Indexed OCR Text

Pages 161-180

- ١٦١ -
(لئن شكرتم لأزيدَّنكم ولئن كفرثم إنّ عَذائى لشديد (٤١)
فانظر أىّ رجل تكون إذا وقفتَ بين يدى الله عز وجل فسألك
عن نَسَمه عليك كيف رعيتها ، وعن حججه عليك كيف قضيتها
فلا تحسينّ الله عز وجل راضياً منك بالتعذير ، ولا قابلاً منك التقصير
ے
هيهات ليس ذاك أخَذَ على العلماء فى كتابه إذ قال ((لَتُبَيْثُنَّه للناس
ولا تكتمونه))(٢) إنك تقول إنك جدل ماهر عالم قد جادلت الناسَ
فجدلّهَم وخاصمتهَم فخصمتَهم إدلالاً منك بفهمك واقتداراً منك برأيك
فأين تذهب عن قول الله عز وجل: ((ها أنتم هؤلاءٍ جادَلْمُ عنهم
فى الحياة الدّنيا فَن يجادلُ الله عنهم يومَ القيامة))(٢) اعلم أن أدنى
ما ارتكبت وأعظم ما احتقبت أن آنستَ الظالم وسهلت له طريق
الغى بدنوك حين أُدنيت وإجابتك حين دعيت فما أخلقك أن ينوّه
غداً باسمك مع الْجَرمة (٤)، وأن تُسأل عما أردت باغضائك عن ظُم
الظَّلَمة . إنك أخذت ماليسَ لمن أعطاك، جعلوك قطبا تدور عليه رَحی
باطلهم وجسْراً يعبرون بك(٥) إلى بلأهم وسلمً إلى ضلالهم
(١) إبراهيم.
(٢) آل عمران ١٨٧.
(٣) النساء ١٠٩.
(٤) الجرمة: ج جارم، مثل كاتب وكتبة ، أى المذذبون .
(٥) قط: يعبرونك.
(٢ ١١ - صفة الصفوة)

- ١٦٢ -
يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم
س
يبلغ أخصّ وزرائهم ولا أقوى أعوانهم لهم إلا دون ما بلغت من
إصلاح فسادم واختلاف الخاصة والعامة إليهم فما أيسرَ ما عَمَروا لكَ
فى جنب ما خرّبوا عليك، وما أقل ما أعطوك فى قدْر ما أخذوا منك،
فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرُك، وحاسْبها حساب رجل مسؤل
وانظر كيف شَكْرَك لمن غذّاك بنعمه صغيراً وكبيراً، وانظر كيف
إعظامُك أمْرَ من جَملك بدينه فى الناس مبَّجلا ، وكيف صيانَتك
الكسوة من جعلك بكسوته مستتراً، وكيف قرْبك وبُعدك ممن
أمرك أن تكون منه قريباً، مالك لا تتنَبه من نْستك. وتستقيل من
عثرتك فتقول والله ما قمت الله عز وجل مقامً واحداً أحيى له فيه ديناً
ولا أميت له فيه باطلاً؟أين شُكرك لمن استحملك كتابه واستودعك
علمه؟ ما يؤمنك أن تكون من الذين قال الله (عز وجل) ((خَلَفَ من
بَعْدم خَلْفٌ ورثوا الكتاب يأخذُون عَرَضَ هذا الأدنى(١))) الآية.
إنك لست فى دار مقام قد أو ذِنت بالرحيل فما بقاء المرء بعد أقرانه ؟
طوبى لمن كان فى الدنيا على وجَلٍ ما يؤمن من أن يموت(٢) وتبقى ذنوبه
من بعده إنك لم تؤمَر بالنظر لوارثِك على نفسك ، ليس أحد أهلاً أن
(١) الأعراف ١٦٩ .
(٢) ق ، قط : يابؤس من يموت.

- ١٩٣ -
ترد(١) له على ظهرك. ذهبت اللذة وبقيت التبعة، ما أشقى مَن سَعِد
بكسبه غيرُه. احذَر فقد أُتبت وتخلّصْ فقد وَهِلت(٢). إنك تعامل
مَن لا يجهل والذى يحفظ عليك لايغفل. تجهز فقد دنا منك سفَر
بعيد وداو دينَك فقد دخَله سقمٌ شديد، ولا تحسبنّ أنى أردت
توبيخك وتغييرك وتعنيفك، ولكنى أردت أن تَنَعَش(٣) مافات من
رأيك، وتردّ عليك ماعزَب عنك من حلمك، وذكرتُ قوله تعالى:
((وذِكَّرْ فإِنّ الذكرى تنفَعُ المؤمنين))(٤) أغفلتَ ذكر من مضى من
أسنانك وأفرانك وبقيت بعدم كقَرْن أعْضَب فانظر هل ابتُلوا بمثل
ما أُبتليت به أو دخلوا فى مثل مادخلت فيه؟ وهل تراه دخَر لك خيراً
مُنعوه أو علّك شيئًا جهلوه ؟ فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا فى
كبِرَ سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك فمن يلوم الحدث فى سنّه ،
الجاهلَ فى علمه، المأفونَ فى رأيه ، المدخولَ فى عقله؟ وتحمد الذى
عافانا مما ابتلاك به . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .
وعن محمد بن إسحاق الموصلى قال: قال أبو حازم : إن بضاعةً
الآخرةَ كاسِدة فاستكثِروا منها فى أوانٍ كَسادها فإنه لو جاء يومُ
نَفاقها لم تصل منها إلى قليل ولا إلى كثير .
(١) ق، قط : تلزود.
(٢) وهل: ضعف .
(٣) نعشه : تداركه .
(٤) الذاريات ٥٥

- ١٦٤ -
قال ابن أبى الحوارى: وسمعت مروان بن محمد يقول: قال أبو حازم
ويحك يا أعرجُ يدعى يوم القيامة بأهل خطيئةٍ كذا وكذا فتقوم معهم،
ثم ◌ُدعى بأهل خطيئة .
وعن عبد الرحمن بن جرير قال: سمعت أبا حازم يقول: عند
تصحيح الضمائر تغفر الكبائر ، وإذا عزم العبد على ترك الآثام
أنته الفتوح .
وعن محمد بن مطرف قال : قال أبو حازم: ما فى الدنيا شىء يسرّك
إلا وقد ألزق به شىء يسوءك.
وعن سعيد بن عبد الرحمن عن أبى حازم قال: إن العبد ليعمل
الحسنةَ تسرُّه حين يعملها وماخلق الله من سيئة هى عليه أضرُّ منها،
وإن العبد ليعمل السيئة ثم تسوءه حين يعملها ، وماخلق الله عز وجل
من حسنة أنفع له منها ، وذلك أن العبد حين يعمل الحسنة يتخبّر فيها
ويرى أن له فضلاً على غيره، ولعل الله عز وجل يُحبطها ويحبط معها
عملاً كثيراً، وإن العبد ليعمل السيئة تسوءه ولعل الله عز وجل يُحدث
له فيها وجَلاً فیلقَى الله وإن خوفها لفى جوفه باقٍ .
وعن عون بن جرير قال : سمعت أبى يقول : كان أبو حازم يمرّ
على الفاكهة فيقول : موعدُك الجنة .

- ١٦٥ -
وعن جُويرية بن أسماء قال. مر أبو حازم بجزّار فقال: ياأبا حازم
· خذمن هذا اللحم فانه سمين . قال: ليس معى درهم ، قال أنظِرُك.
قال : أنا أُنظِرُ نفسى.
وعن الفضل قال: قال حازم المدينى: وجدت الدنيا شيئين: فشىء
منها هو لى فلن أُعجّله قبل أجَلِه ولو طلبته بقوة السموات والأرض،
وشىء منها هو لغيرى فلم أنله فيما مضى، ولا أرجوه فيما بقى، يُنع
الذى لى من غيرى كما يُنع الذى انيرى منى، ففى أى هذين أفنى عمرى؟
ووجدت ما أعطيت من الدنيا شيئين فشىء يأتى أجله قبل أجلى فأغلب
عليه، وشىء يأتى أجلى قبل أجله فأموت وأخلّفه لمن بعدى ، ففى أى
هذين أعصى ربى عز وجل؟.
وعن حفص بن ميسرة قال : قال أبو حازم : عجباً لقوم يعملون
لدارٍ يرحلون عنها كلَّ يوم مرحلة ، ويَدعون أن يعملوا لدارٍ يرحلون
إليها كلَّ يوم مرحلة ! .
وعن ابن عُبينة قال أبو حازم: إنى لأعِظ وما أرى له موضعًاً وما
أريد إلا نفسى. وقال لو أن أحدكم قيل له ضع ثوبك على هذا الهوف
حتى يرُمی لقال: ما كنتُ لأخرق ثوبى، وهو يخرق دينه . وحلف
أبو حازم لجلساته: لوددت أنّ أحدكم يُبقي على دينه كما يُبقى على نّله.

- ١٦٦ -
وعن فَضَيل بن عياض قال: قال أبو حازم : اضمنوا لى اثنين
أضمن لكم الجنة: عملاً بما تكرهون إذا أحبّه الله تعالى، وتَرَّكِ
ما تحبّون إذا كرهَه اللهُ عزوجل .
وعن يعقوب بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا حازم يقول: يسيرُ
الدنيا يشَغلُ عن كثير من الآخرة. وقال: ما أحببتَ أن يكون معك
فى الآخرة فقدّمه اليومَ، وماكرهتَ أن يكون معك فى الآخرة
فاتركْه اليوم.
وقال: كل عمل تكره الموتَ من أجله فتركْه ثم لا يضرّك متى
متّ. وقال: إِنك لتجد الرجل يعمل بالمعاصى فإذا قيل له : أنحبّ أن
تموت؟ قال: يقول: وكيف ؟ وعندى ما عندى. فيقال له : أفلا
ترك ما تعمل من المعاصى؟ فيقول: ماأريد ترْ كَه وما أحبّ أن أموت
حتى أُرْكَه.
وقال شيئان إذا عملت بهما أصبتَ بهما خير الدنيا والآخرة: لا أطوّل
عليك. قيل: وما هما أنا أبا حازم؟ قال: تحمل(١) ما تكره إذا أحبّه
الله، وتترك ما تحب إذا كرهه الله.
(١) كذا فى النسخ . ولعلها: تعمل.

- ١٦٧ -
وعن محمد بن يحيى المازنى قال : قال أبو حازم : رضِىَ الناسُ من
العَل بالعلم ومن الفعل بالقول.
وعن سلمان بن سلمان العُمَرى قال: رأيت أبا جعفر القارى، يعنى
فى المنام، على الكعبة فقلت له يا أبا جعفر. قال: نعم أقرِئُ إخوانى
منى السلام وخبرٌم أن الله عز وجل جعلنى من الشهداء الأحياء المرزوقين،
وأقرئ أبا حازم السلام وقل له : يقول لك أبو جعفر : الكَيْسَ
الكَيْسَ فإن الله وملائكته يتراءوْن مجلسَك بالعشّات.
أسند أبو حازم عن ابن عمر وسهل بن سعد وأنس بن مالك . وقيل
إنه رأى أبا هريرة، وسمع من كبار التابعين كسعيد بن المسيب وأبى سلمة
وعروة وغیرھم.
وتوفى فى بعد (١) سنة أربعين ومائة فى خلافة المنصور.
(١) صف : فى .

- ١٦٨ -
ومن الطبقة الخامسة من أهل المدينة
١٨٦ - جعفر بن محمد بن علي بن الحسين
عليهم السلام
يكنى أباعبد الله. أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق.
كان مشغولا بالعبادة عن حب الرياسة .
وعن عمرو بن أبى المقدام قال: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد
علمت أنه من سلالة النبيين .
وعن مالك بن أنس قال : قال جعفر بن محمد لسفيان الثورى :
ياسفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببتَ بقاءها ودوامَها فأكثرْ من
الحمد والشكر عليها فان الله عز وجل قال فى كتابه «لْن شَكَّرُم
الْأزيدَ نّكم (١)))، وإذا استبطأَتَ الرزق فأكثِرْ من الاستغفار فإن
الله تعالى قال فى كتابه ((استغفِروا ربّكم إنه كان غفاراً يُرسل السماء
عليكم مِدْراراً ويُدِدْ كم بأموالٍ وَبنين)» يعنى فى الدنيا (ويجعل لكم
جناتٍ(٢) )) فى الآخرة ياسفيان إذا حزَبك أمر من سلطان أو غيره
فأكثر من قول (( لا حول ولا قوة إلا بالله)) فإنها مفتاح الفرج وكنز
من كنوز الجنة .
(١) إبراهيم ٧.
(٢) نوح ١٢ .

- ١٦٩ -
وعن ابن أبى حازم قال: كنت عند جعفر بن محمد إذ جاءه آذِنه
فقال : سفيان الثورى بالباب. فقال : ائذن له . فدخل فقال جعفر:
ياسفيان إنك رجل يطلبك السلطان وأنا أتّقي السلطان، قم فأخرج غير
مطرود. فقال سفيان: حدّثنى حتى أسمع وأقوم . فقال جعفر: حدَّثَنى
أبى عن جدى أن رسول الله عَ ◌ّه قال: ((من أنعم الله عليه نعمة فليحْمد
الله ومَن استبطأ الرزقَ فليستغفر الله، ومن حز به أمر فليقُل: لاحول
ولا قوة إلا بالله(١) . فلما قام سفيان قال جعفر: خذها ياسفيان،
ثلاث وأىّ ثلاث .
وعن الهياج بن بسطام قال : كان جعفر بن محمد يُطعم حتى لا يبقَى
لعياله شىء.
وعن يحيى بن الفرات قال: قال جعفر بن محمد لسفيان الثورى لا يم
المعروف إلا بثلاثة : بتعجيله وتصغيرهِ وسَترِه.
وسئل جعفر بن محمد لِمَ حرّم الله الربا؟ قال: لئلا يَمانع الناسُ
المعروف .
وعن بعض أصحاب جعفر الصادق قال: دخلتُ علىجعفر وموسى
بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية فكان مما حفظت منها أن قال : .
(١) الحديث حسن . أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان.

- ١٧٠ -
يا بنىّ اقبل وصّتى واحفظ مقالى فإنك إن حفظتها تعش سعيداً
وَمتْ حميداً، يابنى إنه مَن قنع بما قسم الله له استغنى ومن مدّ عينه إلى
ما فى يد غيره مات فقيراً، ومن لم يرض بما قسم الله عز وجل له اتهم
اللهَ تعالى فى قضائه، ومن استصغر زلة نفسه استعصم زلة غيره ، ومن
استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه. يابنى من كشف حجاب غيره
انكشفت عوزات بيته ومن سلّ سيف البغى قتل به، ومن احتفر
لأخيه بئراً سقط فيها، ومن داخل(١) السفهاء حُقِّر ومن خالط العلماء
وُقّر ، ومن دخل مَداخل السوء أنهم. يا بنى قل الحق لك وعليك، وإياك
والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال، يابنى إذا طلبتَ الجود
فعليك بعمادنه .
وعن أحمد بن عمرو بن المقدام الرازى قال: وقع الذباب على المنصور
فذّبه عنه ، فعاد فذّبه حتى أضجره. فدخل جعفر بن محمد فقال له
المنصور: يا أبا عبداللهلِمَ خلق الله عز وجل الذباب؟ قال ليُذِلّ به الجبابرة.
وعن الحسن بن سعيد اللَخْمى عن جعفر بن محمد قال: من لم يغضب
من الجفوة لم يشكر النعمة.
وعن الحرمازى قال : كان رجل من أهل السواد يلزم جعفر بن محمد
ففقده فسأل عنه فقال له رجل: إنه نّبَطَى. يريد أن يضع منه فقال جعفر:
(١) صف : خالط.

- ١٧١ -
أصل الرجل عقله، وحَسُه دينه، وكرمه تقواه ، والناس فى آدم
مستوون .
وعن سفيان الثورى قال : سمعت جعفر بن محمد الصادق يقول :
عزت السلامة حتى لقد خفى مطلبها، فإن تكن فى شىء فيوشك أن
تكون فى الحمول ، فإن طُلبت فى الحصول ولم توجد فيوشك أن
تكون فى التخلّى، وليس كالحمول، فإن طُلبتْ فى التخلى ولم توجد
فيوشك أن تكون فى الصمت وليس كالتخلى، فإن طَلبت فى الصمت
فلم توجد فيوشك أن تكون فى كلام السلف الصالح ، والسعيدُ من
وجد فى نفسه خلوة يشتغل بها .
وعن عبد الله بن الفضل بن الربيع عن أبيه ولم يحفظ على الدعاء
وبعضه عن غيره قال: حج أبو جعفر سنة سبع وأربعين ومائة فقدم
المدينة وقال : ابعثْ إلى جعفر بن محمد من يأتينا به تعباً(١)، قتلنى الله
إن لم أقتله . فتغافل عنه الربيع لينساه. ثم أعاد ذكره للربيع وقال:
أرسل (٢) إليه من يأتى به متعباً. فتشاغل(٢) عنه. ثم أرسل إلى الربيع
برسالة قبيحة فى جعفر وأمره أن يبعث إليه ففعل . فلما أتاه قال له :
(١) ق: لغباً. واللغوب: أشد التعب والإعياء.
(٢) ق : ابعث .
(٣) ق : فتغافل.

- ١٧٢ -
يا أبا عبد الله اذكر الله فإنه قد أرسل إليك التى لا سوى لها(١) قال
- جعفر لاحول ولا قوة إلا بالله. ثم أعلمَ أبا جعفر حضورَه. فلما دخل
أو عده وقال: أىْ عدّو الله اتخذك أهل العراق إمامًاً يَجبون إليك
زكاة أموالهم وتلحد فى سلطانى وتَبَغيه الغوائل؟ قتلنى الله إن لم أقتلك.
فقال: يا أمير المؤمنين إن سليمان عليه السلام أعطى فشكر ، وإن
أيوب ابتُلى فصبر، وإن يوسف ظُلم فَنَفر، وأنت من ذلك السِّنْخِ(٣)
فقال له أبو جعفر: إِلىّ وعندى، أبا عبدالله، البرىء الساحة، السليم
الناحية، القليل الغائلة ، جزاك الله من ذى رحم أفضلَ ما جزى ذوى
الأرحام عن أرحامهم.
ثم تناول يده فأجلسه معه على فراشه ثم قال: علىَّ بالمِنجَفة (٣) فأتى
بدُهن فيه غالية (٤) فعلفه بيده حتى خِلتُ لحيته قاطرة(٥). ثم قال: فى
حفظ الله وفى كَلاءته. ثم قال: ياربيع ألحق أباعبد اللهجائزتَه وكسوتَه،
انصرفْ أبا عبد الله فى حفظ الله وفى كنفه . فانصرف ولحقتُه فقلت له:
(١) السوى: البديل. ط. ((لكنى لاسوى لها)) تحريف.
(٢) السنخ : الأصل.
(٣) كذا، والصواب: ((النجف)) وهو الزبيل، وقيل. القفة أو الجراب
أو الوعاء الواسع الأسفل والجوف وفى المطبوع: ((المتحفة)) تحريف.
(٤) الغالية : أخلاط من الطيب .
(٥) قطر الدمع والماء وسال وسقط قطرة قطرة .

- ١٧٣ -
إنى قد رأيت قبل ذلك ما لم تره، ورأيت بعد ذلك ماقدر رأیت، فا
قلت يا أبا عبد الله حين دخلت؟ قال: قلت اللهم احرُسْنى بعينك التى
لاتنام، واكنتُفى بركنك الذى لايُرامّ واغفرلى بقَدْرَتك علىّ لاأهلك
وأنت رجائى. اللهم إنك أكبر وأجلّ ممن أخاف وأحذر، اللهم بك
أدفع فى نحره وأستعيذ بك من شرّه.
وعن الليث بن سعد قال: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة فأتيت
مكة فلما أن صليت العصر رِقِيت أبا قُيس(١) فإذا أنا برجل جالس وهو
يدعو فقال: ياربّ ياربّ. حتى انقطع نفسه. ثم قال: يارباه. حتى انقطع
نَفْسِه . ثم قال: يارب. حتى انقطع نفسه. ثم قال: يا ألله ياأللهحتى انقطع
نفسه. ثم قال: ياحىّ ياحى . حتى انقطع نفسه. ثم قال: يارحيم .
حتى انقطع نفسه ثم قال: يا أرحم الراحمين. حتى انقطع نفسه. سبع
مرات . ثم قال: اللهم إنى أشتهى من هذا العنب فأطعِمْنيه. اللهم إن
◌ُردىَّ قد أخلقا. قال الليث . فوالله ما استتمّ كلامه حتى نظرتُ إلى
سلّة مملوءة عنباً وليس على الأرض يومئذ عنب، وبردين موضوعين،
فأراد أن يأكل فقلت: أنا شريكك. فقال لى: تقدَّم وكُل ولا تأخذ
منه شيئًا. فتقدمتُ فأكلت شيئاً لم آ كل مثله قطُّ وإذا عِنْبِ لاَعَجَمْ(٣)
(١) أبو قبيس : جبل مشرف على مكة شرقاً.
(٢) العجم : النوى .

- ١٧٤ -
له فأكُلْت حتى شبعت، والسلّة بحالها (١). ثم قال لى: خذأحبّ
البردين اليك فقلت له: أما البردان فأنا غنىّ عنهما . فقال لى: موارَ عنى
حتى ألبسهما. فتواريت عنه فارتدى أحدهما واثّزر الآخر (٢). ثم أخذ
البرُدين اللذين كانا عليه فجعلهما على عاتقه فنزل فاتّعته حتى إذا كان
بالمسعىَ لقيه رجل فقال: اكسُنى كساك الله يا ابنَ رسول الله. فدفعهما
إليه . فلحقتُ الرجل فقلت له مَن هذا؟ قال جعفر قال بن محمد . قال
الليث: فطلبته لأسمع منه فلم أجده.
أسند جعفر بن محمد عن أبيه ، وعن عطاء بن أبى رَباح ، وعكرمة
فى آخرین .
وروى عنه من التابعين جماعةٌ منهم : أيوب السختياني، ومن الأمة
مالك والثورى وشعبة فى آخرين .
وتوفى بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة . رحمه الله.
٦
١٨٧ - محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة
ابن الحارث بن أبى ذئب
عن محمدبن عمر قال: كان محمد بن عبد الرحمن يكنى أبا الحارث. ولد
(١) قط: (( والسلة لم تنقص شيئاً)). ق: (( ... منها شيئاً)).
(٢) قط ق: (( فائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر))،

- ١٧٥-
فى سنة مابين عام اجحاف(١) وكان من أورع الناس وكانوا يرمونه
بالقدر وما كان قدرياً . وكان يصلى الليل أجمع .
وأخبرنى اخوه قال: كان يصوم يوماً ويفطريوما فوقعت الرّجفة
بالشام فقدم رجل من أهل الشام حدّثه عن الرجفة وكان يوم إفطاره
فقلت له : قم تغذى قال دعه اليوم فسرد الصومَ من ذلك اليوم إلى أن
مات وكان يتعشى بالخبز والزيت وله طَيلسان(٣) وقيص يشتُوفيه ويَصيف،
ويحفظ حديثه كله .
ودخل على عبد الصمد بن على وهو والى المدينة فكلمه فى شىء
فقال له عبد الصمد: إنى لأراك ◌ُرائيا فأخذ عوداً أو شيئاً من الأرض
فقال: مَن أُرائِى؟ فو الله للناسُ عندى أهْون من هذا .
وحج أبو جعفر فدعا ابنَ أبي ذئب فقال: نشدتُك بالله ألستُ
أعمل بالحق؟ أليس ترانى أعدل؟ فقال ابن أبى ذئب: أما إذا نشدتَي
بالله فأقول: اللهم لاما أراك تعدل، وانك لجائر وإنك لتستعمل الظَّمة
وتدَع أهل الخير .
قال محمد بن عمر لتحدثنى محمد بن إبراهيم وإبراهيم بن يحيى وأُخبرت
(١) موت جحاف: شديد مستأصل وجحف السيل بالشىء وأجحف به:
ذهب به . وكان بالشام سنة ( ٨٠) مـ طاعون شديد .
(٢) كساء مدور يلبسه الخواص من العلماء .
٠

- ١٧٦ -
عن عيسى بن على، قالوا فظننا أن أبا جعفر سيعاجله نجعلنا نكفّ إلينا
ثيابنا مخافةَ أن يصيبنا من دمه . نجزع أبو جعفر واغتمّ وقال له :
قم فاخرج .
ومات ابن أبى ذئب فدُفن بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة وهو
ابن تسع وسبعين .
وعن أحمد بن على الحافظ قال: سمع ابن أبى ذئب من عكرمة ونافع
وسعيد المقبرى وأبى الزناد ومحمد بن المنكدر والزُّهرى وغيرهم .
وكان فقيهاً صالحاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، أقدمه المهدى
بغداد فحدّث بها ثم رجع يريد المدينة فات بالكوفة .
وقال أحمد بن حنبل : كان ابن أبى ذئب يشبّه بسعيد بن المسيب
قيل لأحمد : خلّف مثلَه ببلاده؟ قال : لا ولا بغيرها .
١٨٨ - مصعب بن ثابت بن عبد الله بن
الز بير أبو عبد الله القرشى
عن الزبير بكار قال : كان مصعب بن ثابت من أعبدأهل زمانه. صام
خمسين سنة .
قال الزبير : وحدثنى يحيى بن مسكين قال: ما رأيت أحداً قطّ
أ کثر ر کوعاً وسجوداً من مصعب بن ثابت، کان يصلى فى كل يوم
وليلة ألف ركعة ويصوم الدهر .

- ١٧٧ -
قال محمد بن سعد: توفى مصعب بن ثابت سنة سبع وخمسين
ومائة . رحمه الله .
ومن الطبقة السادسة من أهل المدينة
١٨٩ - مالك بن أنس بن مالك بن أبى
عامر الأصبحى
عن محمد بن عمر قال : سمعت مالك بن أنس يقول : قد يكون
الحمل ثلاث سنين وقد حمل بعض الناس ثلاثَ سنين، يعني نفسه .
قال : وسمعت غير واحد يقول : ◌ُل بمالك ثلاث سنين.
وعن مطرف بن عبد الله قال: كان مالك بن أنس طويلاً عظيم
الهامة أصلع أبيض الرأس واللحية، شديد البياض إلى الشقْرة. ولباسُهُ
٥
الثياب العدَنّة الجياد ويكره حلق الشارب ويعيبه ويراه من المثل(١).
وعن أبى مصعب قال : سمعت مالك بن أنس يقول: ما أفتيت حتى
شهدلى سبعون أنى أهلٌ لذلك.
وعنه قال ماأجبت فى الفتيا حتى سألت من هو أعلم منى : هل
يرانى موضعا لذلك؟ سألت ربيعة وسألت يحيى بن سعيد فأمرانى بذلك
فقلت: ياأبا عبد الله فلو ◌َهَوْك؟ قال. كنتُ أنّهى، لا ينبغى للرجل
أن يرى نفسه أهلاً لشىء حتى يسأل من هو أعلم منه .
(١) تغيير الحلقة وتبديلها
(م ١٢ - صفة الصفوة )

- ١٧٨ -
وقال خلف : دخلت على مالك بن أنس فقال لى : انظر ماتحت
مُصَلاى أو حصيرى فنظرت فإذا بكتاب فقال: اقرأ، فإذا فيه رؤيا
رآها له: ضُ إخوانه. فقال: رأيت النبى معَظله فى المنام فىمسجده وقد
اجتمع الناس عليه فقال لهم: إنى قد خبأت لكم تحت منبرى طيباً أو
علماً وأمرت مالكًا أن يفرّقه على الناس . فانصرف الناس وهم يقولون
إذاً يُنفِذ مالك ما أمره به رسول الله مَاتٍ. ثم بكى فقمت عنه.
وعن ابن أبى أَوَيس قال: كان مالك إذا أراد أن يُحدِّث توضأ وجلس
على صدر فراشة وسرّح لحيته وتمكن فى الجلوس بوقار وهيبة ثم حدّث.
فقيل له فى ذلك، فقال: أَحّب أن أعظّم حديثَ النبيِّ لٍّولا أَحدّث
به إلا على طهارة متمكناً. وكان يكره أن يحدّث فى الطريق وهو
قاتم أو مستعجِل. فقال: أحب أن يُفْهَم(١) .اأحدّث به عن رسول
الله ◌َ الله .
وسيادة
ابراهيم بن المنذر قال : سمعت معن بن عيسى يقول : كان مالك بن
أنس إذا أراد أن يحدّث بحديث رسول الله عَ لّ اغتسل وتبخّر
وتطيّب، وإذا رفع أحدٌ صوته عنده قال: اغضض من صوتك فإن الله
عز وجل يقول: ( ياأيها الذين آمنوا لا ترفَعوا أصْواتَكُمْ فوقَ صَوتٍ
(١) قط ، ق : أتفهم

- ١٧٩ -
النبىّ) (١) فمن رفع صوته عند حديث رسول الله منطليٍ فَكأ عارفع صوته
فوق صوت رسول الله سليم
وعن عبد الله بن وهب قال: سمعت مالك بن أنس يقول : ليس
العلم بكثرة الرواية وإنما هو نُور يضعه الله فى القلب.
وعنه: قيل لمالك بن أنس: ما تقول فى طلب العلم؟ قال: حسَن
جميل ، ولكن انظر إلى الذى يلزمك مِن حين تصبح إلى حين عسى
فالزمْه .
وعن ابن مهدى قال: سأل رجل مالكاً عن مسألة فقال: لا أحسنها.
فقال الرجل : إنى ضربت إليك من كذا وكذا لأسألك عنها . فقال
له مالك : فإذا رجعتَ إلى مكانك وموضعك فأخبرْمٍ أَنى قلتُ لك
لا أحسِها.
وعن حنبل بن اسحاق قال: سألت أباعبد الله عن مالك فقال: مالكٌ.
سيّدٌ من سادات أهل العلم، وهو إمام فى العلم والفقه. ثم قال: ومَن
مثْلُ مالكٍ متّبع لآثار من تقدم مع عقل وأدب؟
مسانيد مالك أشهر من أن تذكر وهو النجم الثاقب فى أهل
النقل .
وعن ابن أبى أَويس قال: اشتكى مالك بن أنس أيامًا يسيرة فسألتُ
(١) الحجرات :

- ١٨٠ -
بعض أهلنا عما قال عند الموت فقال: تشهَّدَ ، ثم قال: لله الأمر من قبلُ
ومن بعدُ .
وتوفى صبيحة أربعَ عشرةً من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين
ومائة فى خلافة هارون ودُفن بالبقيع وهو ابن خمس وثمانين سنة .
فذكرت ذلك لمصعب الزبیری فقال : مات فی صفر . رحمه الله .