Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ لهم من المدينة ، من طُرَفها؟ فيقول : كذا . ثم يُخرجهم إلى مكة فإِذا وصلوا إلى مكة فقضَوا حوائجهم (١) قال لكل [رجل] منهم : ما أَمرَك عيالك أن تشترى لهم مِن متاعٍ مكة؟ فيقول : كذا وكذا . فيشترى لهم ويُخرجهم من مكَّة . فلايزال يُنفق عليهم حتى يَصيروا إلى مرو فإِذا وصلوا إلى مرو جَصَّص أبوابهم ودُورهم . فإذا كان بعد ثلاثة أيام صنَع لهم وَلِيمَةً وَكَسَاهم فإِذا أَكلوا وشربوا دعابالصندوق ففتحه ودفع إلى كلّ رجل منهم صُرّته بعد أَن كتب عليها اسمه . قال أبى : أَخبرني خادمه أنه عمل آخر سَفْرةٍ سافرها دعوة فقدّم إِلى النَّاس خَمْسة وعشرِين خِوانًا فالوذَجًا . قال : وبلغنا أنه قال الفضيل بن عياض : لولاك وأصحابك ما أتجرت : قال أبى : وكان ينفق على الفقراء فى كل سنة مائة ألف درهم . محمد بن عيسى قال : كان عبد الله بن المبارك كثير الاختلاف إِلى طَرَسُوس ، وكان ينزل الرّقة فى خَان، فكان شاب يختلف إليه ويقوم بحوائجه ويسمع منه الحديث . قال : فقدم عبد الله الرِّقة مرّةً فلم ير ذلك الشاب وكان مستعجلاً ، فخرج فى النَّفير (٢) فلما قفل من غزوته ورجع إلى الرّقة سأل عن الشاب فقالوا : إِنه محبوس لِدَیْن ركبه . فقال عبد الله : وكم مبلغ دَيْنه؟ قالوا عشرة ألف (٣) درهم فلم يزل يَستقصِى حتى دُلّ على صاحب المال فدَعا به ليلاً ووزن اه (١) ب : حجهم . (٢) النفير : القوم الذين ينفرون إلى الجهاد . (٣) كذا فى النسخ بافراد (ألف) وهو جائز لأن (الألف) يدل على معنى الجمعية ، فهو اسم جمع مثل قوم ورهط ( انظر النحو الوافى ٤ / ٥٠٦ ط ١٩٦٨ ). ١٤٢ عشرة آلاف (١) درهم وحلَّفه أن لايخبر أحدًا مادام عبد الله حيًا. وقال : إِذا أَصبحت فأَخرِج الرجل من الحبس . وأَدلجَ عبد الله ( ٢) وأُخرِج الفتى من الحبس ، وقيل له : عبد الله ابن المبارك كان هاهنا وكان يَذكرك ، وقد خرج . فخرج الفتى فى أثره فلحِقِه على مَرْحلتين أو ثلاثٍ من الرَّفّة ، فقال : يافتى أَين كنت؟ لم أرك فى الخان ؟ قال : نعم يا أبا عبد الرحمن كنت محبوسًا بِدَيْن . قال: وكيف كان سَبب خَلَاصِك ؟ قال : جاءَ رجل وقَضى دَيْنِى ولم أعلم به حتى أُخرِجت من الحبس . فقال له عبد الله : يافتى احْمَد الله على ماوفَّق لك من قضاءٍ دَيْنك . فلم يخبر ذلك الرجل أَحدًا(٣) إلَّا بعد موت عبد الله . سلمة بن سليمان قال : جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك فسأله أَن يقضىَ دَيْنًا عليه، فكتب إلى وكيلٍ له . فلما ورد عليه الكتاب قال له الوكيل : كم الدّين الذى سأَلتَ فيه عبد الله أَن يَقضيه عنك؟ قال : سبعمائة درهم . فكتب إلى عبد الله : إن هذا الرجل سألك أن تقضى سبعمائة درهم فكتبتَ له بسبعة آلاف ، وقد فَنيتْ الغَلَّات . فكتب إليه عبد الله : إن كانت الغلَّات قد فَنيت فإِنَّ العُمر أيضاً قد فَنِىَ (٤) فأَجْر له ما سَبَق به قلمى . وقد رُويت لنا هذه الحكاية أبسط (٥) من هذا. فأخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقى قالا : أَنبأً أَحمد قال أَنبأَ أَحمد بن (١) ق : ألف . (٢) سار ليلا . (٣) كذا فى النسخ ، فيكون المراد بالرجل صاحب الدين . (٤) ط : فنيت ، خطأ . (٥) أكثر تفصيلا . ١٤٣ عبد الله قال نبأً أَنى قال : نبأً محمد بن أحمد بن ابراهيم قال نبأ على بن محمد بن روح قال سمعت المسيّب بن واضح يقول : كنتُ عند عبد الله بن المبارك جالسًا إِذ كلَّموه فى رجل يَقضى عنه سبعمائة درهم دَيْنًا . فكتب إلى وكيله : إذا جاءك كتابى هذا وقرأته فادفع إلى صاحب هذا الكتاب سبعة آلاف درهم ، فلما ورَد الكتاب على الوكيل وقرأه التفت إلى الرجل فقال : أَىّ شىءٍ قَضْيتك؟ فقال: كلَّموه أن يقضى عنى سبعمائة درهم دَيْنًا . فقال : قد أَصبتُ فى الكتاب غلطًا ، ولكن اقعد موضعك حتى أُجرِىَ عليك من مالى وأبعثَ إلى صاحبى فأُوامِرِه(!) فيك . فكتب إلى عبد الله بن المبارك : أَتانى كتابك وقرأته وفهمتُ ماذكرت فيه، وسأَلتُ صاحب الكتاب فذكر أنه كلَّمك فى سبع مائة درهم وهاهنا سبعة آلاف . فإن يكن منك غَلطّ فاكتُب إِلىّ حتى أعمل على حسب ذلك . فكتب إليه : إِذا أَتاك كتابى هذا وقرأْتَه وفهمتَ ماذكرتُ فيه فادْفع إلى صاحب الكتاب أربعة عشر ألفًا . فكتب إليه : إِن كان على هذا الفعالِ تفعلُ فما أسرع ما تَبيع الضَّيعة . فكتب إليه عبد الله بن المبارك إِن كنت وكيلى فأَنفِذ ما آمُرك به ، وإن كنتُ أَنا وكيلَك فتعالَ إِلى مَوْضِعِى حتى أَصير إلى موضعك فأُنفِذ ما تأمُرنى به . ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَن فاجأً من أخيه المسلم فرحةً غفر الله له)(٢) فأحببت أن أُفاجئه فرحةٌ على فرحة . (١) أشاوره . (٢) الحديث لم أجده ، وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ان احب الاعمال الى الله بعد الفرائض ادخال السرور على المسلم . وفي الباب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لقى أخاه المسلم بما يحب ليسره بذلك ، سره الله عز وجل يوم القيامة . ١٤٤ مُعاذ بن خالد قال: تعرّفت إِلى إسماعيل بن عيَّاش بعبد الله (١) بن المبارك فقال اسماعيل بن عيَّاش: ماعلى وجه الأرض مثل عَبد الله بن المبارك ، ولا أَعْلمِ أَنَّ الله خلق خصْلة من خِصَال الخير إِلَّ وقد جعلها فى عبد الله بن المبارك ، ولقد حدثنى أصحابى أنهم صَحِبوه من مصر إلى مكة فكان يُطعمهم الخبِيصَ .، وهو الدهرَ (٢) صائمٌ . عبد الله بن حُبَيَق قال : قال رجل لابن المبارك : أَوْصِنى . فقال : اعرِفْ قدْرَك . سعيد بن يعقوب الطالقانِى قال : قال رجل لابن المبارك : هل بقىَ مَن ينصح ؟ قال فقال : وهل تَعرف من يقبل؟ . عبدة بن سليمان قال : كنا فى سَرِيَّة مع عبد الله بن المبارك فى بلاد الروم فصادفنا العدوّ فلما التقى الصفَّان خرج رجل من العدو فدعا إلى البِراز . فخرج إليه رجل فَطَاردَه ساعة فطعنه فقتله ، ثم آخر فقتله . ثم دعا إلى البِراز فخرج إليه رجل فطاردَه ساعة فطعنه فقتله . فازدحم عليه الناس وكنتُ فيمن ازدحم عليه فإذا هو مُلَنِّم(٣) وجهَه بكمّه فأَخذت بطرف كُمّه فمددتُه فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال: وأنت يا أَبا عَمْرو ممّن يشنّع (٤) علينا . أَبو وهب قال : مرّ ابن المبارك برجل أَعمى فقال : أَسأَلِك أَن تدعو الله أَن يَرُدّ بصرى . قال: فدعا الله فردّ عليه بصره وأَنا أَنظر. (١) أى بوساطة عبد الله. ط: لعبد الله، تحريف. (٢) الدهر : ظرف زمان منصوب ، أى طوال الدهر . (٣) ط: يلم. (٤) شنع عليه: كثر عليه الشناعة ، وهى القبح . ١٤٥ الحسن بن عرفة قال : قال لى ابن المبارك : استعرت قلمًا بأَرض الشام فذهب على أن أُرده إلى صاحبه فلما قدمت مرْو نظرت فإِذا هو معى ، فرجعتُ يا أَبا علىّ إلى أرض الشام حتى رددتُه على صاحبه شريح بن مسلمة قال : سمعت عبد الله بن المبارك يَقُول : كاد الأَدب يكون ثُلشَى الدِّين . أبوبكر بن عبد الله بن حسن قال : قال ابن المبارك: طَلَيْنَا العلم للُّنيا فدلَّنا على ترك الدنيا . أَحمد بن الزِّبْرِقان قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: إِن الصّالحين فيما مضى كانت أَنفسهم تُواتيهم على الخير عفْوًا وإِنّ أنفسنا لاتكاد تُواتينا إِلَّا [على] كُرهٍ فينبغى لنا أَن نُكرِهَها . عن القاسم بن محمد قال : كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيرًا ما كان يخطر ببالى فأَقُول فى نفسى: بأَىَّ شىءٍ فُضِّل هذا الرجل علينا حتى اشتهر فى الناس هذه الشهرة؟ إِن (١) كان يصلى إِنَّا لنصلى، ولئن (٢) كان يصوم إِنَّا لنصوم، وإِنْ كان يغزُو فإِنا لنغزو(٣) ، وإِن كان يحج إِنَّا لنحجّ . قال : فكنًّا فى بعض مَسيرنا فى طريق الشام ليلةً نتعشَّى فى بيتٍ إِذ طَفِئَ السراجُ فقام بعضنا فأخذ السراج [ وخرج يَستصبح (٤) فمكث هنيهة ثم جاءَ بالسّراج ] فنظرتُ إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلَّت من الدموع ، فقلت فى نفسى : بهذه الخشية فُضِّل هذا الرجل علينا، ولعله حين فَتقدَ السراج فصار إلى الظُلمة (٥) ذكَر القيامة. (١) كذا فى النسخ، والصواب: ( لئن). (٢) ط : وإن . (٣) ق: إنا لنغزو. ب : إنا نغزو . (٤) استصبح: أوقد المصباح واستضاء. والمراد خرج يبحث عما يوقد به المصباح . (٥) ب : إلى الظلمة . (م .١ - صفة الصفوة جـ ٤) ١٤٦ قال المرْوَزِىّ : وسمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل قال : مارفع الله ابن المبارك إلَّ بخبيئةٍ كانت له . قال المروزىّ : وأخبرت عن داود بن رشيد قال : كان ابن المبارك عند أبى الأَخْوص فجاءَ رسول فلانِ الهَاشمىّ (١) بعض الولاة. فقال : يُقرئك السلام ويقول: يا أَبا الأحوص هذا شهر رمضان وقد وسَّعنا على عيالنا وهذه ألف درهم تُوسّعُ بها عليهم فى هذا الشهر . قال أَبو الأَحوص : فَعل الله به وفعل به (٢). وقال: قل له يَدَعُها عنده حتى إِذا احتَجنا إِليها بعثْنا فأَخذْناها . قال : وانسلّ ابن المبارك إلى منزله فجاءَ بأَلف فقال : يا أبا الأَحوص هذه الأَّلف تُنفقها فإِنِّى لا آمنُ أَن يكون قد بلغ أَهلك فيخاصمونك ، وهذه من وجه أرجو أن تكون أَطيب فقبِلها . الحسن بن الربيع قال : سمعت ابن المبارك حين حضرته الوفاة وأَقبل نُصَير يقول له . يا أبا عبد الرحمن، قل لا إله إلَّ الله. فقال له . يا نُصَير قد تَرى شدّة الكلام علىّ فإذا سمعتَنِى قُلتُها فلا تردّها علىّ حتى تَسْمَعنى قد أَحدثتُ بعدها كلامًا ، فإِنما كانُوا يستحبّون أَنْ يَكُون آخر كلامِ العَبْد ذلك . أَدرك ابن المبارك جماعةً من التابعين منهم . هِشَام بن عروة ، وإسماعيل بن أبى خالد، والأعمش ، وسليمان التيمى ، وحُميد الطويل ، وعبد الله بن عون ، وخالد الحذاء ، ويحيى بن سعيد الأنصارى ، وموسى بن عقبة ، فى آخرين . (١) ق : الشامى . وأثبت ما فى ط . (٢) قط : له . ١٤٧ وروى عن كبار الأَّئمة. كالثورى وشُعبة والأوزاعى والحمّادَيْن فى نُظرائهم، وكان أحد أئمة المسلمين . وتوفىّ بِهِيتَ (١) منصرفًا من الغزو لثلاثَ عشرةَ خلَت من رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة ، وهو ابن ثلاث وستين سنة . محمد بن فضيل بن عياض قال . رأيت عبد الله بن المبارك فى المنام فقلت . أَىَّ الأَعمال وجدتَ أَفضل؟ قال. الأَمر الذى كنتُ فيه. قلت: الرّباطُ. والجهاد؟ قال: نعم - قلت: فأَىَّ شىءٍ صَنع بك ربك؟ قال : غفرلى مغفرة مابعدها مغفرة وكلَّمتنى (٢) امرأة من أَهل الجنة أو امرأة من الحُور العِين . ٦٩٦ - أبو عبد الله محمد بن نصر المروزى الفقيه : لبث مع أُمه ثلاثين شهرًا (٣). أَبوه مَرْوَزىّ. وولد هو (٤) ببغداد ، ونشأ بنيسابور، واستوطن سَمَرْقند ، وكان عالماً بالحديث والفقه . أبو محمد الثقفى عبد الله بن محمد قال : سمعت جدى يقول : جالست أبا عبد الله المروزىّ أربع سنين فلم أَسمعه طولَ تلك المدة يتكلم فى غير العلم . أبو بكر أحمد بن إسحاق قال : ما رأيت أَحسن صلاةً من أَبِى عبد الله المروزى ، ولقد بلغنى أَن زُنبورًا قعد على جبهته فسال الدم على وجهه ولم يتحرّك . (١) هيت: ناحية فى العراق (لواء الديلم) عندها كانت القوافل تقطع الفرات فى طريقها بين بغداد وحلب . واشتهرت قديماً بالتمر والقمح والخمر . وبالقرب منها ينابيع النفط . (٢) قط : وزوجتى . (٣) أى مكث فى بطن أمه هذه المدة . وهذه الجملة زيدت فى هامش ق وبعدها كلمة (صح). (٤) هو : ساقطة من ط . ١٤٨ محمد بن نصر قال : خرجت من مصر ومعى جارية لى ، فركبت البحر أُريد مكة، فغرقت وذهبَ منى أَلفا جُزْءٍ، وصرتُ إلى جزيرة أَنا وجاريتى فما رأينا فيها أَحداً، وأَخذنى العطش فلم أَقدر على الماء ، فاجهدت فوضعت رأسى على فخذ جاريتى مُستسلماً للموت فإذا رجل قد جاءنى ومعه كوز . فقال لى: هاه . فأخذت وشربت وسَقيت الجارية . ثم مضى فما أدرى من أين جاءً ولا أَين (١) ذهب. أَسند المروزى عن عَبدان ويحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وخلق كثير يطول ذكرهم . وكان مولده فى سنة ثنتين (٢) ومائتين، وتوفى سنة أربع وتسعين (٣). ٦٩٧ - عبد الله بن أحمد محمد الرباطى المروزى لبث مع أمه خمس سنین(٤) وهو الذی یقال له ابن شبويه(٥) : سافر مع أبى تراب النّخشبى ، وكان الجُنيد بمدحه ويقول : هو رأس فتيان خراسان . مصعب بن أحمد بن مصعب قال : قدِمٍ أَبو محمد المروزى إلى بغداد يريد مكة ، وكنت أَجب أَن أَصحبه ، فأَتيته واستأذنته فى الصحبة فلم يأذن لى فى تلك السنة . ثم قدِمِ سنةً ثانية وثالثة فأُّنيته فسلمت عليه وسألته فقال : اعزم على شَرْطِ : يكون أَحدنا الأَمير لا يخالفه الآخر . فقلت أَنت الأَمير . فقال : لا بل أَنت فتقلت : أَنت أَسنّ وأَولى . فقال : فلا تعصنى . فقلت : نعم . (١) ب : من أين. (٢) ط: ثلاثين، خطأ. انظر النجوم الزاهرة ١٦١/٣ ومفتاح السعادة ٣١٠/٢. (٣) أى ومائتين . (٤) هذه الجملة زيدت فى هامش ق وبعدها: (صح) بخط مخالف . (٥) قط: شمويه . وكلمة (ابن) ساقطة من المطبوع . ١٤٩ فخرجت معه وكان إذا حضر الطعام يُؤْثرنى فاذا عارضته بشىءٍ قال : ألم أَشرط. عليك أَن لا تخالفنى ؟ فكان هذا دَأْبنا حتى ندمت على صحبته لما يُلحق نفسه من الضَّرر . فأَصابنا فى بعض الأيام مطر شديد ونحن نسير فقال لى : يا أَبا أَحمد اطلب الميل(١). ثم قال لى: اقعد فى أَصله فأَقعدنى فى أصله وجعل يديه على الميل وهو قائم قد حنا (٢) علىّ، وعليه كساء قد تَجَلل به يُظِلّنى من المطر حتى تَمَنَّيْتُ أَنّى لم أُخرج معه لما يُلحق نفسه من الضرر . فلم يزل هذا دَأْبَه حتى دخل مكة رحمة الله عليه (٣). ٦٩٨ - عبد الله بن المنير المروزى (٤) لبث فى بطن أمه ما شاء الله (٥) : يحيى بن بدر القرشى قال : كان عبد الله بن مُنير يوم الجمعة قبل الصلاة بتمزوين فإذا كان فى وقت صلاة الجمعة يرونه فى مسجد آمل (٦) فكان الناس يقولون: إِنه يمشى على الماء . فقيل له: يا أَبا محمد إِنك تمشى على الماء ؟ قال : أَمّا المشى على الماء فلا أَدرى ، ولكن إذا أراد الله عز وجل جمع حافتَىْ النهر حتى يَعْبُرَ الإِنسان . قال : وكان عبد الله بن منير إذا قام من المجلس يخرج إلى البرّية مع قوم من أصحابه يجمع شيئاً مثل الأَشنان وغيره فيدخل السوق فيبيع ذلك فيتعيش (٧) به . (١) الميل: حجر قائم يبنى للمسافر ولا سيما فى طريق مكة للاهتداء به وإدراك المسافة. وبين كل ميل وآخر مقفار مدى البصر . (٢) عكف ومال . ورسمت فى النسخ : حنى . (٣) الجملة الدعائية ليست فى ط . (٤) بعدها فى ط : رضى الله عنه . (٥) هذه الجملة ليست فى ط . (٦) آمل (بضم الميم) : أكبر مدينة فى طبرستان . (٧) ط : فيعيش . ١٥٠ قال: فخرج يومًا مع أصحابه فإذا هو بالأسد رابض(١) على الطريق ، فقيل له : هذا الأَسد فقال : لأصحابه : قفوا . ثم تقدم هو وحده إلى الأُسد فلا ندرى ما قال له ، فمرّ الأَسد ، فقال لأَصحابه مُرّوا . انتهى ذكر أهل مرو . [ رضى الله عنهم] . ذكر المصطفين من أهل بلخ(٢). ٦٩٩ - الضحاك بن مزاحم الهلالى يكنى أبا القاسم: حملت به أُمه سنتين، وكان يعلم ولا يأخذ أجراً (٣) أَصله من الكوفة ثم أَقام بِبَلْخ . قَبِيصة بن قيس العَنْبرى قال : كان الضحاك بن مُزَاحم إذا أمسى بكى فيُمالُ له(٤): ما يبكيك؟ فيقول: لا أَدرى ما صَعَد اليوم من عَمِلِى . توفى الضحاك سنة ثِنْتَين(٥) وقيل سنة خمس ومائة. ٧٠٠ - عطاء بن أبى مسلم : حملت به أَمه ثلاث سنين . وفى اسم أبيه قولان أحدهما مَيسرة والثانى عبد الله . وفى كنية عطاء قولان : أَجدهما أَبو عثمان ، والثانى أَيّوب وأَصله من بَاخ ، وكان من أَهل العلم والصلاح . عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال : كنا نُغَازِى عطاءَ الخراسانى (١) ق : رابط . (٢) بلغ ( بفتح فسكون ) : كانت القصبة السياسية لولاية خراسان فتحها الأحنف ابن قيس ، اجتاحتها قبائل جنكيز خان فدمرتها . (٣) ب : أجرة. (٤) ب : فقيل له . (٥) كذا فى ط: وقد أزيل موضعها فى ق وكتب بدلا منها ((ست)). ١٥١ فكان يُحيى الليل [ كله] صلاةً فإذا ذَهب من الليل ثُلثه أَو نصفهُ نادانا وهو فى فُسطاطِه يُسمعنا : يا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، يا يزيد بن يزيد ، يا هشام بن الغاز (١) يا فلان بن فلان ، قوموا فتوضَّؤا وصلّوا فإِنّ قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شُرب (٢) الصّديد ومقطعات الحديد، الوحى الوحَى (٣) النّجاءَ النجاءَ ثم يُقبل على صلاته . عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال : حدثنى عمّى يزيد بن يزيد بن جابر ، عن عطاء الخراسانى أنه كان يقول : إنى لا أوصيكم بدنياكم ، أَنتم بها مستَوْصَوْن ، وأنتم عليها حِراص ، وإنما أوصيكم بآخرتكم فخذوا من دار الفَنَاءِ لدار البقاء ، واجعلوا الدنيا كشىءٍ فارقتموه ، فوالله لتفارِقُنَّها ، واجعلوا الموت كشىءٍ ذُقْتموه ، فوالله لتذوقُنّه، واجعلوا الآخرة كشىءٍ نزلتموه ، فوالله لَتْزِلُنّها ، وهى دارُ الناس كلِّهم ليس من الناس أحدٌ يخرج لسفر إلاَّ أَخَذ له أُهبَته، فمن أَخذ لسفَره الذى يُصلحه اغتَبط.، ومن خرج إلى سفرٍ لم يأخذ له أُهبته ندِمٍ فإِذا ضَحِىَ لم يجد ظلاّ ، وإِذا ظمىءَ لم يجد ماءً يتروّى به ، وإنما سفَر الدنيا منقطع ، وأَكْيس الناس من قام يتجهّز لسفَرٍ لا ينقطع . يزيد بن سمرة أنه سمع عطاءً الخراسانى يقول : مَجَالس الذكر هى مجالس الحلال والحرام . (١) هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشى الدمشقى نزيل بغداد. ثقة، مات سنة مائة وبضع وخمسين . ق : الغار . (٢) ق : شراب، وأثبت ما فى ط . (٣) يقال ذلك فى الاستعجال، أى البدار البدار . والوحى : العجلة . ٠١٥.٢ الأوزاعى قال: حدّثنى عطاءُ الخراسانى قال : ما مِن عبدٍ يسجد لله سجدة فى بقعة من بقاع الأرض إلا شهدَتْ له يوم القيامة وبكَت عليه يوم يموت . عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال : إِن أَوْثَق عَملى فى نفسى نَشْرِى للعلم (١). عمر بن أبى خليفة قال : سمعت عطاءً الخراسانى ، وصَلَى معنا المغرب فأَخذ بيدى حين انصرفنا ، فقال : ترى هذه الساعةً ما بين المغرب والعشاء ؟ فانها ساعة الغفلة وهى صلاة الأوابين (٢). أَسند عطاءُ عن ابن عمر ، وابن عباس ، وأَنس ، وأَبى هريرة ، فى آخرين . وتوفى سنة خمس وثلاثين ومائة . ٧٠١ - إبراهيم بن أدهم يكنى أبا اسحاق (٣): يونس بن سليمان البلخى قال : كان إبراهيم بن أدهم من الأشراف وكان أبوه كثير المال والخَدم ، فخرج إبراهيم يوماً فى الصّيد مع الغلْمان والخدم والجَنائب (٤) والبُزَاة. فبيْنَا إِبراهيم فى ذلك وهو على فرسه يَركُضه (٥)، إِذا هو بصوت من فوقه: يا إبراهيم ما هذا العَبَث ؟ ((أَفحسِبْتُم أَنّما خلَقنا كم عَبَئاً وأَنّكم إلينا لا ترجعون؟ (٦))) إتق الله وعليك بالزّاد ليوم الفاقة . قال : فنزل عن دابّته ورَفض الدنيا وأخذ فى عمل الآخرة . (١) ط : نشر العلم. (٢) قط : الأولين . (٣) زيد بعدها فى هامش ق هذه العبارة: ((ليس أبوه بملك خراسان من الكبار والده))؟ (٤) مفردها جنيبة وهى الدابة ترسلها إلى جنبك . (٥) يحمله على الركض ويستحثه برجليه . (٦) المؤمنون (١١٥). ١٥٣ بشير بن المنذر قال : كنت إذا رأيت إبراهيم بن أدهم كأنه ليس فيه روح لو نفخته الريح اوقع قد اسود متدرّع بعَبَاء . إبراهيم بن بشار قال : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : ما كانت لى مُؤنةٌ قطّ. على أصحابى ولا على غيرهم إِلاَّ فى شىءٍ واحد. فقلت أى شىءٍ يا أَبا إسحق ؟ فقال: ما كنت أُحسِن أُكْرِى نفسى(١) فى الحَصّادين، فيحتاجون إلى أَن يُكرونى، ويأخذون لى الأُجرة . فهذه كانت مؤْنتى عليهم : قال ابن بشار ومضيت مع ابراهيم بن أدهم إلى مدينة يقال لها طرابلس ومعى رغيفان مالنا شىءٌ غيرهما وإِذا سائلٌ يسأل ، فقال لى: ادفع إليه ما معك فَتَلَبّئتُ (٢). فقال: لى: مَالَك؟ أَعطه. فأعطيتُه وأَنا متعجب من فعله. فقال لى: يا أبا إسحاق إِنك تلقى غدًا ما لم تلقه قطّ. واعلم أنَّك تلقى ما أسلفتَ ولا تَلقى ما خلّفت. فمهِّد لنفسك فإنك لا تدرى متى يَفْجَؤُك أَمْرُ ربّك. قال : فأَبكانى كلامه وهوّن علىّ الدنيا . فلما نظر إلىّ أَبكى ، قال : هكذا فكُن . قال ابن بشار : وخرجت أَنا وابراهيم بن أدهم ، وأَبو يوسف الغَسُولى، وأَبو عبد الله السّنْجارى ، نريد الاسكندرية فمررنا بنهر يقال له نهر الأَرْدُنَّ فقعدنا نَسْتَرِيح وكان مع أبى يوسف كُسَيْرَاتٌ يابسات. فألقاها بين أيدينا فأَكلناها وحمدنا الله عزّ وجل . فقمتُ أَسعى أتناول ماءً لابراهيم فبادر إبراهيم فَدَخَل النَّهر حتى بلغ الماءُ إِلى رُكبتيه . فقال بكفّيه فى الماء (٣) فملأَهما ثم قال: بسم الله. وشرب الماء ثم قال : (١) أكرى نفسه: أجرها ، من الأجرة . (٢) تلكأت وتمهلت . ط : فتثبت ، تحريف . (٣) أى جمع بينبما وغرف بهما من الماء . والقول هنا بمعنى الإشارة والحركة . ١٥٤ الحمد لله ، ثم ملاًّ كفيه وقال : بسم الله ، وشرب الماءَ ، ثم قال : الحمد لله . ثم إنه خرج من النهر فمدَّ رجليه ثم قال : يا أَبا يوسف لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسّرور لَجَالَدُونا عليه بالسّيوف أَيامَ الحياة . فقلت يا أَبا إسحاق طلب القومُ الراحة والنّعيم فأَخْطأُوا الطريق المستقيم . فتبسم وقال من أين لك هذا الكلام ؟ . قال ابن بشار : مررنا مع ابراهيم بن أدهم بمقْبَرَة فتقدم إلى قبر فوضع يده عليه ثم قال : رحمك الله يافلان. ثم تقدّم إلى آخر فقال مثل ذلك . فعل ذلك بسبعة من القبور ثم قام قائماً بين تلك القبور فنادى يا فلان يافلان ، بأعلى صوته ، لقد مِتّم وخلَّفتمونا ونحن بكم سريعاً لا حقون . ثم بكى وغَرَق فى فِكره ثم رجع بعد ساعة فأَقبل إلينا بوجهه ، ودموعُه تنحدر كاللؤلؤِ الرَطْب وقال : إخوتى ، عليكم بالمبادرة والجدّ والاجتهاد ، سارعوا وسابِقوا فإِنّ نَعْلاً فَقدت أُختها سريعة اللّحاق بها . شقيق بن ابراهيم قال : بينا نحن ذات يوم عند إبراهيم بن أدهم إِذْ مرّ به رجل فقال ابراهيم : أليس هذا فلان (١) ؟ فقيل: نعم . فَقال لرجل : أَدركه فقل له : قال لك إبراهيم: لِمَ لَمْ تُسَلِّمْ ؟ فقال لهُ. فقال: والله إِن امرأتى وضعت وليس عندى شىءٌ، فَخرجت شبْهَ المجنون . قال: فرجعت إلى إِبراهيم فقلت له، فقال: إِنّا لله ، كيف غَفَلنا عن صاحبنا حتى نَزل به هذا الأمر ؟ وقال : يا فُلان إيتِ صاحب البستان فاستسلف منه دينارين ، فادخُل السوق فاشتَرٍ له ما يُصلحه بدينار ، وادفع الدينار الآخر إليه . (١) فى النسخ : فلان ، والصواب ما أثبت لأنه خبر ليس . ١٥٥ فدخلت السّوق فأَوْقَرْتُ(١) بدينار من كل شىءٍ وتوجهت إليه فَدققت الباب فَقالت امرأته : مَن هذا ؟ قلت : أَنا ، أَردت فُلاناً . قالت : ليس هوَ ههنا . قلت: فَمُرى بفتح الباب وتَنحِّى. قال : ففتحت الباب فأَدخلت ماعلى البعير وأَلقيته فى صحن الدار وناولتُها الدينار . فقالت : على يَدئْ مَن بُعث هذا ؟ فقلت : قولى على يد أخيك إبراهيم بن أدهم ، فقالت : اللهم لاتنس هذا اليوم لإبراهيم . قال شقيق : وقلت لإبراهيم : يا إبراهيم تركت خراسان . فقال : ما تهنّيت بالعيش إلا فى بلاد الشام ، أَفِرَّ بدينى من شاهقٍ إِلى شاهق ، ومن جبل إلى جبل ، فمن يرانى يقول هو مُوَسْوَس ، ومن يَرانى يقول : هو جمَّال. ثم قال لى: يا شقيق لم يَنْبُل عندنا من نَبُل بالحجّ والجهاد إِنما نَبُل مَن كان يعقل ما يَدخُل جوفَه، يعنى الرغيفين ، من حِلِّه . يا شقيق ماذا أَنعم الله على الفقراء ؟ لا يسألهم يوم القيامة لا عن زكاة ولا عن حج ولا عن جهاد ولا عن صلةِ رَحمٍ ، إنما يسأل هؤلاء المساكين ، يعنى الأغنياء . أحمد بن داود قال : مر يزيد بإبراهيم بن أدهم وهو ينطر كَرْماً . فقال : ناوِلْنا من هذا العنب . قال : ما أذن لى صاحبه . قال : فقلبَ السّوط. فجعل يقنّع رأسَه . فطاطاً ابراهيم رأسه وقال : اضرب رأساً طالما عصى الله عز وجل فأَعجز الرجل عنه . على بن بكار قال : كنا جلوساً بالْمَصِيصَة وعندنا إِبراهيم بن أدهم ، فقدم رجل من خراسان فقال : أَيكم إبراهيم بن أدهم ؟ (١) أوقر الدابة : حملها ثقيلا . ١٥٦ فقال القوم : هذا . قال : إِنّ إخوتك بعثونی إليك فلما سمع ذِكْر إخوته قام فأخذ بيديه فنحاه . فقال : ما جاءً بك ؟ فقال أَنا مملوكك ، معى فرس وبغلة وعشرة آلاف درهم بعث بها إِليك إخوتك . فقال : إِن كنت صادقاً فأَنت حُرُّ ، وما معك لك ، اذهب فلا تخبر أَحدًا . فذهب . يحيى بن الكُدَير بن أَسوَد الكلابى من أَهل عَسْقَلآن (١) قال : كان إبراهيم بن أدهم أَجيرًا فى بستانٍ لى سنةً أَبتذله (٢) فيما يُبتذَل الأَجير . فزارنى إِخوان لى فى بستانى فقلت لإِبراهيم : ايتنا برمّانٍ حُلو. فجاءً برمّان لم نحمده . فقلت له : أَنْت فى هذه البستان منذ سنة لا تعرف موضع الجيّد الحلو من الحامض؟ قال: فأَّىّ موضع هو من البستان؟ فوصفْتُه له فأَنكرتُ أَمره، وإذا رجل قد أقبل على نَجيب(٣) يسأل عن إبراهيم بن أدهم . فأُخْبر بمكانه عندى . فنزل إليه فرأيته قد قبّل يديه وعظّمه. فقال له ابراهيم : ماجاءَ بِكَ؟ فقال: مَاتَ بعض مَوَاليك فجئتك بميراثه ثلاثين ألف درهم . فقال : مالكم واتِّبَاعِى؟ فقال الرجل : قد تَعَنَّيْت من بَلْخ فاقْبلها منى : فقال للرجل : ابسُط إزارك، وصُبّ عليه مامعك . ففعل : فقال ابراهيم : اقسمه ثلاثة أقسام . فقَسَمه . فقال : ثُلث لك لِعَنَائِك من بلْخ إِلى هاهنا وثُلث اقسِمه على المساكين بِبْلخ، وثُلث أَنْتَ يايحيى اقسِمه فى مساكين أَهل عَسْقَلَّان . (١) مدينة واقعة على ساحل فلسطين جنوباً، اشتهرت فى الحروب الصليبية . خربها السلطان بيبرس سنة ١٢٤٧ م . (٢) استخدمه وأشغله . (٣) الدابة الأصيلة النفيسة فى نوعها . ١٥٧ أبوسليمان الدّارانى قال: صلَّى إبراهيم بن أدهم خمس عشرة صلاة بوضوءٍ واحد . عن مخلد بن الحسين قال : ما انتبهتُ من الليل إلا أصبت إبراهيم بن أَدهَمْ يذكُرُ الله فأَغتمَّ ثم أَتعزَّى بهذه الآية (ذلك فَضْلُ الهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ)(١). عبد الملك بن سعد الدمشقى قال : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : أَعْرَبْنَا الكلامَ فما نَلْحَنِ، ولَحنًّا فى الأَعْمال فما نُعْرِب . عبد الله بن الفرج العابد قال : اطلعت على إبراهيم بن أدهم بالشام فى بستان، وهو نائم وعند رأسِه أَفعى فى فيها طاقةُ نرجس تَذُبّ عنه . موسى بن طريف قال : ركب ابراهيم بن أَدهم البحر فأخذَتْهم ريح عاصف فأشرفوا على الهلكة فلفَّ ابراهيم رأسه فى عباءةٍ ونام . فقالوا له : ما ترى مانحن فيه من الشدة ؟ فقال : ليس ذا شدّة . قالوا : ما الشِّدّة ؟ قال : الحاجة إلى النَّاس. ثم قال: اللهم أَرَيتَنا قُدرَتِك فأَرِنا عَفْوَك . فصار البحر كأَنَّه قَدَح زيتٍ . خلف بن تميم قال : كنت عند أبى رجاءِ الهَرَوىّ فى مسجده، فَأَتَى رجل على فرس فنزل فسلَّم عليه وَوَدّعه . فأَخبرنى أبورجاء عنه أَنه كان مع إبراهيم بن أدهم فى سفينةٍ فى غُزاة فى البحر ، فَعَصَفَتْ عليهم الريح وأَشرفوا على الغرق فسمعوا فى البحر هاتفًا يهتف بأَعْلى صوته : تخافون وفيكم إِبراهيم ؟ . ابراهيم بن عبد الله بن محمد البلخى ، عن ابراهيم بن أدهم قال وجدت يومًا راحةً فطاب قلبى لحُسن صَنيع الله بى فقلت : اللهم إِن (١) المائدة : (٥٤) . ١٥٨ كنتَ أَعطيتَ أَحدًا من المحبِّين لك ماسكَّنتَ به قلوبهم قبل لقائك، فَأَعْطِى ذلك ، فلَقَدْ أَضرَّ بِى القلق : قال ابراهيم : فرأيت الله تعالى فى النوم ، فوقَفى بين يديه وقال لى: يا إبراهيم ما استَخْيَيْتَ منى؟ تسألنى أَن أَعطيك ما تسكّن به قلبك قبل لقائى ، وهل يسكُن قلبُ المشتاق إلى غير حبيبه؟ أم هل يستريح المحبّ إِلى غير من اشتاق إليه؟ فقلت : ياربّ تِهِتُ فى حبّك فلم أَدر ما أقول : اقتصرنا من أخبار ابراهيم على هذا القَدْر لأَنَّا قد وضعنا كتابًاً جمعنا فيه أخباره فكرهنا الإِعادة فى التَّصَانيف . وقد روى إبراهيم عن جماعة من التابعين : كأبى إسحاق السُّبَيْعى وأبى حازم وقتادة ومالك بن دينار وأَبَان والأعمش وغيرهم، وقد روى عن خلق من تابِعِى التَّابعين إلا أنه شافة بعض من روى عنه ، وأرسل الرواية عن بعض، وتوفَّى بالجزيرة، فحُمل إلى صُورفدفن هنالك . ٧٠٢ - داود البلخى : لبث مع أمه أربعين شهرًا (١) ابراهيم بن أدهم قال : لقيت أسلم بن زيد الجُهَنى فقلت له: إِنَّى صَحِبْتُ رجُلاً مِنَ الكوفَةِ إِلى مكَّة فرأَيْته إذا مشى يُصلّى ركعتين ثم يتكلم بكلام خّ بينه وبين نفسه فإذا جَفْنة من ثَريدٍ عنيمينه وكُوزُماءٍ، وكان يأكل ويُطْعمنى . فبكى وقال : يابنى ذاك أَخى داود ، ومسكنه من قرى بلغ بقرية يقال لها المازرة الطيِّبة ، وإنها تفاخر البقاع بِكَيْنونة داودَ فيها ، ياغلام ماقالَ لك وما علَّمك ؟ قلت : علَّمني. إِسْم الله الأعظم . قال : وماهو؟ قلت : إنه يَتَعاظم علىّ أَن أَنطق به فإِننى سأَلت به مرَّةً فإذا برجل آخِذ بحُجْزَتى فقال : سَل (١) أى مكث فى بطن أمه هذه المدة . والعبارة ليست فى ط . ١٥٩ تُعْطَهْ(١). فراعنى ذلك وفَزِعْت فَزَعًا شديدًا فقال : لارَوْع عليك أَنا أَخوك الخَضر، إِنَّ أَخى داود علَّمك اسم الله الأعظم فإياك أن تدعو به على رجل بينك وبينه نَزْع (٢) فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة ، ولكن ادعُ الله أَن يثبّت به قلبك، ويشجّع به جَبنك ، ويُقوِّى به ضَعفك ويُؤنس به وَحْشَتك، ويُؤْمِنَ بِه رَوْعتك . ٧٠٣ - شقيق بن ابراهيم البلخى : لبث فى أُمه ستة وثلاثين شهرًا (٣) يكنى أبا علىّ. أَحمد بن عبد الله الزاهد قال : قال علىّ بن محمد بن شقيق : كان لجدّى ثلثمائة قرية ولم يكن له كفَن يكفَّن فيه ، قَدَّم ذلك كلَّه بين يديه، وثيابه وسيفُه إلى الساعة معلَّق يَتَبرّكون به ، وكان قدخرج إلى بلاد الترك لتجارة وهو حدث فدخل إلى بيت أصنامهم ، فقال لعاملهم : إن هذا الذى أَنت فيه باطل ، ولهذا الخلق خالق ليس كمثله شىءٌ، رازقُ كلّ شىءٍ . فقال له الخادم : ليس يوافق قولُك فِعلَك . فقال له شقيق : كيف؟ قال : زعمت أَن لك خالقًا قادراً على كل شىءٍ، وقد تَعَنَّيت إلى هاهنا لطلب الرزق. قال شقيق : فكان سببَ زهدى كلامُ التّركىّ . فرجَع فتصدّق بجميع ماملك وطلب العلم. قال أبو عبدالله : سمعت شقيق بن ابراهيم يقول : خرجت من ثلثمائة ألف درهم وكنت مُرابيًا (٤) ولبست الصوف عشرين سنة وأَنا لا أعلم ، حتى لقيت عبد العزيز بن أبى رَوّاد ، فقال لى : ياشقيق (١) الهاء للسكت. (٢) كذا ، يريد النزاع والخصومة . (٣) هذه الجملة زيدت فى ق بخط مخالف . وليست فى ط . (٤) ط: مرائياً. والتصويب من ق والحلية (٥٩/٨). .. " ١٦٠ ليس الشَّأن فى أكل الشعير ، ولالباس الصوف والشعر، الشأن فى المعرفة ، وأن تعبد الله لاتشرك به. فقلت : فَسِّر لى هذا . قال : يكون جميع ما تعمله لله خالصًا . ثم تلا : (فَمن كان يَرجُو لقاءَ رَبّه فلْيعمَلْ عملاً صالحًا ولايُشْرِكْ بعبادة رَبّه أَحدًا)(١). محمد بن أبى عمران قال : سمعت حاتمًا الأَصمَّ يقول : كنا مع شقيق البلخى ونحن مُصافُوا الترك ، فى يومٍ لاأرى فيه إِلا رؤوساً تندُر ، (٢) وسيوفًا تقْطَع . فقال لى شقيق ، ونحن بين الصفِّين : ياحاتم كيف ترى نفسك فى هذا اليوم؟ تراها مثلها فى الليلة التى (٣) زُقَّت إليك امرأتك. فقلت: لا والله. فقال: اكتِّى [والله] أَرى نفسى فى هذا اليوم مثلها فى الليلة التى زُقَّت فيها امرأتى. قال : ثم نام بين الصفَّين ودَرَقَتُه (٤) تحت رأسه، حتى سمعت غَطِيطه (٥) . حاتم الأصمَّ قال : لى شقيق البلخى : إِصْحَبِ الناسَ كما تَصحب النار، خُذْ منفعتَها واحذَر أُن تَحرِقِك . حاتم قال : سمعت شقيقًا يقول: مثل المؤمن كمثل رجلٍ غَرَس نخلة وهو يخاف أن تحمل شوكًا ومثل المنافق كمثل رجل زرَع شَوْكًا وهو يَطْمع أن يحصد تمرًا هيهات هيهات ، كلّ من عمل حَسنًا فإن الله لايجَزيه إِلا حسنًا، ولا ينزل الأَبرارُ منازلَ الفُجَّار . أَسند شقيق عن عباد بن كثير وغيره ، وصحب ابراهيم بن أدهم. (١) الكهف : ١١٠ . (٢) تزول من مواضعها وتسقط على الأرض . (٣) ق : فى اليوم زفت ، وأثبت ما فى ط . (٤) الدرقة : الترس من جلد ليس فيه خشب ولا عقب . (٥) شخيره .