Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ كليب بن عيسى بن أبى حجير قال : كانت زجلة لاترفع بصرها إلى السماء ، وكانت تخرج إلى الساحل فتغسل ثياب المرابطين (١). قال كليب : وسمعت سعيد بن عبد العزيز يقول : ما بالشام ولا بالعراق أفضل من زجلة . ٦٠٦،٦٠٥ - غضنة وعالية (٢): أبو الوليد العبدى قال : ربما رأَيت غُضْنة وعَالية تقوم إحداهما من الليل فتقرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والاعراف فى ركعة . ٦٠٧ - مطيعة العابدة : محمد بن الحسين قال : حدثنى صاحب لى من البصريين قال : بكت مطيعة أربعين عامًا ، فعُوتبت على كثرة البكاءِ فقالت : لا أَزال أبكى حتى أعلم على أَى الحالين أَنا عند الله ؟ محمد بن الحسين قال : دخلنا على مطيعة العابدة فى الجَبَّان بالبصرة فجعلنا نُذاكرها شيئًا فى الخير فلا نَسْتَبِين كثيرًا من كلامها ، من كثرة بكائها . فلما رأينا ذلك خرجنا من عندها وتركناها . قال محمد : وسأَت مطيعة قلت : منذُ كم أَنتِ ههنا فى الجبَّان؟ فبكت ثم قالت : يابنى منذ أربع وخمسين سنة . ٦٠٨ - كردويه (٣) بنت عمرو البصرية: أبوعبد الرحمن محمد بن الحسين قال : كانت كَرْدُويَهْ تخدم شعوانة . فقيل لها : ما الذى أَصابك من بركاتٍ خدمةٍ شعوانة ؟ قالت : ما أحببت الدنيا منذ خدَمتُها ، ولا اهتممت لرزقى، ولاعَظُم (١) أى المجاهدين على الثغور فى سبيل الله. (٢) غضنة: بضم الغين وسكون الضاد. وفى ق: ((عصنة وغالية)) وأثبت ما فى قط . (٣) يفتح فسكون ودال مضمومة وفتح الياء . : ٤٢ فى عينى أَحد من أرباب الدنيا لِطَمعِ لى فيه، وما استصغَرتُ أَحدًا من المسلمين قط . . ٦٠٩ - راهبة : عثمان بن سودة الطفاوى ، وكانت أُمه من العابدات ، يقال لها راهبة ، قال : لما احتُضِرتْ رفعت رأسها إلى السماءِ فقالت: يا ذُخْرى وذَخِيرتِى، ويا من عليه اعتمادى فى حياتِى وبعد موتِى، لا تَخْذُلِى عند الموت ، ولاتُوحِشنى فى قبرى . قال : فماتت . فكنت آتيها فى كل جُمعة فأَدعولها وأستغفر لها ولأهل القبور . قال : فرأيتها ذات ليلة فى منامى فقلت : يا أماه كيف أَنت ؟ قالت : أَىْ بُنى إِنَّ للموت لَكُربةً شديدةً وأَنا بحمد الله افى برزخٍ محمود نفترش فيه الرَّيْحان ونتوسد فيه السَّندسى والإِسْتَبرق إلى يوم النشور فقلت : أَلكِ حاجة ؟ قالت : نعم . قالت : لا تدع ما أنت عليه من زيارتنا والدعاء لنا فإِنِّى لأُبشّر بمجيئك يوم الجمعة إِذا أَقبلتَ من عند أهلك ، يقال لى : ياراهبة هذا ابنك قد أقبل من أَهله زائرًا لك فأُسَر بذلك ويُسَر بذلك منْ حوْلِ مِنَ الأَموات. ٦١٠ - سلمى: خلف بن الوليد الجوهرى قال : قالت سلمى ، امرأة بصرية : إلهى علمى بشدة عقوبتك ونكالك قطَع عنِى لذاذة الدنيا ونعيمها ، ومعرفتى بسعة رحمتك وَّعْت علىَّ خُلق فيما بينى وبين عبادك . ٦١١ - مسكينة الطفاوية (١) : إسحاق بن إبراهيم قال : أَخبرنا عمّار الراهب ، وكان والله من العاملين الله فى دار الدنيا ، قال: رأيت مسكينة الطُفاوية فى منامى (١) بضم الطاء، نسبة إلى قبيلة طفاوة . ٤٣ وكانت من المواظبات على حلَق الذِكْر ، فقلت : مرحباً يامسكينة مرحبًا . فقالت : هيهات ياعمَّار ذهبت المسكنة وجاء الغنى الأكبر. قلت: هِيه . قالت: ما تسأل عمن أَبِيحَ الجنةَ بحذافيرها يظل منها حيث يشاءُ . قال : قلت . وبم ذاك يرحمك الله ؟ قالت : بمجالس الذكر والصبر على الحق . قال عمار : وكانت تحضر معنا مجلس عيسى بن زَاذَان بالأُبلَّة (١)، تنْحَدِر من البصرة حتى تأتِيَه قاصدة . قال عمار : قلت يامسكينة ما فَعل عيسى ؟ فضجَّت ثم قالت: كُسِىَ حلَّة البهاءِ، وطافت بأَباريقَ حوله الخُدّام ، ثم حُلىّ وقيل : ياقارىء ارقَ فلعمرى لقد برأَك الصيام ، وَكانَ عيسى قدْ صامَ حَتَّى انْحَى وانْقَطَعَ صوته . ٦١٢ - غنضكة : عن يوسف بن بهلول قال : كانت امرأة بالبصرة يقال لها غَنْضَكة العابدة تصلّى عامَّة الليل ، ثم تقول : أَعوذ بالله من ملائكة غِلاظِ. شداد لايَعصُون الله ما أَمَرَهم ويفعلون ما يؤمرون ، فإِذا قضت صلاتها قالت : هذا الجهد منى وعليك التّكلان. ذكر المصطفيات من عابدات البصرة المعروفات بغيرهن ٦١٣ - امرأة أبي عمران الجونى : عوید بن أبي عمران الجونى قال كانت أمى تقوم من الليل تصلى حتى تَعْصِب ساقيها بالخرق فيقول لها أبو عمران الجونى دون هذا ياهذه فتقول هذا عند طول القيام فى الموقف قليل فيسكت عنها . ٦١٤ - امرأة رياح القيسى : أبو يوسف البزاز قال : تزوج رياح القيسى امرأة فبنى بها . (١) الأبلة (بضمتين وتشديد): تقع على شاطىء دجلة ، قرب البصرة . ٤٤ فلما أصبح قامت إِلى عجينها . فقال : لونظرتٍ إلى امرأَةٍ تكفيكِ هذا : فقالت : إِنما تزوّجت رياحًا القيسى ولم أَرنى تزوّجت جبارًا عنيدًا . فلما كان الليل نام ليختبرها . فقامت ربع الليل ثم نادَته : قم يارياح . فقال: أَقوم . فقامت الربع الآخر ثم نادته فقالت ، قم يارياح . فقال : أَقوم . فلم يقم . فقامت الرّبع الآخر ثم نادته فقالت : قم يارياح فقال أَقوم : فقالت : مضى الليل وعَسْكَرَ المحسنون وأنت نائم ، ليت شعرى من غَرّنى بك يارياح . قال : وقامت الربع الباقى . عبد الله بن الحارث قال : زوّج ◌ُميط بن العجلان رياحًا القيسى امرأة . فبينا هو قاعد معها إِذ نظرت إلى السماءِ فشهقت شهقة فخرّت مغشياً عليها . وقال رياح ، اغتممتُ مرّة فى شىءٍ من أمر الدنيا . فقالت، أَراك تغتمَّ(١) لأَمر الدنيا غرّنى منكم شُميط .. ثم أخذت هُدبةً من مِقْنَعتها (٢) فقالت : الدنيا أهون علىّ من هذه . عن سيّار قال : حدثنى رياح قال ذُكرت لى امرأة فتزوّجتها . فكانت إذا صلَّت العِشَاءَ الآخرة تطيّبت وتدخَّنت(٣) ولبست ثيابها ثم تأَّينى فتقول : ألك حاجة ؟ فإن قلت : نعم ، كانت معى، وإِن قلت : لا ، قامت فنزعت ثيابها ثم صفَّت بين قدميها حتى تصبح . قال رياح : ففحَّتنى (٤) والله . (١) ق: ((نعير)) وأثبت ما فى قط. (٢) المقنعة : ما تغطى به المرأة رأسها وهو أصغر من القناع . والهدية : الخيط الصغير وما يشبهه . (٣) من الدخنة وهى البخور . (٤) كذا فى ط ، ولا معنى لها . وفى ق: ففتحتينى. (؟). ٤٥ ٦١٥ - ابنة ام حسان الأسدية : عن سفيان الثورى قال : دخلت علىّ بنت حسان الأسدية وفى جبهتها مثل رُكبة العَنْز من أثر السجود . فقلت لها: يابْنَة (١) أُم حسان أَلا تأتين عبد الله بن شهاب بن عبد الله؟ فلورفعت إليه رقعة فلعله (٢) أَن يعطيك من زكاة ماله ما تُغيّرين به بعض الحَاجة التى أراها بك . فدعت بمعجَر فاعتجرت به وقالت : ياسفيان(٣) قد كان لك فى قلبى رجحانٌ كثير فقد أذهبَ الله برجحانك من قلبى ، ياسفيان ، تأمرنى أَن أَسأَّل الدنيا مَن لايملكها . ؟ قال سفيان : وكان إِذا جنّ عليها الليل دخلَت محرابًا لها وأَغْلقت عليها ثم نادت : إلهى خلا كلّ حبيبٍ بحبيبه ، وأَنا خالية بك يامحبوب ، فما كان من سُخْن يسخّن مَن عصاك إِلَّ جهنم ، ولاعذاب إلا النار . قال سفيان ، فدخلت عليها بعد ثلاثٍ فإذا الجوع قد أثَّر فى وجهها . فقلت لها : يابنت أُم حسان إنك لن تُؤتَى أكثر مما أُوتى موسى والخَضِر عليهما السلام ، إِذْ أَتيا أهل قريةٍ استطعما أَهلَها . فقالت : ياسفيان قل الحمدلله . فقلت: الحمد لله . فقالت : اعترفت له بالشكر ؟ قلت : نعم . قالت : وجب عليك من معرفة الشكر شكر وبمعرفة الشكرين شكر لاينقضى أبدًا . قال سفيان : فَقَصُر، والله، عِلمى وقَةً لسانى (٤) فولَّيت أُريد الخروج . فقالت : ياسفيان كفى بالمرء جهلاً أَن يُعجب بعلمه ، (١) قط: ((ما تغيرين به حالك، فقالت: يا سفيان)). (٢) فه : عى ووهن . (٣) قط : يا بنت . (٤) قط : لعله . ٤٦ وكفى بالمرءِ علمًا أن يخشى الله. اعْلَم أَنه لن تُنقَّى القلوب من الردى حتى تكون الهموم كلُّها فى الله همَّا واحدًا . قال سفيان فقصُرَت إِلىّ واللهِ نفسى . ٦١٦ - مملوكة لابراهيم النخعى : أبو الأحوص، عن مغيرة أو غيره ، قال: كانت مولاة لابراهيم تعمد إلى اليوم الشديد الحرّ فتصومه . فقيل لها : انك تَعْمَدِين إِلى أَشدّ الأَيام حَرًّا فَتَصُومبنه ؟ فقالت : إِن السعر إِذا رَخُص اشتراه كلّ أَحد. ٦١٧ - جارية عبيد الله بن الحسن العنبرى قاضى البصرة: عبيد الله بن الحسن القاضى العنبرى قال : كانت عندى جارية أَعجمية وضيئة ، وكنت بها معجباً . فكانت ذات ليلة نائمة إِلى جنبى فانتبهتُ فلم أجدها . فالتمستها فإِذا هى ساجدة تقول : بحبّك لى اغفرلى. فقلت: ياجارية لاتقولى بحبّك لى، قولى: بحبِّى لك اغفرلى .. فقالت: يابطال، حُبّه لى أَخرَجَنِى من الشِّرْك إلى الإِسلام، فأَيقظ. عينى وأَنام عينك . فقلت : اذهبى فأَنت حُرّةٌ لوجه الله . قالت : يامولاى أَسأَتَ إِلىّ، كان لى أَجران فصار لى أَجرٌ واحد . ٦١٨ - جارية خالد الوراق: بلغنا عن خالد الورّاق أنه قال : كانت لى جاريةٌ شديدة الاجتهاد فدخلت عليها يومًا فأخبرتُها برفق الله وقبوله يَسير العمل . فبكت ثم قالتْ ياخالد إِنِّى لأُؤْمل مِنَ اللهِ تعالى آمالا لوحملَتْها الجبال لأَشفقَتْ من حملها كما ضعفت عن حمل الأمانة وإنى لأَعلم أَن فى كرم الله مستغاثًا لكل مذنب ، ولكن كيف لى بحسرة السِّباق؟ قال : قلت : وماحَسرة السباق ؟ قالت : غَدَاة الحشر إِذا بُعثر ما فى القبور ورَكِب الأَبْرار نَجَائِبِ الأَعمال فاستَبَقوا إِلى الصّراط ، وعِزَّةٍ سيّدى لا يَسبق ٤٧ مقصِّر مجتهدًا أبدًا، ولوحَبا المجدّ حَبْوًا. أَم كيف لى بموت الحزن والكمد إذا رأيت القوم يتراكضون وقد رُفعت أعلام المحسنين وجاز الصراطَ المشتاقون ووصل إلى الله المحبّون وخُلِّفتُ مع المسيئين المذنبين؟ ثم بكت وقالت : ياخالد انظر لا يقطعك قاطع عن سرعة المبادرة بالأعمال فإِنه ليس بين الدارين دار يُدرِك فيها الخُدّام مافاتَهم من الخدمة ، فويل لمن قصَّر عن خدمة سيّده ومعه الآمال ، فهلا كانت الأعمال توقظه إذا نام البطَّالون . ؟ ٦١٩ - الماوردية : ذكر أبو الحسن محمد بن هلال بن المحسِّن فى تاريخه(١) قال: كانت عجوز صالحة زاهدة بالبصرة تعرف بالماورديّة قاربت ثمانين سنة ، بقيت خمسين سنة لم تُفطر ولم تنم بالليل ، ولم تأكل خبزًا ولا رُطَبًّا ولاتَمرًا وإِنما تطحن لها باقِلًا وتخبز لها خبزًا تقتات به ، وتأكل التين اليابس دون الرُطَب ، وتنال من الزيت والعنب واللحم الشيء اليسير، وكانت تكتب وتقرأ وتعِظ النِّسوان وكانت كثيرة الخير والبركة . وتوفّيت يوم الجمعة لخمسٍ بَقين من ذى الحجّة سنة ست وستين وأربعمائة وتبع جنازتها أكثرُ الناس . ودُفنت خارج البلدِ عند قبور الصالحين . (١) أبو الحسن هذا هو المعروف بلقب غرس النعمة ، مؤرخ أديب مترسل ، من أهل بغداد. كان محترماً عند الخلفاء والملوك. توفى سنة ( ٤٨٠ هـ). ومن كتبه: ((عيون التواريخ)) ويطلق عليه أيضاً اسم التاريخ الكبير . ٤٨ ذكر المصطفيات من عابدات البصرة المجهولات ٦٢٠ - عابدة : عن يعلى بن حكيم قال : قال سعيد بن جبير : ما رأيت أَرعى لحرمة هذا البيت ولا أَحرص عليه من أَهل البصرة ، واتمد رأَيت جاريةً منهم ذات ليلة تعلَّقت بأستار الكعبة فجعلت تَدْعو وتبكى وتَتَضَرَّع حتى ماتت . ٦٢١ - عابدة أخرى : عَوْن بن أبى عَمارة البصرى قال : قال أَبو محرز الطَّفاوىّ : شكوت إلى جارية لنا ضِيق المكسب علىّ وأنا شابّ فقالت لى : يابنىّ استعِنِ بعزّ القناعة عن ذلّ المطالب ، فكثيرًا، والله ما رأيت القليل عاد سليمًا . قال أبو محرز : مازلت بعدُ أَعرف بركة كلامها فى قنوعِى . ٦٢٢ - عابدة أخرى : عن عبد الواحد قال : أَتينا امرأة متعبّدة فى ناحية البصرة لنسلِّم عليها فقيل لنا لا تَصِلُون إليها . قلنا : ولَم ذاك ؟ قالوا : قد غلَّقت عليها الباب منذ ثلاثٍ تبكى . قلنا : ولِمَ ذاك ؟ قالوا : قَتلت نملةً . ٦٢٣ - عابدة أخرى : عن سعيد بن عُطَارد قال : ذُكِرَتْ لى امرأة بالبصرة متعبِّدة فأَتيتها فوجدتها تُصلِّى فانصرفتُ . فقالت : ما اسمك ؟ فقلت : سعيد . قالت : ياسعيد ! كلِّ شيءٍ شغَلك عن الله فهو عليك مَشُوم . ثم أَقبلت على صلاتها وَتَرَكَتْنِى . ٦٢٤ - عابدة أخرى : علىّ بن الحسن قال : كانت امرأة بالبصرة تقول لقلبها . فقدتُكَ من قلبٍ ، ما أَنساك ! أَصبحتَ العظمة الله ناسيًا إِلهى كيف لى بالقرب منك غدًا وقاسي القلب منك بعيد؟ ٤٩ ٦٢٥ - عابدة أخرى : عن صالح بن عبد الكريم قال : رأيت امرأة سوداء بالبصرة ، والناسُ مجتمعون عليها، ثم قامت فدخلتْ دارًا فدخلوا معها وَأَحْدَقُوا بها . فَدَنَوْتُ منها فقلت: ياهذه أَمَا تخافين العُجْب(١)؟ فرفعت رأسها فنظرت إلىّ ثم قالت : كيف يُعجَب بعمله مَن لايدرى لعلَّه قد رُدّ عليه ؟ . ٦٢٦ - عابدة أخرى : الحسين بن جعفر قال : سمعت أبى قال : صليت العيد فى الجَبَّان ثم انفردت فإِذا أَنا بعجوزٍ رافعة يديها وهى تقول : انصرف الناسُ ولم أُشعِر قلبى اليأسَ ، ياصاحب الصدقة ها أَناذِه منصرفة ، فليت شعرى ما زوّدتنى؟ رب ارحم ضَعْفِى وكِبَر سنِّى ، خرجت أرجوك فلا تُخَيِّبُ حُسن ظنِّى بك . وهى تبكى فما انتفعت بنفسى يومى ٦٢٧ - عابدة أخرى : حماد بن سلمة قال : خرجت فى ليلة ظلماءَ ذاتٍ بَرد وريح ومطَر ومعى شَوِىٌّ(٢) ، قلت: أَقْسِمْه فى جيرانى . قال: فإِذا أَنا بامرأة قد خرجت وهى تقول : يارفيق ارفُق بنا . قال : قلتُ مالَكِ رحمك الله ؟ قالت : ياحمَّاد إنه دخل هذا المطر على يتامى تحت فُرُشهم فقلت : يارفيق ارفُقْ بنا، فدخلتُ فوجدتُهُ أَيْبَسَ مما كان . فقلت : هَاكِ رحمكِ الله هذا الشىءَ فَأَنْفِقِيهِ على نفسك وعلى أَيتامك . فقالت : إِليكَ عنِّى ياحمّاد فإِنِى إِنما أَسأَلَ أَجْوَدِ الأَجْوَدِين . (١) الزهو والتكبر والخيلاء. (٢) الشوى : ما شوى من اللحم . ( ٢ ٤ - صفة الصفوة جـ ٤) ١٠ عفان بن مسلم قال : قال لى حمَّاد بن سلمة: أَلحّ المطر عليْنا سنةً من السنن ، وَفى جِوارى امرأة من المتعبّدات ، لها بنات أيتام، فوكَفَ السّقف (١) عليهم فسمعتها تقول : يارفيق ارفُق بى . فَسكن المطر ، فاخذتُ صُرّة فيها عشرة دنانير وقرعتُ بابها . فقالت : اجْعَلْهُ حَمَّادَ بنَ سلمةٍ(٢) . فقلت: أَنا حمَّاد، سمعتك وقد تَأَذِّيتِ بالمطرِ فقلتِ يارفيق ارفُق بنا ، فما بلغ من رفقه بك؟ فقالت : سَكَّنَ المطرَ وأَدْفَأَّ الصّبيان وجَفَّفَ (٣) البيتَ. (قال) فأَخرجتُ الدنانير وقلت (٤) انتفعِى بهذه. فإذا صبيَّة عليها مِدْرعة (٥) من صوف تستبين خُروقُها، (٦) قد خرجت علىّ وقالت أَلا تسكت ياحماد تعترض بيننا وبين ربنا ومولانا؟ ثم قالت : يا أماه قد علمنا أَنا لما شكونا مولانا أَنه سيبعث إليْنَا بالدنيا ليطردنا من بابه أَلْصَقَتْ خَدَّها بالتراب ثم قالت . أَمّا أَنا وعزَّتِكَ لازَايَلْتُ بابك وإِن طردتَنِى . ثم قالت . يا حمَّاد رُدَّ عافاك الله دنانيرَك إلى الموضع الذى أخرجتَها منه فإِنَّا رفعنا حوائجنا إِلى مَن يقبل الودائع ولا يبخَس المعامِلين. عن عبيد الله بن محمد القرشى قال . كانت امرأة من عبَّاد أَهل البصرة ، وكان لها أولاد فأَصابها مطر فى بعض الليل فوكَفَ عليها (١) أى قطر ، وسقط منه ماء المطر. (٢) جملة دعائية ، أى فليكن القادم حماد بن سلمة . (٣) قط : وأجفف . (٤) قط : فقلت . (٥) قميص . (٦) قط : وقد . ٥١ البيت ، فجعلت تنقل أولادها من موضع إلى موضع ، فلا يزداد الوَكْف إِلَّا شدّة. فلما أَذَلَقها ذلك(١) قالت. يارفيق ارفُق بى. قال . فما أصابها من ذلك المطر قَطْرة واحدة . ومن المصطفيات من عاقلات المجانين بالبصرة ٦٢٨ - جارية (٢): عن عبد الواحد قال . قال عُتبة الغلام . خرجت من البصرة فإِذا أَنا بخباء أَعراب قد زرعوا ، وإِذا أَنا بخيمة ، وفى الخيمة جارية مجنونة عليها جُبَّة صوفٍ عليها مكتوب. لا تُباع ولاتُشْترى. فدنوتُ فسلَّمت عليها فلم تردَّ علىّ السلام . ثم ولَّيتُ . فسمعتُها تقول . إِذْ لمؤْلاهُمُ أَجَاعُوا الْبُطونا زَهِدَ الزَّاهِدُون والعابدُونا فَمَضَى ليلُهم وهُمْ سَاهِرونا أَسْهَرُوا الأَعْيُنِ القَرِيحَةَ فيه عَلِمِ الناسُ أَن فيهمْ جُنونا حَيَّرَتْهِمْ محبّةُ اللهِ حَتَّى قَدْ شَجَاهُمْ جَمِيعُ مَا يَعِفُونا هُمْ أَلِيًا(٣) ذُوو عُقُولٍ وَلَكِن قال : فدنوت إليها فقلت : لمن الزّرع ؟ فقالت : لنا إنْ سَلم . فتركتُها وأَتيت بعض الأَخبية فأَرْخَت السماءُ كأَفْوَاه القِرَب . فقلت : وَاللهِ لآتينَّها فأَنظر قصَّتها فى هذا المطر . فإِذا أَنا بالزَّرع قد غَرِق وإِذا هى قائمة وهى تقول : والذى أَسْكُنَ قلبى من طرف صفاء مودّة(٤) محبته إِن قلبى لَيوقِن منك بالرضا . ثم التفتتْ إِلى فقالت : يا هذا إِنه زَرعه فأَنْبتَه وأَقامه فسَنْبلَه ورَكَّبه فشقَّقه(٥) (١) أى ضايقها واشتد حصاره لها وملاحقته إياها . (٢) العنوان زيادة ليست فى النسخ . (٣) أصله ألباء وهو جمع لبيب ، أى عقلاء . (٤) قط : مودته . (٥) قط : فشقه . ٥٢ وأرسل عليه غيثًا متغطمطًا (١)فسقاه، واطّلع (٢) عليه فحفظه فلما دنا حصادُه أهلكه . ثم رفعت رأسها نحو السماءِ فقالت (٣): العباد عِبادُك، وأرزاقهم عليك، فاصنع ماشئت . فقلت لها : كيف صَبرُكِ ؟ فقالت : اسكت ياعتبة : إِنَّ إِلَهَى لغىُّ حميدُ فى كلّ يومٍ منه رِزْقٌ جَديدُ الحمد لله الذى لم يَزِلْ يَفعلُ بى أكثرَ مما أُريدُ قال(٤) عتبة فوالله ماذكرت كلامها إلا هيجتنى - انتهى ذكر أهل البصرة . ذكر المصطفين من أهل الأبلة ٦٢٩ - عابد(٥): أَبو اسحاق الهَروىّ قال : كنت مع ابن الخروطى بالبصرة فأخذ بيدى وقال : قم حتى نخرج إلى الأُبلَّة . فلما قربنا ونحن نمشى على شاطىءِ الأُبلَّة فى الليل والقمر طالع ، إذْ مررنا بقصرٍ لجندىّ فيه جَارية تضرب بالعود ، فَوَقفنا فى فِناءِ القصر نستمع وفى جانب القصر الآخر فى ظل القمر فقير بخرقتيْن واقف ، فقالت الجارية . غيرُ هذا بكَ أَجمَلْ كلَّ يومٍ تَتَلَوّنْ فصاح الفقير وقال أعيديه فهذا حالى مع الله تعالى . فنظر صاحب الجارية إلى الفقير فقال لها اتركى العود وأُقبِلى عليه فإنه صوفى فأَخذت تقول ، والفقير يقول : هذا حالى مع الله تعالى ، والجارية (١) تغطمط البحر : اضطرب وعلت أمواجه . أى غيثاً عظيماً. (٢) قط : قد اطلع. (٣) من هنا إلى آخر الجزء الثالث من نسخة (ق) بخط ناسخ آخر ، وفيه تحريف كثير واختصار ونقص . (٤) ط : فقال . (٥) هذه الترجمة ساقطة من ق . ٥٣ تردّد إِلى أَن زَعق الفقير زعقةً خرّ مغشيًا عليه فحرّ كناه فإذا هو مَيّت فقلنا : مات الفقير . فلما سمع صاحب القصر بموته نزل فأدخله القصر فاغْتَممنا وقلنا : هذا يكفّنه من غَيْرٍ وجهِهِ . فصعد الجندىّ وكسر كلّ ما كان بين يديه فقلنا : ما بعد هذا إِلَّ خير ومضينا إِلى الأَبلَّة وبتْنا وعرّفنا الناسَ . فلما أَصبحنا رجعنا، إلى القصر وإذا الناسُ مُقْبلون من كل وجه إِلى الجنازة كأَّما نُودىَ فى البصرةِ حتى خرج القضاةُ والْعُدول وغيرُهم، وإِذا الجندى يمشى خلف الجنازة حافيًا حاسرًا حتى دُفن . فلما همّ الناس بالانصراف قال الجندى للقاضى والشهود : اشهدوا أَنَّ كلَّ جارية لِ حُرَّةٌ لوجه الله تعالى وكلَّ ضِياعى وعَقارى حبْسُ فى سبيل الله وفى صندوقٍ لى أربعة آلاف دينار وهى فى سبيل الله . ثم نزع الثوب الذى كان عليه فرمى به وبقىَ بِسَراويله . فقال القاضى : عندى مئزران من وجههما تقبلهما فقال : شأَنَّك . فحملهما إِلَيْهٍ فاتزر بواحدٍ واتَّشح بالآخر ، وهام على وجهه فكان بکاءُ الناس عليه أكثر من بكائهم على الميت . ذكر المصطفيات من عابدات الأبلة ٦٣٠ - شعوانة : معاذ بن الفضل ، أَبو عَون ، قال : بكت شَعْوانة حتی خِفنا عليها العَمى ، فقلنا لها فى ذلك ، فقالت : أَعمَى والله فى الدنيا من البكاءِ أَحبّ إِلىّ من أَن أَعمَى فى الآخرة من النار . مالك بن ضيغم قال : كان رجلٌ من أَهل الأُبلَّة يأتى أَبِى كثيرًا فيذكر له شَعْوانة وكثرة بكائها فقال له أبى يومًا : صِف لى بكاءَها . ٥٤ فقال : يا أَبا مالك أَصِفُ لك . هىَ والله تبكى الليلَ والنهار لا تكاد تَفْتُرُ قَالَ: لَيْسَ عَنْ هذا أَسْأَلُكَ، كَيْفَ تَبْتَدِىُ بالبُكاءِ ؟ قال: نعم يا أَبا مالك تسمع الشىء من الذِّكر فترى الدموع تنحدر من جفونها كالقَطْر . قال : فمجارى الدموع من المآق الذى على الأَنف أَكثر أَم مؤخر العين مما يلى الصُّدْغ ؟ قال يا أَبا مالك إِنَّ دموعها أَكثر من أَنْ يُعرَف هذا من هذا (١) ، ما هى إلا أن تسمع [الذكر] فتجىءَ عيناها بأربعِ نُجومًا (٢) متبادرة جدًا. فبكى أبى وقاك : ما أَرى الخوف إلا قد أَحرق قَلبها كلَّه ـ ثم قال: كان يقال إن كثرة الدموع وقلَّتها على قدر احتراق القلب ، حتى إذا احترق القلب كله لم يشَأُ الحزين أَن يبكىَ إِلا بكى ، والقليلُ من التَّذكرة يُحزنه . قال مالك بن ضيغم : وقال لى أَبى يومًا انطلق مع ((منبوذ)» حتى تأتى هذه المرأةَ الصالحةَ فتنظر إليها ، يعنى شَعْوانة ، فانطلقت أَنا وأَبو هَمَّامٍ إِلى الأُبُلَّة ثم غدونا عليها فدخلنا فسلَّم عليها منبوذ وقال : هذا ابن أخيك ضيغم، فرخَّبت بى وتحفَّت وقالت مرحبًا بابن(٣) مَن لم نَره ونحن نحبّه ، أَما والله يابنىّ إِى لمشتاقة إلى أَبيك وما يمنعنى من إتيانه إِلَّا أَنِى أَخاف أَن أَشْغَلَه عن خِدْمة سيده، وخدمةُ سيّده أولى به من مُحادثة شعوانة . قال : ثم قالت : ومَن شعوانة ؟ وما شعوانة ؟ أَمَة سوداءَ عاصية . قال : ثم أخذت فى البكاء فلم تزل تبكى حتى خرجنا وتركناها . (١) ق: ((منها)) بدل ((من هذا)). (٢) ق: ((فتجىء عيونها بأدمع سجوماً) وأثبت (٣) هنا نهاية الخرم من نسخة (ب)، وقد بدأ ذلك من أولها . وبعد ما فی قط . هذا الموضع فرمز بـ (ط) إلى نسختى (ب ، قط ). ٥٥ يحيى بن بسطام قال : كنت أَشهد مجلس شعوانة كثيرًا فكنت أرى ماتصنع بنفسها ، فقلت لصاحب لى يقال له عمران بن مسلم : لو أَتيناها إذا خلَت، قال: فانطلقنا (١) أنا وهو إلى الأُبلَّة فاستأذنًّا عليها فأَذِنت لنا فإذا منزلٌ رثّ الهيئة أَثَرُ الجَدْب عليه بَيِّنٌ . فقال لها صاحبى : لورفَقتِ بنفسك فقَصرتٍ عن هذا البكاءِ شيئًا كان أقوى لكٍ على ما تُريدين . قال : فبكت ثم قالت : والله لَودِدت أنى أبكى حتى تنفَد دموعى ، ثم أبكى الدماء حتى لاتبقى فى جسدِی جارحة فیها قطرةٌ من دم ، وأَنى لى البكاء ؟ قال : فلم تزل تردّد ذلك حتى انقلبت حَدقتاها ، ثم مالت ساقطةً مغشيًّا عليها . فقمنا فخرجنا وتركناها على تلك الحال . رَوْح بن سلمة قال : قال لى مُضَر : ما رأيت أَحدًا أَقوى على كثرة البكاء من شعوانة، ولاسمعت صوتًا قطّ. أَحرق لقلوب الخائفين من صوتها إذا هى نَشَجَت ثم نادت : ياموتَى وبَنى الموتى وإخوةَ المونى. قال محمد : وقلت لأَّبِى عُمر الضرير : أَتيت شعوانة ؟ قال : قد شهدت مجلسها مرارًا ماكنت أَفهم ما تقول من كثرة بكائها . قلت : فهل تحفظ. من كلامها شيئًا؟ قال : ما حفظت من كلامها شيئًا أَذكره الساعة إِلَّ شيئًا واحدًا . قلت وماهو ؟ قال : سمعتها تقول : من استطاع منكم أَن يبكى فَلْيبكِ وإِلَّ فليرحمِ الباكى فإِنَّ الباكى إنما يبكى لمعرفته بما أتى إلى نفسه . عن الحارث بن المغيرة قال : كانت شعوانة تَنُوحُ بهذين البيتين : يُؤَمِّلُ دُنْيا لتبقَى له فَوَافَى المنيَّةَ قبلَ الأَمَلْ (١) ب : فانطلقت . ٥٦ حَتِيثًا يُروِّى أُصُولَ الفَسِيلِ (١) فعاشَ الفَسيلُ وماتَ الرجُلْ الحسن بن يحيى قال : كانت شعوانة تردِّدُ هذا البيت فَتبكى وتُبْكى النُّسّاك معها ، تقول : لقد أَمِنَ المغْرورُ دارَ مُقَامِه ويُوشك يومًا أَن يَخافَ كما أَمِنْ عن فُضَيْل بن عِياض قال : قدِمَت شعوانةُ فأَتَيتُها فشكوتُ إِليها وسأَلتها أَن تدعو بدعاءٍ، فقالت: يا فُضَيْل أَما (٢) بينك وبين الله ما إِن دعوتَهُ(٣) استجاب لك؟ قال: فشهق الفضيل(٤) وخرّ مغشياً عليه. عن محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال : كانت شعوانة قد كَمِدَت حتى انقطعت عن الصلاة والعبادة فأَتاها آتٍ فى منامها فقال : إِنَّ النياحةَ قد تَشفى الحَزينينا أَذْرِى جُفُونَكِ إِمَّا كُنتِ شَاجِيةً فإِنما الدّوب (٥) من فِعِل المُطيعينا جِدّى وقُومى وصُومى الدهرَ دائبةً فَأَصْبَحَتْ فأَخذتِ فى الترنمّ والبكاءِ وراجَعتِ العمل . ابراهيم بن عبد الملك قال : قدمت شعوانة وزوجها مكة فجعلا يطوفان فإذا أَكَلّأَو أَعيا جلس وجلست خَلْفه فيقول هو فى جلوسه : أَنا العطشان من حُبّك لاأروى . وتقول هى بالفارسية : أَنْبتَ لكل داءٍ دواء فى الجبال، ودواءُ المحبّين فى الجبال لم ينبت . رضى الله عنها . (١) الغسيل: مفرده الفسيلة وهى كل عود يقطع من شجرته فيغرس ، كالنخل وغيره . (٢) ط : ما . (٣) ط: دعوت اللّه. (٤) ط : فشهق الفضيل شهقة خر مغشياً عليه . (٥) أصلها : الدؤوب ( بضم الدال) وهو الجد والتعب . ٥٧ : ٦٣١ - خشة الابلية (١) : يعقوب بن محمد قال: قالت خُشَّة الأُبلَّية : إِن الذنوب أقلّ فى جُودك من أَن لا تغفِرِها ، فمِن ثَمَّ خلا قلبى من الذنوب لمحبَّتك. رضى الله عنها . ومن عقلاء المجانين بالأبلة (٢) ٦٣٢ - ريحانة (٣) : أبو القاسم بن سعيد قال : سمعت صالحًا المرّىّ يقول : رأيت ريحانة المجنونة فسلمت عليها فقالت لى : ياصالح اسمع : أُوَّمَلِ أَنْ أَفُوزَ بِخَيرِ دارٍ ◌ِوَجْهِكَ لاتُعذِّبْنِى فإِنِّى ولَوْلا أَنتَ ماطابَ المزارُ (٤) وأَنت مجاوِرُ الأَبرارِ فيها عن الربيع قال : بتُّ أَنا ومحمد بن المنكدر وثابت البنانى عند ريحانة المجنونة بالأُبلَّة فقامت أول الليل وهى تقول : قامَ المحبّ إِلى المؤمَّل قَومَةً كادَ الفوادُ من السّرورِ يطيرُ فلما كان جوف الليل سمعتها تقول أيضًا : فَتُمْنَعَنَّ من النَّذكار فى الظُّلَمِ لاتَأْنَسنّ بمن تُوحِشْكَ نظرتُه يَسْقيك كأُسَ وِدَادِ العزّ والكرمِ واجهَدْ و گِدَّ و کُن فی اللیل ذا شجن قال : ثم نادت : واحَرباه وَاسَلباه . فقلت : مم ذا ؟ فقالت : ليت الظَّلام بأُنسِه يتجدَّدُ ذهَب الظَّلامُ بِأُنْسِه وبأُلْفِه انتهى ذكر أَهل الأُبلة رضى الله عنهم . (١) ق: خشة. ط: خشة الأبلية رضى الله عنها. فزدنا نسبتها (الأبلية من ط ). (٢) ق : بها . (٣) ط : رضى الله عنها. (٤) فى الشعر إقواء ، وهو اختلاف حركة الروى بكسر وضم . ٥٨ ذكر المصطفين من عباد عبادان رضى الله عنهم (١) أبوبكر المروزى قال : سمعت عبد الصمد يقول : قال لى بشربن الحارث : عَبَّادان(٢) مَيدانُ العباد. قال المروزى : وقال لى أَبو عبد الله أحمد بن حنبل : مازال العُبَّاد ، يأْتُؤنها وقد رأيت بها هُدّابًا العابد . محمد بن نعيم بن الهيصم قال : سمعت بشر بن الحارث قال : من أراد الزهد والعمل فليأَت عَبّادان، وَدِدْتُ أَنى فى زاوية من زَوَايَا عُبَّادان فى عافية ، حرسها الله تعالى . ٦٣٣ - سعيد بن عطارد رضى الله عنه : اسحاق بن عباد قال : سمع سعيد بن عطارد ضجة فى مسجد أبى عاصم بالليل ، فقام فقال : تَذهب بهذا الدرهم السوقَ تُلْقِيه فى هذه الجياد لعل الله عزوجل يتجاوَز به . عبد الصمد قال : كان سعيد بن عطارد بكَّاء . رضى الله عنه. ٦٣٤ - عابد من بنى سعد : أبو عاصم العَبّادانى قال: كان رجل من بنى سعد يَقْدَم علينا فى أَول ما اتَّخِذَت عَبَّادان فكانت إِذذاك وَرِيئة (٣) قال: فكان يصلِّى اللَّيْلَ والنهار لايكاد يَفْتُر ، فإذا كان السَّحر احتبَى واستقبل البحر فجعل يبكى وينوح على نفسه . (١) من هنا إلى نهاية ترجمة سعيد بن عطارد، ساقط من ق . والمثبت عن ط . (٢) بفتح العين وتشديد الباء : مدينة على الخليج العربى ، وهى اليوم مركز تكرير النفط الإيرانى ومرفأ تصديره . (٣) الوبى والوبىء والموبوء: الذى كثر فيه الوباء . ٠ ٥٩ قال : فإِذا أَحسَّ بإنسان أَمسك . قال : فخرجت ذات ليلة إلى الساحل فإذا أنا بصوته وإذا هو يبكى ويقول فى بكائه : أَلا ياعَينُ وَيَحكِ أَسْعِدينِى بِطُول الدَّمع فى ظُلَمَ اللَّيَالِ لعلَّكِ فى القيامة أَن تَفوزِی بخَيْرِ الدَّهْرِ فى تلك العلالي قال فلما أَحسَّ أَمسك فرجعت وتركتُه ٦٣٥ - عابد آخر : سَلْم بن زُرعة بن(١) حماد أبو المرضى ، شيخ بعبّادان له عبادة وفضل ، قال : مَلُحَ الماءُ عندنا منذ نَيّفٍ وستين سنة وكان ههنا رجل من أَهل الساحل له فضل قال : ولم يكن فى الصهاريج شىءٌ وحضَرت المغربُ فهبطتُ لأَتوضَّأَ للصلاة من النهر ، وذلك فى رمضان وحرّ شدید فإِذا أَنا به وهو يقول : سيدى أرضيتَ عملى حتى أَتمنى عليك أَم رضِيتَ طاعتى حتى أَسأَلك ؟ سيِّدى غُسالة الحمّام لمن عَصاك كثير، سيّدى لولا أَنى أَخاف غَضَبك لم أَذق الماءَ ولقد أَجْهَدَنى العطش . قال : ثم أَخذ بكفيه فشرب شربًا صالحًا فتعجَّبت من صَبْره على مُلوحته فأخذتُ من الموضع الذى أَخذ فإذا هو بمنزلة السكّر فشربت حتى رَويت . قال أبو المرضى : فقال لى هذا الشيخ يومًا : رأيتُ فيما يرى النائم كأَن رجلاً يقول لى : قد فرغنا من بناءِ دارك لورأيتها قرّت عيناك وقد أُمِرنا بنَجْدها (٢) والفراغ منها إلى سبعة أيام واسمها السّرور، فأبشر بخير فلما كان اليوم السابع وهو يوم الجمعة بكرَ للوضوء فنزل فى فى النهر وقد مدّ (٣) فزلق فغرق فأخرجناه بعد الصلاة فدفنَّاه. (١) ب : عن . (٢) أى تزيينها . وفعله (نجد) بتخفيف الجيم المفتوحة . (٣) أى زاد ماؤه وارتفع . ! ٦٠ قال أَبو المرضى فرأيته بعد ثالثةٍ فى النوم وهو يجىءُ إِلى القَنْطَرة وهو يكبِّر وعليه حُلَلٌ خُضْر فقال لى : يا أبا المرضى أَنزَلَنِى الكريم دار السّرور فما أَعدَّ لى فيها ؟ فقلت : صف لى فقال: هيهات يعجز الواصفون عن أَن تنطق ألسنتُهم بما فيها ، فاكتسِبْ مثل الذى اكتسبتُ وَلَيْتَ أَنَّ عيالى(١) يعلمون أَنْ قد هُيِّىءَ لهم(٣) منازل(٣) معى، فيها كلّ ما اشتهت أنفسهم ، نعم وإِخوانى وأَنت معهم إن شاءَ الله . ثم انتبهتُ . ٦٣٦ - عابد آخر : العطار قال سمعت بشر بن الحارث يقول رأيت رجلاً على ساحل عَبَّادَان قد قطع الجذام يديه ورجليه وقد ذهب بصره فجعلت أنظر إليه وأقول فى نفسى : مجذومُ مكفوفٌ قال فصاحَ وقال : من ذا المتكلف الذى يدخل بينى وبين مولاى قال بشر فَأَدَّبَنِى قوله . ٦٣٧ - عابد آخر : على بن سعيد العطار قال مررت بَعبَّادان بمكفوفٍ مجذوم وإذا الزّنبور يقع عليه فيقطُّع لحمه فقلت الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفتح من عينى ما أَغلق من عينك. قال. بينما أَنا أُردّد الحمد إِذ صرخ ، فبينا هو يتخبّط. نظرتُ إليه فإذا هو مُقْعَد فقلت مكفوف يُصرع مُقعد ، مجذوم . قال : فما استتممت حتى صاح : يامتكلّف مادخولك فيما بينى وبين ربِّى؟ دعه يفعل بى ماشاءَ. ثم قال: وعزّتك وجلالك لوقطَّعْتَنى إِرْبًا إِرْبًا أَوصببتَ علىَّ البلاءَ صبًّا ما ازْدَدْتُ لك إِلَّ حُبَّا رضى الله عنه. (١) ق : أهلى . وأثبت ما فى ط . (٢) ق : لى . (٣) ب : مبارك .