْتَسَلْتُ قبل ذلك وصليت
ركعتين .
بكر بن منير قال : كان حُمل إِلى مُحمد بن إسماعيل بضاعة
أَنفذَها إليه فلان . فاجتمع التجار إليه بالعشيّة فطلبوها منه بربح
خمسة آلاف درهم . فقال لهم : انصرفوا الليلة فجاءه من الغد تجَّر
آخرون فطلبوا منه تلك البضاعة بربح عشرة آلاف درهم فردّهم
وقال : إِنى نويت البارحة أن أدفع إليهم بما طلبوا ، يعنى الذين طلبوا
أُول مرّة ، ففعل وقال : لاأَحب أَن أَنقض نِيَّى .
مسبّح بن سَعيد(١) قال: كان محمد بن إسماعيل البخارى إِذَا
كان فى أول ليلة من رمضان يَجْتَمِع إليه أَصْحابه فيصلِّى بهم فيقرأ
فى كل ركعة عشرين آية، وكان يقرأ فى السَّحر مابين النصف إِلى
الثُلث (٢) من القرآن، فيختم عند السَّحر فى كل ثلاث ليالٍ ، ويقول
عند كل خَتمة : دعوةٌ مُسْتَجَابة .
على بن محمد بن مَنْصور قال : سمعت أبى يقول : كنافى مجلس
أبى عبد الله محمد بن إسماعيل ، فرفع إِنسان من لحيته قَذاةً فطرَحها
على الأرض ، فرأيت محمد بن إسماعيل ينظر إليها وإلى الناس فلما
غَفَل النَّاس رأيته مَدَّ يدَه فرفع القَذاة من الأَرض فأَدخلها فى كُمِّه.
فلما خرج من المسجد رأيته أَخْرَجَها فَطَرَحَهَا على الأَرض .
محمد بن أبى حاتم قال : كنت أَرى أَبا عبد الله يقوم فى ليلة
واحدة خمس عشرة مرّة إلى عشرين مرة فى كل ذلك ياخذ القدّاحة
(١) د: مسيح بن سعد. ب: مسيح بن سعيد .
(٢) ط : ثلث .

١٧١
فيورى ناراً ويسرج ثم يخرج أحاديث فيعلّم عليها ثم يضع رأسه .
وكان يصلىّ فى وقت السحر ثلاث عشرة ركعة يُوتر منها بواحدة .
بكر بن منير قال : سمعت محمد بن اسماعيل يقول : أرجو أن
ألقى الله ولا يحاسبنى أنى اغتبت أحداً .
قلت : فضائل البخارى كثيرة ، وحفظه للحديث حفظ. غزير
قد شهد له الأكابر به حتى قال أحمد بن حنبل : ما أُخرجت خراسان
مثل محمد بن إسماعيل . . وكان نحيف الجسم ليس بالطويل ولا
بالقصير . ولد يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة خلت من
شوال سنة أربع وتسعين ومائة .
وتُوفى ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة الفطر ، ودفن يوم
الفطر بعد صلاة الظهر وذلك لغرّة شوال من سنة ست وخمسين
ومائتين وقبره بخَرْتَنْكَ (١) .
٧١٣ - عابد بخاری :
إبراهيم بن أحمد الخواص قال : سلكت البادية سنَّة (٢) عشر طريقاً
على غير الجادة ، فاعجبُ ما رأیت فيها رجل ليس له يدان ولا رجلان ،
وعليه من البلاءِ أمر عظيم وهو يزحف زحفاً فتحيرت منه وسلمت
عليه ، فقال لى : وعليك السلام يا إبراهيم . قال : فقلت له :
بِم عَرْفْتَنى ولم تَرنى قبلها ؟ فقال : الذى جاءً بك عرّف بينى وبينك .
فقلت : صدقت ، إلى أين تريد ؟ فقال : إلى مكة قات ومن أين
(١) بفتح أوله وتسكين الراء وفتح التاء ونون ساكنة : قرية بينها وبين سمرقند ثلاثة
فراسخ . ينسب إليها أبو منصور غالب بن جبرائيل الخرتنكى ، وهو الذى نزل عليه البخارى
ومات فى داره . (معجم البلدان) .
(٢) ط : ست ، تحريف .

١٧٢
أنت ؟ قال : من بخارى فبقيت متعجباً أنظر إليه . فنظر إلى شزرًا
وقال : يا إبراهيم تعجب من قوىّ يحمل ضعيفاً ويرفق به ؟ ثم دمعت
عيناه وأرسل الدموع فقلت : لا ، ياحبيبى . فتركته على حاله
ومضيت أَنا . فلما دخلت مكة رأيته فى الطواف وهو يزحف زحفاً .
انتهى ذكر أهل بخارى .
ومن المصطفين من فرغانة (١)
٧١٤ - أبو بكر بن اسماعيل الفرغانى :
محمد بن داود قال : ما رأيت فى الفقراء أحسن من أبى بكر بن
إسماعيل الفَرْغانى ، وكان ممن يظهر الغنى فى الفقر ، يلبس قميصين
أبيضين ورداء وسراويل ونعلاً لطيفة وعمامة ، وفى يده مفتاح كبير
حسن، وليس له بيت، يَنْطَرح (٢) فى المساجد ، ويطوى الخمس
والست دائماً .
ومن المصطفين من نخشب (٣)
ومن المصطفين من نخشب (٤)
٧١٥ - أبو تراب النخشبى :
واسمه عسكر بن الحصين . ويقال عسكر بن ممحد بن حصين
أبو عبد الله الجلاء قال : لقيت ستمائة شيخ ما رأيت فيهم مثل أربعةٍ
أَوَّلُهم أبو تراب .
أَبو على الحسن بن خيران الفقيه قال : مرّ أَبو تراب النَّخشى
بمزين فقال له : تحلق رأسى لله عز وجل ؟ فقال له : إِجلس ؛
(١) ب : ذكر .
واسعة فيما وراء النهر متاخمة لبلاد تركستان .
(٢) فرغانة : بفتح فسكون : مدينة
(٣) ط : يتطرح .
(٤) نخشب : يفتح فسكون ففتح : من مدن ما وراء النهر بين جيحون وسمرقند ،
على يسار القاصد من بخارى إلى سمرقند .

١٧٣
فجلس . ففيما يحلق رأسه مرّبه أمير من أهل بلده فسأل حاشيته
فقال لهم : أليس هذا أبا (١) تراب ؟ قالوا : نعم. فقال: أى شىء
معكم من الدنانير ؟ فقال له رجل من خاصّته : معى خريطة (٢) فيها
ألف دينار . فقال: إذا قام فأُعطِهِ واعتذِرْ إليه وقل له : لم يكن
معنا غير هذه . فجاءَ الغلام إليه فقال له: إن الأمير يقرأ عليك
السلام وقالَ لك : ما حضر معنا غير هذه الدنانير . فقال له : ادفَعها
إلى المزين . فقال المزّيِّن : أَىَّ شىءٍ أَعمل بها ؟ فقال : خذها . فقال :
لا والله ولو أنها أَلفا (٣) دينار ما أخذتها. فقال له أبو تراب: مُرَّ إليه
فقل له ان المزين ما أَخذها(٤) فَخُذْها أَنت فاصرفها فى مهمّاتك.
أبو عبد الله الجلاء قال : قدم أبو تراب مرّة إلى مكة فقلت
له : يا أستاذ أين أَكلت ؟ قال: جئتَ بفُضولك، أَكلت
أَكلة بالبصرة، وأَكلت أَكلة بالنِّباج(٥)، وأكلة عندكم .
إسماعيل بن نجيد قال : كان أبو تراب يقول : بينى وبين الله
عز وجل عهدٌ أَن لا أُمد يدى إلى حرام إلا قصّرتُ يدى عنه .
منصور بن عبد الله قال : سمعت أبا تراب النَّخشبى يقول :
أُلفت القلوب الاعراض عن الله عز وجل صحبتها الوقيعة فى الأولياء .
أبو العباس الشرقى(٦) قال: كنا مع أبى تراب النخشبى فى
طريق مكة فمرِض فعدل عن الطريق إلى ناحية فقال له بعض أصحابه :
(١) فى النسخ : أبو، والصواب ما أثبت .
(٢) الخريطة : وعاء من جلد أو غيره يشد على ما فيه .
(٣) ق : ألفى، والصواب كما فى ط .
(٤) ق : خذها ، وأثبت ما فى ط .
(٥) النباج : (بكسر النون) : موضع على طريق البصرة ، وقيل : هو منزل
لحجاج البصرة .
(٦) كذا فى ط . وفى ق: السرق (بضم السين).

١٧٤
أَنا عطشان . قال : فضرب برجله فاذا عَين من ماءٍ زلال : فقال
الفتى: أُحبٌ أَن أَشربه فى قدح. فضرب بيده الأَرض فناوله قَدحاً
من زجاج أبيض كأحسن ما رأيت ، فشرب وَسقانا وما زال القَدح
معنا إلى مكة .
قال : فقال لى يوماً : ما يقول أصحابك فى هذه الأُمور التى
يكرم الله عز وجل بها عباده ؟ فقلت: ما رأيت أَحداً إلا وهو يُعطَى
الايمان بها . فقال: إنما سألتك من طريق الأَحوال . قلت :
ما أَعرف لهم قولاً فيه . فقال : بلى قد زعم أَصحابك إنها خُدَعٌ من
الحق وليس الأمر كذلك إنما الخُدعُ فى حال السكون إليها ،
فأَما من لم يعرّج على الملك فى اعْتِنَاق الحقائق فتلك مرتبة الربّانيين .
أَسند أبو تراب عن محمد بن نمير ويعمر بن حماد وغيرهما .
وتوفى بالبادية . نهشته السباع فى سنة خمس وأربعين ومائتين .
ومن المصطفين من أهل منجوران وهى قرية ببلغ(١)
٧١٦ - على بن محمد المنجورانى:
أحمد بن سهل قال : مات أبو على المنجورانى فخرجنا نعزى ابنه
على بن محمد فلما رجعنا من دفن أبيه نزع ثيابه ودخل الماء فى نهر ،
وقال : اشهدوا أنى لا أَملك اليوم شيئاً مما ورثتُ عن أَبى، لأَنّه
يتخالج فى صدرى ، فانْ وَاسَيْتُمونى بقميص حتى أخرج من الماء فعلتم
((قال)) وكان لنا صديقاً مؤَانساً فأُلقوا إليه قميصاً فخرج من الماء .
وكان أبوه ترك مالا. لا يحصى (٢) .
(١) بلخ: (بفتح فسكون) : مدينة فى خراسان ، ومنجوان : إحدى قراها .
(٢) ط : ما لا يحصى .

١٧٥
ذكر المصطفین من عباد خراسان
والمشرق الذين لم تعرف بلادهم ولا أسماؤهم
٧١٧ - عابد :
صالح بن عبد الكريم قال : أتى رجل من إخوان فُضيل من أَهل
خراسان فجلس إلى فُضَيْل فى المسجد الحرام فحَّدثه (١) قال :
فقام الخراسانى يطوف ، فسُرِقِت منه دنانير ، ستين أَو سبعين .
قال : فخرج الخراسانى يَبْكى . فقال له فضيل : ما لك ؟ قال :
سرقت الدنانير . قال : عليها تبكى ؟ قال : لا . قال الخراسانى :
مثَّلْتُنى (٢) وإياه بين يدى الله عز وجل (٣) فأَشرفت عقلى على
إِذْحَاض حُجّتِهِ فبكيتُ رحمة له .
٧١٨ - عابد آخر :
صالح بن أحمد قال : جئت يوماً إلى المنزل فقيل لى : قد وَجَّه
أبوك أَمس فى طلبك . فقلت : وجهت فى طلبى ؟ فقال: جاءنى رجل
أمس كنت أَحبَّ أَن تراه ، بينا أَنا قاعد فى نحر الظهيرة إِذا أَنا
برجل يسلم بالباب وكأَن قلبى ارتاح فقمتُ ففتحتُ الباب فإذا
أَنا برجل عليه فَرْوَة وعلى أَمّ رأسه خِرْقة، ما تحت فروته قميص
ولا معه رَكْوِةٍ ولا جِراب ولا مُكَّاز، قد لوّحته الشمس ، فقلت :
ادخل . فدخل الدَّهْليز فقلت : من أين أَقبلت ؟ قال : من ناحية
المشرق ، أُريد بعض هذه السواحل واولا مكانك ما دخلت هذا البلد
(١) ط : يحدثه.
(٢) مثلت نفسى وتخيلتها .
(٣) ب : مثلتنى وأنا بيد الله عز وجل .

١٧٦
إلا نويت السلام عليك . قال : قلت : على هذه الحال ؟ قال نعم ،
ما الزهد فى الدنيا ؟ قلت: قِصَر الأمل .
قال : وجعلت أعجب منه ، فقلت فى نفسى: ما عند ى ذهب
ولا فضة . فدخلت البيت فأَخذت أربعة أرغفة وخرجت إليه فقلت :
ما عندى ذهب ولا فضة وإنما هذا من قُوتى. قال: أَوَيَسُرّك أَن أَقبل
ذلك يا أبا عبد الله ؟ قلت : نعم . فأَخذها فوضعها تحت حِضْنه
وقال: أَرجو أَن تَكَفينى هذه زادى إلى الرّقُة. أَسْ تَوْدعك الله. فلم أزل
قائماً أَنظر إليه إلى أن خرج . وكان يذكره كثيراً .
٧١٩ - عابد آخر :
أحمد بن على الاخْميمى قال : كنا ذات يوم عند ذى النون ،
وقد ذَكر كرامات الله عز وجل لأوليائه . فقال بعض من حضره
أَنت رأيت منهم أحداً يا أَبا الفيض ؟ فقال ذو النون : كان عندى
فتى من أهل خُراسان أَعجمى بقى عندى فى المسجد سبعة أيام لا يَطعم
الطعام ، وكنت أَعْرِض عليه الطعام فيأبى . فبينا نحن جلوس ذات
يوم دخل سائل يطلب شيئاً ، فقال له الخراسانى : لو قصدت الله
عز وجلى دون خَلْقه أَغناك . فقال السائل: مالى هذا المكان . فقال له
الخراسانى : أَى شىءٍ تريد ؟ فقال : ما سدّ فاقتى وستَرَ عَوْرَتِى .
فقام الخراسانى إلى المحراب وصلى ركعتين ثم أَتماه (١) بثوب
جَديد وطبق فيه فاكهة وأعطاه السائل .
قال ذو النون : فقلت له : يا عبد الله لك هذا الجاه عند الله
عز وجل وأَنت مناه سبعة أيام لم تطعَم شيئاً ؟ فجثا على ركبتيه وقال :
(١) ب : فأتاه .

١٧٧
يا أَبا الفيض، كيف نَبْسُط الأَلسن بالمسألة والقلوب ممتلئة
بأَنوار الرضا عنه ؟
قال ذو النون : فقلت له : فالراضون لا يسألون شيئاً . فقال :
منهم من يسأل مِن باب الادلال ، ومنهم من يملؤُه غلىّ به ، ومنهم
من يَسْتَخْرِج المسألة منه عطْفُه على غيره .
ثم أُقيمت الصلاة فصلىَّ معنا العشاء (١) الآخرة وأَخد ركْونه
وخرج من المسجد كأنه يريد الطهارة . فلم أَره بعد ذلك ((رضى الله
عنه وأرضاه )).
٧٢٠ - عابد من وراء النهر :
عبد الله بن الفرج قال : حدثنى ابراهيم بن أدهم بابتدائه كيف
كان ، قال :
كنت يوماً فى مجلس ((لى )) له مَنظرة إلى الطريق فإذا أَنا بشيخ
عليه أَطار ، وكان يوماً حاراً فجلس فى فَىْءٍ القصر ليستريح فقلت
للخادم : اخرُج إلى هذا الشيخ فأَقْرِئه منى السلام وسَله أَن يَدْخل
إلينا فقد أَخذ بمجامع قَلْبٍ .
فخرج إليه فقام معه فدخل إِلىَّ فسلم فردَدْت عليه السلام
واستَبْشَرت بدخوله ، وأَجلسته إلى جانبى وعرضتُ عليه الطعام فأَبِى
أن يأكل . فقلت له : من أين أَقبلت ؟ فقال : من وراءِ النهر .
فقلت : أين تريد ؟ قال : الحج إِن شاءَ الله . قال وكان ذلك أَول
يوم من العَشر أو الثانى . فقلت : فى هذا الوقت ؟ قال : يفعل الله
ما يشاءُ. فقلت : فالصّحبة ؟ فقال : إِن أَحْبَبْتَ ذلك .
(١) ق : عشاء . وأثبت ما فى ط .
( م ١٢ - صفة الصفوة جـ ٤)

١٧٨
حتى إذا كان الليل قال لى : قم فلبِست ما يصلح للسفر وأخذ
بيدى وخرجنا من بَلْخ فمررنا بقرية لنا فلقينى رجل من الفلاحين
فأَ وصَيْته ببعض ما أحتاج إليه فقدّم إلينا خبزاً وبيضاً ، وسألنا
أَن نأُكل فأكلنا ، وجاءَ بماءٍ فشربنا ثم قال : بسم الله قُم . فأخذ
بيدى فجعلنا نسير وأنا أنظر إلى الأَرض تُجْدَبُ من تحتنا كأنها
الموْج فمررنا بمدينة بعد مدينة فجعل يقول: هذه مدينة كذا ،
هذه (١) مدينة كذا ، هذه الكوفة . ثم إِنه قال لى الموعد ها هنا
فى مكانك هذا فى الوقت الفلانى ، يعنى من الليل .
حتى إذا كان الوقت إِذا به قد أَقبل فأَخذ بيدى وقال : بسم الله .
باسم الله . قال : فجعل يقول : هذا منزل كذا ، هذا منزل كذا ،
وهذا منزل كذا ، وهذه فِيْدورُ (٢)، هذه المدينة. وأَنا أَنظر إِلى
الأَرض تُجذَبُ من تحتنا كأنها الموج .
فصرنا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فزرناه ثم فارقنى وقال
لى : الوَعْد (٣) فى الوقت من الليل فى المصلى.
حتى إذا كان الوقتُ خرجت فإذا به فى المصلى فأخذ بيدى
ففعل كفعله فى الأولى والثانية حتى أَنينا مكة فى الليل ، ففارقنى
فقبضتُ عليه فقلت : الصُّحبة ؟ فقال: إنى أُريد الشام . فقلت :
أَنا معك . فقال لى: إذا انقضى الحجّ فالموعد ها هذا عند زمزم .
حتى إذا انقضى الحجَّ إذا أَنا به عند زمزم فأخذ بيدى فطفنا
بالبيت ثم خَرَجنا من مكة ففعل كفعله الأول والثانى والثالث ، فإذا
(١) ط : وهذه .
(٢) فيد: ( بفتح الفاء وسكون الياء) : منزل بطريق مكة ، من الكوفة .
(٣) ط : الموعد .
٤

١٧٩
نحن ببيت المقدس . فلما دخل المسجد قال لى : عليك السلام أَنا
على المقام ههنا إن شاءَ الله تعالى . ثم فارقنى فما رأيتهُ بعد ذلك
ولا عرفنى اسمه .
قال إِبراهيم : فرجعت إلى بلدى أَسير سَيْرِ الضَّعْفَى منزلاً بعد
منزل حتى رجعت إلى بلْخ فكان أول أَمرى .
قلت : قد انتهينا بحمد الله ومنّه إلى نهاية المشرق ونحن نعود
إلى مركزنا وهو مدينة السلام بغداد فنرتقى إلى ديار الشام والمغرب
والله الموفق .
فمن المصطفين من أهل عكبراء (١)
٧٢١ - أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة:
وكان عالماً عابدًا (٢)
القاضى أبو حامد أَحمد بن محمد اللؤلؤىّ قال: لما رجع
أَبو عبد الله بن بطة من الرّحلة لازم بيته أربعين سنة فلم يُرَ يوماً منها
فى السوق ولا رُئِىَ مُعطراً إلا فى يومَى الأَضحى والفطر ، وكان
أَمّاراً بالمعروف، ولم يبلغه خبرُ منكرٍ إِلا غيّره . أو كما قال .
أَحمد بن على قال أخبرنى القطيعى قال : تُوفىّ أَبوعبد الله بن بطة
فى المحرّم سنة سبع وثمانين وثلثمائة وكان شيخاً صالحًا مستجاب
الدعوة .
(١) ب: ((من عباد أهل عكبراء)). وعكبراء (بضم العين وفتح الباء) وقد تقصر
الألف : تبعد عن بغداد عشرة فراسخ .
(٢) ب : زاهداً .
٢

١٨٠
ذكر المصطفين من أهل الموصل
٧٢٢ - المعافى بن عمران أبو مسعود الازدى :
جمع العلم والتقوى والورع
على بن خشرم قال : سمعت بشرًا (١) الحافى ، وقال له رجل :
أَلا أَراك (٢) عاشقًا للمُعافَى بن عِمران، فقال: مالى لاأَعشقه، وكان
الثورى يسمّيه الياقوته .
وقال : حضرته يومًا فنُعِىَ إِليه ابناه، فما حلَّ حَبْوَته (٣) ، قال:
ظالمين أو مظلومين؟ قيل : مظلومين . فحلّ حَبْوَته وخرّ ساجدًا، ثم
رفع رأسه وقال : كيف كانت قصَّتهما؟ .
بشر بن الحارث قال : قتل للمعافى (٤) بن عمران ابنان فى وقعة
الموصل فجاءً إِخوانه يعزّونه من الغد فقال لهم : إن كنتم جئتم لتعزّونى
فلا تعزّونى ولكن هنِّئْونى . قال فهنّئوهُ(٥). قال: فما برحوا حتى
غَدّاهم وغلّفهم بالغالية (٦) .
يعقوب بن يوسف قال : قال بشر : كان المعافَى صاحب كَمدٍ ،
أُصيب بابنَيْن له قُتلا وأُصيب بماله، فما رئى عليه أَثر حزن ولاسُمع
فى (٧) داره صوت .
محمد بن مودود الموصلى قال : قيل للمعافى بن عمران : ما تَرى فى
الرجل يقرِض الشعر ويقوله ؟ قال : هو عُمرك فأَفْنِه بما شئت .
(١)• النسخ: بشر، والصواب ما أثبت.
(٢) كذا" النسخ. إلا أن أصحاب طبعة حيدر آباد ذهبوا فى صحيفة الخطأ والصواب
إلى أن صوابها : لأراك !! . ويمكن جعل ( ألا) أداة تنبيه، أو لعلها مقحمة .
(٣) الحبوة : ما يحتبى به ، أى يشتمل به من ثوب أو عمامة .
(٥) ط : فهنيناه .
(٤) ط : لمعافى.
(٦) الغالية : أخلاط من الطيب.
(٧) ط : من .