Indexed OCR Text

Pages 121-140

- ١٢١ -
الأعظم على أن لا يسأل به شيئاً من الدنيا. فأعطاه ذلك فسأل الله
عز وجل أن يقوى حتى يختم القرآن فى اليوم والليلة ثلاث مرات .
خلف بن تميم قال : سمعت أبى يذكر قال: قدم علينا كُرز بن وبرة
الحارثى من جرجان ، فانجفل إليه قراء أهل الكوفة فكنت فيمن
أتاه وما سمعت منه إلا كلمتين. قال: صلّوا على نبيكم عَّهِ فإن صلاتكم
تُعرض عليه. وقال: اللهم اختم لنا بخير ، وما رأيتُ فى هذه الأمة
أعْبَدَ من كرز، كان لا يفتُر، وكان يصلّى فى المحمل فإذا أنزل من
المحمل افتح الصلاة .
عن صبيح مولى كرز بن وبرة قال : أخبر نى أبو سليمان المكتب
قال: صحبت كرزاً إلى مكة فكان إذا نزل أدرَج ثيابه فألقاها فى
الرحل ثم تنحى للصلاة ، فإذا سمع رغاءَ الإبل أقبل . قال : فاحتبس
يوماً عن الوقت وانبثّ أصحابه فى طلبه ، فكنت فيمن طلبه ، قال
فأصبتْه فى وهْدة يصلى فى ساعة حارة، وإذا سحابة تظلّه، فلما رآنى
أقبل نحوى فقال : يا أبا سلمان لى إليك حاجة قلت : وما حاجتك ؟
قال أحب أن تكتم ما رأيت. قال: قلت: ذلك لك. قال: أو ثق لى.
خلفت أن لاأخبر به أحداً حتى تموت .
محمد بن فضيل قال: سمعت أبى يقول: لم يرفع كرز بن وبرقرأسه
إلى السماء منذ أربعين سنة .
عمرو بن حميد قال: أخبر نى رجل من أهل جرجان قال: لما مات

- ١٢٢ -
كرز رأى رجل فيما يرى النائم كأن أهل القبور جلوسٌ على قبورهم،
وعليهم ثيابٌ جُدُّدٌ ، فقيل لهم: ما هذا؟ فقالوا: إن أهل القبور كُسوا
ثيابًا جدداً لقدوم كرزٍ عليهم.
أبو داود الحفرى قال: دخلت على كرز بن وبرة بيته فإذا هو يبكى
فقيل له ما يبكيك؟ قال: إن بابى لمغلق، وإن سترى لمسْبَل ، ومنعت
جزئى(١) أن أقرأه البارحة ، وما (٢) هو إلا من ذنب أذنبته.
(قال المؤلف): أسند كرز عن طاوس، وعطاء، والربيع بن خثيم،
والقُرَظى فى آخرين .
٤٣٦ - أبو يونس القوى
واسمه الحسن بن يزيد العجلى اسمعيل بن زبان قال: إماسمى
أبو يونس العجلى القوى لقوته على العبادة. صلى حتى أقعد، وبكى
حتى عَىَ، وصام حتى صار كالخشفة(٣).
وقال البخارى : قال أبو عاصم: قدم علينا أبو يونس فطاف فى يوم
واحد سبعين طوافاً .
وسمع أبو يونسمن أبى سلمة، وسعد بن جبير ، ومجاهد .
٤٣٧ - عبد الملك بن سعيد بن أبجر المتطيب
الوليد بن شجاع قال: حدثنى أبى قال : كان ابن أبجر ، من شدة
(١) الكلمة غير معجمة فى ق. وتحتمل أن تكون: ((حزبى)) أى الجزء
(٣) أردأ التمر .
(٢) ق: ماهو .
الذى يقرؤه .

- ١٢٣ -
التوقى، يقول من لاَ يعرفه: إنه ◌َعَىَ(١). وما به إلا شدة التوقّى.
الوليد بن شجاع قال : حدثنى أبى قال : كان ابن الجر من شدة
التوقىّ إنما يتكلم بالمعاريض (٢).
عن السليط بن بسطام التميمى. قال: قال لى أبى: الزم عبدالملك
ابن أبجر فتعلم من توقّه فى الكلام، فما أعلم بالكوفة أشدَّ حفظً
للسانه منه .
عن جعفر الاحمر قال : كان أصحابنا البكاؤون أربعة: عبد الملك
بن أبجر، ومحمد بن سوقة، ومطرّف بن طريف، وضرار بن مُرّة.
سفيان قال: قال سلمة بن كهيل: ما بالكوفة أحد أحب أن
أكون فى مسلاخه أحب إلىّ من ابن أبجر.
سفيان الثورى قال : خمسة من أهل الكوفة يزدادون فى كل يوم
خيراً : منهم ابن أبحر.
عن عبد الملك بن أبجر قال: مامن الناس إلا مُبتلىَ بعافية لينظر
كيف شكره أو مُبتلىَ بيلية لينظر كيف صَبْرُهُ.
قال المؤلف : أسند بن أبجر عن أبى الطفيل عامر بن واثلة ، وعن
زر بن حبيش والشعبى، فى جماعة من نظرائهم.
(١) متعب منهوك القوى.
(٢) المعاربض : مفردها معراض ، وهو من الكلام خلاف المصرح به.
ومنه قولهم: (( إن فى المعاريض لمعدوحة عن الكذب)) . وهى لون من التورية
أباشىء عن شىء آخر .

- ١٢٤ -
٤٣٨ - عمرو بن قيس الملائى
إسحاق بن خف قال: أقام عمرو بن قيس الملائى عشرين سنة
صائمً ما يعلم به أهله يأخذ غداءه ويغدو إلى الحانوت فيتصدق بغذائه
ويصوم، وأهله لا يدرون
قال : وكان إذا حضرته الرِّقة يحول وجهه إلى الحائط ويقول
لجلسائه: هذا الزكام، وإذا نظر إلى أهل السوق قال: ما أغفلَ
هؤلاء عما أُعدَّلهم.
مفضل بن غسان قال : قال عمرو: حديثٌ أرقّق به قلبى وأتبلّغ به
إلى ربى عز وجل أحبّ إلىّ من خمسين قضيةً من قضايا شريح.
أبو خالد الأحمر قال : سمعت عمرو بن قيس الملابى يقول : إذا
بلغك شىء من الخير فاعمل به ولو مرةً تكن من أهله.
عبد الرحمن بن الحكم بن بشير بن سليمان قال : أنبأ أبى قال:
رأيت سفيان يجىء إلى عمرو بن قيس يجلس بين يديه ينظر إليه
لا يكاد يصرف بصره عنه. أظنه محتسب فى ذلك .
صالح بن أحمد بن عبدالله المحلى قال : حدثنى أبى عن أبيه عبد الله
قال: جاءت امرأة إلى عمرو بن قيس بثوب فقالت : يا أبا عبد الله
اشتَر هذا الثوب واعلم أن غزْله ضعيف. قال: فكان إذا جاءه إنسان
يعرضه عليه، قال : إن صاحبته أخترتنى أنه کانفى غز له ضعف حتى
جاء رجل فاشتراه وقال : هذا برأناك منه.

-- ١٢٥ -
عمر بن حفص بن غياث قال: لما احتُضر عمرو بن قيس الملائى
بكى، فقال له أصحابه: على(١) ما تبكى؟ من الدنيا؟ فوالله لقد كنت
تبغض العيش أيام حياتك فقال: والله ما أبكى على الدنيا إما أحكمى
خوفًا أن احرَم خوفَ الآخرة .
المحاربى قال: قال لى سفيان: عمرو بن قيس هو الذى أدبنى، علّمنى
قراءة القرآن وعلّمني الفرائض، وكنت أطلبه فى سوقه فان لم أجده
فى سوقه وجدته فى بيته إما يصّى وإما يقرأ فى المصحف ، كأنه يبادر
أموراً تفوته . فان لم أجده فى بيته وجدته فى بعض مساجد الكوفة
فى زاوية من زوايا المسجد كأنه سارقٌ قاعداً يبكى. فان لم أجده
وجدته فى المقبرة قاعداً ينوح على نفسه. فلما مات عمرو بن قيس أغلق
أهل الكوفة أبوابهم وخرجوا بجنازته. فلما خرجوا إلى الجبان
وبرزوا بسريره، وكان أوصى أن يصلَّ عليه أبوحيان التيمى، تقدم
أبو حيان وكبر عليه أربعاً، وسمعوا صائها يصيح: قد جاء المحسن.
وإذا البرية مملوءة من طير أبيض لم ير على خلقتها وحسنها. فجعل الناس
يعجبون من حُسنها وكثرتها. فقال أبو حيان. من أىّ شىء تعجبون؟
هذه الملائكة جاءت فشهدت عمراً.
عن عبدالله بن سعيد الجعفى قال: حضرنا جنازة عمرو بن قيس
(١) كذا بإثبات ألف ما الاستفهامية وفصلها عن حرف الجر. وهو خلاف
الأولى وهى ترد كذلك فى كل المواطن المقبلة تقريباً .

- ١٢٦ -
حضره قوم كثير عليهم ثياب بيض، فلما صُلّى عليه ذهبوا فلم ترم.
محمد بن يزيد الرفاعى قال: سمعتمن لاأحصى كثرة يقول: مات
عمرو بن قيس بناحية فارس ، فاجتمع على جنازته ما لا يحصى ، فلما
دُفن نظروا فلم يجدوا أحداً .
أبو خالد، وهو الأحمر، قال: لما مات عمرو بن قيس الملائى(١)
رأوا الصحراء مملوءة رجالاً عليهم ثياب بيض(٢) فلما صلّى عليه ودفن
لم تر فى الصحراء أحداً. فبلغ ذلك أبا جعفر (٣) فقال لابن شبرمة
وابن أبى ليلى: مامنعكما أن تذكرا هذا الرجل؟ فقالا: كان يسألنا أن
لانذكره لك.
(قال المؤلف): سمع عمرو من عكرمة ، وعطاء ، والمنهال بن
عمرو، وأبى اسحق السّبيعى، وابن المنكدر، فى خلق كثير من
التابعين . وتوفى بسجستان، ويقال بالكوفة ، ويقال بالشام، ويقال
ببغداد . والله أعلم.
٤٣٩ - عظوان بن عمرو التميمى
سلمان بن حيان، أبو خالد الأحمر ، قال : كان عطوان بن عمرو
التميمى رجلا منقطعًا ، وكان يلزم الجبّان بظهر الكوفة فأتاه قوم
(١) زاد فى الحلية فى قرية من قرى الشام.
(٢) ط : بياض.
(٣) فى الحلية : عيسى بن موسى.

٠
- ١٢٧ -
يسلّمون عليه فوجدوه مغشياً عليه بين القبور، فلم يزالوا عنده حتى
أفاق فاستحيا منهم فجعل يقول لهم كهيئة المعتذر: ربما غلب علىّ النوم،
وربما أصابنى الاعياء فألقى نفسى هكذا .
محمد بن السماك قال: مارأيت أحداً أشدّ حذراً للموت من عطوان
ابن عمرو .
داود الطائى قال: سألت عطوان بن عمرو التميمى قلت، ما قِصر
الأمل ؟ قال ما بين تردّد النفَس.
قال رستم : فحدّثت به الفضيل بن عياض فبكى وقال: يقول:
يتنفس فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه ، لقد كان عطوان من
الموت على حذر .
٤٤٠ - قیس بن مسلم الجدلی
سفيان قال: كان قيس بن مسلم يصلى حتى السحر ، ثم يجلس
فيمسح البكاء ساعة بعد ساعة ، وهو يقول: لأمرٍ ما خُلقنا، لئن لم
الآخرة بخير لتَهْلِگنّ.
قال : وزار قيس بن مسلم محمد بن جحادة ذات ليلة فأتاه وهو فى .
المسجد بعد صلاة العشاء، قال: ومحمد قائم يصلى، فقام قيس بن مسلم
فى الناحية الأخرى يصلّى. فلم يزالا على ذلك حتى طلع الفجر. وكان
قيس بن مسلم إمام مسجده . قال فرجع إلى الحىّ فأمّهم ولم يلتقيا.
ولم يعلم محمد مكانه . قال : فقال له بعض أهل المسجد : زارك أخوك

- ١٢٨ -
قيس بن مسلم البارحة فلم تنفتِل إليه . قال : ما علمت بمكانه . قال :
فقدا عليه فلما رآه قيس بن مسلم مقبلاً قام إليه فاعتنقه ثم خَلَوّا جميعاً
فجعلا يبكيان .
روی قیس ین مسلم عنطارق بن شهاب، وعبد الرحمن بن أبیلیلی ..
وسعيد بن جبير. ومات سنة عشرين ومائة .
١

١
ومن الطبقة الخامسة
٤٤١ - مِسْعَرَ بن كِدام بن ظهير
يكنى أبا سلمة سفيان بن عيينة قال: ما لقيت أحداً أفضله
على مسعر .
قال سفيان الثورى : لم يكن فى زماننا مثله، يعنى مسعراً .
أبو خالد الأحمر قال: لم يكن فى أترابه أطولُ صمتاً منه،
يعنى مسعراً.
محمد بن مسعر قال : كان أبى لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن، فإذا
فرغ من وِرْدِهِ لفّ رداءه ثم مجع هجمةً خفيفة، ثم يثب كالرجل
الذى قد ضلَّ منه شىء فهو يطلبه ، فإنما هو السواك والطهور، ثم
يستقبل المحراب كذلك إلى الفجر ، وكان يجهد على إخفاء ذلك جدّاً.
عن أبى أسامة قال : سمعت مسعراً يقول : أشتهى أن أسمع
صوت باكيةٍ حزينة .
محمد بن كناسة قال: سمعت مسعراً يقول: من أهمَّتّه نفسه تبين
ذلك عليه .
سفيان قال: قال رجل لمسعر: أتحب أن يخبرك الرجل بعيوبك؟
قال : إن کان ناصحاً فنعم ، وإن کان یرید أن يؤنبنى فلا .
عبد الله بن المغيرة قال: سمعت مسعر بن كدام ينشد :
(٩٠ - صفة الصفوة =ـ = ٣)

- ١٣٠ -
فأضحى حُلْوُهُ مُرّا
ألا قد فَسد الدهرُ
فقد أنكرتُهم طرا
وقد جرّبت من أهْوى
من الناس تعشْ حُرّا
فألزم نفسك الياس
عبد الرحمن بن صالح يقول: قال مسعر بن كدام :
من الحرام ويبقى الإثم والعارُ
تَفنى اللذاذة ممن نال صفوتها
٥
لاخير فى لذةٍ من بَعْدها النارُ
تبقی عواقب سوءٍ من مغبها
الفيض بن الفضل العجْلى قال: حدثني جارٌ لمسعر قال: بكى مسعر
فبكت أمه فقال لها مسعر : ما أبكاك يا أماه ؟ فقالت : يا بنى رأيتك
تبكى فبكيت فقال: يا أمّاه لمثل مانهجُم عليه غداً فلنَطِل البكاء .
قالت: وما ذاك ؟ فانتحب فقال: القيامة وما فيها . قال : ثم غلبه
البكاء فقام .
قال: وكان مسعر يقول : لولا أتى لما فارقت المسجد إلا لما لا بدّ
منه ، وكان إن دخل بكى، وإن خرج بكى، وإن صلى بكى ، وإن
جلسَ بكى.
حسين بن يحيى بن آدم، عن أبيه قال: لما حضرتْ مسعراً الوفاة
دخل عليه سفيان الثورى فوجده جزءاً فقال له : تجزع ؟ فوالله
لوددتُ أنى مُتّ الساعة فقال مسعر : أَقْعِدُوني . فأعاد سفيان
الكلام عليه، فقال: إنك إذاً لواثقٌ بعملك ياسفيان، لكنى والله

- ١٣١ -
على شاهقةٍ جبلٍ لاأدرى أين أهبط. فبكى سفيان وقال: أنت أخْوَفُ
څه منی
أحمد بن داود الحرّانى قال: مصعب بن المقدام يقول: رأيت النبى
مُتٍَّ فى المنام، وسفيان الثورى آخذٌ بيده، وهما يطوفان، فقال الثورى:
يارسول اللهمات مسعر بن كدام؟ قال نعم، واستبشَرَ به أهل السماء.
قال المؤلف: أسند مسعر عن أعلام التابعين ، وتوفى بالكوفة
سنة اثنتين ، وقيل سنة خمس وخمسين ومائة .
٤٤٢ - داود بن نصير الطائی
يكنى أبا سليمان. سمع الحديث وتفقه، ثم اشتغل بالتعبّد.
أحمد بن أبى الحوارى قال : حدثنى بعض أصحابنا قال : كان داود
الطائى بجالس أبا حنيفة فقال له أبو حنيفة: يا أبا سليمان أما الأداة
فقد أحكمناها . قال داود: فأىّ شىء بَي؟ قال: بقى العمل به . قال:
فنازعتنى نفسى إلى العزلة والوحدة ، فقلت لها : حتى يجلسى معهم فلا
تُجيبى فى مسئلة. قال: فكان يجالسهم سنةً قبل أن يعتزل . قال :
فكانت المسئلة مجىء وأنا أشدّ شهوة للجواب فيها من العطشان إلى
الماء فلا أجيب فيها . قال: فاعتزلتُهم بعد .
أبو أسامة قال : جئت أنا وابن عيينة داود الطائى فقال : قد
جثمانى مرةً فلا (١) تمودا إلىّ.
(١) ق : لا .

- ١٣٢ -
ان عائشة قال: مرّ داود الطائى بمقبرة فسمع امرأة وهي تقول:
ياحِتٍ(١) ليت شعرى بأىّ خديك بدأ البلى ؟ باليمنى أم باليسرى ؟
قال : فصعِقِ .
قال: وكان الثورى إذا ذكرهُ قال : أبصر الطائى أمره.
محمد بن حاتم البغدادى قال: سمعت الجمانى يقول: كان بَدْو(٢)
توبة الطائى أنه دخل المقبرة فسمع امرأة عند قبر وهى تقول:
لقاؤك لا يُرْجَى وأنت قريب
مقيم إلى أن يبعث الله خلقه
وتُسْلِى كما تَبَلى وأنت حبيبُ
تزيدُ بِلی فی کلّ يومٍ وليلة
أحمد بن أبى الحوارى قال: حدثنى محمد يحيى عن داود الطائى
قال : ما أخرج الله عبداً من ذل المعاصِى إلى عزّ التقوى إلا أغناه بلا
مال، وأعزّه بلا عشيرة، وآنَسّه بلا بَشَر(٣).
عن بكر بن محمد قال: قال لى داود الطائى: فِر من الناس كما تَفَرّ
من الأسد.
محمد بن عثمان الصّيرفى قال : جاء أبو الربيع الأعرج إلى داود
الطائى من واسط ليسمع منه شيئاً ويراه. فأقام على بابه ثلاثة أيام
لا يصل اليد. قال: وكان إذا سمع الإقامة(٤) خرج فإذا سلم الإمام
و ثب فدخل منزله.
(١) الحب ( بكسر الحب). الحبيب. تريد به زوجها أو غيره ممن يمت إليه
(٢) بدو الأمر: أوله. (٣) الحلية: بلا أيس.
بصلة القربى .
(٤) أى إقامة الصلاة .

- ١٣٣ -
قال: فصلّيت فى مسجد آخر ثم جئت جلست على بابه فلما جاء
ليدخل الدار قلت : ضيف رحمك الله. قال: إن كنت ضيفاً فادخل.
فدخلت فأقت عنده ثلاثة أيام لا يكلمنى. فلما كان بعد ثلاث قلت:
رحمك الله أتيتك من واسط وإنى أحببت أن تزوّدنى شيئاً. قال:
صُم الدنيا(١) واجعل فطرك الموت. قلت: زِدْنى رحمك الله. قال:
فرّ من الناس فرارك(٢) من الأسد ، غيرَ طاعنِ عليهم، ولا تارك
لجماعتهم : قال: فذهبتُ أَستزيده فوثب إلى المحراب وقال:
الله أكبر.
عن أبى الربيع الأعرج قال: أتيت داود الطائى، وكان لا يخرج
من منزله حتى يقول: (٢) قد قامت الصلاة فيخرج فيصلى فاذا سلّم
الامام أخذ نعله ودخل منزله . فلما طال ذلك علىّ أدركته يوماً فقلت:
يا أبا سليمان على رسْلك. فوقف لى فقلت له: أبا سليمان أوصنى. قال:
اتّق الله، وإن كان لك والدان فيِرَّهما . ثم قال: ويحك مُمِ الدنيا()
٥
واجعل الفطر موتَك ، واجتنب الناس غير تارك لجماعتهم.
عبد الله بن ادريس قال: قلت لداود الطائى: أوصنى. قال: أقلل
من معرفة الناس. قلت : زدْنى. قال: ارضَ باليسير من الدنيا مع
(١) كذا فى النسخ، ولعلها: صم عن الدنيا. (٢) ط: كفرارك.
(٣) كذا فى ط. وفى ق خرم بمقدار كلمة أخرى، ولعلها ( المؤذن)).
(٤) كذا بلا تعدية الفعل بعن .

- ١٣٤ -
سلامة الدين كما رضى أهل الدنيا مع فساد الدين. قلت : زدنى . قال:
اجعل الدنيا كيوم صُمتّه ثم أفطرت على الموت.
اسحاق بن منصور السَّلولى قال: دخلت أنا وصاحبٌ لى على
داود الطائى وهو على التراب ، فقلت لصاحبى : هذا رجل زاهد .
فقال داود : إنما الزاهد من قَدرَ فَتْركَ .
الوليد بن عقبة قال: كان يخز لداود الطائى ستون رغيفاً يعلّقها
بشريط ، يفطر كل ليلةٍ على رغيفين بملح وماء. فأخذ ليلة فطره نجعل
ينظر إليه . قال ومولاة له سوداء تنظر إليه ، فقامت جاءته بشىء
من تمر على طبق فأفطر ثم أحيا ليلته وأصبح صائماً . فلما جاء وقت
الافطار أخذ رغيفيه وملحاً وماء .
قال الوليد بن عقبة: حدثنى جارٌ له قال: جعلتُ أسمعه يعاقب
نفسه ويقول: اشتهيْت البارحة تمراً فأطعمتك ، واشتهيت الليلة
ثمراً؟ لا ذاق داود تمراً مادام فى الدنيا .
عن حماد بن أبى حنيفة قال: قالت مولاة لداود الطائى : ياداود
لو طبختُ لك رسماً. قال: فافعلى . فطبختْ له شحماً ثم جاءته به .
فقال لها : ما فعل أيتام بنى فلان؟ قالت : على حالهم . قال : اذهبى به
إليهم . فقالت له: فديتك إنما تأ كل هذا الخبز بالماء؟ قال: إنى إذا
أكلته كان فى الخشّ وإذا أكله هؤلاء الأيتام كان عند
الله مذخوراً .

- ١٣٥ -
صدقةُ الزاهد قال: خرجنا مع داود الطائى فى جنازة بالكوفة،
فقعد داود ناحية وهى تُدفن فجاء الناس فقعدوا قريباً منه فتكلم فقال:
من خاف الوعيد قَصُر عليه البعيد، ومن طال أمله ضعف عمله، وكل
ما هو آتٍ قريبٌ ، واعلم يا أخى أن كل ما يَشَلك عن ربك
فهو عليك مشؤم ، واعلم أن أهل القبور إنما يفرحون بما يقدّمون
ويندمون على ما يخلفون ، وأهل الدنيا يقتتلون ويتنافسون فيما عليه
أهل القبور يندمون .
أبو حفص قال: سمعت ابن أبى عدىّ يقول: صام داود (الطائى)
أربعين سنة ما علم به أهله، وكان خزّازاً ، وكان يحمل غذاءه معه
ويتصدق به فى الطريق ويرجع إلى أهله يفطر عشاءً لا يعلمون
أنه صائم
قال الشيخ(١): وقد رُويت لنا هذه الحكاية من طريق أبي حفص
الفلاس (أيضاً ).
عن ابن أبى عدىّ (أن) هذا جرى لداود بن أبى هند، وسنذكرها
فى أخبار البصريين، وهى بذاك أليق من داود الطائى. وكان متشاغلاً
بالعلم ثم انقطع إلى التعبد، ولم ينقل عنه أنه تشاغل بالمعاش، فال بعض
الرواة قال الطائى. والله أعلم.
محمد بن بشر العبدى قال: قال داود يوماً لمولاة له فى الدار: أشتهى
(١) ط : قال المؤلف.
.

- ١٣٦ -
لبناً فخذى رغيفًا، فانتى به البقال فاشترى به لبناً ولا تُعلمى البقال لمن
هو ؟ فذهبتْ فجاءت به فأكل وفطن البقال بعدُ أنها تريد اللبن
لداود فطيّبه له . فقال لها : علمّ البَقَالُ لمن تريدين اللبن؟ فقالت :
نعم. قال: ارفعيه. فما عاد فيه.
(قال): وجاءه فضيل يوماً فلم يفتح له ، فجلس فضيل خارج
الباب وهو داخل فَبَكى داود(١) من داخل وفضيل من خارج، ولم
يفتح له . قلت لمحمد بن بشر: كيف لم يفتح له الباب ؟ قال ، قد كان
يفتح لهم . وكثروا عليه فقّوه فىجبهم كلهم ، فمن جاءه كلمه من
وراء الباب .
وقالت له أمه: لو اشتهيت شيئاً اتخذته لك. فقال : أجيدى يا أماه
فإنى أريد أن أدعوا إخواناً لى. قال: فاتّخذت وأجادتْ. قال: فقعد
على الباب لا يمرّ سائل إلا أدخله. قال: فقدم(٢) إليهم فقالت له أمه :
لو أ كلت. قال : فمن أ كله غيرى .
قال : وإما جدّ واجتهد حین ماتت امہ قسم کل شیء تر کت حتى
لزقَ بالأرض، وكانت موسرة .
إسحاق بن منصور قال : حدثنى جنيد يعنى الحجّام قال : أتيت
داود الطائى فإذا قرحة قد خرجت على لسانه فَبَطَطَتْهَا (٣) وأخرجت
(٢) ق : فقدمه .
(١) ط: يبكى وداود. تصحيف.
(٣) بط الجرح : شقه .

- ١٣٧ -
قليلَ دواءٍ فوضعته فى خرقة. فقلت: إذا كان الليل فضعه عليها . فقال:
ارفع ذلك اللبد . فرفعته فإذا دينار فقال : خذه . قلت : يا أبا سليمان
ليس هذا ثمن هذا، ثمن هذا دائق فوضعت الدواء فى كوّة وخرجت
ثم غدوت بعد يومين فإذا الدواء على حاله . قلت : يا أبا سليمان
سبحان الله، لمَ لمْ تعالَج بهذا الدواء؟ فقال لى: إن أنت لم تأخذ
الدينار لم أمسّه .
إسماعيل بن زيان قال: حجم حجّام داودَ الطائى فأعطاه ديناراً
لا يملك غيره .
حدثنا أبو سعيد السكرى قال: احتجم داود الطائى فدفع ديناراً
إلى الحجام فقيل له: هذا إسراف. فقال : لاعبادة لمن لامروءة له.
عبادة بن كليب قال : قال رجل لداود الطائى : لو أمرت بما فى
سقف البيت من نَسج العنكبوت فينظّف. فقال له: أما علمت أنه
كان يكره فضول النظر .
الحسن بن عيسى قال : سمعت عبد الله بن المبارك يقول : وهل
الأمر إلا ما كان عليه داود الطائى .
عبيد الله بن محمود بن سلمة بن معبد قال: لقى داود الطائى رجلٌ
فسأله عن حديث ، فقال: دعنى إنى أبادر خروج نفسى.
وكان الثورى إذا ذكره قال: أبصر الطائى أمره.
أبو خالد الأحمر قال : مررت أنا وسفيان الثورى بمنزل داود

- ١٣٨ -
الطائى فقال لى سفيان : ادخل بنا نسلّم عليه . فدخلنا إليه فما احتفل
بسفيان ولا انبسط إليه . فلما خرجنا قلت له: يا أبا عبد الله غاظتی
ماصنع بك. قال: وأىّ شىء صنع بى؟ قلت: لم يحفل بك ولم ينبسط
إليك. قال: إن أبا سليمان لأُيُّهم فى مودة ، أما رأيت عينيه؟ هذا
فی شیء غیر مانحن فيه.
أبو عمران قال: حدثنى أسود بن سالم أن داود الطائى كان يقول:
سبقنى العابدون وقُطْع بى، والحَفَاء.
محمد بن اشكاب قال: حدثنى رجل من أهل داود الطائى قال :
قلت له يوماً: يا أبا سليمان قد عرفت الرَّحِم التى بيننا فأوصِنِى قال:
فدمعت عيناه. ثم قال يا أخى إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس
مرحلة مرحلة حتى ينتهى بهم ذلك إلى آخر سفَرم ، فإن استطعت
أن تقدم فى كل مرحلة زاداً لما بين يديها فافعل ، فإن انقطاع السفر
عن قريب والأمر أعجل من ذلك ، فتزود لسفرك واقض ما أنت
قاضٍ من أمرك، فكأنك بالأمر قد بفتك ، إنى لأقول لك هذا
وما أعلم أحداً أشد تضييعاً منى لذلك. ثم قام وتركنى .
أبو المهنا الطائى قال: خرج داود الطائى إلى السوق فرأى الرُطَب
فاشتَهته نفسه فجاء إلى البائع فقال له: أعطنى بدرم إلى غد. فقال له :
اذهب إلى عملك. فرآه بعض من يعرفه فأخرج له صرة فيها مائة درهم
وقال : اذهب فإن أخذ منك بدرم فالمائة لك : فلحقه البائع وقال له :

- ١٢٩ -
ارجع خُذ حاجتك. فقال: لا حاجة لى فيه إنما جرّبت هذه النّفْس فلم
أرها تساوى فى هذه الدنيا درهماً وهى تريد الجنة غداً.
حفص بن عمر الجعفى قال : كان داود الطائى قد ورث عن أمه
أربعمائة درهم، فمكث يتقوتها ثلاثين عاماً، فلما نفدت جعل ينقض(١)
سقوف الدويرة(٢) فيبيعها حتى باع الخشب والبوادىّ(٢) والّبن، حتى
بقى فى نصف سقف . وجاء صديق له فقال: يا أبا سليمان لو أعطيقنى
هذه فأبضعتها لك لعلنا نستفضل لك فيها شيئاً يُنتَفَع به . فمازال به
حتى دفعها إليه ، ثم فكّر فيها فلقيه بعد العشاء الآخرة فقال: اردُدها
علىّ . فقال: ولمَ ذاك يا أخى ؟ قال: أخاف أن يدخل فيها شيء غير
طيّب فأخذها .
عثمان بن زَفَر قال : أخبرنى ابن عم لداود الطائى قال: ورث داود
الطائى من أبيه عشرين ديناراً فأ كلها فى عشرين سنة ، كل سنة ديناراً
منه يصل ومنه يتصدق، وورث بيتاً فكان يكون فيه لا يَعْمُرُهُ،
كلما خربتْ ناحية تركها وتحول إلى ناحية أخرى فخرب كله
إلا زاوية منه كان يكون فيها (٤)
محمد بن إسحاق قال: سمعت محمد بن زكريا يقول : سمعت بعض
أصحابنا قال : ورث داود الطائى من مولاة له عشرين ديناراً كفته
عشرين سنة .
(١) ط : يخرب .
(٢) تصغير الدار .
(٣) مفردها ( البورية) وهى الحصير المنسوج من القصب.
(٤) لم يكن أصحاب رسول الله كذلك، بل لم يكن هذا مفهوم الدين عندهم

- ١٤٠ -
عن عبد الله بن صالح قال : قال داود الطائى: يا بن آدم فرحتَ
ببلوغ أملك وإنما بلغته بانقضاء مدة أجلك ثم سوّفت بعملك كأن
منفعته لغيرك .
عن قُبيصة قال : حدثنى صاحب لنا أن امرأة من أهل داود الطائى
صنعت ثريدة إسَمن ثم بعثت بها إلى داود حين إفطاره مع جارية لها.
قالت الجارية : فأتيته بالقصعة فوضعتها بين يديه فسعى لياً كل منها ،
فجاء سائل فقام إليه فدفعها إليه وجلس معه على الباب حتى أ كلها .
ثم دخل فغسل انقصعة ثم عمد إلى تمر كان بين يديه ، قالت الجارية
ظننت أنه كان أعدّه لِمَشائه، ودفعه إلىّ وقال : أقرئيها السلام ،
قالت الجارية : دفع إلى السائل ماجئناه به ودفع إلينا ما أراد أن
يفطر عليه . قالت: وأظنه ما بات إلا طاوياً . قال قبيصة ، فكنت
أراه قد نَحُل جداً.
ابن زبان قال : قالت داية داود الطائى : يا أبا سلمان أما تشتهى
الخبز؟ قال : ياداية بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية.
عبد الله بن صالح بن مسلم العجلى قال: دخلتُ على داود الطائى فى
مرضه الذی ماتفیه ليس فى بيته إلا دن مقيّ(١) یکون فيه خبز يابس
ومطهرة ولبنة كبيرة على التراب يجعلها وسادة وهى مخدّته ليس فى
بته بوری ولا قليل ولا کثیر .
(١) مطلى بالقار، وهو طلاء أسود يشبه الزفت .