Indexed OCR Text

Pages 341-360

[٣٤١]
النواوى محيى الدين أبى زكريا يحيى بن شرف
أنه كان يقرأ كل يوم اثنى عشر درسًا على مشايخه، شرحًا وتصحيحًا، درسين فى
الوسيط، ودرسًا فى ((المهذّب))، ودرسًا فى ((الجمع بين الصَّحيحين))، ودرسًا فى
(صحيح مسلم))، ودرسًا فى ((اللُّمَع)) لابن جنّى، ودرسًا فى التَّصْريف، ودرسًا فى
أصول الفقه، ودرسًا فى أسماء الرجال، ودرسًا فى أصول الدين.
قال: وكنت أُعلِّق جميع ما يتعلق بها، من شرح مشكل، ووضوح عبارة،
وضبط لغة، وبارك الله لى فى وقتى، وخطر لى أن أشتغل بالطبّ واشتريت كتاب
((القانون))، فأظلم قلبى، وبقيت أيامًا لا أقدر على الاشتغال، فأفقت على نفسى،
وبعت القانون فأنار قلبى، قلت: لو سمع أول قدومه للحِقَ الرشيد بن مسلمة،
ومكى بن علاّن، والكبار، بقى مدة لا يسمع الحديث سمع رضىّ الدين ابن
البرهان، وشيخ الشيوخ عبدالعزيز بن محمّد الحموى، وزين الدين ابن عبدالدائم،
والقاضى عماد الدين عبدالكريم بن الحَرَسْتَانى، والحافظ زين الدين خالدًا، وتقى
الدين بن أبى اليُسْر، والمفتى جمال الدين يَحْيَى بن الصَّيْرفى، والشيخ شمس
الدين عَبْد الرَّحمن، وخلقًا سواهم، وأكثر من رواية الدواوين الكبار، وقرأ
((الكمال)) للحافظ عبدالغنى على الزين خالد، وسمع الصحيحين على المحدِّث أبى
إسحاق بن عيسى الْمُرَادِى، وأخذ الأصول عن القاضى التَّفْلِيسِىّ، والفقه عن
الكمال إسحاق، وشمس الدين ابن نوح، وعز الدين عمر الإِربلى، وكمال الدين
سلار الإرْبِلى، والعربية عن الشيخ أحمد المصْرى، وعن ابن مالك، ولازم
الاشتغال والتصنيف والإفادة، محتسبًا فى ذلك، مبتغيًا وجه الله، مع التعبّد
والصوم والتهجّد والذكر والأوراد، وحفظ الجوارح، وذم النفس، وصَبْرٍ على
العيش الخشن، ملازمة كليّة، لا مزيد عليها.
تخرّج به أئمة منهم الخطيب صدر الدين سُلَيْمَان الجعفرى، وشهاب الدين
أَحمد بن جَعْوان، والقاضى شهاب الدين الأربدى، والمفتى علاء الدين ابن
العطَّر، وحدَّث عنه ابن أبى الفتح، والمِزِّى، وجماعة.
قال ابن العطَّار: ذكر لى شيخنا أنه كان لا يضيع له وقتًا فى ليل ولا نهار
إلا فى اشتغال، حتى فى الطُّرُق، وأنه دام على هذا ست سنين، ثم أخذ فى
التصنيف والإفادة والنصيحة، وقول الحق.

[ ٣٤٢]
النواوى محيى الدين أبى زكريا يحيى بن شرف
قلت: كان مع ملازمته التامّة للعلم ومواظبته له، فائق الورع، وتزكية النفس
من شوائب الهوى، وسيئ الأخلاق، ومحقها من أغراضها، عارفًا بالحديث،
قائمًا على أكثر فنونه، عارفًا برجاله، رأسًا فى نقل المذهب، متضلِّعًا فى علوم
الإسلام.
قال شيخنا الرشيد الحنفى ابن المعلِّم: عذلت الشيخ محيى الدين فى تركه
الحمَّم، وضيق العيش، وخوّفته من مرض يعطِّله عن العلم، فقال: إن فلانًا صام
حتى اخضر جلده.
كان الشيخ يمتنع جملة من أكل الخيار والفاكهة، ويقول: أخاف ترطَّبُنى
وتَجْلِب النوم، وكان يأكل فى اليوم والليلة غالبًا أكلةً واحدة، ثم يشرب مرة عند
السَّخَّر
قال ابن العطَّار: كلمته فى الفاكهة، فقال: دمشق كثيرة الأوقاف، وأملاك
المحجور عليهم، ثم المعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها حلف، فكيف تطيب
نفسی بأكل ذلك.
وقد جمع ابن العطَّار له سيرة فى ست كراريس، مضمونها العلم والعمل
والزهد والورع، وله ((شرح مسلم))(١) فى مجلَّدات و((رياض الصالحين)) مجلّد
و ((الأذكار))(٢) مجلد، و((مختصر علوم الحديث)) وهو ((الإرشاد)) ثم اختصره وسماه
((التقريب))، وكتاب ((المتممات)) مُجَيْليد، و((تحرير ألفاظ التنبيه))، و((العمدة فى
تصحيح التلبية))، و((المناسك)) مجلّد، وله ثلاثة مناسك أخر و((التبيان فى أَدَب
حَمَلَة القرآن))، و((الفتاوى))، و((الروضة)) فى أربعة أسفار، وشرح ربع ((المهذّب))
(١) وهو المسمى بـ ((المنهاج فى شرح صحيح مسلم بن الحجاج)) نقله العمرى فى كتابه
((بحوث فى تاريخ السنة)) (ص٢٤٨).
(٢) وهو من أفضل ما صنف فى هذا الباب وأجمعه، قال الحافظ ابن كثير فى ((تفسيره))
(٤٩٥/٣): وقد صنف الناس فى الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار، كالنسائى
والمعمرى، وغيرهما، ومن أحسن الكتب المؤلفة فى ذلك كتاب ((الأذكار)) للشيخ محيى
الدين النووى رحمه الله اهـ. قلت: وعدد أحاديثه (١٢٦٥) حديثًا بترقيمى. أكثرها من
الصحيحين، وما عدا ذلك فيبين الإمام النووى درجة الإسناد من الصحة والضعف فى
الغالب .

[٣٤٣]
النواوى محيى الدين أبى زكريا يحيى بن شرف
فى غاية الحسن والجودة، وشرح قطعة من ((الوسيط))، وعمل قطعة من ((الأحكام)
وكثيرًا من (الأسماء واللغات)) ومسوّدة فى طبقات الفقهاء، وأشياء لم تتم، وكان
لا يقبل من أحد شيئًا إلا فى النادر، يقبل شيئًا يسيرًا ممن لا يشتغل عليه، قد
أهدى له فقير إبريقًا فقبله، وعزم عليه صاحبه الخطيب برهان الدين الإسكندرانى
أن يفطر معه، قال: هات الطعام ونفطر معًا، فأكل منه وكان لَوْنين، وقل أن كان
يأكل إدامين، وكان قليل الضحك، عديم اللعب، بل هو جد صرف، يقول
الحق، وإن كان عليه، لا تأخذه فى الله لومة لائم، ويواجه الأمراء والظلم
بالإنكار، ويكتب إليهم، ويخوفهم بالله، كتب مرة من عبدالله يَحْيَى النَّووى،
سلام الله ورحمته وبركاته على المولى المحسن ملك الأمراء، بدر الدين أدام الله له
الخيرات، وتولاه بالحسنات، وبلَّغه من خيرات الدنيا والآخرة كل آماله، وبارك له
فى جميع أحواله آمين، { ...... }(١) إلى العلوم الشرعية، أن أهل الشام فى
ضيق وضعف حال بسبب قلة الأمطار، وذكر فصلاً طويلاً، وفى طى ذلك ورقة
إلى الملك الظاهر فرد جوابها ردًا عنيفًا مؤلمًا، فتلبدت خواطر الجماعة.
وله غير رسالة إلى الملك الظاهر فى النهى عن المنكرات.
قال ابن فرح - وكان ممن يشرح على الشيخ- صار الشيخ محيى الدين إلى
ذلك رتب لو نهض رجل منها لشدت إليه الرحال: العلم والزهد والأمر بالمعروف
والنهى عن المنكر .
وكان الشيخ - فِيه - يقتنع باليسير، وولى مشيخة دار الحديث الأشرفية مع
صغر سنّه، ونزول روايته فى حياة مشايخه بعد الإمام أبى شامة، فما أجد ما مكنه
فيما بلغنى، بل كان يجيئه من والده شئ يقتات منه، واشترى بالجامكية كتبًا
وفقهًا، سافر وزار بيت المقدس، فرد إلى نوى مريضًا، وانتقل به إلى الله فى
الرابع والعشرين من رجب سنة ست وسبعين وستمائة، قبره يزار بنوى.
قال قطب الدين موسى شيخُنا: كان أوحد زمانه فى العلم والزهد والورع
والعبادة والتقلّل وخشونة العيش، وافق الملك الظاهر بدار العدل غير مرة، فحكى
عنه قال: أنا أفرغ من هذا، وقال الفقيه شمس الدين محمّد بن الفخر: كان إمامًا
بارعًا حافظًا مُفْتًا، أتقن علومًا شتى، وصنف بالتصانيف الحسنة، وكان شديد
(١) كذا بالمطبوعة .

[٣٤٤]
محمد بركة خان
الورع والزهد، تاركًا لجميع ملاذ الدينا من المآكل، إلا ما يأتيه به أبوه من كعك
وتين، وكان يلبس الثياب الرثّة المرقعة، ولا يدخل حمّامًا، ترك الفواكه جميعها،
ولم يتناول من الجهات.
قلت: وكان تؤثر عنه كرامات وأحوال، وكان أسمر، كثّ اللحية، ربعة
مهيبًا، لا يرى الجدال ولا تعجبه المغالبة، ويتأذى ممن يجادل، ويعرض عنه،
وقلمه أبسط من عبارته، رحمه الله تعالى، فقد كان عديم النظير.
قال الشيخ شمس الدين ابن النقيب مدرّس الشَّامية: قال لى الشيخ محيى
الدين النَّووى وما عندنا ثالث وقد قرأت نصف التنبيه وأنا مراهق: أنت مدرس
بالشامية، يا قاضى شمس الدين.
قلت: ولى ابن النقيب قضاء حمص، ثم قضاء القضاة بطرابلس، ثم بحلب
ثم رجع ودرس بالشامية بعد.
أخبرنا على بن إبراهيم الفقية سنة سبع وتسعين أنا يَحْيَى بن شرف الحافظ،
أنا خالد بن يوسف ح، وأنبأتنى ست العرب بنت يَحْيَى قالا: أنا أبو اليمن
الكندى، أنا منازل بن الحسين، أنا على بن أحمد، أنا محمّد بن عَبد الرَّحمن، نا
عبد الله هو البغوى، نا شيبان، نا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قال
رسول الله - ◌َ ◌ّم -: ((من طلب الشهادة صادقًا من قلبه أعطيها ولو لم تصبه))(١)
أخرجه مسلم عن شيبان .
٦٤٤٦- السعيد السلطان الملك السعيد ناصر الدين محمّد بركة خان
ولد السلطان الملك بيبرس. [٦٥٨ - ٦٧٨ هـ]
ولد فى صفر سنة ثمان وخمسين، وسلطنه أبوه وله خمس سنين، وتملك
بعد أبيه وله ثمان عشرة سنة، وكان شابًا حسن الصورة، كريمًا، محببًا إلى
الرعية، يؤثر العدل ويحب فعل الخير، وفيه لين، وسلامة باطن،
(١) صحيح: أخرجه مسلم (١٩٠٨) فى كتاب الجهاد، باب: استحباب طلب الشهادة فى
سبيل الله تعالى، ثم ساق له شاهدًا من حديث أبى أمامة بن سهل بن حنيف - فرش - أن
النبى - مَ الٍ - قال: ((من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على
فراشه))، وفيه تفصيل عن حديث أنس - ضِره -.

[٣٤٥]
أبغا القان أباقا / ابن المنير أحمد بن محمد
دمشق(١) فعملت القباب لمجيئه فى آخر سنة سبع، وعجز عن ضبط الأمور،
فوقع فيه الطُمَّع، وخلعوه من السلطنة، وعملوا محضرًا وأنه عاجز، وأعطى
الكرك، فتحول إليها، وقصده جماعة، فأنعم عليهم وقلّ ما عنده.
ويقال سمّ.
وقيل: لعب بالكرة، فتَقَنْطَر به الفرس فحمّ، ثم توفى عن مرض قليل فى
نصف ذى القعدّة سنة ثمان وسبعين وستمائة، وله عشرون سنة وأشهر، ودفن عند
جعفر الطيّار، ثم نقل إلى تربة أبيه بعد سبعة عشر شهراً.
وجَدَتْ عليه زوجته بنت السلطان الملك المنصور وَجْدًا شديدًا، فلم تطوّل
بعده، وقرِّر بعده فى مملكة الكرك أخوه الملك المسعود خضر مُدَّيْدَة، ثم أُخِذَ
وسُجْنَ هو وأخوه سلامش الذى سلطنوه أيامًا بعد خلع السعيد عند النصارى
بمدينة اصطنبول، فمات سلامش هناك فى سنة تسعين وله عشرون سنة.
· أبغاً. صاحب الشرف القان أباقا بن هولاكوٍ بن تولى بن
جَنْكِزْ خَان المغلى. [ت ٦٨٠هـ(٢)
ملك بعد أبيه، وكان شجاعًا مقدامًا، كبير الهمّة، كافر النفس والنحلة،
سفاكًا للدماء، فيه كبر زائد، وله دهاء وحزم.
وقد قهره الملك الظاهر وقتل خلقًا من أبطاله، وتملك الروم أيامًا .
ولما توجه أخو أبغا منكوتمر لحرب الإِمام نوبة حمص، لم يكن ذلك برأى
أبغا بل أشير عليه. وقد كان الملك الظاهر بعث إليه رسولاً وهدية. وكان أسمر
ربع القامة، جَهْوَرِىّ، فيه بحّة يسيرة فرآه الرسول عليه قباء نفطىّ، وسراقوج
بنفسجى، وزوجته التى كانت امرأة أبيه إلى جنبه، وهی أکبر منه.
٦٤٤٨ - ابن المُنَيَّر، القاضى العلاَّمة الأوحد ناصر الدين أحمد بن محمّد
ابن منصور بن قاسم بن مختار الجُذَامى الجَرْوى الإِسْكَنْدَرَانى المالکی ابن
المنير. [٦٢٠-٦٨٣هـ]
(١) كذا فى المطبوعة، ولعل المقصود ((دخل دمشق)) أو نحو ذلك.
(٢) ذكره الحافظ ابن كثير فى ((البداية)) (٢٩٩/٧) فى وفيات سنة (٦٨٠هـ).

[ ٣٤٦ ]
ابن المنير أحمد بن محمد
قاضى الثغر وخطيبه وعالمه .
ولد سنة عشرين وستمائة، وله التصانيف المؤنّقة(١)، وهو ابن أخت شيخ
القرّاء كمال الدين ابن فارس التميمى.
سمعٍ من: أبيه ومن ابن رواج، ويوسف السَّاوى، قيل إن الشيخ عزّ الدين
ابن عبدالسّلام كان يقول: مصر تفتخر برجلين فى طرفيها: ابن المنير بالثغر، وابن
دقيق العيد بقوص، ولابن المنيّر خطب بليغة، وتفسير نفيس، وصنّف كتابًا فى
تفسير حديث الإسراء، لم أطالعه، وقد سمعت بالثغر من أخيه القاضى زين الدين
على بن محمّد.
توفى ناصر الدين بالإسكندرية فى مستهل ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين
وستمائة. وفيها مات صاحب قفجاق الذى أسلم: الملك أحمد بن هولاكو، والمفتى
مجد الدين عبدالله بن مَحمود بن بلدحى الموصلى الحسينى، يروى عن ابن طَبَرْزَد،
وقاضى حماه الإمام نَجْم الدين عبدالرحيم بن إبراهيم بن البارزِى الشَّافعى(٢)،
وأمير العرب عيسى بن مهنّا الطائى (٣)، وفاطمة بنت الحافظ على بن القاسم بن
عساكر، ومحدِّث القاهرة شرف الدين محمّد بن إبراهيم المندوى (٤) النَّحْوى،
وقاضى القضاة عز الدين أبو المفاخر محمّد بن عبد القادر ابن الصائغ الأنصارى،
وصاحب حماه المنصور محمّد بن المظفر مَحْمُود الأيوبى، والزاهد أبو عبدالله
محمّد بن موسى بن النعمان التِلْمِسَانى بمصر، والمؤذن أبو العباس أحمد بن بُرَاق
ابن ظاهر بن مَزيد بن توفيق بن عزيز بن فخر بن حیی بن أبى الحِنِّ السِّوَادی.
روى عن ابن اللَّى وغيره، وعبد الوهّاب بن الفرات بالثغر(٥).
(١) منها: ((أسرار الأسرار))، و(الاقتفا فى فضائل المصطفى - عَ ش -))، و((الانتصاف فى حاشية
الكشاف))، و((البحر الكبير فى بحث التفسير))، و((تفسير حديث الإسراء))، و((ديوان
خطب))، و((مختصر التهذيب للبغوى))، و((مناسبات تراجم البخارى))، و((منح مولانا
البارى فى مناقب الشيخ أبى القاسم بن منصور بن يحيى المالكى الإسكندرى الكبارى)).
((هدية العارفين)) (٩٩/٥).
(٢) تأتى ترجمته (٦٤٦٠).
(٣) تأتى ترجمته (٦٤٦٧).
(٤) كذا فى المطبوعة، وفى ترجمته الآتية (٦٤٥٩) ((الميدومى)).
(٥) ترجمته الآتية (٦٤٤٩).

[٣٤٧]
عبدالوهاب بن الحسن اللخمى / الحسين بن على بن ظافر
٦٤٤٩ - ابن الفرات، الفقيه المعمّر أبو محمّد عبدالوهاب بن الحسن بن
إسماعيل بن الفرات اللخمى الإسكندرانى . [٥٩١ - ٦٨٣هـ]
من أكابر أهل الثغر، له إجازة إسْمَاعيل بن ياسين، والشهاب الغَزْنَوى
والأَرْتَأْحِى، وابن منجًا، وعبداللَّطيف ابن أبى سعد.
خرَّج له شيخنا العراقى مشيخة. روى عنه أبو حيان والقطب وجماعة،
وتفرد فى وقته، ولد سنة إحدى وتسعين، ومات فى جمادى الآخر سنة ثلاث
وثمانين وستمائة.
٦٤٥٠ - ابن أبى المنصور، الشيخ الزاهد العارف الكبير صفى الدين أبو
عبد الله الحسين ابن الوزير على ابن المفتى أبى المنصور ظافر. [٥٩٥-٦٨٢هـ]
من متأخرى الصوفية، عليه بعض ما أخذ.
مولده بمصر فى ذى القعدة سنة خمس وتسعين وخمسمائة .
وسمع من: على بن البنا، وغيره، وحدَّث بجامع أبى عيسى.
سمع منه: عبد الغفَّار السعدى، وصحبه عتيق العمرى، وكتب عنه كراريس
بزاوية القرافة .
صحب الشيخ أبا العباس الإشبيلى الجزار.
وقال الصفى: رأيت بالثغر عبدالرحمن المغربى، فحكى لى أنه بلغ جبل
قاف، ورأى الحية الدائرة بجميعه، وهى خضراء رأسها على ذنبها، إلى أن قال:
ورأيت الفخر الفارسى، وابن العربى والشاذلى.
مات فى ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وستمائة بالقرافة، وله سبع وثمانون
سنة .
ولقد زاد تعجبى من أمثاله، فيما يحكون عن المشائخ من الخوارق
المستحيلة، وأنا مصدق بكرامات القوم إذا صحت، ولكن تسعة أعشار المحكى
كذب أو تخيُّل فاسد، وبعضه لا يسوغ شرعًا، فالله يعفو عنهم، فإيّاك والخرافات
ومخالفة السنّة.

٠٠
[٣٤٨ ]
أحمد بن عبد العزيز الفوطى / محمد بن أحمد المقدسى
٦٤٥١- الفوطى، الكاتب الرئيس أبو العس أحمد بن عبدالعزيز
الفوطى الشاعر
قدم دمشق سنة ثمانين .
كتب عنه ابن الخباز، والبرزالى.
وهذه القصدة له:
أيا طالبًا علم الحديث لك البشرا فشمر فقد يسرات باللطف اليسرى
وهى فى معجم، ولم تذكر له وفاة.
٦٤٥٢ - ابن المقدسى، الإمام العلامة العابد مدرس الشامبة الكبرى شمس
الدين محمد ابن الخطيب كمال الدين أحمد ابن النقية موقو الدين نعمة بن
أحمد المقدسى البابلي فهالكمتك
أفتى وناب فى القضاء، وتفقّه به جماعة.
سمع من: علم الدين السخاوى، وابن الصلاح، وتاج الدين ابن الشيرازى،
وتاج الدين ابن حمويه، وجماعة .
وكان من العلماء العاملين. ترك القضاء وحج من مصر، وحدَّث بها
وجاور. وكان كثير التعلّل، وله جلالة فى العلم، وشفقة على الطلبة، ومروءة.
وكان الشيخ محيى الدين النووى يثنى عليه، ويعظمه. اشتغل بتدريس الشامية بعد
مشاركته لعز الدين ابن الصائغ مدة. وكان طويلاً كبير اللحية، تفقه بالكمال
إسحاق، وبابن رزین .
مولده فى سنة ثمان وعشرين وستمائة، وقيل سنة سبع، وتوفى فى ذى
القعدة، سنة اثنتين وثمانين وستمائة، بباب كيسان عند أبيه، وصلّى عليه أخوه
العلاَّمة شرف الدين .
حدَّث عنه: ابن الخباز، وابن العطار، والبرزالى وآخرون. ذكر الشيخ تاج
الدين فى تاريخه، أنه فى سنة خمس وستين درس بالشامية الكبرى ابن الصائغ
انتزعها من ابن المقدسى، وسعى ورفع قضية، وأحضر من خطوط كبار بأولوية

[٣٤٩ ]
محمد بن أحمد بن يحيى / عبد الله بن يحيى / محمد بن عبد الكريم الدمشقي
ابن الصائغ. ثم برز من يقدم بهاء الدين المقدسى وإن كان مفضولاً، فدرس. ثم
عقد مجلس وجرى خصام وقاموا. ثم عملوا مجلسًا آخر، وانفصل على تعطيل
المدرسة من مدرِّس. وكان ابن المقدسى مدة النزاع يلقى بها الدرس، ثم منع. ثم
أشرك بينهما، فكان يلقى هذا درس بعد الآخر، وتم ذلك مدة، ثم استقل بها
شمس الدین .
٦٤٥٣ - ابن سنى الدولة، قاضى القضاة نجم الدين أبو بكر محمد ابن
قاضى القضاة صدر الدين أحمد ابن قاضى القضاة شمس الدين يحيى بن
سنى الدولة الدمشقى الشافعى. [٦١٦- ٦٨٠هـ]
ولد سنة عشرة وستمائة، وناب عن أبيه، ودرس بالأمينية وغيرها. وكان
موصوفًا بصحة النقل، وله هيئة وقوة نفس، وتبحّرّ فى الأحكام. ولى قضاء
القضاة وذلك أيامًا سنة تسع وسبعين وصرف، وولى قبل ذلك قضاء حلب. مات
فى المحرم سنة ثمانين وستمائة.
وأحسبه ما حدَّث.
٦٤٥٤ - الجزائرى، المحدّث العالم المتقن جمال الدين أبو محمّد عبدالله
ابن يحيى بن أبى بكر بن يوسف بن حيّون الغسانى المغربى الجزائرى
الخطيب. [ت ٦٨٢ هـ]
نزيل دمشق. نسخ الكثير، وعنى بالرواية، مع الدين والتواضع والنباهة .
روى عن: عثمان بن دحية، ويوسف بن المخيلى، وكريمة، والسخاوى، وابن
الصلاح، ولم يسمعوا منه إلا القليل. روى عنه: ابن الخباز، والمِزِّى، وابن
العطار، وآخرون .
توفى بالنجيبية فى شوال سنة اثنتين وثمانين، وقد شاخ. أجاز لنا مروياته،
وكان من أبناء الثمانين .
٦٤٥٥ - ابن الحرستانى، خطيب البلد الإِمام المفتى العالم العامل محيى
الدين أبو حامد محمّد بن عبدالكريم بن عبدالصَّمد بن محمّد الأنصارى
الدمشقى الشافعى. [٦١٤-٦٨٢ هـ]
:

[٣٥٠]
محمد بن أبي بكر ابن القش أحمد بن محمد عمربن محمد التميمي
ولد سنة أربع عشرة وستمائة. وأجاز له جده قاضى القضاة أبو القاسم،
والمؤَّد الطوسى، وسمع من زين الأُمَنَاء، وابن الزَّبِيدى، وابنِ صَبّاح، وأبى
القاسم بن صَصْرَى، وسمع بمصر من عَبْدالرَّحمن بن الطفيل، وحدَّث بالصحيح.
وقد سكن صهيون مدة، وولى الخطابة بعد أبيه العماد، ودرس بالغزَّالية
والمجاهدية، وكان ذا تصوّن وانجماع، وتنسّك، وحسن خطابة، وبصر بالمذهب.
روى عنه ابن الخباز، وابن العطار، والبرزالى، وآخرون، وأجاز لى. توفى
فى جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين وستمائة، وخطب بعده ابن عبدالكافى.
٦٤٥٦ - العامرى، الشيخ رشيد الدين محمّد بن أبى بكر بن محمّد بن
سليمان العامرى الدمشقى. [ت ٦٨٢هـ]
حدَّث بصحيح مسلم وبدلائل النبوة للبيهقى، عن أبى القاسم بن
الحرستانى، وبجزء الأنصارى عن الكندى. وعند: ابن الخباز، والمِزِّى والبرزالى،
وابن العطار، وآخرون.
مات فى ذى الحجة سنة اثنتين وثمانين، وكان لا بأس به. كان قيّمًا بالمدرسة
المجاهدية رحمه الله تعالى.
٦٤٥٧ - ابن القُشّ، الزاهد القدوة العارف نجم الدين أحمد بن محمّد بن
على بن القش البغدادى. [ ت٦٨٢هـ]
من ثقات المشايخ. صحب الشيخ عثمان القصير، وتاب على يده، وتفقه
لأحمد، وسمع من: ابن اللَِّّى وطائفة. وله أصحاب ورواية.
توفى بيعقوبا فى رجب سنة اثنتين وثمانين وستمائة.
٦٤٥٨ - ابن أبى عصرون، الشيخ الجليل العالم المدرس المسند محيى
الدين أبو الخطاب عمر بن محمّد ابن شيخ الشافعية القاضى أبى سعد بن
أبى عصرون التميمى الدمشقى الشافعى. [٥٩٩ -٦٨٢هـ]
مدرس مدرسة جده أبى سعد. ولد سنة تسع وتسعين، وسمع من: عمر بن

[٣٥١ ]
عمر بن محمد العيسى
طَبَرْزَد فى الخامسة، ومن الكندى، ومحمّد بن الدنف، وعبدالجليل بن مندويه،
وأبى القاسم العطار، وطائفة .
وعمل الجنديّة مدة، ثم لبس زى الفقهاء بعد موت أخيه الشيخ شرف الدين
عثمان .
عنه:ابن الخباز، وابن العطار، وابن تيمية، والمزِّى، والحارثى،
والبرزالى وجماعة، وأجاز لى مروياته. وكان حسن الهيئة، جميل البزّة. وقد ولى
والده قضاء القضاة، وهو القاضى محيى الدين، وتوفى قديمًا .
مات شيخنا فى ذى القعدة سنة اثنتين وثمانين وستمائة .
وفيها توفى الشيخ شمس الدين ابن أبى عمر (١). والمحدِّث شيخ الطلبة
جمال الدين أبو محمّد عبدالله بن يَحْيَى بن أبى بكر الغسّانى الجزائرى المغربى
بدمشق (٢)، والإمام مفتى حران شهاب الدين عبدالحليم ابن الشيخ مجد الدين ابن
تيمية الحَنْبَلَى بدمشق عن ست وخمسين سنة(٣). وشيخ القراء عماد الدين على
ابن أبى زهران الموصلى المجوّد شيخ تربة أم الصالح (٤). وزاهد بغداد نجم الدين
أَحمد بن محمّد بن القُشّ (٥)، تلميذ الشيخ عثمان القصير، وزعيم آل مرّى أَحمد
ابن حِجّى، وإسماعيل بن عبدالله العسقلانى الصالحى(٦)، والفقيه عباس بن على
البعلبكى، والحافظ شمس الدين محمّد بن محمّد بن جَعْوان(٧)، والمحدِّث محمّد
ابن محرز الكجى، والعلامة شمس الدين محمّد بن أحمد بن نعمة المقدسى
مدرس الشامية (٨)، وخطيب دمشق محيى الدين أبو حامد محمّد بن عبدالكريم
ابن القاضى عبدالصّمد بن الحرستانى، عن ثمان وسبعين سنة (٩)، وشرف الدين
(١) تقدمت ترجمته (٦٣٥٣).
(٢) تقدمت ترجمته (٦٤٥٤).
(٣) له ترجمة فى ((البداية)) (٣٠٦/٧).
(٤) تأتى ترجمته (٦٤٦٦).
(٥) ترجمته السابقة (٦٤٥٧).
(٦) تقدمت ترجمته (٦٣٥٢).
(٧) تقدمت ترجمته (٦٣٢٢) ووقع فى ((البداية)) (٣٠٥/٧) ((جفوان)) بدلاً من ((جعوان)).
(٨) تقدمت ترجمته (٦٤٥٢).
(٩) تقدمت ترجمته (٦٤٥٥).
:

[٣٥٢]
الميدومى محمد بن إبراهيم / ابن البارزی عبدالرحيم بن إبراهيم
محمّد بن عبدالمنعم بن عمر بن القوّاس الدمشقى (١)، يروى عن الكندى،
والرئيس عماد الدين محمّد ابن أقضى القضاة شمس الدين أبى نصر بن
الشيرازي(٢)، صاحب الخط البديع، يروى عن ابن الحرستانى، والشيخ رشيد
الدين محمّد بن أبى بكر بن محمّد العامرى(٣)، يروى عن الكندى، والشيخ
محيى الدين يَحْيَى بن محمّد بن القلانسى التميمى، يروى عن ابن البنّا، ومقرئ
بغداد الشيخ يوسف بن جام، والفوطى الضرير.
٦٤٥٩ - الميدومى، الإِمام المقرئ المحدث النَّحْوى الورع شرف الدين أبو
عبدالله محمد بن إبراهيم بن أبى القاسم بن عنان الميدومىّ المصرى.
[٦١١- ٦٨٣هـ]
ولد سنة إحدى عشرة. وسمع الكثير، ونسخ وأتقن وجود، وكان من
العلماء العاملين.
سمع من ابن باقا، وعبدالقادر بن محمّد البغدادى، وابن المُقَيَّر،
وعبدالوهّاب بن رواج، وابن الجُمَّيْزى، والسِّبط، ولازم الحافظ المنذرى فأكثر عنه،
وولى خزانة الكاملية، ثم ولى مشيختها بعد أن توقف.
أخذ عنه: الحارثى، وقطب الدين، وقال فى تاريخه: كان من العلماء الأتقياء،
كتب الكثير، وكان ذا سمت وصلاح، وهَدْىٍ على سمت السلف، درس بالكامليّة.
انتفعت ببركته، وعرضت الشاطبية بسماعه من أبى عبدالله القرطبى، وكان
ثقة حجة کان له تلميذ فى الحدیث، فلما توفی بکی ومرغ وجهه، وقال: یا
سيدى اطلبنى من الله، فمات من الغد، فى صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
٦٤٦٠ - ابن البارزىّ، قاضى حماه وابن قاضيها، وأبو قاضيها العلاَّمة ذو
الفنون، نجم الدين عبدالرحيم بن إبراهيم بن هبة الله بن البارزى الحموى
الشافعى. [٦٠٨ -٦٨٣هـ]
(١) تقدمت ترجمته (٦٣٤٨).
(٢) تقدمت ترجمته (٦٣٦٤).
(٣) تقدمت ترجمته (٦٤٥٦).

[٣٥٣]
عطاء ملك بن محمد بن الجوينى
=
مولده سنة ثمان وستمائة. وحدث عن: موسى بن عبدالقادر. روى عنه:
ابنه القاضى شرف الدين، وابن الظاهرى، وابنه عثمان، وبدر الدين النحوى،
وكان متفننًا أصوليًا شاعرًا محسنًا، لم يأخذ على القضاء رزقًا، وعزل قبل موته
بأعوام. اشتغل وصنَّف، وكان ذا دين وتواضع، وحب للصالحين.
وقد أنشدنى محمّد بن يعقوب النحوى، قال أنشدنى القاضى نجم الدين
لنفسه فى العلم :
ومثفط للخط يحكى فعل سحر الخط إلا أن هذا أصفر
فى رأسه المسوّد إلا أجروه فى المبيض إلا علا موت أحمر
وقد كتب شيخنا الدمياطى عن محمّد بن عَبْد الرَّحمن الأزدى، عن ابن
البارزى هذا، حج فأدركه الأجل بتبوك فى ذى القعدة سنة ثلاث وثمانين، فنقل
ودفن بالبقيع رحمه الله .
ومات ابنه شيخ الإسلام شرف الدين هبة الله فى ذى القعدة سنة ثمان
وثلاثين وسبعمائة (١).
٦٤٦١ - صاحب الديوان صدر العراق علاء الدين عطاء ملك بن الصاحب
بهاء الدين محمّد بن محمّد بن الجوينى الخراسانى. [ت ٦٨١ هـ]
أخو الوزير أَبْغَا، وإليهما كان العقد والحلّ، وبلغا أعلى الرتب.
وتأدب بخراسان، وكتب بين يدى أبيه، وتنقل إلى أن ولى ممالك العراق
بعد القزوينى معمر القزى، ووفر الأموال، وأسقط المغارم عن الفلاحين، ولمّ
شعث الناس، وعمِّرت بغداد به، ولم يزل فى ارتقاء، إلى أن قدم مجد الملك،
فأمسكه وصادره، وزالت أيامه .
ولزم النظم والنثر، والمكارم والسؤدد، وكان فى وقته رفق عظيم بالرعية،
حفر نهرًا مبدؤه فى الأنبار، ومنتهاه مشهد على، فجدد عليه مائة وخمسين قرية.
وقد قدم القان أبغا العراق، فاجتمع الأخوان علاء الدين والوزير شمس
الدين وأحضرت جوائزهم فى العيد، فبلغت ألف جائزة.
(١) وذلك قبل وفاة المصنف بعشر سنين.
م ١٢ سير أعلام النبلاء جـ ١٧

[٣٥٤]
عطاء ملك بن محمد بن الجوينى
وكان الفاضل إذا ألّف كتابًا وعمله، كانت جائزته ألف دينار.
ولهما إحسان إلى الفقهاء والصلحاء، ولهما يد فى العقول والآداب.
جاء المجد فى سنة ثمانين وأتى صاحب الديوان، وأخذ أمواله وعقاره،
وعذَّبه.
ثم مات النائب نجم الدين الأصفر، وله سيرة طويلة، وقتل مجد الملك قتلة
شنيعة، سلخه هارون بن الصاحب، وشربوا الخمر فى جمجمته، فلم يلبث بعده
فتوفى علاء الدين فى سنة إحدى وثمانين، ونقل فدفن بتبريز(١).
ولما عاد منكوتمر مهزومًا من الشام، حمل صاحب الديوان إلى همدان،
فهلك أبغا ومنكوتمر، واختفى الأخوان، فمات علاء الدين فى الخفية، ثم ظفر
أرغون بالوزير فقتله.
توفى العلاء فى ذى الحجة، سنة إحدى وثمانين وستمائة، وله ثمان
وخمسين سنة(٢)، ومن محاسن صاحب الديوان عطاء ملك أنه بنى مساكن كثيرة
ظاهر بغداد، وهو الكشك الذى بين الحلبة، وباب الطغرية، كسره له أعيان التتار.
وقد كانت بغداد على ما ذكره ابن النجار فى أيام السلجوق إذا قدمها العسكر من
العجم دخلوها ونزلوا فى بيوت الرعية وخالطوهم، وامتزجوا بأهاليهم، وتصرفوا
فى القماش والحرير، فنزح كثير منها لهذه المفسدة الكبرى.
قلت: فأنشأ عطاء ملك هذه الأماكن الفسيحة المليحة لكف أذى العسكر.
ثم أنشأ رباطًا كبيرًا بالمشهد النجفى، وأجرى إليها الماء وإلى جامع الكوفة، وأنشأ
المدرسة { .... }(٣) على المذاهب الأربعة.
وفى سنة ثلاث وسبعين وستمائة، كان القحط بالعراق، فعمل دارًاً
للضعفاء، وبرًاً للمستورين.
وهمّ بإنشاء قناطر على دجلة، وأمر بعمل بركة فى وسط المستنصرية يصعد
إليها بمدار، بعد أن كان يحمل الماء. وكان له مجلس يجتمع فيه العلماء،
(١) تبريز: من أشهر مدن أذربيجان. ((معجم البلدان)) (١٥/٢).
(٢) فمولده سنة (٦٢٣ هـ).
(٣) كذا بالمطبوعة.

[٣٥٥]
عضو ملك بن محمد بن الجوينى
ويتناظرون، ويبحث معهم ويكرمهم. قال شرف الدين أَحمد بن الكازرونى
.}(١) على بن عيسى الكاتب قال: كاتبنى الصاحب عطاء ملك
.}(٢) وذلك فى يوم بارد، وهو جالس على الرمل، وعليه قميص، وهو
صابر وحامد لله :
: لاخير فيه لعلّه قد كنت عبداً آبنًا يعصى الأند فعله
٠.
قال ابن عيسى وعمل الصاحب أيضًا:
...... إليك شَررًا فلاتك ضيِّقًّا من ذاك صدر
أرى له فى الأمرمن
ـة فإنى
وضعاى لا أبالى
٠٠
فقد حاربته عراً وسر:
... ستن عامًا
مضى وذقته حلوا وصرا
رفضت بحامنيحـ
بريك الوجه لوبيد
ترى منى فؤادًاً مستقراً
وفى السراء لست أطيشر كبرا
إن ستريال الصير دكًا
نفى استالم أخضع البؤس
و لصاحب الديوان:
رعى اله أيامًا لنا ولياليًا نقصت
يدور علينا الكأس كأس فكاهة
نأيتم فلا العين القريحة بعدكم
عصينا أحاديث العذول عليكم
وكم عنّ للقلب الحزين مقرطق
من التَّرْك أما قلبه فيه قسوة
يروم وصالاً من فؤاد معذب
ولولا هواكم لم أكن عنه عادلاً
وبرد العيش صاف مقـوف
يلذّ لدينة لا حميًّاً وقرقف
رقا دمعها يومًا ولا تذرف
وغيّركم قول الحسود المحرّف
غرير كما شاء الجمال مشرّف
الحديد وأما جسمه فهو مترف
بحبكم فانصاع لا يتوقف
ولا كنت من تقريبه أتعفف
(١)، (٢) كذا بالمطبوعة.

[٣٥٦ ]
الجوينى أبو المكارم محمد / أحمد بن عمر المرسى
فنحيى ثمار الوصل فيها ونقطف
تعالوا بنا نسرق من العمر ساعة
دعونى أبيت وحدًا ولا تتكلفوا
وإن كنتم تلقون من ذاك كلفة
وللشعراء عدة مدائح فى صاحب الديوان، واختلف فى شهر وفاته، فقيل
فى شعبان، وقيل فى رابع ذى الحجّة، وقيل فى خامس ربيع الآخر سنة إحدى
و ثمانين.
٦٤٦٢ - الجوينى، الوزير الكبير شمس الدين أبو المكارم محمّد بن محمّد
ابن محمد. [ت٦٨٣هـ]
وزير هولاكو، والمتصرف بأقلامه فى الأقاليم، وله ترسّل ونثر ونظم. ورزق
من التقدم فى الدولة التتارية ما لا مزيد عليه، وصيّر أخاه علاء الدين فى العراق
صاحب الديوان. وكان جوادًا ممدّحًا، ينطوى على إسلام، وخير فى الجملة. ولم
يزل فى رفعة وارتقاء إلى { .... }(١).
فقتل فى رابع شعبان سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
قال ابن الفوطى: سمعت منه قضاء بدمشق وتبريز. وقال غيره: لما تسلطن
أرغون، سارع إلى ركابه الوزير شمس الدين، فصفح عنه أيامًا، ثم تنمّر له(٢)،
وعذبه، وأخذ أمواله وقتله، ولقد كتب وصية يقول فيها: وإن رأى الوصى حيفًا
فليعذر، فإنى سطرتها، وأنا عريان، والسيف مشهور.
ثم دفن رحمه الله بجنب أخيه عطاء ملك، وقد بلغا أعلى المراتب،
والوزارات، ونالا من المال، والجاه والجود، ما لا يعبّر عنه.
وقبض ببغداد على ناظرها صاحب الديوان هارون بن الجوينى، وعذّب.
فللّه الأمر، وبيده الخير، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
٦٤٦٣ - المرسى، الشيخ العارف الكبير أبو العباس أحمد بن عمر بن
محمّد الأندلسى المرسى الأنصارى. [ ت٦٨٦هـ]
نزيل الإسكندرية. صاحب الشاذلى، وكان يجلس مع الشهود.
(١) كذا بالمطبوعة.
(٢) أی تنكر له.

[٣٥٧]
سليمان بن بنيمان الهمدانى / الدعى السلطان أحمد بن مرزوق
صحبه الشيخ تاج الدين ابن عطاء الله، والمجاور نجم الدين الأصبهانى،
والشيخ ياقوت، وآخرون. قرأت بخط المحدث محمّد بن عرّام سبط الشاذلى قال:
المرسى هو العلامة المحقق القدوة شيخ الوقت، وارث مشيخة قطب الدين،
الأشعرى معتقدًا، إلى أن قال: ولولا قوة اشتهاره وكراماته، لذكرت له ترجمة
جليلة. إلى أن قال:
توفى فى سابع عشر شعبان، سنة ست وثمانين وستمائة بالإسكندرية.
٦٤٦٤ - ابن بُنيمان الأديب النديم الشاعر شرف الدين سُلَيْمَان
ابن بنيمان بن أبى الجيش الهمدانى ثم الإِربلى
نزيل دمشق .
كان بديع وثمانين(١)، وكان من أبناء التسعين .
٦٤٦٥ - الدعى السلطان أحمد بن مرزوق
ابن أبى عمارة البخارى. [ت٦٨٣هـ]
الذى توثّب بأفريقية، وزعم أنه ولد الواثق يَحْيَى بن محمّد بن يَحْيَى
الهنتانى. وسم نفسه الفضل، والتفّ عليه خلق، وأقبل فى عسكره، ودخل مدينة
تونس، وظفر بملكها المجاهد أبى إسحاق إبراهيم بن يَحْيَى بن عبدالواحد فسجنه
ثم ذبحه صبرًا، وتمكّن ودانت له البلاد بالقحة والجراءة. وتلقب بأمير المؤمنين،
وعرف الناس بأنه زغل، وأنه دعىّ، ثم أساء السيرة، فانتدب له أخو المجاهد
الأمير أبو حفص عمر بن يَحْيَّى وجمع العساكر، فخارت قوى الزغل، وذل
واختفى، وبايع الناس عمر ولقّبوه بالمؤيّد، وقيل بالمستنصر.
ثم إنه ظفر بأحمد الدعى وعذبه، فأقرّ بأنه أحمد بن مرزوق، ثم هلك
تحت السياط وكانت دولته دون عامين، وذلك فى سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
(١) كذا فى المطبوعة، وفى ((البداية)) (٣١٤/٧): فى وفيات سنة (٦٨٦هـ) قال: شرف الدين
سليمان بن عثمان - كذا ولعلها مصحفة من بنيمان- الشاعر المشهور، له ديوان، مات فى
صفر منها أهـ.

[٣٥٨]
على بن يعقوب الموصلى: عيسى بن مهنا الثانى
وكان المجاهد المقبول، قد توثَّب أيضًا على ابن أخيه المخلوع، وأخذ منه
الملك، واستمر أربعة أعوام إلى أن قتل.
٦٤٦٣- ابن أبى المنصور، العماد شيخ القراء بدمشق وباء التحرير كما
الدين على بن يعقوب بن أبى زهران الوصالى الشاعر
أخذ عن أبى إسحاق بن وثيق، وحفظ ((الوجيز)) و((الحاوى))، وسوّد شرحًا
للشاطبية وتخرج به جماعة. وولى الإقراء بعد الزواوى بالصالحية.
توفى فى صفر سنة اثنتين وثمانين، وله إحدى وستون سنة(١)، سامحه الله.
كان ذا شهامة وجلادة. وله فكّ قوى بالأداء، وفصاحة.
عريه من الرقة والخشية، ويكثر ذلك فى قراء التجويد.
٦٤٦٠ - ابن مين منير
مانع ابن حديثة من فطر
زعيم آل فضل عرب الشام.
كان رئيسًا شجاعًا سريًا مطاعًا، له أولاد نجباء، وكان كامل العقل، حسن
الديانة وافر الجلالة، ذا منزلة عند الملك الظاهر، والملك المنصور.
أعطى مدينة تدمر(٢) ملكًا، وحضر مع الملك سنقر الأشقر يوم وقعة
الجسورة، فلما تفلل جمعه، أخذه عيسى فى ذمامه إلى ناحية الرحبة، ثم استولى
على صهيون، وشهد المصاف على حمص سنة ثمانين.
توفی فی شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، وقد شاخ.
وتأمّر بعده ابنه حسام الدين مهنا، فامتدت أيامه. وتوفى قبل عيسى بأربعة
أشهر. سيد آل مرّى وهو أخو فضل الأمير البطل بن حجى، وقد رأيته سنة سبع
وسبعين بدار السعادة، وكان شجاعًا مقدّمًا { .... }(٣).
(١) فمولده سنة (٦٢١هـ).
(٢) تدمر: مدينة مشهورة فى برية الشام بينها وبين حلب خمسة أيام. ((معجم البلدان)) (٢/ ٢٠).
(٣) كذا بالمطبوعة.

[٣٥٩]
حازم بن محمد القرطاجنى / سعيد بن على البصروى / عبد الرحمن قراجا
وكان القاضى شمس الدين ابن خلكان يضيفه ويقول { ... }(١) عمنا كان
يزعم أنه من ذرية جعفر البرمكى، ومن أولاد أخت هارون الرشيد، وكان ذا
رتبة، ومنزلة عند الملك الظاهر.
خلف عدة أولاد أمراء.
والصحيح أنهم طائيون.
٦٤٦٨ - القَرْطَاجَنَى، العلامة اللغوى شاعر الأندلس أبو الحسين حازم بن
محمّد بن الحسن بن محمّد بن حازم الأنصارى الأندلسى. [٦٠٩-٦٨٤ هـ]
وقرطاجنّة من عمل مرسية. أخذ من جرير بن حطان المرسى، وابن أبى
الشداد وغيرهما. مولده سنة تسع وستمائة .
وله تصانيف ونظم كثير، ألّف كتاب المشترك فى اللغة، وألّف فى القوافى،
وله تأليف فى علم البيان فائق، وله قصيدة ميمية فى النحو، ومقصورة من نحو
ألف بيت، وخمسين ((قفا نبك)) ضمّنها مدح النبى - تَّ - علم (٢) ليس لأحد
مثلها، ومدح ملوك الأندلس، وله موشحات بديعة، حتى قيل: كان متنبی زمانه.
أخذ عنه { .... }(٣) وبالغ فى تعظيمه فى الأدب، وقال: مات بتونس فى
ـهر رمضان سنة أربع وثمانين وستمائة.
٦٤٦٩ - الرشيد سعيد شيخ الحنفية وقاضيهم رشيد الدين سعيد بن على
ابن سعيد البَصْروى. [ ت ٦٨٤هـ]
مدرس الشِّبْليَّة. كان رأسًا فى الفقه، قوىّ العربية، شديد الورع، ذكر
للقضاء فامتنع، قال شيخنا ابن أبى الفتح: سمعت غير واحد يقول: ما خلّف
مثله فى المذهب، وله نظم جید.
مات كهلاً فى رمضان سنة أربع وثمانين وستمائة.
٦٤٧٠- عَبْد الرَّحمن الشيخ الكبير الذى نفذه القان أحمد بن هولاكو
رسولاً إلى سلطان الإِسلام. [ ت ٦٨٣هـ]
(١)، (٢)، (٣) كذا بالمطبوعة.

[٣٦٠]
الشيخ عبدالرحمن قراجا
كان والده مملوكًا، وربما من غلمان دار الخلافة فنشأ عَبْدالرَّحمن بالدار، ثم
صار من فرّاشى المستعصم بالله، وكان اسمه: قراجا فى الأول.
ولما قتل الخليفة واستبيحت بغداد نجا عَبْدالرَّحمن وقيل بل أسر وكان قد
ظفر بجواهر نفيسة، ثم صُيِّر فراشًا للقان، ثم إنه تزهد وعمل الناموس، وسار
إلى الموصل، فاتصل بالأمير أَيْبَك، وكان أيبك مهووسًا بالكيمياء، فربطه
عَبْدِ الرَّحمن، ومَخْرَقَ عليه، فمضى فى صحبته إلى أبْغَا، فدخل إلى عَبْدالرَّحمن
وقال: رأيت رؤيا أن فى قلعة دفينا من توابيت، وكان عَبدالرَّحمن قد دفن هناك
تلك الجواهر، فبعث معه أَبْغَا جماعة، فوقف وتردد ثم قال لهم: احفروا هنا،
فحفروا فظهر الدَّفين، فعظم بذلك عند أبْغَا وقرّبه، وخضع له، فربطه أيضًا بشئ
من السيمياء والشعوذة، ثم اتخذ خاتمين على صفة واحدة، فأخرج أحدهما
فأعطاه أبْغًا وهو على حافة بحيرة عميقة، ثم قال: إن ألقيته فى البحيرة استخرجته
لك، فألقاه وقاما، فلما كان من الغد أقبلا، وقد عمل عَبدالرَّحمن سميكة من
خشب مجوفة ملأها ملحًا مع الخاتم الآخر ورماها فى الماء، فغاصت ساعة وهو
يهمهم ويرقى، فذاب الملح، فطفت السميكة والخاتمِ يبرق فى فمها، فانبهر أبْغًا،
وأحضروها له، فأخذ الخاتم من فيها، ودك عَبدالرَّحمن فيها رصاصة وألقاها فى
البحيرة، فغاصت، والملك يتعجب.
ثم إنه اتصل بالملك أحمد وحسَّن له الإسلام، فأسلم، ووعده بأنه يتملَّك،
فتملَّك، فصار أَحمد ينزل إلى زيارته، ويقبِّل يده، ولا يخالفه فى أمر، فانْتُفِع به
فى الجُمْلة، فأشار عليه بمصالحة صاحب مصر، وباجتماع الكلمة، فبعث رسلاً فى
ذلك.
ثم قال عَبْد الرَّحمن: أنا أذهب فى توثيق الصلح، فأقبل وفى خدمته عدد
من المغول والكبار، فوصل إلى دمشق فى آخر سنة اثنتين وثمانين، فأنزل بالقلعة
فى دار رضوان، ورتب لهم أشياء مفتخرة، ثم بلغ السلطان - رحمه الله- مصرع
أَحمد، وسلطنه أرغو بن أبْغا، فاستُحْضِر عَبدالرَّحمن بقلعة دمشق ليلاً، وسمع ما
قدم به، ثم أخبره بهلاك مرسله، فبقى عَبدالرَّحمن وأتباعه فى القلعة معتقلين
مدة، فلما كان بعد تسعة أشهر توفى هذا فى آخر رمضان سنة ثلاث وثمانين،
ودفن بسفح قاسيون، وقد جاوز الستين، وكان مع طريقته مسلمًا، حسن العقيدة،