Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
فطُعن معاذ فقال حين اشتد به نَزْع الموت - فنزع نزعاً لم ينزعه أحد
وكان كلما أفاق من غمرة فتح عينيه (١) ثم قال - رب اختقني خنقك،
فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي محبك (٢) .
وعن عمر بن قيس عمن حدثه عن معاذ قال ، لما حضره الموت
قال : انظروا أصبحنا ؟ قال : فأتي فقيل: لم نصبح حتى أني في بعض
ذلك فقيل له : قد أصبحت . فقال : أعوذ بالله من ليلة صباحها النار ،
مرحباً بالموت مرحباً، زائر مُغُبّ، حبيب جاء على فاقة، اللهم إني
قد كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك ، إنك لتعلم أني لم أكن أحب
الدنيا وطول البقاء فيها لكَرْي الأنهار (٢) ولا لغرس الأشجار ولكن
لظمأ الهواجر (٤) ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالرُ كتب عند
حَلَق الذِكر .
اتفق أهل التاريخ أن معاذاً رضي الله عنه مات في طاعون عمواس
(١) قط والمختصر : طرفه
(٢) قط : أني أحبك.
(٣) خفرها وإخراج طينها .
(٤) قط. لظماً في الهواجر .

٥٠٢
ناحية الأردن من الشام سنة ثماني عشرة ، واختلفوا في عمره على قولين
أحدهما ثمان وثلاثون سنة ، والثاني ثلاث وثلاثون .
وعن سعيد بن المسيب قال رُفع عيسى بن مريم وهو ان ثلاث
وثلاثين ، ومات معاذ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة .
وعن سعيد بن المسيب قال قُبض معاذ بن جبل وهو ابن ثلاث
وثلاثين أو أربع وثلاثين سنة .
٥٢ - أسيد بن حضير بن سماك بن عتبك
يكنى أبا يحيى كان من النقباء وكان أبو أسَيْد رئيس الأوس
يوم بُعاث وقتل يومئذ، وكان ابنه بعده شريفاً في الجاهلية وفي
الإِسلام، وكان يكتب بالعربية ويحسن العَوْم والرمي وكانوا في الجاهلية
يسمون من كانت فيه هذه الخصال الكامل .
أسلم أسيد على يد مصعب بن عمير قبل سعد بن معاذ بساعة ،
وشهد العقبة الأخيرة مع السبعين ولم يشهد بدراً ولكنه شهد أحداً
وجُرح يومئذ سبع جراحات، وثبت يومئذ مع رسول الله عَ ليه حين
انكشف الناس وشهد الخندق والمشاهد بعدها مع رسول الله من الله

٥٠٣
وتوفي في شعبان سنة عشرين .
غن أنس قال : كان أسيد بن حضير وعَبَّاد بن بشر عند رسول
الله عَّةٍ في ليلة ظلماء حنْدِس (١) . فتحدثا عنده حتى إذا أخرجاه
أضاءت لهما عصا أحدهما فمشيا في ضوئها . فلما تفرق بهما الطريق
أضاءت لكل واحد منهما عصاه فمشى في ضوئها ( انفرد باخراجه
البخاري (٢).)
٥٣ - سعد بن عبادة بن دليم بن حارة
يكنى أبا ثابت . أمه عمرة بنت مسعود من المبايعات . وهو
أحد النقباء . شهد العقبة مع السبعين والمشاهد كلها ماخلا بدراً فانه
تهيأ للخروج فلُدغ فأقام .
وكان جواداً، وكانت جفْنته تدور مع رسول الله عَ ل﴾ في
(١) شديدة الظلمة .
(٢) الحديث صحيح أخرجه البخاري في مناقب اسيد بن حضيروهو عند احمد
في المسند وذكره الحاكم برواية أخرى ٢٨٨/٣ وقال السيوطي في
الخصائص ٣٢١/٢ أخرجه ابن سعد والبيهقي ، أقول وأخرجه ابونعيم في
دلائل النبوة برقم ٥٠٤ بتحقيق قلمجي وعباس .

٥٠٤
بيوت أزواجه . وكان له من الولد : سعيد، ومحمد ، وعبد الرحمن ،
وأمامة ، وقيس ، ومندوس .
وكان سعد يكتب في الجاهلية بالعربية ويُحسن الرمي والعَوْمِ
وقد ذكرنا أن العرب كانت تسمي من اجتمعت هذه الأشياء (١)
فيه : الكامل .
عن محمد بن سيرين ، قال : كان أهل الصُّفّة إِذا أمسوا انطلق
الرجل بالرجل، والرجل بالرجلين ، والرجل بالخمسة . فأما سعد بن عبادة
فكان ينطلق بثمانين كلَّ ليلة .
وعن يحيى بن أبي كثير قال: كانت لرسول الله عََّله من
سعد بن عبادة جَفْنَة من ثريد في كل يوم ، تدور معه أينما دار من
نسائه. وكان إِذا انصرف من صلاة مكتوبة قال: اللهم ارزقي مالاً
أستعين به على فَمالي فانه لا يصلح الفعال إِلا المال .
وعن عروة ، عن أبيه أن سعد بن عبادة كان يدعو : اللهم
هبْ لي حمداً وهب لي مجداً، لا مجد إلا بفعال (٢)، ولا فعال إِلا
(١) قط : الخصال
(٢) الفعال ((بفتح الفاء)) الفعل الحسن.

٥٠٥
بمال ، اللهم لا يُصلحني القليل ولا أصلح عليه .
قال محمد بن سعد : توفي سعد بن عبادة بحوران من أرض
الشام لسنتين ونصف من خلافة عمر كأنه مات في سنة خمس عشرة
قال عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة : ماعُلم بموته
بالمدينة حتى سَمِع غلمانٌ، قد اقتحموا في بئر نصف السَّهار في حَرّ
شديد ، قائلاً يقول في للبئر :
نحن قتلنا سيدَ الخزرج سعد بن عبادة (١)
رَميناه بسهعين فلم تُخْطِ فؤاده (٣) ..
فذُعر الغلمان ، فَحُفظ ذلك اليوم فوجدوه اليوم لذي مات
فيه سعد، وإِنما جلس يبول في نفَق فاقتل فمات من ساعته ، فوجدوه
قد اخضرَّ جلده .
٥٤ - البراء بن معرور بن صغير بن خنساء
أحد النقباء . شهد العقبة . وله من الولد : بشير ، ومبشّر ،
وهند ، وسُلافة والرَّباب ، مبايعات . وهو أول من مات من النقباء
مات في صفر قبل قدوم رسول الله مَ ◌ّه المدينة بشهر.
(١) كلمه ((نحن)، ليست في الاستيعاب ولا في الطبقات.
(٢) في الاستيعاب: ((بسهم فلم يُخْطِ)).

٥٠٦
عن محمد بن سعد قال : كان البراء أول من تكلم من النقباء
ليلة العقبة حين لقي رسول الله عَ ليه السبعون (١) من الأنصار فبايعوه
وأخذ منهم النقباء فقام البراء حمد الله وأثنى عليه فقال: الحمد لله الذى
أكرمنا بمحمد وحبانا به فكنًا أول من أجاب ، فأجبنا الله ورسوله
وسمعنا وأطعنا . يامعشر الأوس والخزرج! قد أكرمكم الله بدينه فان
أخذتم السمع والطاعة والمؤازرة بالشكر فأطيعوا الله ورسوله . ثم جلس
رضي الله عنه .
ومن الطبقة الثانية
من المهاجرين والأنصار ممن لم يشهد بدراً وله إسلام قديم
٥٥- العباس بن عبد المطلب
ابن هاشم، أبو الفضل . أمه نُثَيلة بنت خباب (٢) وكان
أسنّ من رسول الله عَ ◌ّه بثلاث سنين. وله من الولد: الفضل،
وهو أكبر ولده وبه يُكنى، وعبد الله وهو الحَبْر، وعُبيد الله
(١) قط : السبعين .
(٢) كذا في الاستيعاب أيضاً . وفي الاصابة والطبقات : خباب .
٢

٥٠٧
وكان جواداً ، وعبد الرحمن، وقُثَم ، ومَعبد ، وحبيبة (١) وأمهم
جميعاً أم الفضل، واسمها لُبابة بنت الحارث بن حزن ، وكثير وتمَّام
وصفيّة وأميمة أمهم أم ولد ، والحارث : وأمه حجيلة بنت جُندب.
أسلم العباس قديماً وكان يكتم إِسلامه . وخرج مع المشركين
يوم بدر فقال النبي صَّةٍ: من لقي العباس فلا يقتله فانه خرج (٣)
مستكرهاً فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو ، فنادى نفسه (٣) ورجع
إلى مكة ثم أقبل إلى المدينة مهاجراً .
قال أهل السّيَر والتواريخ : جاء قوم من أهل العقبة يطلبون
رسول اللّه عَُّالمِ. فقيل لهم: هو في بيت العباس. فدخلوا عليه فقال
العباس : إِن معكم من قومكم من هو مخالف لكم من دينكم فأخفوا
أمركم حتى ينصدع هذا الحاج ونلتقي نحن وأنتم فنوضح لكم هذا
الأمر فتدخلون فيه على أمرٍ بَيْنِ. فوعده رسول الله عَّ الليلة
التي في صبيحتها النفر الآخر أن يوافيهم أسفلَ العقبة وأمرهم أن
(١) قط: وأم حبيب .
(٢) قط : أخرج
(٣) أي فداها بالمال . انظر الخير في دلائل النبوة لأبي نعيم برقم ٤٠٣ ورقم
٤١٠ بتحقيق قلعه جي وعباس .

٥٠٨
لا ينتبهوا نائماً ولا ينتظروا غاباً.
فخرج القوم تلك الليلة بعد هذه يتسالون وقد سبقهم رسول
الله عَّه ومعه العباس ليس معه غيره، وكان يثق به في أمره كله.
فلما اجتمعوا كان أول من تكلم العباس فقال :
يامعشر الخزرج - وكانت الأوس والخزرج تُدعى الخزرج -
إنكم قد دعوتم محمداً إلى مادعوتموه إليه ومحمد من أعز الناس في عشيرته
يمنعه والله من كان منا على قوله ، ومن لم يكن (١) منعه للحسب
والشرف، وقد أبى محمد الناس (٢) كلهم غيركم فان كنتم أهل قوة
وجلد وبصر (٣) بالحرب واستقلالٍ بعداوة العرب قاطبة سترميكم عن
قوسٍ واحدة فارْنَؤوا رأيكم وانتمروا أمركم ولا تفترقوا إِلا عن
اجتماع فان أحسن الحديث أصدقه ، وأخرى : صفوا لي الحرب
كيف تقاتلون عدوكم ؟
فأُسكت القوم وتكلم عبد الله بن عمرو بن حرام فقال :
(١) الطبقات: ((ومن لم يكن منا على قوله)).
(٢) صف والطبقات: ((وقد أبى محمداً الناسُ)).
(٣) قط : ونظرٍ .

٥٠٩
نحن والله أهل الحرب غُذينا بها ومرنًا (١) ورثناها عن آبائنا
كابراً فكابراً، نرمي بالنبل حتى تفنى ثم نطاعن بالرماح حتى تُكْسَرها
ثم مشي بالسيوف فنضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا
فقال العباس : هل فيكم دروع ؟ قالوا : نعم شاملة . قال البراء
ابن معرور : قد سمعنا مافلت ، إِنا والله لو كان في أنفسنا غير مانطق
به لقلناه ولكنّا بريد الوفاء والصدق وبذل مُهَج أنفسنا دون رسول
الله تٍَّ. فبايعهم رسول اللّه عٍَّ والعباسُ آخذ بيد رسول الله
صَّه يؤكد له البيعةَ تلك الليلة على الأنصار.
وعن الشعبي ، قال: انطلق الني مَّة بالعباس إلى السبعين عند
العقبة تحت الشجرة فقال العباس : ليتكلم متكلمكم ولا يطيل الخطبة ،
فإن عليكم من المشركين عيناً ، وإِن يَعلموا بكم يَفضحوكم ، فقال
قائلهم ، وهو أسعد (٢): يامحمد سَلْ لربك ماشئت، ثم سل لنفسك
ولأصحابك ماشئت، ثم أخبرنا ماليا من الثواب على الله إذا فعلنا ذلك؟
(١) الطبقات: ((وَمَرثًا عليها وورثناها .. )). يقال مَرَنَ على الشىء (من
باب قعد ) مرونا وَمَرانة : اعتاده وداومه .
(٢) هو أبو أمامة أسعد بن زراره كما في طبقات ابن سعد .

٥١٠
فقال : أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأسألكم لنفسي
ولأصحابي أن تُؤْوُونا وتَنصُرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم .
قالوا : فما لنا إِذا فعلنا ذلك ؟ قال: الجنة . قالوا: فلك ذلك (١).
وعن يزيد بن الأصم قال : لما كانت أسارى بدر فيهم العباس
فسهر في الله في ليلته فقال له بعض أصحابه مايُسهرك يانبي الله ؟
قال : أنين العباس . فقام رجل من القوم فأرخى من وثاقه . فقال
رسول الله عَ ◌ّهِ: مالي لاأسمع أنين العباس ؛ فقال رجل من القوم :
إني أرخيت من وثاقه شيئاً. قال: فافعل ذلك بالأسارى كلهم (٢).
وعن أنس بن مالك أنهم كانوا إِذا قَحطوا على عهد عمر خرج
بالعباس فاستسقى به وقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك نبينا إِذا قطنا
فتسقِينا، وإِنانتوسل إليك بعَمّ نبيّنا فاسقِنا (الفرد باخراجه البخاري)(٣)
توفي العباس يوم الجمعة لأربعَ عشرةَ خلت من رجب سنة
اثنتين وثلاثين ، في خلافة عثمان ، وهو ابن ثمانٍ وثمانين سنة . ودفن
(١) الحديث مرسل أخرجه الإمام أحمد في المسند ورجاله رجال الصحيح كما في
مجمع الزوائد ٤٨/٦
(٢) لم أجد.
(٣) الحديث صحيح أخرجه البخاري في مناقب العباس بن عبد المطلب .

٥١١
بالبقيع . والله أعلم .
٥٦ - جعفر بن أبي طالب
أمه فاطمة بنت أسد. وكان أسنّ من علي عليه السلام(١) بعشر
سنين، وله من الولد: عبد الله، وبه كان يُكنى، ومحمد ، وعون:
ولد بأرض الحبشة. أمهم أسماء بنت عميس. أسلم جعفر قديماً وهاجر
إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية ومعه امرأته أسماء . فلم يزل هنالك
حتى قدم على النبي ◌ُّه وهو بخيبر سنة سبع فقال النبي صَل:
ما أدري بأيهما أنا أفرح بقدوم جعفر أم بفتح خيبر (٣) .
أفعن أم سلمةقالت: "لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير
جار: النجاشيَّ. آمننا على دينا وعبدْنا الله لا نؤذَى. فلما بلغ ذلك
قريشاً التمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وأن يهدوا إِلى
النجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة. فجمعوا له أُدَمَا (٣)
(١) قط : كرم الله وجهه.
(٢) الحديث أخرجه الطبراني في المعجم الصغير والأوسط الكبير وفي رجال
:
الكبير أنس بن سلم ولم أعرفه كما في مجمع الزوائد ٢٧٢/٩
(٣) الأدم : الجلد وهو اسم جمع . ويطلق أيضاً على نوعٍ من التمر الجيد
يسمى (البَرْتيْ)

٥١٢
كثيراً ولم يتركوا من بطارقته بِطريقاً إِلا أهدوا له (١) هدية. ثم
بثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وعمرو بن العاص ، وقالوا
لهما ادفعا إِلى كل بطريقٍ هديته قبل أن تكلموا النجاشيّ فيهم ، ثم
قدّموا إلى النجاشي هداياه ثم سَكوه أن يُسْلمهم إليكم قبل أن يكلمهم.
فخرجا فقدِما على النجاشي فدفعا إِلى كل بطريقٍ هديته وقالا :
إنه قد سبأ إلى بلدكم(٢) منا غلمانٌ سفهاء فارَقوا دين قومهم ولم يدخلوا
في دينكم وجاؤوا بدين مبتدَع، وقد بمَتنا إلى الملك فيهم أشرافُ
قومهم ليردّم إليهم ، فاذا كلَّمْنا الملكَ فيهم فأشيروا على الملك بأن
يُسْلمهم إِلينا ولا يكلمهم فان قومهم أعلى بهم عيناً. فقالوا : نعم .
ثم قرْبوا (٢) حدايام إلى النجاشي فقبلها منهم ثم كمّاه فقالا له:
أيها الملك إِنه قد صباً إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم
يدخلوا في دينك وجاؤوا بدين مبتدَع لانعرفه نحن ولا أنت ، وقد
(١) قط: ((إليه)). والبطارقة: يراد بهم الوزراء، جمع بطريق، ومعناه
في الأصل: الحاذق بالحرب وأمورها بلغة الروم ، وهو ذو منصب وتقدم عنده
(٢) قط وسيرة ابن هشام (١) ٣٥٧ محي الدين ): بلد الملك. وفي السيرة
(((صنوى)) بدل ((صبأ)، أي أوى ولجأ .
(٣) قط: ((قربا)). وفي السيرة: ((قدَما هدياهما)).

م - ٣٣
٥١٣
ج ١
بشَنا إِليك فيهم أشرافُ قومهم من آبأهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّه
إليهم فهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم. فقالت بطارقته: صدقوا
فأسِلِمْهم إليها.
فغضب النجاشيّ ثم قال: لا، هَيْمُ اللهِ (١) إِذَاَ لاأُسْلمهم
إليهما (٢) ولا أكاد (٣) قوماً باوروني، نزلوا بلادي واختاروني على
مَن سواي حتى أدعوم فأسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم ؟ فان
كانوا كما يقولان (٤) سلمتهم اليها وان كانوا على غير ذلك منعتهم منها (٥)
وأحسنت جوارم ماجاوروني .
قال: ثم أرسل الى أصحاب رسول الله تَ ◌ٍّ فدعام فلما أن
جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض : ماتقولون للرجل إِذا
(١) هيم اللّه: من ألفاظ القسم، وله صور كثيرة، وهو كقولهم: ((وايمُ
اللّه)). وفي السيرة: ((لا، ها الله)). وهو قسم أيضاً. وفي المطبوع
((هايم الله)) تحريف. والتصحيح من القاموس المحيط (يمن).
(٢) قط: إليكا .
(٣) كادّه يكيده : خدعه ومكر به . وقد يقال في المضارع : يكاد .
ورواية سيرة ابن هشام (٣٥٨/١): ((ولا يُكاد قوم .. ))
(٤) صف : تقولون .
(٥) صف : منهم.

%
٥١٤
جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرَ نا به نبينا فَ لله، كأن
في ذلك ماهو كان . فلما جاؤوه ، وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا
مصاحفهم(١) حوله ، سألهم فقال: ماهذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم
ولم تدخلوا في ديني ولا في دينٍ آخر من هذه الأم ؟.
قالت : وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها
الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش
ونقطع الأرحام ونُسيء الجوار ، يأكل القويُ الضعيفَ فَكنا على
ذلك حتى بعث الله عز وجل الينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه
وأمانته وعفافه ، فدغانا إلى الله عز وجل لنوحّده ونعبده ونخلع
ماكنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمر نا
بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار وكفٍ عن
المحارم والدماء . ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم
وقذف المحصنة. وأمر نا أن نعبد الله لانشرك به شيئاً ، وأمرنا
بالصلاة والزكاة والصيام فصدّقناه وآمنًا به فعبدنا الله عز وجل وحده
فلم نشرك (٢) به شيئاً، وحرَّمنا ماحرَّم علينا وأحللنا ما أحلَّ لنا فعدا
(١) أي صحفهم وكتبهم .
(٢) قط: لا نشرك. والحلية (١ ١١٦) ولا نشرك .

٥١٥
علينا قومُنا فعذّبونا وفَتنونا على ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان.
وأن نستحلّ ماكنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشَقوا
علينا (١) وحالوا بيننا وبين قومنا (٢) خرجنا إلى بلدك فاخترناك على مَن
سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك .
قالت : فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله عن
وجل شيء ؟ قالت : فقال له جعفر: نعم . قال : فاقرأه على . فقرأ
عليه صدراً من ( كهيعص) (٣) فبكى واللهِ النجاشيُ حتى أخْضَل
لحِيتَه(٤) وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم . ثم قال النجاشي :
إِن هذا والذي جاء به موسى لَيخرجُ من مشكاةٍ واحدة ، انطلقا
فوالله لا أسلمهم اليكم أبداً .
قالت: فلما خرَجا(٥) من عنده قال عمرو بن العاص: والله
لآبينه غداً أعيبهم عنده ما استأصل به خَضْراء(٦). فقال له عبدالله
(١) أثقلوا، من المشقة وهي الشدة. وفي الحلية والسيرة: وضيقوا علينا
(٢) قط والحلية والسبرة : ديننا .
(٣) هي سورة مريم .
(٤) بلّلها بالدموع .. وفي ق ، وفي بعض النسخ: اخضلت لحيته .
(٥) في المطبوع: ((خرجنا)) تحريف .
(٦) أي أصلهم الذي منه تفرعوا . أو : جماعتهم ومعظمهم .

٥١٦
ابن أبي ربيعة وكان أنقى الرجلين فينا : لانفعل فان لهم أرحامً .
فقال: والله لأخبرنه أنهم(١) يزعمون أن عيسى بن مريم عَبْد.
قالت : ثم غدا عليه من الغد(٢) فقال له : أيها الملك إِنهم
يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً فأرسل اليهم فاسألهم عما
يقولون فيه .
قالت : فأرسلَ اليهم يسألهم(٣) عنه. قالت : ولم ينزل بنا
مثلها . فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض : ماذا تقولون في عيسى إِذا
سألكم عنه ؟ قالوا : نقول والله فيه ماقال فيه الله عز وجل وما جاء
به نبينا ، كان(٤) في ذلك ما هو كان.
فلما دخلوا عليه قال لهم : ماتقولون في عيسى بن مريم ؟ قال
له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به بينا مَّ﴾، هو
عبد الله وروحه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . قال:
(١) في المطبوع: ((أنه أنهم، والتصحيح من سيرة ابن هشام (٣٦٠/١)
(٢) كلمة ((من))ساقطة من المطبوع. والتصحيح من السيرة
(٣) قط: ((فسألهم)). السيرة: ((ليسألهم)).
(٤) في السيرة : كائناً .

٥١٧
فضرب النجاشي يده الى الأرض فأخذ منها عودًاً ثم قال : ما عدا
عيسى بنُ مريم ماقلت هذا العودَ (١). ثم قال: اذهبوا فأنتم سُيوم(١)
بأرضي - والسُّيوم: الآمنون - مَن سبتكم غَرِمِ، ثم مَن سبكم
غَرِمِ ، ثم مَن سبكم غرمَ، ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها،
فوالله ما أخذ الله مني الرشوةَ حين ردّ عليَّ مُلكي ( رواه الإِمام
أحمد بن حنبل رضي الله عنه(٣) ).
وعن أبي بُردة(٤)، عن أبيه قال: أمرنا رسول الله عَ لّ أن
تنطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي فبلغ ذلك قريشاً
فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا النجاشي هدية فأتياه
(١) كذا جاءت العبارة أيضاً في سيرة ابن هشام (١ / ٣٦٠) وقال محققها
محي الدين عبد الحميد في الهامش: ((قال أبو ذر : تقديره : ما جاوز
مقدار هذا العود أو قدر هذا العود )» .
ورواية الحلية (١ / ١١٥): ((مايزيد هؤلاء على ما تقولون
في ابن مريم مازن هذه » .
٠
(٢) النهاية: ((امكثوا فأتم سُيُوم)) أي آمنون. وهي كلمة حبشية تُضَمّ
سينها . وقد تفتح .
(٣) الخبر صحيح أخرجه الإمام أحمد في المسند والطبراني من طريقه ابن اسحق
وقد صرح بالسماع، وانظر الخبر في سيرة ابن هشام ٣٥٧/١ وما بعدها .
(٤) أبو بردة بن أبي موسى الأشعري. مات سنة (١٠٤) هـ .

٥١٨
بها فقبلها . ثم قالا: إِن ناساً من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في
في أرض الملك . فبعث إلينا فقال لنا جعفر : لا يتكلم منكم أحد ،
أنا خطيبكم اليوم. فلما انتهينا بَدَرَنا (١) مَن عنده فقال: اسجدوا
الملك فقال جعفر: لا نسجد إلا لله. فذكر نحو الحديث المتقدم .
فقال النجاشي : مرحباً بكم وبمن جثّم من عنده ، وأنا أشهد أنه
رسول الله وأنه بشر به عيسى عليه السلام، ولولا ما أنا فيه من الملك
لأييته حتى أُقبّل نعله .
وعن عُمير بن إسحق قال : حدثني عمرو بن العاص قال: لما
أتينا باب النجاشي ناديت : ائذن لعمرو بن العاص. فنادى جعفر من
خلفي : ائذن لحزب الله . فسمع صوته فأذن له قبلي .
وعن أبي هريرة قال: كان جعفر يحب المساكين ويجلس اليهم
ويحدثهم ويحدثونه وكان رسول الله عنّ يّ يسميه أبا المساكين(٢).
ذكر وفاة رضي الأرعنه:
قُتل جعفر بن أبي طالب بمؤتة سنة ثمانٍ من الهجرة .
(١) مجيل الينا واستبق مبادراً .
(٢) الحديث صحيح أخرجه البخاري في فضائل جعفر والترمذي في فضائل
جعفر برقم ٣٧٧٠ وابن ماجه في الزهد .

٥١٩
عن ابن عمر قال : وجدنا(١) فيما أقبل من بدن جعفر ما بين
منكبيه تسعين ضربةً مابين طعنة برمح وضربه بسيف .
وعن أنس بن مالك أن التي فُِّّه فى جعفراً وزيداً. نعاهما
قبل أن يجيء خبرهما(٢) وعيناه تذرفان(٣).
٥٧ - أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب
إن هاشم رضي الله عنه
واسمه المغيرة. وكان أنا رسول الله (٤) عنت اليه من الرضاعة
أرضعته حليمة أياماً وكان مِرْبَ رسول الله عَ لّه يألفه(٥) إِلفاً شديداً
فلما بُعث رسول الله عَّي عاداه وهجاه وهجا أصحابه وكان شاعراً.
فلما كان عام الفتح ألقى (٦) الله في قلبه الاسلام خرج متنكراً
(١) في المطبوع: ((وجد)) والتصحيح من الحلية (١ / ١١٧ - ١١٨).
(٢) صف: ((نعام قبل أن يجيء خبرم نعام)).
(٣) الحديث صحيح أخرجه البخاري في غزوة تبوك .
(٤) قط : لرسول اللّه.
(٥) قط: وكان يود رسول اللّه ويألفه .
(٦) قط: ((أوقر)).

٥٢٠
فتصدى لرسول الله عَليه فأعرض عنه فتحول الى الجانب الآخر
فأعرض عنه . قال فقلت : أنا مقتول قبل أن أصل اليه ، فأسلمت
وخرجت معه حتى شهدت فتح مكة وحُنيناً . فلما لقينا العدو بحنين
اقتحمتُ عن فرسي وبيدي السيف صَلْتًا والله يعلم أني أريد الموت
دونه وهو ينظر إلي . فقال العباس : يارسول الله أخوك وابن عمك
أبو سفيان فارضَ عنه. فقال: (( قد فعلت ، فغفر الله له كل عداوة
عادانيها)). ثم التفت إلي فقال: ((أخي لعمري)). فقبّلت رجله
في الركاب(١) .
وعن أبي اسحق قال : لما حضر أبا سفيان بن الحارث الوفاة قال
لأهله : لا تبكوا علي فاني لم أنطق بخطيئه(٢) منذ أسلمت.
قال أهل السير : مات أبو سفيان بن الحارث بعد أن استُخلف
(١) الحديث لم أجده وأخرج الطبراني في الكبير والأوسط بإسناد حسن قوله
عليه السلام ((أن أبا سفيان خير أهلي أو من خير أهلي)).
(٢) أنتطق الرجل : شدّ النطاق على وسطه . وهو هنا مجاز، أي لم
يرتكب فاحشة .