Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
وعن عطاء بن يسار: قال موسى عليه السلام: يارب مَن أهلك
الذين هم أهلك ، الذين نظلتهم في عرشك ؟ قال : م البريئة أيديهم،
الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذُكرت ذُكروا
وإِذا ◌ُذُكروا ذُكرت نذكرهم، الذين يسبغون الوضوء في المكاره،
ينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها ، ويكلفون بحي
كما يكلف الصبي بحب الناس ويغضبون لمحارمي إِذا استُحلّت كما
يغضب النمر إِذا حّرّبَ .
وعن وهب بن منَبّه(١) قال: لما بعث الله موسى وأخاه هارون
إلى فرعون قال : لا تعجبنّكما زينته ولا ما مُتّع به، ولا تمدّا إِلى
ذلك أعينكا فانها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين ، ولو شئت أن.
أزينكا من الدنيا بزينة، ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز
= إنساناً، فاختصموا إلى النبي صَّ؛ فقال رسول الله: ((القصاص القصاص))
فقالت أم الربيع : يارسول اللّه أيقتص من فلانة ؟! والله لا يقتص منها ،
فقال النبي سبحان الله يا أم الربيع، القصاص كتاب اللّه، قالت والله
لا يقتص منها أبداً ، قال : فما زالت حتى قبلوا الدية ، فقال رسول الله
(( ان من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) - انظر صحيح مسلم باب
ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره .
(١) وهب بن منبه الصنعاني: تابي، مؤرخ، كثير الاخبار عن الكتب القديمة
وأساطير الأولين ( - ١٤ هـ ) .

٤٢
عن مثل ما أوتيتما ، لفعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه(١)
عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي. وقديماً خِرت(٢) لهم فاني لأذودم
عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة .
وإني لأجنّبهم ساوتها وعيشتها كما يجنب الراعي الشفيق إِبله عن مبارك
العُرّةَ(٣) وما ذاك لهوانهم علي، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي
سالماً موفّراً لم تكلمه الدنيا ، ولم يُطغه الهوى .
واعلم(٤) أنه لم يتزين العباد بزينة أبلغ فيما عندي من الزهد في
الدنيا ، فانها زينة المتقين ، عليهم منها لباس يُعرفون به من السكينة
والخشوع ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، أولئك هم أوليائي
حقاً حقاً فاذا لقيتَهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك
واعلم أنه من أهان لي ولياً أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وباراني ،
وعرض لي نفسه ودعاني اليها وأنا أسرع شيء الى نصرة أوليائي ،
أفيظن الذي يحاربى أن يقوم لي؟ أو يظن الذي يماديني أن يعجزني؟
(١) أطويه وأصرفه .
(٢) خار الله لفلانٍ في الامر: جعل له فيه خيراً .
(٣) أي مواضع القذر وما أشبهه، والصواب حذف ((عن)).
(٤) كذا، والصواب: ((واعلما)، لأن الخطاب لموسى وهارون . وكذا قوله
بعد قليل: ((واعلم أنه من أهان ... )).

٤٣
أو يظن الذي يبارزني أن يسبقنى أو يفوتني؟ وكيف، وأنا الثائر
لهم في الدنيا والآخرة ، لا أكل نصرتهم إلى غيري .
وعنه (١) قال: قال الحواريون ياعيسى! من أولياء الله الذين
لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ؟ فقال عيسى عليه السلام: الذين نظروا
إلى باطن الدنيا حين نظر الناس الى ظاهرها والذين نظروا إلى آجل
الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها فأماتوا منها ماخشُوا أن يميّهم ،
وتركوا ما علموا أنْ سيتركهم ، فصار استكثارم منها استقلالاً ،
وذَكرهم إياها فوائاً ، وفرحهم بما أصابوا منها حزناً فما عارضهم من
نائلها رفضوه، أو من رفعتها بغير الحق وضعوه . خلقت الدنيا
عندهم فليسوا يجددونها ، وخربت بينهم فليسوا يعمرونها، وماتت في
صدورم فليسوا محيونها ، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ، ويبيعونها
فيشترون بها ما يبقى لهم ، رفضوها وكانوا برفضها فرحين ، وباعوها
ببيعها رايحين، نظروا إلى أهلها صرعى قد حلّت بهم المَثُلات(٢)
فأحيوا ذكر الموت وأمانوا ذكر الحياة، يحبون الله ويحبون ذكره
ويستضيئون بنوره لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب . بهم قام
(١) أي عن وهب بن منبه ، كما في : قط .
(٢) في قط: خلت فيهم المثلات، و (المَثُلات ) بفتح الميم وضم الثاء :
مفردها مَثْلة ، وهي العقوبة .

٤٤
الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا ، وبهم علم الكتاب
وبه علموا ، فليسوا يرون نائلاً مع مانالوا، ولا أماناً دون مايرجون،
ولا خوفاً دون ما يحذرون . رواه الامام أحمد (١).
(١) هذان الخبران هما من الاسرائيليات، وان مايروى عن كعب الأحبار
ووهب بن منبه - وهما تابعيان - وأمثالهما ممن يروى الاسرائيليات سواء
رواه الصحابة أو غيرهم ليس من الحديث النبوي وإنما هو أخبار اسرائيلية
نقلها هؤلاء عن أهل الكتاب .
وقد أخبر الله عن أهل الكتاب أنهم غيروا في كتبهم وبدلوا، فامتزج
الحق فيها بالباطل ، والصدق بالكذب ، ومن أجل ذلك كان موقف
الصحابة إزاء مايروى عن هذه الاسرائيليات آ - أنهم صدقوا منها ماوافق
القرآن أو السنة ، لأن هذه الموافقة دليل على أن الموافق لم تنله يد
التحريف . ب - وكذبوا منها ماناقض القرآن والسنة ، لأن هذه المناقضة
دليل على أن ذلك قد امتدت اليه يد التحريف . جـ - أما مالا يصدقه
الاسلام ولا يكذبه ، ويحتمل أن يكون أو لا يكون ، فانهم كانوا
لا يصدقونه ولا يكذبوته عملاً بما رواه البخاري عن أبي هريرة قال : كان
أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الاسلام
فقال رسول الله ((لا تصدفوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا
بما أنزل الينا وما أنزل إليكم ... الآية)) وعملاً بما رواه ابن عبد البر عن
عطاء بن يسار قال : كانت يهود يحدثون أصحاب النبي ، فيسبحون ، كأنهم
يتعجبون، فقال رسول الله ((لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي
أنزل الينا وما أنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون)) .
فينبغي علينا أن نتلقى الاسرائيليات كما كان يتلقاها أصحاب رسول الله
يعرضونها على شريعة الله فما وافق أخذوا به ، وما ناقض نبذوه ، وما لم
يوافق ولم يناقض ويحتمل صدقه كما يحتمل كذبه لم يصدقوه ولم يكذبوه .
٢

٤٥
وعن كعب(١) قال: (( لم يزل في الأرض بعد نوح عليه السلام
أربعةَ عشر يُدفعَ بهم المذاب)) رواه الامام أحمد .
وعن ابن عيينة(٢) قال: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة . قال
محمد بن يونس(٣) مارأيت للقلب أنفع من ذكر الصالحين.
(١) هو كعب الأحبار وقد مرت ترجمته .
(٢) هو سفيان بن عيينة، محمدث الحرم المكي ، كان حافظاً ثقة واسع العلم
( - ١٩٨ هـ ) .
(٣) لعله محمد بن يونس ، عماد الدين الموصلي ، امام وقته في فقه الشافعية ،
وهو معاصر لابن الجوزي ( - ٦٠٨ هـ ) وكان ذا فضائل كثيرة .

٤٦
- ١ -
باب ذكر نبينا محمد عواد
وذكر نسبـ
عن عمر بن حفص السَّدوسي قال : هو محمد بن عبد الله بن
عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مُرّة
ابن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة
ابن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار ، وأم رسول الله
مَّ، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب بن مُرّة.
قلت : وأما نزار فهو ابن معدّ بن أدّ بن أُدَد بن الحميسع بن
حمل بن النبت ين قيدار بن اسماعيل بن ابراهيم الخليل عليه السلام .
ذكر طهارة آباء وشرفهم
عن وائلة بن الأسقع أن الني مَ ◌ّي؟ قال: ان الله عز وجل

٤٧
اصطفى من ولد ابراهيم : اسمعيل ، واصطفى من بني اسمعيل : كنانة
واصطفى من بني كنانة : قريشًاً ، واصطفى من قريش : بني هاشم ،
واصطفاني من بني هاشم (١).
ذكر تزويج عبد اللّهبن عبد المطلب
آمنة بنت وهب
كان عبد المطلب قد خطب آمنة لابنه عبد الله ، فزوجها إِياه
فبقي معها مدة وجرت له قصة قبل حملها برسول الله
: 8
عن أبي فياض الختعمي ، قال(٣): مرّ عبد الله بن عبد المطلب
بامرأة من خَثم يقال لها ((فاطمة بنت مرّ))، وكانت من أجمل
الناس(٣) وأشبّه وأعفّه، وكانت قد قرأت الكتب ، وكان شباب
قريش يتحدثون إليها فرأت نور النبوة وفي وجه عبد الله فقالت :
(١) الذي في مسلم ((ان الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشاً من
كنانه ... )) الحديث - انظر صحيح مسلم كتاب الفضائل ، والحديث
أخرجه أيضاً الترمذي (٤ / ٢٩٢) وصححه .
(٢) تفضيل الخبر في سير ابن هشام (١ / ١٦٨) والروض الأنف.
(٣ في الروض الأنف: من أجمل النساء. وذكر أنها تدعى رقية بنت نوفل،
وهي أخت ورقة . وكذا في سيرة ابن هشام . وقيل أنها ليلى العدوية .

٤٨
يافتى : من أنت ؟ فأخبرها . فقالت : هل لك أن تقع علىْ وأعطيك
مائة من الإبل ؟ فنظر إليها وقال :
والحِلّ لا حلٌ فأستبينه
أما الحرام فالمات دونه
فكيف بالأمر الذي تنوينه
ثم مضى إلى امرأته آمنة فكان معها .
ثم ذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه فأقبل إليها فلم يرَ
منها من الاقبال عليه آخراً كما رآه منها أولاً ، فقال : هل لك فيما
قلت لي ؟ فقالت: ((قد كان ذلك مرةً فاليوم لا))، فذهبت مثلا.
وقالت أي " شيء صنعت بعدي؟ قال: وقعت على زوجتي آمنة بنت
وهب . قالت: والله إني لست بصاحبة زينة ولكني رأيت نور النبوة
في وجهك فأردت أن يكون ذلك في ، فأبى الله إلا أن يجعله حيث
جمله .
وبلغ شباب قريش ماعرضت على عبد الله بن عبد المطلب
وتأبّيه لها فذكروا ذلك لها فأنشأت تقول :
إني رأيت مَخيلةٌ عَرضت
فتلالاتْ بحناِ القَطْرُ(١)
(١) الأبيات في الروض الأنف (١ / ١٠٥)، وطبقات ابن سعد وتاريخ
الطبري (٢ / ٢٤٥)، مع خلاف في رواية بعض الكلمات.

م ٤
٤٩
ج ١
ما حوله كاضاءة الفجر(١)
فلمائها نور يضيء له
ما كلّ قادحٍ زَنده يُوري
فرأيته شرفاً أبوه به
ثوبيك ماسلبت وما تدري(٢)
لله ما زُهْرية سلبت
وقالت أيضاً(٣):
بني هاشم ما غادرت من أخيكم
كما غادر المصباحُ بعد خبوه
وماكلّ ما يحوي الفتى من تلاده
فأجمل إِذا طالبتَ أمراً فانه
أمينةُ إِذْ للباه يمتلجان
فتائلَ قد مِيثت له بدهان(٤)
لحزمٍ ولا ما فاته التّواني
سيكفيكه جَدّان يصطرعان
وإما يد مبسوطة ببنان(٥)
◌َبًا بصري عنه وكَلَّ لساني
سيكفيڪه إِما يد مقفعلّة
ولما قضت منه أمينة ماقضت
وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أن هذه المرأة من بي
= الحناتم : جمع حتتم ، وهو السحاب .
(١) في الروض الأنف وغيره: ((فلمأثها نوراً)) أي أبصرتها. والبيت في
اللسان ( أ ) .
(٢) ويروى: ما استلبتْ .
(٣) الأبيات في تاريخ الطبري ٢ / ٠٢٤٥
(٤) مات الشيء في الماء : أذابه .
(٥) اقفعلّت يده : تشنجت وتقبضّت .

أسد بن عبد العزى وهي أخت ورقة بن نوفل وكذلك قال [ ابن ]
اسحق وقال هي أم قتال . وقال عروه في آخرين : هي قتيلة بنت
نوفل ، أخت ورقة .
وروى جرير بن حازم عن أبي يزيد المدائني : أن عبد الله لما
من على الخثعمية رأت بين عينيه نوراً ساطعاً إلى السماء ، فقالت: هل
لك فيّ قال: نعم ، حتى أرمي الجمرة . فانطلق فرمى الجمرة ، ثم أتى
امرأته آمنه. ثم ذكر الخثعمية فأناها فقالت: هل أنيت امرأة بعدي؟
قال : نعم، آمنة . قالت فلا حاجة لي فيك ، إِنك مررتَ وبين
عينيك نور ساطع الى السماء ، فلما وقعتَ عليها ذهب فأخبِرْها أنها
حملت بخير أهل الأرض .
ذكر محمل آمنة برسول اللّه
روى يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة عن عمته قالت :
كنا نسمع أن آمنة لما حملت برسول الله مي كانت تقول: ماشعرت
أني حملت ولا وجدت له ثقلاً كما تجد النساء إلا أني أنكرت
رفع حيضي وأنافي آتٍ وأنا بين النوم واليقظة فقال : هل شعرت
٠

٥١
أنك حملت ؛ فكأني أقول : ما أدري . فقال: إِنك قد حملت بسيد
هذه الأمة ونيها ، وذلك يوم الاثنين . قالت : فكان ذلك مما يقّن
عندي الحمل . فلما دنت ولادتي أناني ذلك الآتي فقال : قولي أعيذه
بالواحد الصمد من شركل حاسد .
ذكر وفاة عبد اللّـه
قال محمد بن كعب : خرج عبد الله بن عبد المطلب في تجارة
الى الشام مع جماعه من قريش ، فلما رجعوا مروا بالمدينة وعبد الله
مريض فقال : أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار . فقام عندهم
شهراً ومضى أصحابه فقدموا مكة ، فأخبروا عبد المطلب فبعث اليه
ولده الحارث فوجده قد توفي ودُفن في دار النابغة وهو رجل من
بني عدي ، فرجع إلى أبيه فأخبره فوجد عليه وجداً شديداً ورسول
الله عَّ يومئذ حمل . ولعبد الله يوم توفي خمس وعشرون سنة .
وقد روي عن عوانة بن الحكم أن عبد الله توفي بعد ما أتى
على رسول الله مَ ي ثمانية وعشرون شهراً، وقيل سبعة أشهر.
والقول الأول أصح، وأن رسول الله عنتري كان حملاً يومئذ، وترك

٥٢
عبد الله أم أيمن وخمسة أجمال وقطعة غم فورث رسول الله عَ لي ذلك
وكانت أم أيمن تحتضنُه .
ذكر مولد رسول اللّه
اتفقوا على أن رسول الله عَّ ي ولد يوم الاثنين في شهر ربيع
الأول عام الفيل . واختلفوا فيما مضى من ذلك الشهر لولادته على
أربعة أقوال - أحدها : أنه ولد لليلتين خلتا منه ، والثاني : لثمان
خلَون منه ، والثالث : لعشر خلون منه ، والرابع : لاثنتي عشرة
خلت منه .
وروى محمد بن سعد عن جماعة من أهل العلم أن آمنة قالت :
لقد علقتُ به فما وجدت له مشقة ، وأنه لما فُصل عنها خرج له
نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب ووقع الى الارض معتمداً على يديه.
وقال عكرمة : لما ولدته وضعته بُرمة (١) فانقلعت عنه، قالت:
فنظرت إليه فاذا هو قد شق بصره ينظر الى السماء .
وقال العباس بن عبد المطلب: ولد رسول الله عَّ ٣مل مختوناً
(١) البُرمة: القدر من الحجر . وفي قط : فانقلقت.

٥٣
مسروراً ، فأعجب ذلك عبد المطلب وحظي عنده وقال : ليكونّن
لا بي هذا شأن من شأن فكان له شأن .
وروى يزيد بن عبد الله بن وهب عن عمته : أن آمنة لما
وضعت رسول مي أرسلت إلى عبد المطلب، فجاءه البشير وهو
جالس في الحجر (١)، فأخبره أن آمنة ولدت غلاماً، فسرّ بذلك وقام
هو ومن معه فدخل عليها فأخبرته بكل مارأت وما قيل لها وما أمرت
به فأخذه عبد المطلب فأدخله الكمية وقام عندها يدعو الله ويشكر
ما أعطاه ـ وروي أنه قال يومئذ -
هذا الغلام الطيب الأردان(٢)
الحمد لله الذي أعطاني
أعيذه بالله ذي الأركان
قد ساد في المهد على الغلمان
أعيذه من شر ذي شنآن(٣)
حتى أراه بالغ البنيان
من حاسد مضطرب العيان
وفي حديث العباس بن عبد المطلب أنه قال : يارسول الله إني
(١) في الأصل حجر (تصحيف). والحجر: اسم الحائط المستدير الى جانب
الكعبة الغربي ( النهاية لابن الأثير ) .
(٢) طيب الأردان: كناية عن العفّة والنقاء. والرُدْن: مقدم كم القميص
أو أسفله .
(٣) الشنآن : البغضاء

٥٤
أريد أن أمتدحك . قال : قل لا يَفضُض الله فاك : فأنشأ يقول :
مستودعٍ حيث يخصف الورق
من قبلها طِبْتَ في الظّلال وفي
أنت ولا مضغة ولا علق
ثم هبطتَ البلادَ لا بَشَر
ألجم نسراً وأهله الغرق
بل نطفة تركَب السفين وقد
إِذا مضى عالم بدا طبق
تنقل من صالب الى رحم
خندفَ علياءَ تحتها النطق
حتي احتوى بيتك المهيمن من
وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء ، وفي النور ، وسُبْلِ الرشاد نخترق
ذكر أسماء رسول اللّه
صَلىالله
وسيادة
عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : قال رسول الله
عَّ : لي خمسة أسماء، أنا محمد وأحمد وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر
وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب - رواه البخاري
(١)
ومسلم(١).
(١) الحديث المذكور هو رواية البخاري في كتاب الفضائل ، باب ما جاء في
أسماء رسول صَّة، وأخرجه أيضاً مسلم في صحيحه كتاب الفضائل،

٥٥
وفي أفراد مسلم (١) من حديث أبي موسى قال سمّى لنا رسول
اللّه مَّ نفسه فقال: أنا محمد وأحمد والمقفّي والماحي والحاشر وفي
التوبة والمَلْحَمة(٢) - وفي لفظ ني الرحمة -
وقد ذكر أبو الحسين بن فارس اللغوي أن لنبينا صَّ الي ثلاثة
وعشرين اسماً، محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب والمقفي وفي
الرحمة ونبي التوبة والملحمة والشاهد والمبشر والبشير والنذير والسراج
المنير والضحوك والقتّال والمتوكل والفاتح والأمين والخاتم والمصطفى
والنبي والرسول ، والأمي، والقُثَم .
= باب في أسمائه عِبَّ له باختلاف يسير قال صَّ له ان لي أسماء ... الحديث
وزاد في آخره ((الذي ليس بعده أحمد، وقد سماه الله رءوفاً رحيما))
وفي دلائل النبوة لأبي نعيم ص ٢٦ ((وأنا العاقب الذي لا نبي بعدهُ)).
(١) الحديث في صحيح مسلم كتاب الفضائل باب في أسئه عنّ له بلفظ ((كان
رسول اللّه عَّ الل يسمي لنا نفسه)) والذي في الصحيح أيضاً ((وني التوبة
والرحمة )) وقد أشار النووي الى الرواية الثامنة في شرحه لصحيح مسلم
(( ١٥ / ١٠٦ )).
قال العلماء : وإنما اقتصر على هذه الاسماء مع أنه له أسماء غيرها لأنها
موجودة في الكتب المتقدمة ، وموجودة للائم السابقة .
(٢) يعني في القتال، وهو كقوله أيضاً: بُعثت بالسيف. والملحمة: الحرب
وموضع القتال ، جمع ملاحم . ( النهاية لابن الأثير = لحم ) .

٥٦
والماحي : الذي يُمحى به الكفر، والحاشر : الذي يحشر
الناس على قدميه أي يقدمهم وم خلفه، والعاقب: آخر الأنبياء ،
والمقفي : بمعنى العاقب لأنه تبع الأنبياء، وكل شيء تبع شيئاً فقد
قفّاه . والملاحم : الحروب والضحوك: صفته في التوراة . قال ابن
فارس : وإِنما قيل له الضحوك لأنه كان طيب النفس فكها ، وقال :
إني لأمزح(١).
( والقُثَم) من معنين: أحدهما من القَثْم وهو الإِعطاء ،
يقال قَثَم له من العطاء يقثم إذا أعطاه . وكان عليه السلام أجود
بالخير من الريح الهبابة والثاني: من القَشْم الذي هو الجمع يقال للرجل
الجموع للخير قَوم وقُثّم والله أعلم(٢) .
ذكر من أرضه.
قالت برّة بنت أبي تجرأة: أول من أرضع رسول الله عَ ل﴾
(١) الحديث ((إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً)) أخرجه الطبراني في الكبير عن
ابن عمر والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن أنس . وفي مسند أحمد
وسنن الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً (( إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً)
(٢) في النهاية : القلم : المجتمع الخَلْق، أو الجامع الكامل ، أو الجَموع
للخير . وقيل معدول عن قائم ، وهو الكثير العطاء .
١

٥٧
ثُوبية بلبن ابنٍ لها ، يقال له مسروح ، أياماً قبل أن ◌ُقدِمٍ حليمة.
وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب ، وأرضعت بعده سلمة
ابن عبد الأسد ، ثم أرضعته حليمة بنت عبد الله السعدية .
وعن حليمة ابنة الحارث أم رسول الله وهي التي أرضعته،
السعدية ، قالت خرجت في نسوةٍ من بي سعد بن بكر بن هوازن
تلتمس الرضاء بمكة فرجت على أنان لي قَمْراء(١) قد أدَمَّتْ
بالرَّ كْب (٢) قالت: وخرجنا في سنة شهباء(٣) لم تبق لنا شيئاً أنا
وزوجي الحارث بن عبد العزّى ، وقالت : ومعنا شارف(٤) لنا والله
إِنْ تبض(9) علينا بقطرة من لبن ، وسي صبي لنا والله ما ننام ليلنا
من بكانه ما في نديي لبنٍ يغنيه ولا في شارِقنا من لبنٍ يغذّيه ، إلا
(١) أي لونها الى الخضرة، أو بياض فيه كدرة ، والحمار أقر .
(٢) أدمت بالركب : أي حبسته بتأخرها عنه لشدة عنائها وتعبها وضعفها
وهزالها حتى شق ذلك عليهم ( كذا في السيرة الحلبية ١ / ٩٩ ) وفي
دلائل النبوة لأبي نعيم ١١٢ (( ما ان تلحق الحمر ضعفاً)).
(٣) يريد بها سنة الجدب والقحط، لأن الأرض حينئذ تصبح بيضاء
لا نبات فيها .
(٤) الشارف : المسنّة من النوق .
(٥) أي ما تقطر ولا ترشح. و (إنْ) نافية بمعنى ( ما ).

٥٨
أنّا نرجو الخصب والفرج. فلما قدمنا مكة لم تبق منا امرأة إلا
عرض عليها رسول الله عَّ ي فتأباه، وانما كنا نرجو الكرامةَ في
رضاعةٍ مَن ◌ُضع له، من والد المولود، وكان يتيماً عَ جٍ. فقلنا،
ماعسى أن تصنع بنا أمه؟ فكنا نأبى حتى لم تبق من صواحباتي امرأة
إِلا أخذت رضيعاً ، غيري. قالت : فكرهت أن أرجع ولم آخذ
شيئاً وقد أخذ صواحباتي . فقلت لزوجي الحارث : والله لأرجعن الى
ذلك اليتيم فلاّ خذتّه .
قالت : فأتيته فأخذته ثم رجعت به إِلى رحلي . قالت : فقال
لي زوجي : قد أخذتِه ؟ قلت نعم ، وذلك أني لم أجد غيره . قال :
قد أصبت عسى أن يجعل الله فيه خيراً .
قالت: والله ماهو إلا أن وضعته في حجري فأقبل عليه ندياي
ما شاء من لبن فشرب حتي رَوي ، وشرب أخوه حتى روي ، وقام
زوجي الحارث إِلى شارِفنا من الليل فاذا هي تحلب (١) علينا ماشئنا،
فشرب حتى روي ، وشربت حتى رويت . قالت فتنا (٢) بخير ليلة
شباعاً رِواءً . قالت: فقال زوجي: والله ياحليمةُ ما أراك إِلا قد
(١) قط: ((فاذا هي ثجّاء)) أي غزيرة اللبن.
(٢) قط : فمكثنا .
١

٥٩
أصبت نسمةً مباركة ، قد نام صبيّانا وقد روينا ورَوِيا .
قالت : ثم خرجنا. قالت: فوالله لخرجتْ أناني أمام الركب
قد قطعتهم حتى ما يتعلق بها منهم أحد، حتى إِنهم ليقولون: ويحكِ
يابنت الحارث ، كفّي علينا ، أليست هذه أنانك التي خرجت
عليها ؟ فأقول: بلى والله. فيقولورن: إِن لها لشأناً . حتى قدمنا
منازلنا من حاضر منازل بني سعد بن بكر. قالت : فقدمنا على أجدب
أرض الله . قالت : فوالذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليسرحون
أغنامهم إذا أصبحوا، وأسرح راعي عنمي وتروح غنمي حفلاً (١) بطانً
وتروح أغنامهم جياعاً هالكة مالها من لبن ، فنشرب ماشئنا من اللبن
وما من الحاضر من أحد يحلب قطرة ولا يجدها . قالت : فيقولون
الرحماتهم : ويلكم ألا تسرحون حيث يسرح راعي غنم حليمة؟ فيسرحون
في الشّعْب الذي تسرح فيه غنمي وتروح أغنامهم جياعاً مالها من
لبن وتروح غنمي حفلاً لبناً .
قالت : وكان يشب في اليوم شباب الصبي في شهر ، ويشب
(١) قط: «فالاً، أي امتلأت ضروعها لبناً.

٦٠
في الشهر شباب الصبي في سنة. قالت : فبلغ سنين(١) وهو غلام
جفر (٢) . قالت : فقدمنا به على أمه فقلت لها أو قال لها زوجي :
دعي ابني فلنرجع به فانا تخشى عليه وباء مكة . قالت : ونحن أضنّ
شيء به لما رأينا من بركته من ايه. فلم نزل بها حتى قالت: ارجعا
به . قالت : فمكث عندنا شهرين .
قالت : فبينما هو يلعب يوماً من الأيام هو وأخوه خلف البيت
إِذ جاء أخوه يشتد فقال لي ولأبيه : أدركا أخي القرشي فقد جاءه
رجلان فأضجعاه فشقّا بطنه قالت خرجت وخرج أبوه يشتد نحوه
فانتهينا اليه وهو قائم ممتقع(٣) لونه فاعتنقتُه واعتنقه أبوه وقال: مالك
يابني ؟ قال : أناني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقًا بطني ،
والله ما أدري ما صنعا .
(١) كذا ، وسيأتي في آخر هذا الفصل ما يشير إلى أن الصواب هنا ((سنتين))
والذي في النهاية (جفر ): ((فبلغ ستاً وهو جفر)). وهو قريب من
"قول ابن قتيبة في آخر الفصل: لبث فيهم خمس سنين .
(٢) في النهاية: ((استجفر الصي: إذا قوي على الأكل . وأصله في أولاد
المعز إذا بلغ أربعة أشهر وفُصل عن أمه وأخذ في الرعي قيل له جَفْر
والأنثى جَفْرة)).
٣) قط والطبقات - منتقع .
٠