Indexed OCR Text

Pages 81-100

- ٨١ -
وعن عبد الله بن محمد، قال: قال سعيد بن المسيب: ما أكرمت
العبادُ أنفسها بمثل طاعة الله عز وجل ولاأهانتْ أَنفُسها بمثل معصية الله،
وكفى بالمؤمن نصرةً من اللهعز وجل أن يرى عدّوه يعمل بمعصية الله.
وعن سعيد بن المسيب قال: من استغنى بالله افتقر إليه الناس .
وعن سفيان بن عيينة قال : قال سعيد بن المسيب : إن الدنيا نذالة
هى إلى كل نذل أميل ، وأنذل منها من أخذها بغير حقّها ، وطلبها
بغير وجهها ووضَعها فى غير سبُلها. وعن مالك بن أنس قال : قال سعيد
ابن المسيب : إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذى فضل إلا وفيه
غيْبٌ ولكنْ مِن الناس مَن لا ينبعى أن تَذكَر عيوبه: مَن كان فضلَه
أكثر من نقصِهِ وُهِب نقصُه لفضله .
اقتصرنا على هذه النبذة اليسيرة من أخبار سعيد بن المسيب لأنا قد
أفردنا لجميع أخباره كتاباً مبسوطً فمن أراد الزيادة فى أخباره فلينظر
فى ذلك .
وقد أسَند سعيدٌ عن عمر بن الخطاب ، وعثمان، وعلي، وسعد بن
أبى وقاص ، وأبيّ بن كعب، وعمّار بن ياسر، ومعاذ بن جبل، وابن عمر،
وأبى الدرداء، وعُقَبة بن عامر، وصُهيب، وجابر بن عبد الله، وأبى سعيد
الخدرى ، وسلمان، وأنس بن مالك ، وأبى هريرة، وابن عباس وعمرو
ابن أبى سلمةً ، وعائشة، وأم سلمة فى آخرين.
( م . - صفة الصفوة )

- ٨٢ -
ومات رضى الله عنه بالمدينة وهو ابن أربع وثمانين سنة على خلافٍ
یبهم فى ذلك . رحمه الله .
١٦٠ - سليمان بن يسار
مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي عمَّه ويقال: كان مُكاتبًاً
لها يكنى أبا أيوب .
عن مصعب بن عثمان قال : كان سلمان بن يسار من أحسن الناس
وجهاً. فدخلت عليه امرأة فسألته نفسَه فامتنع عليها. فقالت له : ادنُ
فخرج هاربًا عن منزله وتركها فيه . قال سلمان : فرأيت بعد ذلك
يوسف عليه السلام فيما يرى النائم، وكأنى أقول له : أنت يوسف؟
قال: نعم أنا يوسف الذى محمعتُ وأنت سليمان الذى لم تهم.
وقد رُويت لنا هذه القصة عن عطاء بن يسار أخى سلمان
والله أعلم.
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: خرج عطاء بن يسار
وسليمان بن يسار حاجّين من المدينة، ومعهما أصحاب لهم، حتى إذا
كانوا بالأبْواء نزلوا منزلاً . فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجتهم
وبقى عطاء بن يسار قائمًا فى المنزل يصلى.
(١) بها من صف: ((عطاء وسليمان ابنا يسار))

- ٨٢ -
قال: فدخلتْ عليه امرأة من الأعراب جميلة فلما رآها عطاء ظن
أن لها حاجةً فأوجزَ فى صلاته، ثم قال: ألك حاجة؟ قالت: نعم . قال:
ماهى؟ قالت: قم فأَصِبْ منى فإنى قد ودِقِتُ(١) ولا بعل لى. فقال: إليك
عنى لامحر قینی و نفسك بالنار .
ونظر إلى امرأة جميلة، فجعلت تراوده عن نفسه ويأبى إلا ما يريد.
قال: فجعل عطاء يبكي ويقول : ويحك إليك عنى . قال: اشتد بكاؤه
فلما نظرت المرأة إليه وما داخله من البكاء والجزع بكت المرأة لبكائه.
قال: فجعل يبكى والمرأه بين يديه تبكى. فبينما هو كذلك إذا جاء
سليمان من حاجته فلما نظر إلى عطاء يبكي والمرأة بين يديه تبكى فى ناحية
البيت بكى لبكائهما لا يدرى ما أبكاهما وجعل أصحابهما يأتون رجلاً
رجلاً كما أتى رجل فرآه ييكون جلس يبكى لبكائهم لا يسألهم عن
أمرهم حتى كثر البكاء وعلا الصوت . فلما رأت الأعرابية ذلك
قامت فخرجت.
قال : فقام القومْ فدخلوا . فلبث سلمان بعد ذلك وهو لا يسأل
أخاه عن قصة المرأة إجلالاً له وهيبة . قال : وكان أسنَّ منه.
قال ثم إنهما قَدِما مصر لبعض حاجتهما فلبثا بها ما شاء الله فيينا
عطاء ذات ليلة نائم إذا استيقظ وهو يبكى .. فقال سليمان: ما يبكيك
يا أخى؟ قال: فاشتد بكاؤه . قال: ما يبكيك يا أخى؟ قال: رؤيا
(١) ودقت : أى أرادت الفحل .

- ٨٤ =~
رأيتها الليلة . قال، وما هى؟ قال لاتخبربها أحداً ما دمتُ حيّاً: رأيت
يوسف النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فجئت أنظر إليه فيمن ينظر
إليه فلما رأيت حسنه بكيت فنظر إلىّ فى الناس فقال: ما يبكيك أيها
الرجل؟ فقلت : بأبي أنت وأمى يا نبى الله، ذكرتك وامرأة العزيز
وما أُبتليتَ به من أمرها وما لقيتَ من السجن وُفُرقة يعقوب ،
فبكيت من ذلك وجعلت أتعجّب منه. قال: فهلا تعجّت من صاحب
المرأة البدوية بالأبواء؟ فعرفت الذى أراد فبكيت واستيقظت باكياً.
قال سلمان: أىْ أخى وما كان من حال تلك المرأة ؟ فقصّ عليه
عطاء القصة فما أخبر بها سليمان أحداً حتى مات عطاء نحدث بها بعده
امرأة من أهله قال : وما شاع هذا الحديث بالمدينة إلا بعد موت سليمان
ابن يسار رضى الله عنهما.
وعن ابن أبى الزناد عن أبيه قال : كان سليمان بن يسار يصوم الدهر
وكان عطاء بن يسار يصوم يوماً ويفطر يوما .
أسند سليمان عن أبى هريرة وان عمرو، وابن عباس فى خلق كثير
من الصحابة .
وبوفى سنة سبع ومائة . وقيل سنة ثلاث ومائة وهو ان ثلاث وسبعين سنة
٠٠
وأسندَ عطاء عن أبيّ بن كعب وابن مسعود وأبى أيوب الأنصارى
فى خلق كثير من الصحابة . توفى سنة ثلاث وما ئة وقيل سنة أربع
وتسعين وكان يكنى أبا محمد وهو مولى ميمونة أيضاً رضى الله عنهما.

- ٨٥ -
ومن الطبقة الثانية من أهل المدينة
١٦١ - عروة بن الز بير بن العوام
أمه أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما.
عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: يا بنى سَلُونى فلقد تُكت
حتى كدت أنسى وأني لأسأل عن الحديث فيفتح لى حديث يومى -
وعن أبى الزناد. قال: اجتمع فى الحِجْر (١) قوم فقالوا: منَّوا. فقال
عروة: أنا أتمنى أن يؤخذ عنى العِلم.
وعن الزُهْرى قال: كان عروة يتألف الناس على حديثه.
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال عروة بن الزبير: رُبّ كلمة ذُل
احتملتها أورثْتنى عزاً طويلا .
وعنه عن أبيه قال إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة فاعلم أن لها عنده
أخوات، وإذا رأيته يعمل السيئة فاعلم أن لها عنده أخوات ، فان
الحسنة تدل على أختها ، وإن السيئة تدل على أختها .
وعنه قال: قال عروة لبنيه: ياَبَّي تعلموا فإنكم إن تكونوا صغار
قوم عسى أن تكونوا كبارم واسوأتاه ماذا أقبح من شيخ جاهل .
وعن ابن شوذب قال: كان عروة بن الزبير إذا كان أيام الرُّطَب قَلَم
(١) الحجر (فيكن مر لى) ( !:: ٦نسكولمستدر جانب الكعبة الغربى سم

- ٨٦ -
حائطه فيدخل الناس فيأً كلون ويحيلون . وكان إذا دخله ردّد هذه
الآية فيه حتى يخرج منه ((ولولا إذْ دخْلْتَ جَتكَ قلتَ ماشاء اللهُ لاَقَوَةَ
إلاّ بالله))، (١) حتى يخرج.
وكان عروه يقرأ رُبع القرآن كلّ يوم نظراً فى المصحف، ويقوم به
الليل ، فماتركه إلا ليلةَ قُطعت رجْلُه ثم عاود من الليلة المقبلة .
وعن هشام بن عروة قال : خرج أبى إلى الوليد بن عبد الملك
فوقعت فى رجله الأ كلة(٢) فقال له الوليد: يا أبا عبد الله أرى لك
قطْعها . قال : فقُطعتْ وإنه لصائم فاتضور (٣) وجهه. قال: ودخل ابنٌ
له أكبرُ ولَده اصطبلَه فرفستْه دا بة فقتلته فما سُع من أبى فى ذلك
شىء، حتى قدم المدينة فقال: اللهم إنه ( كان لى بنون أربعة فأخذتَ
واحداً وأبقيت لى ثلاثة فلك الحمد،) وكان لى أطراف أربعة فأخذت
واحداً وأبقيتَ لى ثلاثة فلك الحمد، وائمُ الله لئن أخذت فلقدأً بقيتَ ولْن
ابتلَيْت طالما عاَفَيْتَ .
وعن مسلمة بن محارب قال وقعت فى رجل عروة الأ كلة، وقطعت
ولم يَدْع تلك الليلةَ وِرْدَه و قُطعت ولم يُسِكه أحد.
(١) الكهف ٣٩.
(٢) الأ كلة : بفتح الهمزة وكسر الكاف : داء فى العضو يأتكل منه.
(٣) تصور الرجل: تأوى من وجع الضرب أو الجوع. ط : تغير.

- ٨٧,-
العباس بن مزيد قال أخبرنى أبى قال : قال أو عمرو الأوزاعى
خرجتْ فى بطن قدمه يعنى عروةَ برة (١) فيرامى به ذلك إلى أن
نُثرت ساقُه فقال لما نُشرت: اللهم إنك تعلم أنى لم أمش بها إلى حرام
قطّ أو إلى ◌ُسُوءِ قطٌ .
وعن نافع بن ذؤيب قال لما قدم عروة بن الزبير على الوليد بن
عبد الملك فخرج برجله الا كلة فبعث إليه يعنى الوليد بالأطباء فأجمع
رأيهم على أن لم ينشروها قتلته فقال شأنكم بها قالوا نسقيك شيئاً لثلا
تحس بما نصنع بك قال لا ، شأنكم بها قال فنشروها بالمنشار فا حرك
عضواً عن عضو وصبر فلما رأى القدم بأيديهم دعا بها فقلبها فى يده ثم
قال أما والذى حملنى عليك أنه ليعلم أنى ما مشيت بك إلى حرام قط أو
قال معصية . وعن هشام بن عروة أن أباه كان يسرد الصوم .
وعن مالك بن أنس قال رأى عروة رجلا يصلى فخفف فدعاه وقال
أما كانت لك إلى ربك سبحانه وتعالى حاجة أنى لأسأل الله تبارك
وتعالى فى صلاتى حتى اسأله الملح .
وعن هشام عن ابيه قال إذا جعل أحدكم لله عز وجل شيئاًفلا يجعل
له ما يستحى أن يجعله لكرعه فإن الله تبارك وتعالى أكرم الكر ماء
وأحق من اختیر له .
(١) البشرة: خراج صغير.

- ٨٨ -
هشام قال كان أبى لا يفطر ولقد مات يوم مات وهو صائم.
أسند عروة عن على بن أبى طالب عليه السلام والزبير وعبد الرحمن
ابن عوف وسعيد بن زيد وزيدبن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبى أيوب
الأنصارى وأسامة وأبى هريرة وابن عباس ومعاوية والمسور بن مخرمة
والنعمان بن بشير وعبد الله بن الارقم وعائشة فى خلق يطول احصاؤهم .
توفى سنة أربع وتسعين فى ناحية الفرع ودفن هنالك رحمه الله.
١٦٢ - القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق
رحمهم الله تعالى
وأمه أم ولد، يكنى أبا محمد
عن يحيى بن سعيد قال: ما أدركنا أحداً بالمدينة نفضّله على
القاسم بن محمد .
وعن أيوب قال: رأيت على القاسم رداء قد صبغ بشيءٍ من زعفران
ويدَعُ مائة ألفٍ لم يتلجلج فى نفسه شىء منها .
وعنه قال: ما رأيت رجلا أفضل من القاسم ولقد ترك مائة ألفٍ
وهي له حلال .
وعن مالك أن عمر بن عبد العزيز قال : لو كان لى من الأمر شىء
لوليت القاسم بن محمد الخلافة.

- ٨٩ -
وعن أبى الزناد قال: ما رأيت أحداً أعلم بالسنّة من القاسم بن محمد،
وكان الرجل لا يُعدّ رجلاً حتى يعرف السنة .
وعن أيوب قال: سمعت القاسم يُسأل عنى فيقول لا أدرى ،
لاأعلٍ. فاما أكثروا عليه قال: والله لانعلم كلّ ما تسألونا عنه، ولو علمنا
ما كتمنا (كم) ولا حَلَّ لنا أن نكتمكم وعن يحيى بن سعيد قال سمعت
القاسم يقول: ما نعلم كلّ ما نُسأل عنه ولأن يعيش الرجلُ جاهلاً بعد
أن يعرف حق الله تعالى عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم.
وعن محمد بن إسحاق قال : جاء أعرابى إلى القاسم بن محمد فقال :
أنت أعلم أم سالم؟قال: ذاك منزلُ سالم: يزِدِه عليها، حتى قام الأعرابى.
قال محمد بن إسحاق: كره أن يقول هو أعلممنى فيكذب، أو يقول
أنا أعلم منه فيزكى نفسه .
وعن أبى الزنادعن أبيه قال: ما كان القاسم يجيب إلا فى الشىء الظاهر.
وعن سفيان قال: اجتمعوا إلى القاسم بن محمد فى صدقة قسّمها ، قال
وهو يصلى: فعلوا يتكلمون فقال ابنه: إنكم اجتمعتم إلى رجل والله
ما نال منها درهماً ولادانِقاً. قال: فأوجز القاسم ثم قال: يابنىّ قل فيما علمت.
قال سفيان: صدق ابنه ولكنه أراد تأديبه فى النطق وحفظه .
أسندالقاسمُ عن أبى هريرة وابن عباس وعائشة وأسلم مولى مُمر،

- ٩٠ -
وصالح بن خّوات فى آخرين. وتوفى سنة ثمان ومائة: وقيل سنة تسع،
وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين سنة، وكان قد ذهب بصره.
عن رجاء بن أبى سلمة قال: مات القاسم بن محمد بين مكة والمدينة
حاجًاً أو معتمراً فقال لابنه: سُنَّ علىّ التراب سَنًا وسَوّ علىّ قبرى والحق
بأهلك وإياك أن تقول : کان وکان - رحمه الله-
١٦٣ - سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
رحمهم الله تعالى
أمه أم ولد، يكنى أبا عمر. وكان أشبه أولاد أبيه به ، وكان أبوه
يحبه حباً شديداً فإذا قيل له فى ذلك أنشد :
يلومونى فى سالمٍ وألومهم وجلْدة بين العين والأنفِ سالمُ(١)
عن حنظلة قال : رأيت سالم بن عبد الله بن عمر يخرج إلى السوق
فیشتری حوائج نفسه .
وعن هوذة بن عبدالعزيز قال: رحم سالمَ بنَ عبد الله بن عمر رجلٌ
فقال سالم: بعض هذا رحمك الله فقال له الرجل : ما أراك إلا رجلَ سُوءٍ.
فقال سالم: ما أحسبك أبعدْتَ .
(١) أى صبه صباً سهلا .
(٢) البيت أعبد الله بن عمر فى ابنه سالم. ورواية اللسان (سلم): ((يديرونى
عن سالم وأربغه » .

- ٩١ -
عن مالك قال لم يكن أحد فى زمن سالم بن عبد الله أشبه بمن مضى
من الصالحين فى الزهد والقصد والعيش منه: كان يلبس الثوب بدر همين
قال له سلمان بن عبد الملك ورآه حسن السّحْنة: أىَّ شىء تأكل؟قال:
الخبز والزيت، وإذا وجدتُ اللحم أكلته . فقال له أو تشتهيه؟ قال:
إذا لم أشتَهِهِ تَرَكْتُه حتى أشتهيَه .
وعن محمد بن أبى سارة قال: رأيت سالم بن عبد الله قدم علينا
حاجاً فصلّى العشاء ثم قام إلى ناحية مما يلى باب بنى سهم فى الصلاة،
فلم يزَل يميل يميناً وشمالاً حتى طلع الفجر، ثم جلس فاحْتَى بثوبه.
٠
وعن سفيان بن عيينة قال : دخل هشام بن عبد الملك الكعبة ،
فإذا هو بسالم بن عبد الله فقال له: ياسالم سَلَّى حاجةً - فقال له : إنى
لأستحبي من الله أن أسأل فى بيت الله غير الله.
فلما خرج خرج فى أثره فقال له : الآن قد خرجتُ فساني حاجةٌ
فقال له سالم: حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال : بل من
حوائج الدنيا. فقال له سالم: ما سألتُ مَن يملكها فكيف أسأل
مَن لا يملكها.
٠
أسند سالم عن أبيه وأبى أيوب وأبى هريرة وغيرهم من
الصحابة . وتوفى فى آخر ذى الحجة سنة ست ومائة . وقيل سنة مانٍ.
رحمه الله تعالى .

٩٢ -
١٦٤ - أبوبكر بن عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام بن المغيرة
ليس له اسم، كنيته اسمه - ولد فى خلافة عمر (١) رضى الله عنه
محمد بن إسحاق الثقفى قال : رأيت فى كتاب أبى بكر بن حسان أن
أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وكان يقال له راهب قريش
لكثرة صلاته - وقال الزبير بن بكار: كان أبو بكر بن عبدالرحمن
يقال له راهب المدينة .
أسند أبو بكر بن عبد الرحمن عن أبى مسعود الأنصارى، وأبى
هريرة، وعائشه ، وأم سامة وغيرهم : وكان حارساً لعرضه حتى إنه
أُودِع مالاً فأُصيب، فقال له عروة: لاضمانَ عليك. قال: قد علمت،
ولكن لا تتحدث قريش أن أمانتي خرِبتْ فباع مالاً له فقضاه.
وقد كان قد ذهب بصره ودخل يوماً إلى مغتَسله فمات فيه ثجاءة،
وذلك فى سنة أربع وتسعين ، وهي سنة الفقهاء.
(١) كذا فى ق وقط والتهذيب وفى ط : عثمان.

- ٩٣ -
١٦٥ - على(١) بن الحسين بن على بن
أبي طالب عليهم السلام
أمه أم ولد اسمها غَرّالة، وهو على الأصغر. وأما الأكبر فإنه قُتل
مع الحسين عليهما السلام. وكان على هذا معَ أبيه وهو ابن ثلاث
وعشرين سنة إلا أنه كان مريضًا نائماً على فراش فلم يُقُتل: وكان
يكنى أبا الحسين ، وقيل أبا محمد .
عن عبد الرحمن بن حفص (١) القرشى قال : كان على بن الحسين
إذا توضأ يصفرّ فيقول له أهله: ما هذا الذى يعتادك عند الوضوء؟
فيقول: تدرون بين يدى من أريد أن أقوم.
وعن عبد الله بن أبى سليم (٣) قال: كان على بن الحسين إذا مشى
لا تجاوز يدُه فخذَه، ولا يخطر بيده، وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته
رِعِدة ، فقيل له : مالك ؟ فقال: ما تدرون بين يدى مَنْ أقوم
ومَن أناجى .؟
وعن أبى نوح الأنصارى قال : وقع حريق فى بيت فيه على بن
الحسين، وهو ساجد، فجعلوا يقولون له : يابن رسول الله النارَ ،
(١) وهو الملقب بزين العابدين (فتح البارى ٤١٢/١٤). وفى هامش صف:
(( هذا هو السجاد . كان يصلى فى اليوم والليلة ألف ركمة .
(٢) ط : جعفر .
(٣) ط : سلمان .

- ٩٤ -
يا ابن رسول الله النار. فما رفع رأسه حتى أطفئت. فقيل له: ما الذى
ألهاك عنها ؟ قال: أْتنى عنها النارُ الأخرى.
وعن سفيان قال: جاء رجل إلى على بن الحسين رضى الله عنه فقال له:
إن فلاناًقد آذاكووقع فيك. قال : فانطلق بنا إليه فانطلق معه وهو یری
أنه سينتصر لنفسه فلما أتاه قال: يا هذا إن كان ما قلتَ فىّ حقاً فغفَر
الله لى، وإن كان ما قلتَ فيَّ باطلاً فغفَر الله لك.
وعن أبى يعقوب المدنى قال : كان بين حسن بن حسن وبين على
بن الحسين بعضُ الأمر، فجاء حسَن بن حسَن إلى على بن الحسين
وهو مع أصحابه فى المسجد، فما ترك شيئاً إلا قاله له . قال: وعلىّ
ساكت. فانصرف حسَن فلما كان فى الليل أتاه فى منزله فقرَع عليه
بابه فخرج إليه فقال له على: يا أخى إن كنت صادقاً فيما قلتَ لى
فغفر الله لى، وإن كنتَ كاذباً فعَر الله لك، السلام عليكم . وولّى.
قال: فاتّبعه حسن فالتزمه مِن خلفه وبكى حتى رئى له ثم قال : لا جرم
لا تُعُدت فى أمر تكرهه. فقال على: وأنت فى حِلّ مما قلتَ لى.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال على بن الحسين : فقد
الأحّة غُربة. وكان يقول: اللهم إنى أعوذ بك أن تحسُن فى لوامع
العيون علانيتي وتقبح سريرتى ، اللهم كما أسات وأحسنتَ إلى فإذا
عدتُ فُعُدْ على.

- ٩٥ -
وكان يقول: إن قومًا عبدوا الله عز وجل رهبةً فتلك عبادة
العبيد، وآخرين عبدوه رغبةً فتلك عبادة التجّار، وقوماً عبدوا الله
شكراً فتلك عبادة الأحرار .
وعنه، عن أبيه أن على بن الحسين كان لا يحب أن يُمنه أحدٌ على
طهوره وكان يستقى الماء لطَهوره ويخمره قبل أن ينام. فإذا قام من
الليل بدأ بالسواك ثم يتوضأ ثم يأخذ فى صلاته وكان يقضى ما فاته
من صلاة النهار بالليل ثم يقول: ياَبنىّ ليس هذا عليكم بواجبٍ
ولكن أحب لمن عوّد نفسه منكم عادةً من الخير أن يدوم عليها .
وكان لا يَدعُ صلاة الليل فى الحَضَر والسفَر . وكان يقول: عجبت
للمتكبر الفَخور الذى كان بالأمس نطفةً ثم هو غدا جيفةً، وعجبت
كلّ العجب لمن شك فى الله وهو يرى خلقَة، وعجبت كلّ العجب لمن
أَنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى، وعجبت كلَّالعجَب
لمن عمل لدارِ الفناء وترك دار البقاء.
وكان إذا أتاه السائل رحب به وقال مرحباً بمن يحمل زادى إلى
الآخرة، وكلّمه رجل فافترى عليه فقال: إن كنا كما قلتَ فنستغفر الله،
وإن لم نكن كما قلتَ فغفر الله لك. فقام إليه الرجل فقبل رأسه وقال:
جعلت فِداك، ليس كما قلتُ أنا فاغفرلى: قال: غفر الله لك. فقال الرجل:
الله أعلم حيث يجعل رسالته .

- ٩٦ -
وعن شيبة بن نَعامة قال : كان على بن الحسين يبخَل فلما مات وجدوه
يَقُوت مائة أهل بيت بالمدينة .
وعن محمد بن إسحاق قال: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون
من أين كان مَعاشهم . فلما مات على بن الحسين فقَدوا ما كانوا
یُؤتَوْن به بالليل .
وعن أبى حمزة التمَّالى قال: كان على بن الحسين يحمل جرابَ
الخبز (١) على ظهره بالليل فيتصدّق به، ويقول: إن صدقة السرّ تطفىء
غضَب الربّ عز وجل .
وعن عمرو بن ثابت قال: لما مات على بن الحسين فغسَلوه جعلوا
ينظرون إلى آثار سُود فى ظَهره، فقالوا : ما هذا؟ فقالوا : كان يحمل
جُرُبَ الدقيق ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة .
وعن ابن عائشة قال : قال أبى: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقَد نا
صدقة السرّ حتى مات على بن الحسين.
وعن سفيان قال: أراد على بن الحسين الخروج فى حجٍّ أو عمرة
فاتخذت له سُكَيْنة بنتُ الحسين سُفْرةً أنفقتْ عليها ألف درهم أو نحوَ
ذلك، وأرسلت بها إليه فلما كان بظهر الحَرّة أمربها فَقَسّمت
على المساكين .
(١) الجراب: وعاء من حلبه. ج جرب ( بضمتين).

- ٩٧ -
وعن سعيد بن مرجانة أنه قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال
رسول الله عَ ليه: ((من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إِرْب (١) منها إرباً
منه من النار، حتى إنه يعتق باليد اليد، وبالرِجْل الرِجْل، وبالفرْجِ الفرج».
فقال على بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبى هريرة؟ قال سعيد: نعم
فقال الغلامٍ له أفْرهَ غلمانه: ادْعُ مطرفاً. فلما قام بين يديه قال : اذهب
فأنت حر لوجه الله عز وجل (أخرجاه فى الصحيحين(٢)).
وكان عبد الله بن جعفر قد أعطى علىَّ بن الحسين بهذا الغلام الذى
أعتقه ألف دينار .
وعن محمد بن حاطب، عن على بن الحسين أنه أتاه نفر من أهل العراق
فقالوا فى أبى بكر وُمر وعثمان رضى الله عنهم. فلما فرغوا فقال(٣):
ألا تخبرونى: أنتم المهاجرون الأوّلون (الذين أُخرِ جوامن ديارهم وأموالهم
يبتغون فضلا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم
(١) الإرب : العضو .
(٢) الحديث صحيح أخرجه البخارى فى كتاب العتق وفى الكفارات .
وأخرجه مسلم فى كتاب العتق والترمذى فى كتاب النذور برقم ١٤٥١ كلهم بلفظ
يقارب ماذكره المؤلف. وأخرجه الامام أحمد فى المسندباللفظ الذى ذكره المصنف.
وغلام فاره : نشيط خفيف .
(١) كذا فى النسخ ، والأحسن: ((قال)) إذا لم نقدر معطوفاً عليه محذوفاً.
( م ٧ - صفة الصفوة)

- ٩٨ -
الصادقون (٢١)؟ قالوا: لا.قال فأنتم ((الذين تَبَّوَأُوا الدارَ والإيمانَ من قبلهم
يحبّون مَن هاجر إليهم ولا يجدون فى صُدورهم حاجة مما أُوتُوا يُؤْثُرِون
على أنفسهم ولو كانبهم خصاصة(٢))؟ قالوا. لا قال: أما أنتم فقد تبر أتم
أن تكونوا من أحد هذين الفريقين. ثم قال: أشهد أنكم لستم من
الذين قال الله (عز وجل) ((والذين جاؤا مِن بعدهم يقولون: رَّبنا اغفر لنا
ولإخواننا الذينَ سَبقونا بالإيمان ولا يجعلْ فى قلوبنا غلا للذين آمنوا(٣))
اخرُجُوا فَعَلَ الله بكم .
وقال نافع بن جبير لعلى بن الحسين: أنت سيدالناس وأفضلهم تذهب
إلى هذا العبد فتجلس معه؟ يعنى زيدبن أسلم. فقال: إنه ينبغى للعلم أن
يُتْبَع حيثما كان.
وعن ابن عائشة، عن أبيه قال : حجّ هشام بن عبد الملك قبل أن يلى
الخلافةَ فاجتهد أن يستلم الحجر فلم يمكنه . قال: وجاء على بن الحسين
فوقف له الناس وتنحوا حتى استلم . فقال الناس لهشام: من هذا؟
قال : لاأعرفه.
(١) الحشر : ٨.
(٢) الحشر : ٩ .
(٣) الحشر: ٠١٠

- ٩٩ -
فقال الفرزدق: لكنى أعرِفِه، هذا على بن الحسين(١) .
هذا التىُّ النقيُ الطاهرُ العلمُ
هذا انُ خیر عبادِ الله كلهم.
والبيتُ يعرِفِه والحِلُّ والحرَمُ
هذا الذى تَعَرفُ البطحاء وطأتَه
رُكْنُ الحطيم إذا ما جاء يَستلم
يكاد يُمسكه عِرفانَ راحِتِهِ
إلى مكارم هذا ينتهى الكرّم.
إذا رأته قريشٌ قال قائلها
أو قيل مَن خيراً هل الأرض؟ قيل: هم
إِن ◌ُدّ أهل التقَى كانوا أَعْتَهَم
هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهلَهِ يجِدّه أنبياء اللهِ قد خْتِموا
وليس قولك: من هذا؟ بضائره
الْعُرْبُ تَعَرف مَن أنكرت والعجم
يُغْضى حياءً ويُنضى مِنْ مَهَابته. ولا يكَلَّم إلّ حينَ يَتم
وعن صالح بن حسان قال: قال رجل لسعيد بن المسيّب: ما رأيتُ
أحداً أَوْرعَ من فلان . قال: هل رأيت على بن الحسين ؟ قال: لا. قال:
ما رأيت أحداً أوْرع منه .
وقال الزُّهرى: لم أرَ هاشمياً أفضل من على بن الحسين، وما رأيت
أحداً كان أفقه منه .
(١) الأبيات التالية ليست فى ديوان الفرزدق الذى نشره الصاوى. وبعضها
فى الأغانى (٢٦١/١٥ ثقافة). ونسبها أبو تمام فى حماسته (٤ ١٦٧ ش. التبريزى)
إلى الحزين الليثى . والحق أن الأبيات - أو بعضها - تنسب إلى عدة شعراء
( انظر الأغانى ٢٥٩/١٥ - ٢٦٣ وحاشية الشعر والشعراء ٦٤/١).

- ١٠٠ -
وعن طاوس قال: رأيت علىّ بن الحسين ساجداً فى الحِجْر فقلت :
رجل صالح من أهل بيتٍ طّب، لأسمَنّ ما يقول. فأصغيتُ إليه فسمعته
يقول: عُبَيْدُك بفنائِك، مسكينك بفنائك، سائِلُك بفنائك، فقيرُك
بفنائك، فو الله ما دعوتُ اللهَ بها فى كَرْبٍ إِلا كَشَف اللهُ عَنّي.
وعن أبى جعفر قال: كان على بن الحسين رحمه الله يصلى في كل
يوم وليلةٍ ألف ركعةٍ وتَهيج الريح فيسقط مغشياً عليه.
وعن عبد الغفّار بن القاسم قال : كان على بن الحسين خارجاً من المسجد
فلقيه رجل فسبه فثارت إليه العبيد والموالى فقال على بن الحسين : مهلاً
عن الرجل. ثم أقبل على الرجل فقال : ما سير عنك من أمرنا أكثر.
ألكَ حاجة نُعنيك عليها؟ فاستحيا الرجل . فألقى عليه خميصة(١) كانت
عليه وأمر له بألف درهم فكان الرجل بعد ذلك يقول : أشهد أنك من
أولاد الرسول .
وعن رجل من ولَد عمّار بن ياسر قال: كان عند على بن الحسين
قومٌ فاستعجل خادماً له بشِواء كان له فى التّور. فأقبل به الخادم مسرعاً
وسقط السفود من يده علىُ بّي لعلى أسفلَ الدّرجة فأصاب رأسه فقتله
فقال على الغلام: أنت حرٌ، لم تعمده(٢) وأخذ فى جهاز ابنه.
(١) الخميصة : كساء أسود مربع له علمان .
(٢) عمده : ضربه بالعمود . أو ضرب عمود بطنه.