Indexed OCR Text
Pages 181-200
- ١٨١ - ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة ١٩٠ - عبد الله بن عبد العزيز العمرى میکنی أبا عبد الر حمن عن عبد الله بن خبيق قال: تعبّد عبد الله العمرى وسكن المقابر، وكان لا يُرى إلا وفى يده كتاب يقرؤه، وترك مُجالسة الناس فسُئل عن فعله فقال: لم أر أوْعظ من قبر، ولا آنسَ من كتاب، ولا أسْلَم من الوحدة . فقيل له : قد جاء فى الوحدة ماجاء. قال : لا تفسد إلا جاهلاً . وعن الفضل بن غسان عن أبيه قال : رأى العمرى رجلاً من آل على يمشى يخطر، فأسرع إليه فأخذ بيده فقال : ياهذا إن الذى أ كرمك الله به لم تكن هذه مشيته . قال: فتركها الرجل بعدُ . عن أبى المنذر اسمعيل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الرحمن العمرى يقول: إن مِن غفلتك عن نفسك إعراضَك عن الله بأن تَرى ما يُسخطه فتجاوزه، ولا تأمر ولا تنتهى خوفاً ممن لا يملك ضُرًّا ولا نفعاً. وقال سمعته يقول: من ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من مخافة المخلوقين تُزِعت منه هيبةُ الله تعالى فلو أمر بعض ولده أو بعض مواليه لاستخفّ به . - ١٨٢ - وعن أبى قدامة السرخسى قال : قام العمرى للخليفة على الطريق فقال له : فعلتَ وفعلتَ. فقال له : ماذا تريد؟ قال: تعمل بكذا وتعمل بكذا . فقال له هارون : نعم ياعَمّ، نعم ياعمّ وعن سعيد بن سليمان قال: كنت بمكة فى زقاق الشطوى وإلى جنبى عبد الله بن عبد العزيز العمرى وقد حج هارون الرشيد فقال له إنسان: يا أبا عبد الرحمن هوذا أمير المؤمنين يسعى قد أخلى له المسعى . قال العمرى الرجل: لاجزاك الله عنى خيراً، كلّفتنى أمراً كنتُ عنه غنياً. ثم تعلَّق عليه(١) وقام. فتبعتُه وأقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصفا فصاح به : ياهارون! فلما نظر إليه قال: لبّك ياعَمّ . قال: ارْقَ الصّفا. فلما رَفَيَه قال: ارْم بطرفك إلى البيت. قال: قد فعلت . قال : كمُ؟ قال : ومن يحصيهم؟ قال: فكم فى الناس مثلهم ؟ قال : خلق وُ x لا يحصيهم إلا الله . قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه وأنت وحدك تسأل عنهم كلهم فانظر كيف تكون؟قال: فبكى هارون وجلس وجعلوا يُعطونه منديلا منديلا للدموع. قال العُمرى: وأخرى أقولها. قال: قل ياعم. قال: والله إن الرجل ليرف فى ماله فيستحقّ الحَجْر عليه، فكيف بمن يسرف فى مال المسلمين؟ ثم مضى وهارون يبكى. (١) يريد لبسهما. وهذا الاستعمال لم يرد فى المعاجم. ١ - ١٨٣ - قال محمد بن خلف سمعت محمد بن عبد الرحمن يقول: بلغنى أنهارون الرشيد قال: إنى لأحبّ أن أحجّ كل سنة ما يمنعتى إلا رجل من ولد عمر ثم يُسمنى ما أكره. وقدرُوى لنامن طريق آخر أنه لقيهُ فى المسعى فأخذ بلجام دابته فأهْوت اليه الأجناد فَكفّهم عنه الرشيد فكلمه فإذا دموع الرشيد تسيل على مَعَرفة دابته. ثم انصرف. وأنه لقيه مرّةً فقال: ياهارون فعلت وفعلتَ . جعل يسمع منه ويقول : مقبول منك ياعَمّ ، على الرأس والعين . فقال: يا أمير المؤمنين من حال الناس كيت وكيتَ . فقال: عن غير علمى وأمرى وخرج العمرى إلى الرشيدمرّة ليعظَه فلما نزل الكوفة زحف السكر حتى لوكان نزل بهم مائة ألف من العدوّ مازادوا على هيئته(١) . ثم رجع ولم يصِلْ إليه. وعن أبى يحيى الزهرى قال: قال عبد الله بن عبد العزيز العُمرى عند موته : بنعمة ربى أحدّث أنى لم أصبح أملك إلا سبعةَ درام من لحاء(٢) شجر فتلْتُه يبدى، وبنعمة ربى أحدّث: لوأن الدنيا أصبحت تحت قدمى ما يمنعنى أخذَها إلا أن أزيل قدمى عنها ؛ ما أزلتها . (وعن أبى إسماعيل المؤدب قال: جاء رجل إلى العمرى فقال: عظمى (١) ط : هيبة ، تحريف. (٢) أى كسبها من لحاء شجر. - ١٨٤ - قال : فأخذ حصاة من الأرض فقال : زِنَة هذه من الورع يدخل قلبك خيرلك من صلاة أهل الأرض . قال : زدْنى قال: كما تحبّ أن يكون الله عز وجل لك غداً فَكن له اليوم ) (١). أسند العمرى الحديثَ وأدرك من التابعين أبا طوالة . وروى عن أبيه وعن إبراهيم بن سعد. وتوفى بالمدينة سنة أربع وثمانين ومائة وهو ابن ستٍ وستين سنة . ١٩١ - موسى بن جعفر بن محمد بن علي ابن الحسين بن على أبو الحسن الهاشمى عليهم السلام . كان يُدعى العبد الصالح لأجل عبادته واجتهاده وقيامه بالليل. وكان كريماً حلماً إذا بلغه عن رجل أنه يؤذيه بعث إليه بمال . عن الفضل بن الربيع عن أبيه أنه لما حبس المهدى موسى بن جعفر رأى المهدى فى النوم على بن أبى طالب عليه السلام وهو يقول :يا محمد (فهل عَسْمُ إن تولَّيْمُ أَنْ تُفسِدِوا فى الأرض وتُقَطِّعوا أرحامكٍ؟) (٣) قال الربيع: فأرسل إلى ليلاً فراعنى ذلك فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية (١) ما بين القوسين ساقط من ق وقد أخذناه عن المطبوع. (٢) محمد ٢٢. - ١٨٥ - وكان أحسن الناس صوتاً فقال : علىَّ بموسى بن جعفر. جئته به فعانقه وأجلسه إلى جانبه وقال: يا أبا الحسن رأيت أمير المؤمنين على بن أبى طالب فى النوم يقراً على كذا فتؤمنى أن تخرج علىّ أوعلى أحدٍ من وَلَدى؟ فقال: والله لافعلتُ ذلك ولاهو من شأنى. قال: صدقت، ياربيع أعطه ثلاثة آلاف دينار وُردّه إلى أهله إلى المدينة. قال الربيع: فأحكمت أمره ليلاً فما أصبح إلا وهو فى الطريق خوفَ العوائق . وعن شقيق بن إبراهيم البلخى قال: خرجت حاجاً فى سنة تسع وأربعين ومائتين فنزلت القادسية فبينا أنا أنظر إلى الناس فى زينتهم وكثرتهم فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السّمرة يعلو فوق ثيابه ثوبٌ من صوف ، مشتمل بشملة، فى رجليه نعلان وقد جلس منفرداً فقلت فى نفسى : هذا الفتى من الصّوفية يريدأن يكون كَلاّ على الناس فى طريقهم ، والله لأمضينّ إليه ولأوَ بخّه. فدنوت منه فلما رآنى مُقبلا قال: يا شَقيق ( اجتنبوا كثيراً من الظنّ إن بعض الظن إثمْ)(١) ثم تركنى ومضى. فقلت فى نفسى: إن هذا لأمرٌ عظيم قد تكلم على مافى نفسى ونطق باسمى وماهذا إلا عبد صالح لألحقته ولأسألنه أن يحالّتى. فأسرعت فى أثره فلم ألحقه وغاب عن عينى فلما نزلنا واقصة(٢) (١) الحجرات ١٢. (٢) ماء لبني كليب، من عمل المدينة . - ١٨٦ - إذا به يعلى وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجرى فقلت، هذا صاحبى أمضى إليه وأستحلّه فصبرت حتى جلس وأقبلت نحوه . فلما رآ نىمقبلاً قال : ياشقيق اتلُ: (وإنى لَغْفَارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى(١)) ثم تركنى ومضى. فقلت: إن هذا الفتى لمن الأبدال (٢) وقد تكلم على سرى مرّتين فلما نزلنا رمالاً (٣) إِذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركْوة يريد أن يستقى ماء فسقطَت الركوة من يده فى البئر وأنا أنظر إليه غرئيت قدْ رمق السماء وسمعته يقول : أنت رِبِىّ إذا ظِئْتُ مِن الماء وقُولى إذا أردتُ الطّعاما اللهم سيدى مالى سواها فلا تعدِمْنيها. قال شقيق : فوالله لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فمد يده فأخذ الركوة وملأ ها ماء وتوضأ وصلى أربع ركعات . ثم مال إلى كتيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة وتحركه ويشرب . فأقبلت إليه وسلمت عليه فرد على السلام. فقلت: أَطِعْنى من فضل ما أنعم الله به عليك. فقال يا شقيق لم تزل نعمة الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك. ثم ناولنى الركوة فشربت منها فإذا سَويق وسكّر فو الله ماشربت قطّ ألذّ منه (١) طه ٨٢ (٢) الأ بدال: قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم ، فإذا مات واحد أبدل الله مكانه آخر . (٣) ق: رمالا. - ١٨٧ - ولا أطيب ريحاً منه. فشبعت ورويت فأقت أياماً لا أشتهى طعاماً ولا شرابًاً، ثم لم أره حتى دخلنا مكة فرأيته ليلة إلى جنب قبة الشراب فى نصف الليل يصلى بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل. فلما رأى الفجر جلس فى مُصَلاه يسبح الله. ثم قام فصلّى الغداة وطاف بالبيت أسبوعاً(١) وخرج فتبعته فإذا له حاشية ومَوال وهو على خلاف ما رأيته فى الطريق ودارَ بِه الناسُ من حوله يسلّمُون عليه . فقلت لبعض مَن رأيته يقرب منه. من هذا الفتىَ؟ فقال : هذا موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب عليهم السلام . فقلت : قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيّد .. وعن أحمد بن إسمعيل قال: بعث موسى بن جعفر إلى الرشيد من الحبس رسالة كانت : إنه لن ينقضى عنى يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء حتى نقضى جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء خسَر فيه المْطلون . ولد موسى بن جعفر عليه السلام بالمدينة فى سنة ثمان وعشرين، وقيل تسع وعشرين ومائة وأقدمه المهدى بغداد ثم ردّه إلى المدينة فأقام بها إلى أيام الرشيد فقدم الرشيد المدينة حمله معه وحبسه بغداد إلى أن توفى بها الخمس بقين من رجب فى سنة ثلاث وثمانين ومائة . آخر المصطَفَيْن من المدنيين المعروفين . (١) يقال: طاف بالبيت أسبوعا: أى سبع طوفات . - ١٨٨ - ذكر المصطفين من عباد المدينة الذین لم تعرف اسماؤهم ١٩٢ - عابد من رعاة المدينة عبد العزيز قال : قال نافع : خرجت مع ابن عمر فى بعض نواحي المدينة ومعه أصحاب له فوضعوا سفرةً فرّبهم راع فقال له عبد الله: هلم ياراعى فأصِبْ من هذه السُّفْرة. فقال: إنى صائم . فقال له عبدالله: فى مثل هذا اليوم الشديدِ حرُّه وأنت فى هذه الشّعاب فى آثار هذه الغنم وبين الجبال ترعى هذه الغنم وأنت صائم؟ فقال الراعى: أبادر أيامى الحالية . فعجب ابن عمر وقال : هل لك أن تبيعنا شاةً من غنمك ٨ تُجْتزرها ونطعمك(١) من لحمها ما تقطّر عليه وتعطيك عنها؟ قال: إنها ليست لى، إنها لمولاى. قال: فما عسَيتَ أن يقول لك مولاك إذقلتَ أكلها الذئب ؟ فمضى الراعى وهو رافع إصبعه إلى السماء وهو يقول فأن الله.؟ قال : فلم نزل ابن عمر يقول: قال الراعى: فأين الله فما عدا أن قدم المدينة فبعث (١) إلى سيده قاشترى منه الراعى والغم فأعتق الراعى ء ووهب له الغنم. رحمه الله . (١) يجتزرها: نذبحها . صف: نعطيك. (٢) ط: بعث تحريف. - ١٨٩ - ١٩٣ - عابد آخر ابن يزيد بن أسلم قال: قال محمد بن المنكدر إنى لليلةَ مواجه هذا المنبر جوفَ الليل أدعو إذا أنا بإنسان عندا سطوانةٍ مقتّع رأسَه فأسمعُه يقولَ أىْ رَبّ إن القحط قد اشتدّ على عبادك وإنى مقسم عليك ياربّ إلا سَقَيتهم. قال: فما كان إلا ساعة إذا سحابة قد أقبلت ثم أرسلها الله عن وجل وكان عزيزاً على ابن المنكدر أن يخفى عليه أحدٌ من أهل الخير. فقال: هذابالمدينة ولا أعرفه؟ فلما سلم الامام تقتّع وانصرف وأَتْبَعَه(١) ولم يجلس للقاص حتى أتى دار أنس فدخل موضعاً فأخرج مفتاحاً ففتح ثم دخل . قال : فرجعت فلما أصبحتُ أتيته فإذا أنا أسمع تَجْراً فى بيته فسلّمت وقلت أَدخلُ ؟ قال: أُدْخل ، فإذا هو ينَجُر أقداحاً يعملها . فقلت : كيف أصبحتَ أصلحك الله؟ قال: فاستشهرها وأعظمها منى فلما رأيت ذلك قلت : أخى سمعت أقسامك البارحة على الله عز وجل يا أخى هل لك فى نفقة تُغنيك عن هذا وتفرّغك لما تريد من الآخرة؟ قال : لا ولكن غير ذلك، لا تذكرنى لأحد ولا تذكر هذا لأحد حتى أموت ولا تأتِى يا ابن المنكدر فإنك إن تأتِى نُشهرفى للناس. فقلت : إنى أحب أن ألقاك. قال الْقَنى فى المسجد، وكان فارسياً. قال: فما ذكر ذلك ابن المنكدر لأحد حتى مات الرجل . (١) أتبعه: تبعه، وذلك إذا كان سبقه فلحقه. وضمير الفاعل يعود إلى ابن المنكدر . وفى قط . فاتبعته . - ١٩٠ قال ابن وهب: بلغنى أنه انتقل من تلك الدار فلم يُرَ ولم يُدْرَ أين ذهَب؟ فقال أهل تلك الدار : الله بيننا وبين ابن المنكدر أخرَج عنا الرجل الصالح. ١٩٤ - عابد آخر عن محمد بن المنكدر قال : كانت لى سارية فى مسجد رسول الله عَاله أجلس(١) أصلّ إليها بالليل فقَحط أهل المدينة سنة فخرجوا يستسقون فلم يُسَقَوْا فلما كان من الليل صلّيتُ عِشاء الآخرة فى مسجد رسول الله عَّ له ثم جئت فتساندت إلى ساريتى فجاء رجل أسود تعلوه صفرة متزر بكساءٍ وعلى رقبته كساء أصغر منه. فتقدم إلى السارية التى بين يدى وكنتُ خلفه، فقام فصلى ركعتين ثم جلس فقال: أىْ رَبّ خرج أهل حرم نبيك يستسقون فلم نَسقهم فأنا أقسم عليك لمّ سقَيتهم. قال ابن المنكدر: فقلت: مجنون. قال: فما وضع يده حتى سمعتُ الرعد ثم جاءت السماء بشيءٍ من المطر أهمنى الرجوعَ إلى أهلى فلما سمع المطر حمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها قطّ. قال: ثم قال: ومن أنا وما أنا حيث استجيتَ لى، ولكن عُذْتُ بحمدك وعُذْتُ بَطَوْلك. ثم قام فتوشّح بكسائه الذى كان متزراً به وألق الكساء الآخر الذى كان على (١) صف : أصلى 1 - ١٩١ - ظهره فى رجليه، ثم قام فلم يزل قائمً يصلّى حتى إذا أحسن الصبح سجد وأوتر وصلى ركمتى الصبح ثم أقيمت صلاة الصبح فدخل فى الصلاة مع الناس ودخلتُ معه فلما سلم الامام قام فخرج وخرجت خلفه حتى انتهى إلى باب المسجد فخرج يرفع ثوبه ويخوض الماء فخرجتُ خلفه رافعاً ثوبى أخوض الماء فلم أدرِأين ذهَب. فلما كانت الليلة الثانية صليتُ العشاء في مسجد رسول الله عَ ليه ثم جئت إلى ساريّى فتوسّدت إليها وجاء فقام فتوتشح بكسائه وألقى الكساء الآخر الذى كان على ظهره فى رجليه وقام يصلى. فلم يزل قائما حتى إذا خشى الصّبح سجد ثم أوترثم صلى ركمتى الفجر وأُقيمت الصلاة فدخل مع الناس فى الصلاة ودخلتُ معه. فلما سلم الامام خرج من المسجد وخرجت خلفه فجعل مشى وأتبعه حتى دخل داراً قد عرفتها من دُور المدينة ورجعتُ إلى المسجد. فلما طلعت الشمس وصليت خرجت حتى أتيت الدار فإذا أنا به قاعد تَخْرز وإذا هو إسكاف . فلما رآنى عرفنى وقال: أبا عبد الله مرحباً، ألكَ حاجة، تريد أنأعمل لك خُفاً؟ فجلست فقلتَ: ألست صاحبى بارحةً الأولى؟ فاسود وجهه وصاح بى وقال: ابنَ المنكدر ما أنت وذاك؟ قال: وغضب. قال: فَفَرِقْتُ واللهِ مِنه وقلت: أخرجُ من عنده الآن. فلما كان فى الليلة الثالثة صّليت العشاء الآخرة فى مسجد رسول الله عَطِّ ثم أتيت ساريتى فتساندت إليها فلم يجىء . قال: قلت - ١٩٢ - إنا لله ماصنعتُ ؟ فلما أصبحتُ جلست فى المسجد حتى طلعت الشمس ثم خرجت حتى أتيت الدار التى كان فيها فإذا باب البيت مفتوح وإذا ليس فى البيت شىء : فقال لى أهل الدار ياأبا عبد الله ما كانبينكو بين هذا أمس؟ قلت: ماله؟ قالوا لماخرجتَ من عنده أمس بسط كساءه فى وسط البيت ثم لم يدع فى بيته جِيْداً ولا قالَباً إلاوضَبه فى كسائه ثم حمله ثم خرج فلم ندر أين ذهب؟ قال محمد بن المنكدر فماتركت بالمدينة داراً أعلمها إلا طلبته فيها فلم أجده ( رحمه الله) . ١٩٥- عابد آخر عن محمد بن المنكدر قال: جئت إلى المسجد فإذا أنا برجل عند المنبر يدعو بالمطر فجاء المطر بصوتٍ ورعد فقال: يارب ليس هكذا . قال فطرت قال فتبعته حتى دخل دار آل حزم أودار آل عمر فعرفت مكانه فجئته من الغد فعرضت عليه شيئا فأبى وقال لاحاجة لى بهذا فقلت : حُجّ ممى. فقال: هذا شىء لك فيه أجر فأكره أن أنفَس (١) عليك فأما شىء آخذة فلاً. (١) نفس على فلان بخير ينفسه: حسده. - ١٩٣ + ١٦٩ - عابد آخر عن محمد بن سويدأن أهل المدينة قحِطوا وكان فيها(١) رجل صالح لازماً المسجد النبى ◌ٍَّ فيما هم فى دعائهم إذانا برجل عليه طهران خَلقان(٢) فصلى ركعتين أوجزَ فيهما ثم بسط يديه إلى الله تعالى . فقال : ياربّ أقسمتُ عليك إلا أمطرت علينا الساعة . فلم يردَّ يده ولم يقطع دعاءه حتى تفشّت بالغيوم(٣) ومطروا حتى صاح أهل المدينة: الغرق. فقال: ياربّ إن كنت تعلم أنهم قداكتفوا فارفع عنهم. فسكن، وتبع الرجل صاحبَ المطر حتى عرف موضعه ثم بكر عليه فنادى: يا أهل البيت! فخرج الرجل فقال: قد أتيتُك فى حاجة . قال : وما هى ؟ قال: تخصّنى بدعوة . فقال: سبحان الله أنت أنت وتسألنى أن أخصّك بدعوةٍ ؟ ما الذى بلغك ما رأيت عنى ؟ فأخبره فقال: ورأيتنى؟ قال : نعم قال : أَطعتُ الله فما أمرفى ونهانى، وسألته فأعطانى. ١٩٧ - عابد علوى من أهل المدينة عن أبى عامر الواعظ قال بينا أنا جالس فى مسجد رسول الله عليه إذ جاءنى غلام أسود برقعة فقرأتها فإذا فيها مكتوب. (١) صف : فيها . (٢) ثوبان باليان . (٣) ق : بالغيم . ( م ١٣ - صفة الصفوة) ٠ - ١٩٤ سـ بسم الله الرحمن الرحيم، متّك الله بمسامرة الفكْرة، ونَّك بمؤانسة العبرة : وأفردك بحب الخلوة . يا أبا عامر أنا رجل من إخوانك بلغنى قدومك المدينة فسُررت بذلك وأحببت زيارتك وبى من الشوق إلى مجالستك والاستماع إلى محادثتك مالو کان فوقیلأظلنی ، ولو کان تحتی لأقّني فسألتك بالذى حباك بالبلاغة لما ألحقتنى جناحَ التوصل بزيارتك والسلام . قال أبو عامر فقمت مع الرسول حتى أتى بى إلى قَباء فأدخلنى منزلاً رحباً خرباً فقال لى: قف هاهنا حتى استأذن لك . فوقفت فخرج فقال لى: ◌ِجْ. فدخلت عليه فإذا ببيت مفرد فى الخرْبة له باب من جَريد النخل وإذا بكهل قاعد مستقبل القبلة تخاله من الوَلَه مكروباً ومن الخشية محزوباً قد ظهرتْ فى وجهه أحزانه وذهبت من البكاء عيناه ومرضت أجفانه. فسلمت عليه فردّ على السلام ثم تحلل فإذا هو أعمى أعرج مِسقام . فقال لى: يا أباعامر غسل اللهعن رانٍ(١) الذنوب قلبك لم يزل قلبى إليك تواقا و إلى استماع الموعظة منك مشتاقً، وبى جرح تغِلٌ(٣) قدأعيا الواعظين دواؤه وأعجز المتطبيين شفاؤه وقد وُصف لى: (٣) نقع مراحمك للجراح (١) يقال: ((أعوذ بالله من الرين والران))، وهما الطبع والدنس، وماغطى على القلب وركبه من القسوة ، الذنب بعد الذنب. (٢) نغل ( بكسر العين ) : فاسد . (٣) ق، قط : بلغنى. - ١٩٥ - والألم فلا تأْلُ يرحمك الله فى ايقاع الترّياق وإن كان مر المذاق فإنى ممن يصبر على ألم الدواء رجاء الشفاء. قال أبو عامر: فنظرت إلى منظر بهرنى وسمعت كلاماً قطعنى فأفكرت طويلاً ثم تأتى لى من كلامى ما تأتى وسهل من صعوبته ما منه رقّ لى فقلت: يا شيخ ارم ببصر قلبك فى ملكوت السماء وأجِلْ سمعَ معرفتك فى سكان الأرجاء فتنقل بحقيقة إيمانك إلى جنة المأوى فترى ما أعدالله فيها للأولياء، ثم تشرف على نار اظى فترى ما أعد الله للاشقياء، فشتّان ما بين الدارين، أليس الفريقان فى الأموات (١) سواء؟ قال أبو عامر: فأنّ أنة وصاح صيحة وزفر والتوى وقال : الله يا أبا عامر وقع دواؤك علي دائى وأرجو أن يكون عندك شفائى،زدنى يرحمك الله قال : فقلت له يا شيخُ اللهُ عالم بسريرتك مطّلع على حقيقتك شاهدك فى خلوتك ، بعينهِ كنتَ (٢) عند استنارك من خلقه ومبارزته، قال: فصاح صيحةً كصيحته الأولى ثم قال: مَن الفقرى؟ مَن لِفاقتى؟ مَن لذنبى؟ مَن لخطيئى؟ أنتَ لى يا مولاى وإليك مُنْقَلبى. ثم خرّميتاً رحمه الله . قال أبو عامر : فأسقط فى يدى وقلت : ماذا جنيت على نفسى ؟ إذ (١) قط: الموت . (٢) أى فى مراقبته وتحت نظره سبحانه . A - ١٩٦ - خرجَتْ عَلَى جاريةٌ عليها مِذرعة من صوف وخمارٌ من صوف قد ذهب السجودُ بحبهتها وأنفها واصفر" لطول القيام لونها وتورّمت قدماها . فقالت: أحسنت والله ياحادى قلوب العارفين ومُثير أشجان غليل المحزونين لانَسِىَ لك هذا المقامَ ربُّ العالمين، يا أبا عامر هذا الشيخ والدى مُبتَلَى بالسقم منذ عشر سنين(١) صلى حتى أُفعِد وبكى حتى عممت(٢) وكان يتمناك على الله ويقول حضرت مجلس أبى عام البنانى فأحيا مَوات فكرى وطرد وسَن نومى وإن سمعته ثانياً قتلنى نجزاك الله من واعظٍ ومّتعك من حكمتك بما أعطاك . ثم اكتبت على أبيها تقبّل عينيه وتبكى وتقول: يا أبى يا أبتاه، بامن أعماه البكاء على ذنبه،يا أبى با أبتاه يا من قتله ذكْروعيد ربه ثم علا البكاء والنحيب والاستغفار والدعاء وجعلت تقول: ياأبى يا أبتاه يا حليف الحرقة والبكاء يا أبى يا أبتاه يا جليس الابتهال والدعاء، يا أبى يا أبتاه يا صريع المذكّرين والخطباء، يا أبى يا أبناء يا قتيل الوعّاظ والحكماء. قال أبو عامر: فأجبتها وقلت: أيها الباكية الحيرى النادية الثكلى إن أباك نحْبَه قدقضى وورَد دار الجزاء وعاينَ كل ما عمل، وعليه يحصى فى كتاب عندربى لا يضل ربى ولا ينسى، فحسن فَلَه الزُلفى، أومسىء فوارِدٌ دار من أساء(٣). (١) قط عشرين سنة . (٢) صف : عشى . (٣) كذا فى ط . - ١٩٧ - فصاحت الجارية كصيحة أبيها وجعلت ترشح عرفاًوخرجتُ مبادراً إلى مسجد المصطفى محمد عَ لّهِ وفزعتُ إلى الصلاة والدعاء والاستغفار والتضرّع والبكاء حتى كان عند العصر فجاءتى الغلام الأسود فآذننى يجنازتهما فقلت (١) أحضر الصلاة عليها ودفنهما. فحضرت وسألت عنهما فقيل لى : من ولد الحسين بن على بن أبى طالب . قال أبو عامر: فمازلت جزءاً مما حنيت حتى رأيتهما فى المنام عليهما حلّتان خَضرا وان، فقلت: مرحباً بكما وأهلا، فما زلت حذراً مما وعظتكما به، فماذا صنع الله بكما؛ فقال الشيخ. مستا هلاً ذلك أبا عامرْ أنت شريكى فى الذى ذُه فنصفُ ما يُعطاه للآمر. وكلّ من أيقظ ذا غفلة كان كمن قدْ راقب القاهر مَن ردّ عبداً آبقاً مذنباً جوارِ ربّ سيّدٍ غافرْ واجتمعا فى دار عَدْنٍ وفى ١٩٨ - عابد آخر عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير - وكان مصعب يصلى فى اليوم والليلة ألف ركعة ويصوم الدهر - قال: بتّ ليلةً فى المسجد بعد ما خرج الناس منه، فإذا برجل قد جاء إلى بيت النبى ◌َّ الله فأسند (٢) (١) ق ، قط فقال. (٢) ق . قط ثم أسند - ١٩٨ - ظهره إلى الجدار فقال : اللهم إنك تعلم أنى كنت أمس صائماًثم أمسيت فلم أفطر على شىء اللهم فإنى أمسيت أشهى الثريد فأطِعْنيه من عندك قال: فنظرتُ إلى وَصيف داخل من خَوخة (١) المنارةليس فى خِلقة وُصَفاء الناس، ومعه قصعة فأهوى بها إلى الرجل فوضعها بين يديه وجعل(٣) الرجل يأكل ، وحصَبنى فقال: هلّم. فجئته وظننت أنها من الجنة فأحببت أن آ كل منها فأكلت منها لقمة فأكلت طعاماً لا يشبه طعام أهل الدنيا ثم احتشمت فقمت فرجعت لمجلس فلما فرغ من أكله أخذ الوصفُ القصعة ثم أهوى راجعاً من حيث جاء وقام الرجل منصرفاً فتبعته لأعرفه فلا أدرى أين سلك؟ فظننته الخضر عليه السلام. (١) الخوخة : الكوة ، والباب الصغير فى الباب الكبير . (٢) ق قط : وحبس . - ١٩٩ - ومن عقلاء المجانين بالمدينة ١٩٩ - أبو نصر المصاب عن محمد بن إسمعيل بن أبى فديك قال : كان عندنا رجل مجنون يكنى أبا نصر من جهينة ذاهب العقل فى غير ما الناس فيه ، لايتكلم حتى يكلم وكان يجلس مع أهل الصّقه فى آخر مسجد الرسول عَ له، وكان إذا سئل عن شىء أجاب فيه جواباً حسناً معجباً. فأتيته يومًاوهو فى آخر المسجد مع أهل الصفة منكسا رأسه واضعاً جبهته بين ركبتيه فجلست إلى جنبه خمر كته فانتبه فزعا فأعطيته شيئًا كان معى، فأخذه وقال، قد صادف منا حاجة . فقلت له : يا أبا نصر ما الشرف قال حمل ما ناب العشيرة أدناها وأقصاها، والقبول من ◌ُمحسنها والتجاوز عن مُسيئها قلت له : فما المروءة؟ قال إطعام الطعام، وإفشاء السلام وتوقى الأدفاس. قلت له فما السخاء قال جْهُد مقلّ . قلت له فما البخل ؟ قال : أفّ وحوَّل وجهه عنى فقلت تجيبنى قال: قد أجبتك. قال وقدم علينا هارون فأخلى له المسجد فوقف على قبر رسول الله ء مَّ الج وعلى منبره وفى موقف جبر عليه السلام واعتنق أسطوانة التوبة ثم قال: ققوانى على أصحاب الصفة. فلما أتام حُرّك أبو نصر وقيل هذا أمير المؤمنين فرفع رأسه وقال أيها الرجل إنه ليس بين عباد - ٢٠٠ - الله وأمة نبيه منظّمٍ ورعيتك وبين الله خلق غيرك، وإن الله سائلك عنهم فأعدّ للمسأله جوابًاً وقد قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لو ضاعت سخلة على شاطىء الفرات لحاف عمر أن يسأله الله عنها. فبكى هارون وقال: يا أبا نصر إنّ رعيتى ودهرى على غير رعية عمر ودهره فقال له : هذا والله غير مغن عنك فانظر لنفسك فإنك وعمر تسألان عما خو ◌ّلكما الله . فدعا هارون بُصّرة فيها ثلاث مائة دينار وقال : ادفعوها إلى أبى نصر. فقال أبو نصر: ما أنا إلا رجل من أهل الصفة فادفعوها إلى فلان يفرّفها عليهم ويجعلنى رجلا منهم . وكان أبو نصر يخرج فى كل يوم جمعة ، صلاة الغداة ، فيدخل السوق مما يلى الثنية فلايزال يقف على مربعة مر بعة(١) ويقول: أيها الناس (اتّوا يوماً لاتَجَزِى نفس عن نفس شيئاً ولا يقُبَل منها عَدْلٌ ولا تنفعها شفاعةٌ)(٢) إن العبد إذا مات صحبه أهله وماله وعمله، فإذا أوضع فى قبره رجع أهله وماله وبقى عمله، فاختاروا لأنفسكـ ما يؤنسكم فى قبوركم رحمكم الله . ثم لايزال كذلك مربعة مربعة حتى يأتى مصلى رسول الله مَ الله ثم يمضى إلى الجمعة فلا يخرج من المسجد حتى يصلى العشاء الأخيرة رحمه الله . (١) المربعة: خشبة يأخذ الرجلان بطرفيها ليرفعا الحمل على الدابة. (٢) البقرة ١٢٣ . ,٠