Indexed OCR Text
Pages 341-360
- ٣٤١ - وعن إبراهيم الحربى قال: كان أحمد بن حنبل يأتى العرس والخِتان والإملاك، يُجيب ويأكل. وعن اسحاق بن راهويه قال: لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبدالرزاق انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من بعض الجمّلين ، إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئاً. وعن الرمادى قال: سمعت عبدالرزاق - وذكر أحمد بن حنبل فدمعت عيناه - فقال: قدِمٍ وبلغنى أن نفقته نفدتْ فأخذت عشرة دنانير وأقته خلف الباب، وما معى ومعه أحد، وقلت : إنه لا تجتمع عندنا الد نانير وقد وجدتُ الساعةَ عند النساء عشرة دنانير فخذها فأرجو ألاّ تنفقها حتى يتهيأ عندنا شىء. فتبسم وقال لى: ((يا أبا بكر لو قبلتُ شيئاً من الناس قبلتُ منك)). ولمَ يقبل . وعن صالح بن أحمد (١) قال جاءتنى : حسن فقالت: يا مولاى قد جاء رجل بِتليسة فيها فاكهةٌ يابسة(٢) وبهذا الكتاب قالَ صالح: فقمت فقرأت الكتاب فاذا فيه : يا أبا عبد الله أبضعتُ لك بضاعة إلى سمر قند فوقع فيها كذا (١) هو صالح بن أحمد بن حنبل (٢) ط. ((بتلبسة فيها فاكهة ويابسة)) تحريف. والتليسة (بكسر التاء وتشديد اللام ): هنة تسوى من الخوص فتوضع فيها الزجاجة. وتطلق أيضاً على مايشبه الكيس . - ٢٤٢ - وكذا، ورددُها فيها كذا وكذا، وقد بعثتُ بها إليك [ وهيَ] أربعة آلاف درهم وفا كهة أنا لقطتها من بستانى، ورثته عن أبى ، وأبى ورثه عن أبيه . قال : فجمعت الصبيان فلما دخل(١) دخلنا عليه فبكيت وقلت له : يا أبة أما ترق لى من أكل الزكاة؟ ثم كشفت عن رأس الصبية وبكيت فقال: من أين علمت ؟ دع حتى أستخير الله تعالى الليلة. قال : فلما كان من الغد قال: يا صالح صى(٢) فانى قد استخرتُ الله [ تعالى] الليلة فعزم لى ألا آخذها . وفتح التلميّسة ففرقها على الصبيان وكان عنده ثوبٌّ عُشارى(٣) فبعث به إليه وردّ المال. قال صالح: فبلغنى أن الرجل اتخذه كفناً . وعن على بن الجهم قال: كان له جار فأخرج إلينا (٤) كتاباً فقال: أتعرفون هذا الخط ؟ قلنا: هذاخط أحمد بن حنبل، كيف كتب لك؟ قال: كنا بمكةّ مقيمين عند سفيان بن عيينة ففقدْنا أحمد بن حنبل أياماً لم تره ثم جئنا إليه لنسأل عنه فقال لنا أهل الدار التى هو فيها: هو فى ذلك البيت . فجئنا إليه والباب مردود عليه، وإذا خُلقان فقلنا له: يا أبا (١) أى أحمد بن حنبل . (٢) كذا فى المطبوع. وفى ق: صبى. ولم نهتد إلى صوابها . (٣) ثوب عشارى : طوله عشر أذرع . (٤) صف : له . - ٣٤٣ - عبد الله ما خَبَرُك؟ لم ترك منذ أيام . فقال : سُرقت ثيابى . فقلت له: معى دنانير فإن شئت فخذْ قرْضاً وإن شئت فَصِلَة. فأبى أن يفعل. فقلت : تكتب لى بأجرة ؟ قال: نعم . فأخرجت ديناراً فأبى أن يأخذه وقال اشترٍ لى ثوباً واقطعه بنصفين. فأوماً إلى أنه بأنزر بنصف ويرتدى بالنصف الآخر. وقال: جثنى بنفقته(١) ففعات وجئت بورَق فكتب لى، وهذا خطه . وعن صالح بن أحمد بن حنبل قال: دخلت على أبى فى أيام الوائق والله يعلم فى أىّ حالة نحن وخرج لصلاة العصر، وكان له جلد يجلس عليه، قد أتت عليه سنون كثيرة حتى قد ◌َليّ فإذا تحته كتاب فيه . بلغنى يا أبا عبد الله ما أنت فيه وعن الضيق وما عليك من الدين، وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم على يدَىْ فلان لتقضى بها دينك وتوسّع بها على عيالك وما هى من صدقة ولا زكاة ، إنما هو شئْء ورثته من أبی . فقرأت الكتاب ووضعته ، فلما دخل قلت له : يا أبة ما هذا الكتاب ؟ فاحمر وجهه وقال : رفعتُه منك . ثم قال: تذهب بجوابه إلى الرجل. وكتب : (١) ط : بنفسه، تحريف . - ٣٤٤ - بسم الله الرحمن الرحيم. وصَل (١) كتابك إلىّ ونحن فى عافية فأما الدَّيْن فانه لرجل لا يُرهقنا وأما عيالنا فهم بنعمة الله والحمد لله . فذهبت بالكتاب إلى الرجل الذى كان أوصل كتاب الرجل فقال: ويحك لو أن أبا عبد الله قبل هذا الشئْء ورمى مَثلا فى دجلة كان مأجوراً لأن هذا الرجل لا يُرف له معروف . فاما كان بعد حين ورَد كتاب الرجل بمثل ذلك فرد عليه الجواب بمثل ماردّ. فلما مضت سنة أو أقل أو أكثر ذكرناها فقال: لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت . وعن محمد بن موسى بن حماد الزيدّى(٢) قال: حمل إلى الحسن بن عبد العزيز الحروى من ميراثه من مصر مائة ألف دينار ، حمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس فى كل كيس ألف دينار فقال: يا أبا عبد الله هذه ميراثُ حلالٍ فخذْها فاستِمِنْ بها على عائلتك . فقال: لا حاجة لى فيها أنا فى كفاية. فرَدَّها ولم يقبل منها شيئاً . وعن السرىّ بن محمد خال ولدصالح قال: جاء أحمد بن صالح يوضّىء أبا عبد الله يوماً وقد بلّ أبو عبد الله خرقةً فألقاها على رأسه. فقال له أحمد بن صالح: ياجدّىٍ أنت محموم. قال أبو عبد الله: وأتى لى بالحىّ؟ (١) : ((تذهب بجوابه فكتب إلى الرجل: وصل .. )) (٢) ق ، قط : البربرى. - ٣٤٥ - وعن رحيلة (١) قال: كنت على باب أحمد بن حقبل والباب مُجافٍ، وأمّ ولده تكلمه وتقول له (٢): إنّ معك فى ضيقٍ، منزلُ بيت صالح يأكلون ويفعلون وهو يقول: قولى خيراً. وخرج الصبىّ معه فبكى فقال له: أىَّ شىءٍ تريد؟ قال: زبيب (٣) قال: اذهبْ فَخُذْ من البقّال حبة . وعن أبى بكر المروزى قال: سمعت أبا عبدالله يقول : إنما هو طعامٌ دون طعام ولياس دون لباس، وإنها أيام قلائل. وقال : سمعت أبا عبدالله يقول أسَرُّ أيامى إلىّ يومٌ أصبح وليس عندى شىء. وعن صالح بن أحمد قل: ربما رأيت أبى يأخذ الكِسِرَ فينفض الغبار عنها ثم يصيرها فى قصعة ثم يصب عليها ماء حتى تبتلّ ، ثم يأكلها بالملح، وما رأيته قط اشترى رمّانً ولا سفرْجلاً ولا شيئاً من الفاكمة ، إلا أن يكون يشترى بطيخة فيأ كلها بخبز أو عنباً أو مراً فأما غير ذلك فما رأ يته قطّ اشتراه، وربما خُبٍ له فيجعل فى فخارة عَدَساً وشحْمَا وَمَراتِ شِهريز(٤)، فيخص الصبيان بقصعة فيصوت ببعضهم (١) ق، قط: ابن جبلة (٢) قط : نحن . (٣) كذا والأحسن نصبه على أنه مفعول ((أريد)) محذوفاً. (٤) ط: شهريض، تحريف. و((تمر شهريز)) هو نوع من التمر مشهور عندهم و ((شهريز)) إما مضاف إليه وإما نعت لتمر ويروى باليسين بدل الشين. - ٣٤٦ - فيدفعه إليهم فيضحكون ولا يأكلون. وكان كثيراً ما يأتدم بالخل وكان يُشترى له شحم بدرهم، فكان يأكل منه(١) شهراً. فلما قدم من عند المتوكل أدْمَن الصَّوم وجعل لايأكل الدَّسم. فتوهّمتُ أنه كان جعل على نفسه(٢) إِنْ سَلَمَ أنْ يفعلَ ذلك. وعن النيسابورى صاحب إسحاق بن ابراهيم: قال لى الأمير : إذا جاء إفطاره أرِنِيه. قال جاؤوا برغيفين(٣) خبز وخيارة . فأريته الأمير فقال : هذا لايجيبنا إذا كان هذا يقنعه . وعن الحسن(٤) بن خلف الصائغ قال: جاءنى المروزى فى علّة أبى عبد الله، قال: أبو عبد الله عليل . فذهبت بالمتطبّب فدخلنا عليه. قال: ما حالك؟ قال: احتجمتُ أمسٍ. قال: وما أكات؟ قال: خبزاً وكانً(٥) قال: يا أبا عبد الله تحتجم، وتأكل خبزاً وكامخاً؟ قال: فا آكل؟. (١) ق : منها . (٢) أخذ عليها عهداً. (٣) كذا فى الفسخ بإثبات نون المثنى. (٤) صف : الحسين . (٥) الكامخ : إدام يؤتدم به. وخصه بعضهم بالمخللات . - ٣٤٧ - وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: رأيت أبا عبد الله إذا مشى فى الطريق يكره أن يتبعه أحد . وقال المروزى : سمعت أبا عبد الله يقول : الخوف يمنعنى من أكل الطعام والشراب فما أشتهيه . قال المروزى وبال(١) أبو عبد الله فى مرضه دماً فأريته عبد الرحمن المتطبّب فقال: هذا رجل قد فتّت الغم والحزن(٢) كبده. وعن إبراهيم بن شماس قال : كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام يحمى الليل . وعن المروزى قال سمعت أبا عبد الله يقول: قد (٣) وجدت البَرْد فى أطرافى ما أراه إلا من إدمانى أكْلَ اللّ والملح. وعن فوران(٤) قال: كنا عند أحمد بن حنبل قبل أن يموت بليلتين، وكان ثَمَّ غلام أسْود لأبى يوسف، يعنى عمّه ، اشتراه من هذا المال فذهب بروح أحمد قهاه وعن سليمان بن داود الشاذ كونى أن أحمد رهن سطلاً عند فاميّ(٥) (١) قط : وقاء . (٢) ق، قط: (( الغم أو قال: الحزن)). (٣) ط : وقد ، تحريف . (٤) ق: قوان، قط : فرناة . (٥) الفامى : نسبة إلى ( فامية ) بلدة فى العراق . - ٣٤٨ - فأخذمنه شيئاً يتقوته. فجاء فأعطاه فكاكه فأخرج إليه سطلين، فقال: انظر أيهما سطلك ؟ فخذه . قال : لا أدرى أنت فى حلّ منه ومما أعطيتك. ولم يأخذ. قال انغامِىّ: والله إنه لسطْلُه وإنما أردتُ أن امتحنه فيه . وعن أحمد بن محمد التُستّرىّ قال: ذكروا لى أن أحمد بن حنبل أتى عليه ثلاثة أيام ما كان طَعِمَ فيها . فبعث إلى صديق له فاستقرض شيئاً من الدقيق ، فعرفوا فى البيت شدّة حاجته إلى الطعام فخبزوا عاجلاً . فلما وُضع بين يديه قال: كيف خبز تم هذا بسرعة ؟ قيل له : كان التنّر فى دار صالح ابنه مسجوراً فخبز نا عاجلاً . فقال: ارفعوا ولم يأكل وأمر بسّد بابه إلى دار صالح . وعن عبد الله بن أحمد قال : كان أبى أصبر الناس على الوحْدة، لم يره أحد إلاّ فى مسجد أو حضور جنازة أو عيادة مريض. وكان يكره المشْى فى الأسواق . وعنه قال: كان أبى يملّى فى كل يوم وليلةٍ ثلاثَ مائةٍ رَكْمة. فلما مرض من تلك الأسواط(١) أضعفته، فكان يصلّى فى كل يوم وليلة مائةً وخمسين ركمةً . وقد كان قَرُبَ من الثمانين ، وكان يقرأ (١) الأسواط: ج سوط. وهو ما يضرب به. يريد مالقيه من الضرب والجلد فى محنته . - ٣٤٩ - فى كل يوم سبعاً يختم فى سبعة أيام، وكانت له ختْمةٌ فى كل سبع ليال سوى صلاة النهار، وكان ساعةً يصلّى عشاء الآخرة ينام نومة خفيفةً ثم يقوم إلى الصباح يعلّى ويدعو . وحجّ أبى خمس حجّاتٍ: ثلاثَ حجَجٍ ماشياً واثنتَيْن راكبًا ، وأنفق فى بعض حجّاته عشرين درهماً . وعنه قال كنت أسمع أبى كثيراً يقول فى دُبُر الصلاة: اللهم كما صنتَ وجْهى عن السجود لغيرك صُنه عن المسألة لغيرك . وعن أبى عيسى عبد الرحمن بن زاذان قال: صلّينا ، وأبو عبد الله أحمد بن حنبل حاضر ، فسمعته يقول : ((اللهم مَن كان على هوى أو على رأى وهو يظن أنه على الحق وليس هو الحق فرُدّه إلى الحق حتى لا يضلّ من هذه الأمة أحدٌ" . اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكفّلتَ لنا به. ولا تجعلنا فى رزقك خَوَلاً لغيرك، ولا تمنعْنا خيرَ ما عندك بشرّ ما عندنا، ولا تَرنا حيث نهيتَنَا ولا تفقدْنا من حيث أمرْتَنَا، أعِزَّنا ولا تُذِلِنَا أعِزَّنا بالطاعة ولا تُذلّنا بالمعصية))(١). وعن على بن أبى حرارة(٢) قال: كانت أمى مقعدة نحو عشرِين (١) ق. قط: بالمعاصى. (٢) ط : حراو . - ٣٥٠ - سنة . فقالت لى يوماً: اذهب إلى أحمد بن حنبل فسله أن يدعو الله لى. فمضيت فدققتُ عليه الباب. فقال: مَن هذا ؟ فقلت : رجل من أهل ذلك الجانب، سألتنى أمى وهى زَمِنَة مقعدة أن أسألك أن تدعو الله لها. فسمعتُ كلامه كلامَ رجلٍ مغضب وقال: نحن أحوج أن تدعو (١) الله لنا. فولّيت منصرفًا فخرجتْ عجوز من داره فقالت: أنت الذى كلمت أبا عبد الله؟ قلت: نعم . قالت: قد تركته يدعو الله لها . قال : فجئت من فورى إلى البيت فدققتُ الباب فخرجتْ على رجليْها تمثى حتى فتحتْ لى الباب وقالت: قد وهبَ الله لى العافيةَ. وعن ميمون بن الأصبغ قال: كنت ببغداد فسمعتُ ضجّةً فقلت: ما هذا؟ فقالوا : أحمد بن حنبل يُتَحن. فدخلت فلما ضُرب سوطاً قال: بسم الله. فلما ضُرب الثانى قال: لا حول ولا قوّة إلا بالله . فلما ضرب الثالث قال : القرآن كلام الله غيرُ مخلوق . فلما ضرب الرابع قال: ((قُلْ لَنْ يُصِيِبَنَا إِلّ ما كتَب الله لنا))(٣) فضُرب نسمةً وعشرين سوطاً . وكانت تكّة أحمد حاشية ثوبٍ فانقطعت ، فنزّل السراويلُ إلى مانته، فرمى أحمد طرفه إلى السماء وحرّك شفتيه، فما كان بأسرع أن بقى السّراويل لم ينزِل . (١) ق : ندعو . (٢) التوبة : ٥١ - ٣٥١ - فدخلت إليه بعد سبعة أيام فقلت : يا أبا عبد الله رأيتك تحرّك شفتيك فأىّ شىء فلتَ؟ قال: قلت: اللهم إنى أسألك باسمك الذى ملأتَ به العرش إن كنتَ تعلم أنى على الصّواب فلا تهتك لى ستْراً. وعن محمد بن اسمعيل بن أبى سمينة قال: سمعت شاباص الغائب(١) يقول : لقد ضربتُ أحمد بن حنبل ثمانين سوطاً لو ضربتُه(٢) فیلاً لحدَّته . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كنت كثيراً أسمع والدى يقول: رحم الله أبا الهيثم ، غفر الله لأبى الهيثم ، عفا الله عن أبى الهيثم. فقلت : يا أبة من أبو الهيثم؟ فقال: لما أخرجتُ للسياط ومُدّت يداىَ للعقابين إذا أنا بشابّ يجذب ثوبى من ورائى ويقول لى : تعرفنى؟ قلت لا. قال: أنا أبو الهيثم العيّار اللص الطرّار، مكتوب فى ديوان أمير المؤمنين أنى ضربت ثمانية عشر ألف سوطٍ بالتّفاريق، وصبرت فى ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا فاصبر أنت فى طاعة الرحمن لأجل الدين. قال: فضربت ثمانية عشر سوطاً بدل ماضرب ثمانية عشر ألفاً، وخرج الخادم فقال: عفا عنه أمير المؤمنين . وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قال لى أبى: يابنىّ لقد أعطيت المجهود من نفسى . (١) كذا فى ط . وفى ق : شاتان المواس. (٢) كذا فى النسخ . والصواب : ضربتها . ٠ - ٣٥٢ - قال: وكتب أهل المطامير إلى أحمد بن حنبل : إن رجعتَ عن مقالتك ارتددنا عن الإسلام . وعن أحمد بن سنان قال : بلغنى أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم فى حٍَّ فى (١) يوم فتْح بابك أو [ فى] فتح عمورية فقال: هو فى حلّ من ضربى . وقال إبراهيم الحربى: أحلّ أحمد بن حنبل مَن حضر ضرْبَه وَلَّ من شايع فيه والمعتصم، وقال لولا أن ابن أبى دُواد داعية لأحلْتُه. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: ورد كتاب على بن الجهم: إنّ أمير المؤمنين، يعنى المتوكل، قد وجّه إليك يعقوب المعروف بقوْصرة، ومعه جائزة ويأمرك بالخروج فاللهَ اللهَ أن تَستعفىَ أو تردّ المال، فيتّسع القولُ لمن يُبغضك . فلما كان من الغد ورَد يعقوب فدخل عليه فقال يا أبا عبد الله أمير. المؤمنين يقرئك السلام ويقول: قد أحببتُ أن آنسَ بُقُربك وأن أتَبَّرك بدعائك، وقد وجّهتُ إليك عشرة آلاف درهم معونةً على سفرك . أخرج صُرّةً فيها بَذْرة نحو مائتى دينار والباقى درام صحاح ، فلم (١) ط : من. - ٣٥٣ - ينظر إليها ثم شَدّها يعقوب وقال له : أعود غداً حتى أبصر ما تعزم عليه وانصرف . نجئت باجّانة خضراء فكيتُها على البَدْرة. فلما كان عند المغرب قال : يا صالح خذ هذا صيرّه عندك. فصيّرتها عند رأسى فوق البيت . فلما كان سحَراً إذا هو ينادى: يا صالح فقمت فصعدت إليه فقال : ما نمت ليلتى هذه. فقلت : لمَ يا أبة؟ فجعل يبكى وقال: سلمتُ من هؤلاء حتى إذا كان فى آخر عمرى بُليت بهم ، قد عزمت على أن أفرّق هذا الشىء إذا أصبحتُ . فقلت: ذاك إليك فلما أصبحَ قال : جثتي يا صالح بميزان . وقال: وجّهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار. ثم قال: وجّهُ إِلى فلان(١) يفرّق فى ناحية وإلى فلان(١) فلم يزل حتى فرقها (٣) كَّها ونفضتُ الكيس، ونحن فى حالةِ اللهُ تعالى بها عليم. فجاء بنيّ لى فقال: يا أبة أعطِنى درهماً . فنظر إلىّ فأخرجت قطعةً فأعطيته وكتب صاحب البريد: إنه قد تصدق(٢) بالدرام من يومه حتى تصدّق بالكيس . قال علىّ بن الجهم: فقلت: يا أمير المؤمنين قد علم الناس أنه قد (١) صف : إِل آل فلان. (٢) ط : فلم يزل يفرقها . (٣) قط : تصرف . (م ٢٣ - صفة الصفوة). - ٣٥٤ - قبل منك، وما يصنع أحمد بالمال؟ وإنما قُوتُه رغيف. فقال لى : صدقت يا علىّ . قال صالح: ثم أُخرِجْنا ليلاً معنا حرّس، معهم النفّاطات(١) فلما أضاء الفجر قال لى: يا صالح معك دراهم ؟ قلت نعم. قال : أعطِهم فأعطيتهم درهماً درهماً ودخلنا العسكر وأبى منكس الرأس . ثم أنزل دارَ إيتاخ وجاء علىّ بن الجهم فقال : قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان التى فرقها وأمر أن لا يعلَم بذلك فيغتمّ . ثم جاءه أحمد بن معاوية فقال : إن أمير المؤمنين يُكثر ذكرك ويشتهى قُربك وتَقِيم ههنا تحدّث؟ فقال: أنا ضعيف : ثم ◌ُل إلى دار الخلافة . فأخبرنى بعض الخدم أن المتوكل كان قاعداً وراء ستر فلما دخل أبى الدار قال لأمه: يا أماه قد أنارت الدار. ثم جاء خادم بمنديل فيه ثياب فألبس وهو لا يحرّك يديه. فلما صار إلى الدار تزّع الثياب عنه ثم جعل يبكى. ثم قال: سَلمتُ من هؤلاء منذ ستين سنة حتى إذا كان فى آخر عمرى بُليت بهم؟ ثم قال: ياصالح وجّه هذه الثياب إلى بغداد تُباع وتَصدّق بثمنها ولا يشترى أحد منكم شيئاً منها . (١) ضرب من السرج يستصبح به ، أو أدوات من النحاس يرمى فيها بالنفط والنار . - ٣٥٥ - وأجريتْ له (١) مائدة وثلج وضرب الخيش فلما رآه تنحى فألق نفسه على مضربة له وجعل يُواصل ويُفطر فى كل ثلاثٍ على تمرٍ شِهْريز. فيكث كذلك خمسة عشر يوماً ثم جعل يفطر ليلة وليلة ولا يفطر إلا على رغيف. وكان إذا جىء بالمائدة تُوضع فى الدهليز لكى لا يراها فيأكل مَن حضر . وأمر المتوكل أن تُشترى لنا دار. فقال: يا صالح لئن أقررتَ لهم بشراء دارٍ لتكوننّ القطيعةُ بينى وبينك فلم يزل يدفع شِرى الدار حتى اندفع . ثم انحدرتُ إلى بغداد وخلّفت عبد الله عنده فإذا عبد الله قد قدِم وقد جاء بثيابى التى كانت عنده. فقلت له : ما جاء بك ؟ فقال : قال لى: انحدِرْ وقل لصالح: لا تخرج فأنّم كنتم آفتى، والله لو استقبلتُ من أمرى ما استدبرتُ ما أخرجت واحداً منكم معى، ولولا مكانُكم لمن كانت توضع هذه المائدة ؟ وفى رواية أخرى: ثم إنه مرض فأذن له المتوكل فى العَودِ إِلى بغداد فعاد . قال الشيخ : وإنما اقتصرنا على هذا اليسير من أخبار الإمام أحمد رضى الله عنه لأنا قد أفردنا لمنا قبه وفضائله كتاباً كبيراً يستوفها (١) ق: وأجريت لنا. قط: وأخرجت لنا. ٣٥٦ - فكرهْنا الاعادة فى التصانيف - وذكرنا فى ذلك الكتاب أسماء الأشياخ الذين لقيهم وروى عنهم - وتولّ رضى الله عنه فى سنة إحدى وأربعين ومائتين، وقد استكمل شبعاً وسبعين سنة . قال المروزى : مرض أبو عبد الله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين ، ومرض(١) تسعة أيام وتسامع (٢) الناس فأقبلوا لعيادته ولزموا البابَ الليلَ والنهار يبيتون،. فربما أذِن للناس فيدخلون أفواجاً يسلّمون عليه ، فيرد عليهم بيده .. وقال أبو عبد الله : جاءنى حاجبٌ لابن طاهر فقال : إن الأمير يقرئك السلام وهو يشتهى أن يراك . فقلت له : هذا مما أكره ، وأمير المؤمنين قد أعفانى مما أكره . ووضّأْتُه فقال: خلَلِ الأصابع. فلما كان يوم الجمعة اجتمع الناس حتى ملأُ وا السكك والشوارع . فلما كان صدر النهار قُبض رحمه الله، فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ار تجت . وعن اسحاق قال: مات أبو عبد الله وما خلّف إلا ستّةَ قِطعٍ أو سبعة(٣)، وكانت فى خرْقة كان يمسح بها وجهه قدْرَ دانقْنِ. (١) قط : سبعة. (٢) قط : وشاع فى . (٣) كذا فى النسخ ، والصواب تذكير العددين. - ٣٥٧ - وعن حنبل قال: أعطى بعض ولد الفضل بن الربيع أباعبد الله وهو فى الحبس ثلاث شعرات فقال: هذا من شَعر النِّ حَظِلّهِ. فأوصى أبو عبد الله عند موته أن يُجعل على كل عين شعرة وشعرة على لسانه. ففعل ذلك به بعد موته . وعن صالح بن أحمد قال : قال لى أبى جثنى بالكتاب الذى فيه حديث ابن ادريس عن ليث عن طاوس أنه كان يكره الأنين. فقرأته عليه فلم يئنّ إلا فى الليلة التى مات فيها . وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: لماحضرتْ أبى الوفاةَ جلستُ عنده وييدى الحرقة لأشدّ بها لحَيْه". فجعل يَعرق ثم يَفيق . ثم يفتح عينيه ويقول بيده هكذا: لا بعد لا بعد. ففعل هذا مرّة وثانية . فلما كان فى الثالثة قلت له: يا أبة أىّ شىء هذا قد لهجْتَ به فى هذا الوقت ؟ تعرق حتى نقول قد قضيت. ثم تعود فتقول : لا بعد لا بعد . فقال لى يا بنىّ ما تدرى ما قلتُ؟ قلتُ: لا. فقال: ابليس لعنه الله قائم حذائى عاضّ على أنامله يقول لى: يا أحمد فُتَّى. فأقول: لا بعد لا بعد حتى أموت . وعن بتان بن أحمد القصبانى أنه حضر جنازة أحمد بن حنبل فيمن حضر . قال: فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطيعة . - ٣٥٨ - وحزرَ مَن حضرها من الرجال ثمان مائة ألفٍ ومن النساء ستين ألف امرأة . وعن موسى بن هارون قال : يقال إن أحمد بن حنبل لما مات مُسحت الأمكنة المبسوطة التى وقف الناس عليها للصلاة فحُزِر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف وأكثر ، سوى ما كان فى الأطراف والجوالى(١) والسطوح والمواضع المتفرقة أكثر من ألف ألف . وقال أبو بكر المروزى : رأيت أحمد بن حنبل فى النوم كأنه فى روضة وعليه حلّتان خضراوان ، وعلى رأسه تاج من النور ، وإذا هو يمشى مشيةً لم أكن أعرفها فقلت: يا أحمد ما هذه المشية التى لم أكن أعرفها لك؟ فقال: هذه مشية الخدّام فى دار السلام . فقلت: ما هذا التاج الذى أراه على رأسك؟ فقال : إن ربى عز وجل أوقفنى وحاسبنى حسابًا يسيراً وحبانى وقرّ بنى وأباحنى النظر إليه، وتوّجنى بهذا التاج وقال لى: يا أحمد هذا تاج الوقار توّجّتك به كما قلتَ: القرآنُ كلامى غيرُ مخلوق . وعن أبى يوسف بن لحیان قال : لما مات أحمد بن حنبل رأى رجل (١) الجوالى: مفردها جاليه والواحد جال. وهم الغرباء هاجروا أوطانهم. ط : الحوالى : تحريف . - ٣٥٩ - فى منامه كأن على كل قبر قنديلاً فقال: ما هذا؟ فقيل له : أما علمت أنهُ نوّرَ لأهل القبور قبورُم بنزول هذا الرجل بين أظهرم، قد كان فيهم يعذّب فَرُحِمِ . وعن أبى على بن البناء قال : لما ماتت أم القطيعى دفَها فى جوار أحمد بن حنبل . فرآها بعد ليال فقال : ما فعل الله بك؟ فقالت : يا بنى رضى الله عنك فلقد دفنتنى فى جوار رجل تنزل على قبره فى كل ليلة أو قال فى كل ليلة جمعةٍ رحمةٌ تعمّ جميع أهل المقبرة، وأنا منهم . ٢٦٣ - محمد بن مصعب أبو جعفر (١) الدعاء عن حسين بن فهم قال - وذكر محمد بن مصعب - فقال: استسقى ماء خطّت بَرّادة(٣) فسمع صوتها فشهق وصاح وقال: يا محمد بن مصعب من أين لك فى النار برادة؟ قال: ثم رفع صوته فقرأ ((وإنْ يستغيثوا يُتَاثُوا بِمَاءِ كَالُهْل) الآية(٢). وعن محمد بن نصر بن منصور الصائغ قال : كان المأمون قد أمر محمد بن مصعب إلى الحبس فقال .. وقد ذهب به إلى الحبس ورفع رأسه إلى السماء - وقال: أقسمت عليك إن حبسْتنى عندم الليلة فأخرج فى فى جوف الليل . فصلى الغداة فىمنزله . (١) قط : أبو الفرج. (٣) الكهف : ٢٩ (٢) إناء لتبريد الماء . - ٣٦٠ - أسند محمد بن مصعب عن ابن المبارك وغيره . وكان أحمد بن حنبل يُثنى عليه ويقول : كان رجلاً صالحا . وتوقّى ببغداد فى ذى القعدة سنة ثمان وعشرين ومائتين . ٢٦٤ - سعيد بن وهب أبو عثمان مولى بنى سامة بن لؤى كان شاعراً ماجنا كثير القول فى الغزل والخمر وكان يسكن البصرة ثم توطن ببغداد. وتاب وتعبّد وحج راجلاً . عن الحسين بن عبد الرحمن قال: حجّ سعيد بن وهب ماشياً فبلَغ منه وجهد ، فقال : واطرُقا الآجنَ من ماءِ القَلِيبِ قَدمىَّ اعتَورا رمْلَ الكثيبِ زَهرة الدنيا وفى وادٍ خصيبٍ رُبّ يومٍ رُخْتما فيه على صحَّب المزهَر كالظَّى الرَّبيب وسماعِ حسَنٍ مِنْ حسَنٍ وخُذا من كلّ فنٍ بنصيب فاحسبا ذاكَ بهذا واصْبرا فلعل الله يعفو عن ذنوبى إنما أمشى لأنّى مذنبٌ توفّ سعيد فى زمان المأمون رحمه الله . ٢٦٥ - يحيى بن أيوب أبو زكريا العابد المعروف بالمقابرى كان من خيار عباد الله ومن أهل السنة .