Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ سادساً - نشاطُه العلمي ومناصبه التدريسية: بدأت حياةُ الذهبي العلمية في الإِنتاج في مطلع القرن الثامن الهجري كما يبدو، فبدأ باختصار عددٍ كبير من أمهات الكتب في شتى العلوم التي مَارسها، ومن أهمِّها التاريخ والحديث. ثم توجّه بعد ذلك إِلى تأليف كتابه العظيم ((تاريخ الإِسلام)» الذي انتهى من إخراجه لأول مرة سنة ٧١٤(١) هـ. وقد تولَّى الذهبي في سنة ٧٠٣ هـ الخطابة بمسجد كفر بطنا (٢)، وهي قرية بغوطة دمشق(٣)، وظلَّ مقيماً بها إلى سنة ٧١٨ هـ. وفي هذه القرية الهادئة ألَّف الذهبي خيرة كتبه، وقد ساعده على ذلك كما يبدو تفرُّغه التام للتأليف. ٠ وفي شوال سنة ٧١٨ هـ تُوقِّي الشيخ كمال الدين أحمد بن محمد بن أحمد ابن الشريشي الوائلي، وكيلُ بيت المال، وشيخ دار الحديث بتربة أم الصالح وغيرها(٤)، وكانت هذه الدار من كُبرياتٍ دور الحديث بدمشق آنذاك(٥)، تولََّ ها كمال الدين ابن الشريشي مدة ثلاث وثلاثين سنة ابتداءاً من سنة ٦٨٥ هـ وإلى حين وفاته وكان والده قد تولاها قبله(٦). قال ابن كثير في حوادث سنة ٧١٨ هـ: ((وفي يوم الاثنين العشرين من (١) انظر الورقة الأخيرة من نسخة أيا صوفيا ٣٠١٤. (٢) الحسيني: ((ذيل العبر)) ص ٢٦٩، ابن كثير: ((البداية)) ١٤ / ٢٨. (٣) محمد كرد علي: ((غوطة دمشق)) ص ٢٤ . (٤) الذهبي: ((ذيل العبر)) ص ٩٩، ابن كثير: ((البداية))، ١٤ / ٩١، النعيمي: ((تنبيه الدارس)) ١ / ٣٣ - ٣٤. (٥) النعيمي: ((تنبيه)) ١ / ٣١٦، وواقفها هو الصالح إسماعيل ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر. (٦) ابن كثير: ((البداية)) ١٤ / ٨٨، ٩١، النعيمي: ((تنبيه)) ١ / ٣٤. ٤٢ ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي المحدِّثُ الحافظُ بتربة أم الصالح ◌ِوَضاً عن كمال الدين ابن الشريشي ... وحضر عند الذهبي جماعة من القُضاة(١)). وقد اتخذها الذهبي سكناً له وبقي فيها إلى حين وفاته . وفي يوم الأربعاء السابع عشر من جمادى الآخرة سنة ٧٢٩ هـ وَلِيَ شمس الدين الذهبي دار الحديث الظاهرية(٢) بعد الشيخ شهاب الدين أحمد بن جهبل ونزل عن خطابة كفر بطنا(٣). ولما توفِّي الشيخ علم الدين البِرْزالي، شيخُ الذهبي ورفيقه، سنة ٧٣٩ هـ، تولَّى الذهبي تدريسَ الحديث بالمدرسة النفيسية وإِمامَتها عوضاً عنه، وكتبَ له تلميذُه صلاح الدين الصفدي توقيعاً بذلك(٤). وفي هذه السنة أيضاً، أعني سنة ٧٣٩ هـ، كَمُلَ تعمير دار الحديث والقرآن التنكزية(٥)، وباشرَ الذهبي مشيخَةَ الحديث بها(٦). وقد أخطأ محبي (١) ابن كثير: ((البداية)) ١٤ / ٨٨. (٢) أسسها الملك الظاهر بيبرس البندقداري سنة ٦٧٦ هـ، هي والمدرسة الظاهرية وهي اليوم مقر دار الكتب الظاهرية الواقعة قبالة المجمع العلمي العربي بدمشق، انظر عنها: النعيمي : ((الدارس)) ١ / ٣٤٨. (٣) ابن كثير: ((البداية)) ١٤ / ١٤٣. (٤) الصفدي: ((الوافي)) ٢ / ١٦٦ وتجد نص التوقيع في كتابه. (٥) منسوبة إلى الأمير تنكز نائب الشام، وليها سنة ٧١٢ هـ ومات معتقلاً بالإسكندرية في أوائل سنة ٧٤١ هـ (الحسيني: ((ذيل العبر)) ص ٢١٩ - ٢٢٠، ابن حجر: ((الدرر))٥٥/٢ /٦٢) قال ابن كثير في حوادث سنة ٧٣٩ هـ: ((ومما حدث في هذه السنة إكمال دار الحديث السكرية (كذا والصحيح: التنكزية) وباشر مشيخة الحديث بها الشيخ الإمام الحافظ مؤرخ الإِسلام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، وقرر فيها ثلاثون محدثاً لكل منهم جراية وجامكية كل شهر سبعة دراهم ونصف رطل خبز، وقرر للشيخ ثلاثون رطل خبز، وقرر فيها ثلاثون نفراً يقرؤون القرآن لكل عشرة شيخ، ولكل واحد من القراء نظير ما للمحدثين، ورتب لها إمام، وقارىء حديث، ونواب، ولقارىء الحديث عشرون درهماً وثماني أواق خبز وجاءت في غاية الحسن ... الخ، ١٤ / ١٨٤. (٦) ابن كثير: ((البداية)) ١٤ / ١٨٤، النعيمي: ((تنبيه)) ١ /١٢٣. ٤٣ الدين عبد القادر النعيمي المتوفى سنة ٩٢٧ هـ حينما جعل الذهبي يخلُف تقي الدين ابن تيمية في دار الحديث السُّكرية(١)، فترجمه فيها(٢) وکرَّر ذلك، مع أن الذهبي لم يتوَلَّ هذه الدار كما يبدو. ويظهر أن ((التنكزية)) تحرفت إلى ((السكرية))(٣) فظن الرجل أنه تولاها، مع أنه ذكر أن الذهبي تولَّى دار الحديث التنكزية ونقل النصوص الدالة نفسها، قال في دار الحديث السكرية بعد أن ترجم لشيخها تقي الدين ابن تيمية المتوفّى سنة ٧٢٨ هـ: ((ثم وَلِيَها بعده الحافظ الذهبي وهو محمد ... ثم وَلِيَ مشيخَةَ السكرية هذه بعدَه الصدرُ المالكي)). قال الشيخ شمس الدين السَّيِّد في ((ذيل العبر)) (في)(٤) سنة تسع وأربعين وسبع مئة: ((والإِمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم(٥) المالكي مدرس الشرابيشية وشيخ السكرية بعد الذهبي)). انتهى. وقال الصلاح الصفدي في ((تاريخه)) في حرف السين: ((سليمان بن عبد الحكم ... إلخ(٦)) ثم قال في ((دار القرآن والحديث التنكزية)) من كتابه بعد ذكر عمارتها ووقوفها: ((قال السيد الحسيني في ((ذيل العبر)) في سنة تسع وأربعين (وسبع مئة)(٧): والإِمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم المالكي (١) ((تنبيه الدارس)) ١ / ٧٧ - ٧٨. (٢) المصدر نفسه ١ / ٧٨ - ٧٩. (٣) علماً بأنها محرفة في النسخة المطبوعة من ((البداية والنهاية)) (١٤ / ١٨٤) وهذه النسخة كثيرة الأغلاط كما هو معروف. (٤) زيادة مني يقتضيها السياق. (٥) هكذا في الأصل. وفي ((ذيل العبر)) (ص ٢٧٦) و ((ذيل تذكرة الحفاظ)) (ص ١١٩): عبد الحكيم. وهو الصحيح. (٦) النعيمي: ((تنبيه)) ١ / ٧٧ - ٨٠. (٧) زيادة من عندي يقتضيها السياق. ٤٤ شيخهُم ومدرِّس الشرابيشية وشيخ التنكزية بعد الذهبي. انتهى. وقد تقدمت ترجمة الذهبي في دار الحديث السكرية. وقال الصلاح الصفدي في ((تاريخه)) في حرف السين: ((سليمان ابن عبد الحكم ... إلخ(١). وهذا النص الأخير هو الصحيح وهو الذي أورده الحسيني في ((ذيل العبر))(٢). إن هذا الاختلاط والتحريف بالنصوص جعل الدكتور صلاح الدين المنجد يذهب إلى القول بأن الذهبي خلَف ابن تيمية سنة ٧٢٨ هـ في دار الحديث السكرية وهو وَهْمٌ لا أساس له(٣). ومن دُور الحديث التي تولاها الذهبي دارُ الحديث الفاضلية (٤)، التي أسَّسها القاضي الفاضل وزير صلاح الدين المتوفّى سنة ٥٩٦ هـ. وهكذا تولَّى الذهبيُّ كُبرياتٍ دور الحديث بدمشق في أيامه، لِمَا وصل إليه من المعرفة الواسعة في هذا الفن. وحينما تُوقِي سنة ٧٤٨ هـ كان يتولَّى مشيخَةَ الحديث في خمسة أماكن هي : ١ - مشهد عروة، أو دار الحديث العُرويَّة، ودرَّس فيها بعده شرف الدين ابن الواني الحنفي، نَزَل الذهبي له عنها في مرض موته(٥). (١) النعيمي: ((تنبيه الدارس)) ١ / ١٢٧. (٢) الحسيني: ((ذيل ذيل العبر)) ص ٢٧٦ . (٣) مقدمة الجزء الذي طبعه من ((سير أعلام النبلاء)) ١ / ٢٢ والطريف أن ابن تيمية لم يكن متولياً لهذه المدرسة سنة ٧٢٨ فقد اعتقل في ١٦ شعبان سنة ٧٢٦ وظل معتقلاً بالقلعة إلى حين وفاته في ليلة العشرين من ذي القعدة سنة ٧٢٨ (ابن كثير: ((البداية)) ١٤ / ١٢٣، ١٣٥). (٤) النعيمي: ((تنبيه الدارس)) ١ / ٩٤. (٥) ابن قاضي شهبة: ((الإِعلام)) الورقة ٨٦ وهي منسوبة إلى شرف الدين محمد بن عروة الموصلي المتوفى سنة ٦٢٠ هـ (النعيمي: ((تنبيه الدارس)) ١ / ٨٢). - ٤٥ ٢ - دار الحديث النفيسية، وقد نزل الذهبي عنها إلى الشيخ شرف الدين ابن الواني الحنفي في مرض موته أيضاً فَدرَّس فيها في ذي القعدة(١). ٣ - دار الحديث التنكزية، ودَرَّس فيها بعده الإِمام صدر الدين سليمان ابن عبد الحكيم المالكي كما مرَّ بنا قبل قليل(٢). ٤ - دار الحديث الفاضلية بالكَلَّسة، ودَرَّس فيها بعده تلميذُه تقي الدين أبو المعالي محمد بن رافع بن هجرس السَّلَّمي المتوفّى سنة ٧٧٤ هـ(٣). ٥ - تربة أم الصالح، دَرَّس فيها بعده تلميذه الحافظ أبو الفداء عماد الدين ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ(٤). (١) ابن قاضي شهبة: ((الإِعلام)) الورقة ٨٦. (٢) وانظر أيضاً ابن قاضي شهبة: ((الإِعلام)) الورقة ٨٦. (٣) ابن قاضي شهبة: ((الإِعلام)) الورقة ٨٦، والنعيمي: ((تنبيه)) ١ / ٩٤. (٤) قال في كتابه («البداية والنهاية)) في حوادث سنة ٧٤٨ هـ: ((وفي يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة حضرتُ تربة أم الصالح - رحم الله واقفها - عوضاً عن الشيخ شمس الدين الذهبي، وحضر جماعة من أعيان الفقهاء وبعض القضاة، وكان درساً مشهوداً ولله الحمد والمنة ... إلخ)) ١٤ / ٢٢٥. -- ٤٦ سابعاً - منزلة الذهبي العلمية : لعلَّ خِير ما يصوِّر منزلة الذهبي العلمية واتجاهاتهِ الفكريةَ هو دراسة آثاره الكثيرة التي خَلَّفها، وتِبيانُ قيمتها مقارنةً بمثيلاتها، ومدى اهتمام العلماء والدارسين بها في العصور التالية، والمساهمة الفعلية التي قدَّمتها للحضارة الإِسلامية . وسيرة الذهبي العلمية، استناداً إلى آثاره، ذاتُ وجوه متعددة يستبينُها الباحث الفاحص من نوعيَّة تلك الآثار. وأول ما يُلاحظ الدارسُ هذا العدد الضخمَ من الكتب التي اختصرها والتي تُربي على خمسين كتاباً، مُعظمها من الكتب الكبيرة التي اكتسبت أهمية عظيمة عند الدارسين، والتي تُعدُّ من بين أحسن الكتب التي وُضعت في عصرها وأكثرها أصالة، مما يدل على استيعاب الذهبي لمؤلفات السابقين، ومعرفته بالجيد الأصيل منها، وتمتَّعه بقدرةٍ ممتازة على الانتقاء. ومما يثير الانتباه أن مختصرات الذهبي لم تكن اختصارات عادية يغلب عليها الجمود والنقل، بل إن المطَّلع عليها الدارسَ لها برَوِيَّةٍ وإمعان يجد فيها إضافات كثيرة، وتعليقاتٍ نفيسة ،واستدراكات بارعة ، وتصحيحات وتصويبات لمؤلف الأصل إذا شعر بوهمه أو غلطه، ومقارنات تدل على معرفته وتبحره في فن الكتاب المختصر؛ فهو اختصارٌ مع سد نقص وتحقيق ونقد وتعليق وتدقيق، وهو أمر لا يتأتى إلا للباحثين البارعين الذين أوتوا بسطة في العلم ومعرفة بفنونه . والذهبي حين يضيف إلى الكتاب المختصر. يَشعر بضرورةٍ ذلك لسد نقصٍ يعتري ذلك الكتاب. فحينما اختصر - مثلاً - كتاب ((أسد الغابة في ٤٧ معرفة الصحابة)) لعز الدين ابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ هـ زاده من عدة تواريخ منها: ((تاريخ الصحابة الذين نزلوا حمص)) لأبي القاسم عبد الصمد ابن سعيد الحمصي المتوفى سنة ٣٢٤ هـ، و((مسند» الإِمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ، و((مسند)) بقيّ بن مَخْلَد المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، و ((طبقات)) ابن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ هـ، و((تاريخ دمشق)) لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ، ومن كتابات ابن سَيِّد الناس المتوفى سنة ٧٣٤(١) هـ. وقال سبط ابن حجر عند كلامه على اختصار الذهبي ((للمعجم المشتمل على ذكر شيوخ الأئمة النَّبَل)) لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ: ((زاده فوائد ومحاسن))(٢). ويجد الباحث في مختصرات الذهبي تعليقات نفيسه، ومن ذلك - مثلاً - ما عمِلَهُ في كتاب ((الكاشف)) الذي اختصره من ((تهذيب الكمال)) لأبي الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ، فعلى الرغم من محافظة الذهبي على روح النص الأصلي، فقد بث فيه من روحه ونشر فيه من علمه ما جعله یکاد يكون مؤلّفاً من تأليفه مخالفاً للأصل المختصر منه في كثير من الأمور. وآية ذلك أنه علَّق على آراء بعض أئمة الجرح والتعديل فيه تعديلاً أو إبطالاً، كما حَقق كثيراً من التراجم وزادها تدقيقاً لا نجده في الأصل. فضلاً عن بيانٍ رأيه في كثير من الرواة على أسس من دراساته الواسعة، وخِبرته العميقة بعلم الحديث النبوي الشريف مما حدا بتاج الدين السبكي أن يصف هذا المختصر بأنه ((كتاب نفيس))(٣). (١) أنظر أدناه قائمة المختصرات في مؤلفات الذهبي وما كتبناه عنه في كتابنا: ((الذهبي ومنهجه)»: ٢١٧ - ٢١٨. (٢) ((رونق الألفاظ)) الورقة ١٨٠. (٣) ((طبقات الشافعية)) ٩ / ١٠٤. ٤٨ وتظهر براعة الذهبي في النقد والتحقيق في كثير من هذه المختصرات، فمِن ذلك - مثلاً - ما ظهر في مختصره لكتاب ((المستدرك على الصحيحين)) لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ الذي قصد فيه مؤلفه أن يورد أحاديث على شرط البخاري ومسلم مما لم یذكراه في صحيحيهما، حيث يتبيَّنُ لنا من مُطالعة المختصر وتعليقات الذهبي عليه وتخريجاته ونقدهِ أنه لم يصحح من أحاديث الكتاب سوى النصف، وَبَيَّن أن نصف النصف الآخر يَصح سنده وإن كان فيه علة، أما الربع الأخير فهو أحاديث مناكير وواهيات لا تصح، بل إن في بعضها أحاديثَ موضوعة(١). وهذا يعني أن الذهبي قد أعاد دراسة جميع أحاديث المستدرك مجدداً ونقدها، فخرج بهذه النتيجة . وغالباً ما يقوم الذهبي بتخريج الأحاديث الواردة في الكتب التي يقوم باختصارها، فغالب التخريج في كتاب «تلخيص العلل المتناهية في الأحاديث الواهية)) الذي لخصه من كتاب ((العلل)) لابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ هو من كلام الذهبي(٢). ولما اختصر الذهبي كتاب ((السنن الكبرى)) للبيهقي المتوفى سنة ٤٥٨هـ. تكلّم على أسانيد الكتاب بنفائسَ تدُلُّ على تبحره بهذا الفن، ووضع رموزاً على الحديث لمن خَرَّجه من أصحاب الصحيحين والسنن الأربع، وخرَّج الأحاديث التي لم ترد في هذه الكتب الستة . وكثيراً ما كان الذهبي يخرِّج تراجم الكتب التي يختصرها في علم الرجال . (١) انظر ما كتبناه عن ((مختصر المستدرك)) في كلامنا على مؤلفات الذهبي من كتابنا: ٢٤٨ - ٢٤٩. (٢) الذهبي: ((تلخيص العلل)) ورقة ٨٥ (نسخة الأزهر رقم ٢٩٠ حديث). ٤٩ من ذلك - مثلاً - ما عمِلَهُ في اختصاره لتاريخ ابن الدبيثي المتوفى سنة ٦٣٧ هـ حيث زاد في كثير من تراجمه ولا سيما الرجال الذين أخذوا عن صاحب الترجمة، وهو ما أغفله ابن الدبيثي في ((تاريخه)) (١). كما تظهر مقارنات دقيقة بالكتب والتواريخ التي من بَابته ((كتاريخ محب الدين ابن النجار)) المتوفى سنة ٦٤٣ هـ الذي ذيَّل به على تاريخ الخطيب المتوفى سنة ٤٦٣ هـ (٢)، و((وفيات الأعيان))، لابن خَلِّكان المتوفى سنة ٦٨١(٣) هـ، و((التكملة لوفيات النقلة)) لزكي الدين المنذري المتوفى سنة ٦٥٦ (٤) وغيرها. أو من كتب الشعر ككتاب ((الخريدة)) للعماد الأصبهاني القرشي المتوفى سنة ٥٩٦ (٥) هـ. أو من كتابات كبار العلماء الذين أخذوا عن المترجم له، مثل زكي الدين البِرْزالي المتوفى سنة ٦٣٦ (٦) هـ، وفخر الدين ابن البخاري المتوفى سنة ٦٩٠ هـ صاحِب ((المشيخة)) المشهورة(٧)، وشهاب الدين أحمد بن إسحاق الأبرقوهي المتوفى سنة ٧٠١ هـ (٨)، وضياء الدين المقدسي المتوفى سنة (١) انظر ((المختصر المحتاج)) مثلاً ١ / ١٨، ٢٠، ٢١، ٢٥، ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٣٥، ٤٠، ٤٢، ٤٤، ٤٧، ١٠١، ١١٦، ١١٧، ١١٩، ١٤٨، ١٧٩، ١٩٩ .. إلخ. (٢) انظر ((المختصر المحتاج)) مثلاً ١ / ٢١، ٤٩، ٥١، ٦٩، ٧٢، ٧٧، ٨٠، ١٠١، ١٣٦، ١٤٩، ١٥٠، ١٥٨، ١٦٩، ١٧٠، ١٧٢، ١٧٥، ١٧٨، ١٨١، ١٨٣، ١٨٤، ١٨٨، ٢٠٠، ٢٠١، ٢١١، ٢١٢، ٢١٥، ٢١٦، ٢٢٠، ٢٢٣، ٢٢٧، ٠٢٢٨ .. الخ. (٣) المصدر السابق، مثلاً ١ / ١٧٥ . (٤) المصدر نفسه ١٥٨/١. (٥) ((المختصر)) ٢٢٥/١. (٦) ((المختصر)) مثلاً ٦٢/٢. (٧) المصدر نفسه، مثلاً ٦٣/٢. (٨) ((المختصر)) مثلاً ٣٦/٢. سير ٤/١ ٥٠ ٦٤٣ هـ (١) وغيرهم كثير. أو من خطوط العلماء نحو قوله: ((قرأت بخط ابن قدامة)) (٢). فضلاً عما أضاف هو من الأسانيد التي قرأها على شيوخه مما يتصل بتلك التراجم، وهي إضافة أصيلة للترجمة، فهو حينما يقول مثلاً: ((وروى لنا عنه بمصر أبو المعالي الأبرقوهي(٣))) أو ((روى لنا عنه أبو العباس ابن الظاهري وأبو الحسين اليونيني وعلي بن عبد الدائم ومحمد بن يوسف الإِربلي ... إلخ (٤)) فمعنى ذلك أن هؤلاء الشيوخ قد أخذوا عن صاحب الترجمة (٥). ومن إضافاته إلى تلك المختصراتِ أيضاً تواريخ وفيات المترجمين الذين لم يذكر صاحب الكتاب الأصلي وفياتهم. فنحن نعلم - مثلاً - أن ابن الدُّبيثي لم يذكر وفاة أحد ممن ذكرهم في تاريخه ممن تأخرت وفاتهُ عن سنة ٦٢١ هـ وهي السنة التي حَدَّث ابن الدبيثي فيها بتاريخه والتي تُمثِّلُ آخر إخراج له (٦)، في حين أن وفيات بعضهم قد تأخرت إلى النصف الثاني من القرن السابع الهجري، فاستخرجَ الذهبي وَفياتهم وذكرهاليكون اختصاره أكملَ ولتكون معلومات الكتاب أتم(٧). يضاف إلى ذلك أنه يَروي بعض الأحاديث الواردة في هذه المختصرات (١) المصدر نفسه، مثلاً ٣٦/٢، ٦٢. (٢) المصدر نفسه، مثلاً ٦٥/١ (٣) المصدر نفسه، ٢١/١. (٤) المصدر نفسه ٢٣/١. (٥) انظر مزيداً من الأمثلة، ((المختصر)) مثلاً ٧٦/١، ١٣٠، ١٣٦، ١٤٠، ١٥٢، ٢٢٦، ٢٣١ . (٦) انطر كتابنا: ((تاريخ بغداد لابن الدبيئي، منهجه، موارده، أهميته)) ص ٤ (بغداد ١٩٧٤). (٧) انظر ((المختصر المحتاج إليه)) مثلاً ١ / ٧٦، ٨٦، ١٠٦، ١٣٣، ١٥١، ٠٠٠١٥٢ إلخ . ونجد أيضاً ذكراً لوفيات من يرد اسمه عرضاً في بعض الاحيان ١٠٣/١. ٥١ بسنده إذا وجد مجالاً لذلك (١). وأعاد الذهبي تنظيمَ بعض الكتب التي اختصرها، فحينما اختصر كتاب ((الكُنى)) لأبي أحمد الحاكم المتوفى سنة ٣٧٨ هـ أعاد ترتيبه على حروف المعجم بعد أن أضاف إليه أشياء أخرى مما ليسَ فيه (٢). كما رتب ((المجرد من تهذيب الكمال)) على عشر طبقات ورتّب كل طبقة على حروف المعجم، في حين كان كتاب ((تهذيب الكمال)) للمِزِّي مرتباً على حروف المعجم (٣). وقد حَفِظْنا من سيرة الذهبي أنه عُنِيَ بالقراءات ودَرسَها على كبار شيوخ عصره من المقرئين المشهورين حتى أصبح ((الأستاذ الثقة الكبير(٤))) فيها. وذكر ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢ هـ أنه كان «إماماً في القراءات(٥)). لكننا نلاحظ في الوقت نفسه أنه لم يتخرج عليه في القراءات سوى عدد قليل جداً (٦) ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنه عُنِيَ بهذه الناحية في مطلع حياته العلمية، ثم اتجه بعد ذلك إلى الحديث والتاريخ وغيرهما. ولم نعرف من آثاره في هذا الفن غير كتاب ((التلويحات في علم القراءات(٧)) وكتاب ((معرفة (١) ((المختصر المحتاج إليه)) ١ / ٤٩، ٦٥. (٢) انظر مقدمة نسخة فيض اللّه رقم ١٥٣١ من الكتاب. (٣) انظر كلامنا على كتاب ((المجرد من تهذيب الكمال)) في كتابنا: ((الذهبي ومنهجه)): ٢٣٠ . (٤) ابن الجزري: ((غاية)) ٢ / ٧١ . (٥) ((الرد الوافر)) ص ٣١. (٦) ابن الجزري: ((غاية)) ٧١/٢، قال: ((ولم أعلم أحداً قرأ عليه القراءات كاملاً، بل شيخنا الشهاب أحمد بن إبراهيم المنبجي الطحان قرأ عليه القرآن جميعه بقراءة أبي عمرو والبقرة جمعاً. وروى عنه الحروف إبراهيم بن أحمد الشامي ومحمد بن أحمد ابن اللبان وجماعة. وسمع منه الشاطبية يحيى بن أبي بكر البوني وحدث بها عنه في اليمن)). (٧) انظر أدناه كلامنا على آثار الذهبي (القراءات). ٥١ القراء الكبار على الطبقات والأعصار)» الذي هو إلى كتب التراجم أقرب منه إلى القراءات وإن كانت محتوياته غالباً ما تتعلق بموضوع القراءات. وقد شهد له ابن الجزري بالإِحسان فيه(١)، لذلكَ سَلخَه بأجمعه في كتابه «غاية النهاية» كما نص على ذلك في المقدمة(٢)، ووصَفهُ شمس الدين السخاوي بأنه ((كتاب حافل))(٣). ومع كل ذلك فإِنَّ هذا الوجه من حياة الذهبي العلمية هو أضعف الوجوه وأقلها آثاراً. على أن مكانة الذهبي العلمية وبراعته تظهران في أحسن الوجوه إشراقاً وأكثرها تألقاً عند دراستنا له مُحدِّثً يُعنى بهذا الفن، فقد مَهر الذهبي في علم الحديث وجمع فيه الكتب الكثيرة ((حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفاً(٤)). وقد رأينا إقباله العظيم عليه وشَرَهَهُ لسماعه، وذاكَ العدد الضخم من الشيوخ الذين حَوّتْهُم معجمات شيوخه الثلاثة، والكتب، والأجزاء، والمجاميع الكثيرة التي قرأها على الشيوخ أكثر من مرة. وقد فَتحت له هذه المعرفة الواسعة آفاقاً عظيمة في هذا الفن فاختصر عدداً كبيراً من الكتب، وأَلَّف عدداً أكبر يستبينه الباحث عند إلقائه نظرة على قائمة مؤلفاته في هذا المجال. كما ألَّف في مصطلح الحديث كتباً، وخرَّج التخاريج الكثيرة من الأربعينات؛ والثلاثينات، والعوالي، والأجزاء، ومعجماتِ الشيوخ، والمشيخات، وغيرها مما فصَّلنا القول فيه عند كلامنا على آثاره(٥). ومع أن الذهبي قد عاش في عصرٍ غلب عليه الجمود والنقل والتلخيص، (١) ((غاية)) ٢ / ٧١ . (٢) المصدر نفسه ٣/١. (٣) ((الإعلان)) ص ٥٦٤ . (٤) ابن حجر: الدرر ٤٢٦/٣. (٥) كتابنا: ((الذهبي ومنهجه)): ١٣٩ فما بعد. ٥٣ فإنه قد تخلَّص من كثير من ذلك بفضل سعة دراساته وفطنته. قال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ: ((لم أجد عنده جمود المحدثين ولا كَوْدنة(١) النَّقَلة بل هو فَقيه النظر، له دُرْبةٌ بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات. وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثاً يورده حتى يُبِيِّن ما فيه من ضعفٍ مَتنٍ، أو ظلام إسنادٍ، أو طَعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يُورده)(٢). إن هذه البراعة في علم الحديث، والتمكُّن منه ذاك التمكن، جعلتِ الذهبي ينطلق بعد ذلك يجرِّح، ويعدِّل، ويفرِّع، ويصحِّح، ويعلِّل، ويستدرك على كبار العلماء(٣)، ((فدخل في كل باب من أبوابه)) على حد تعبير تلميذه تاج الدين السبكي(٤)، حتى أطلق عليه معاصروه ((محدِّث العصر (٥))). وبلغ اعتراف حافظ عصره الإِمام ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ بفضل الذهبي وبراعته إلى درجة أنه شرب ماء زمزم سائلاً الله أن يصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ وفطنته(٦). (١) الكودنة : البلادة . (٢) ((الوافي)) ٢ / ١٦٣. (٣) الحسيني: ((ذيل تذكرة الحفاظ)) ص ٣٥. (٤) ((الطبقات الوسطى)) (ترجمة الذهبي من نسخة دار الكتب المصرية رقم ٥٥٤). (٥) السبكي: ((الطبقات)) ١٠٠/٩، العيني: ((عقد الجمان)) ورقة ٣٧ (أحمد الثالث رقم ٢٩١١) . (٦) استناداً إلى حديث رسول الله - وَ﴾ - «ماء زمزم لما شرب له)) وقد ذكر ذلك تلميذه السخاوي في ((الإعلان)) (ص ٤٧٢). وقديماً شرب ابن خزيمة المتوفى سنة ٣١١ هـ ماء زمزم وطلب علماً نافعاً (الذهبي: تذكرة، ٢ / ٧٢١). وقال الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ : ((شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف)) (الذهبي: تذكرة، /٣ / ١٠٤٤). وألف شمس الدين محمد بن طولون الدمشقي المتوفى سنة ٩٥٣ هـ رسالة في ((التزام مالا يلزم فيما ورد في ماء زمزم)) منها نسخة في خزانة كتب جستربتي في دبلن ضمن مجموع برقم ٣٣١٧ . ٥٤ ومفهوم التاريخ عند الذهبي يتصل اتصالاً وثيقاً بالحديث النبوي وعلومه، ويظهر ذلك من كتب الرجال التي يُطلق الذهبي عليها اسم ((التاریخ)). وقد أصبح واضحاً أن الغاية الرئيسة من العناية بالرجال تأتي لضبط الرواة أولاً (١)، وهو ما يظهر في معظم مقدمات كتبه في هذا الفن، وهو مفهوم ساد عند المحدِّثين المؤرخين لا سيما في ذلك العصر(٢). وعلى علم الرجال، وعلى آثار الذهبي فيه، قامت شُهرته الواسعة باعتباره مؤرخاً، كما نرى. وقد خلَّف الذهبي في هذا الفن عدداً ضخماً من الآثار ابتدأها باختصار أمهات الكتب المؤلفة فيه، كالتواريخ المحلية مثل ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، والذيولِ عليه: لابن السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢هـ، وابن الدبيثي المتوفى سنة ٦٣٧هـ وابن النجار المتوفى سنة ٦٤٣هـ. ومنها أيضاً ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١هـ، و((تاريخ مصر)) لابن يونس المتوفى سنة ٣٤٧ هـ، و((تاريخ نيسابور)) لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ، و((تاريخ خوارزم)) لابن أرسلان الخوارزمي المتوفى سنة ٥٦٨هـ. ومن كتب الوفيات: ((التكملة لوفيات (١) انظر كتابنا: ((أثر الحديث في نشأة التاريخ عند المسلمين)). بغداد ، مطبعة الحكومة ١٩٦٦م، وبحثنا: ((مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ عند المسلمين)» المنشور في مجلة .الأقلام البغدادية، السنة الأولى، العدد الثالث ١٩٦٥م. (٢) حينما شعر الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ أن من بين مستدركاته على الذهبي في كتابه ((المشتبه)) أسماء لشعراء وفرسان في الجاهلية وما أشبه ممن ليست لهم رواية حديثية، اعتذر عن ذلك بقوله: ((فإن غالب مَنَّ ذكرت يأتي ذكره في كتب المغازي والسير والمبتدأ والأنساب والتواريخ والأخبار ولا يستغني طالب الحديث عن ضبط ما يرد في ذلك من الأسماء ولو لم يكن لهم رواية)) ((تبصير المنتبه)) ١٥١٣/٤. ٥٥ النقلة)) لزكي الدين المنذري المتوفى سنة ٦٥٦هـ وصلته للحسيني المتوفى سنة ٦٩٥هـ. ومن كتب الأنساب: كتاب ((الأنساب)) لأبي سعد السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢هـ. ومن كتب الصحابة كتاب ((أسد الغابة)) لابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠هـ. ومن كتب رجال الصحاح والسنن مثل كتاب ((تهذيب الكمال في معرفة الرجال)) لأبي الحجاج المِزِّي المتوفى سنة ١٤٢هـ، و((المعجم المشتمل على أسماء شيوخ الأئمة الثَّبل)) لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١هـ وغيرها (١). فكانت هذه المختصرات المادة الرئيسة التي كوَّنت شخصيته العلمية ومعرفته بالعصور السابقة . أما تراجم المعاصرين فُيُعَدُّ الذهبي من بين أحسن الذين كتبوا فيهم، وقد أدرك أهمية هذا الأمر فكان كتابه ((المعجم المختص بمحدثي العصر)) خير دليل على ذلك. ولا عبرة بعد ذلك بمن انتقده لتناوُلِه التاريخ المعاصر كابن الوردي(٢)، لأن هذا هو التاريخ الأكثر أهمية وخطراً، وهو الذي يعطي المؤرخ أهميَّته البالغة بين المؤرخين ويميزه عن غيره، وهو مما لم يدركه كثير من المعنيين بالتاريخ ومنهم ابن الوردي. لقد أنتجت هذه المعرفة الرِّجاليةُ الواسعة مؤلفاتٍ كثيرة لعل من أهمها كتابهُ العظيم ((تاريخُ الإِسلام ووفياتُ المشاهير والأعلام)) الذي هو إلى كتب التراجم أقرب منه إلى التاريخ بمفهومه الحديث، وكتابه النفيس ((سير أعلام النبلاء)) الذي لم يتضمن غير التراجم، ثم ذلك العدد الضخم من المؤلفات التي عرفناها له . (١) انظر كلامنا على ((المختصرات)) من كتابنا: الذهبي ومنهجه: ٢١٥ - ٢٦٤. (٢) ابن الوردي: تتمة المختصر ، ٣٤٩/٢ ٥٦ ولعل مما يُميز الذهبي عن غيره من بعض مؤلفي كتب الرجال والتراجم أنه لم يقتصر في تأليفه على عصر معين، أو فئة معينة، أو تنظيم معين، بل تناولت مؤلفاته رجال الإِسلام من أول ظهوره حتى عصره، بَلْهَ المعاصرين له . وهو في كتابته للترجمة فنان تراجمي مَليء بفن التراجم يجد الباحث فيها دقة متناهية في التعبير، وحبكاً للترجمة تَشُدُّ القارىء إليها مع تعدد الموارد وانتقاء لأفضلها وإبداءٍ لآرائه الشخصية فيها(١). وقد عانى الذهبي كتابة ((السيرة) وهو فن خاص له مميزاته التي تجعله يختلف عن كتابة ((الترجمة)) المجردة، فكتب في سير الخلفاء الراشدين، وأئمة الفقه، والحديث ، وغيرهم(٢). ومعرفة الذهبي الواسعة في الرجال دفعت تاج الدين السبكي الذي انتقده في بعض المواضع إلى القول: ((إنه كان شيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال، وكأنما جُمعتِ الأمة في صعيد واحد فنظرَها ثم أخذ يُعبِّر عنها إخبارَ من حَضَرها(٣))). وقد ازداد شأنه بعد عصره بحيث اعتُبرَ هو والمزي مؤرِّخي القرن الثامن اللذين لا ينافسهما أحد(٤)، وعدَّه الإِمام السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ رأسَ طبقة ذكر فيها القطب الحلبي المتوفى سنة ٧٣٥ هـ وابن سيد الناس المتوفى سنة ٧٣٤ هـ وشمس الدين المقدسي المتوفى سنة ٧٤٤هـ (١) انظر الفصل الثاني من هذا البحث عند كلامنا على منهج الذهبي في ((السير)) وما كتبناه عن منهجه في كتابه (تاريخ الإِسلام)» في كتابنا المذكور عنه. (٢) انظر أدناه ((السير)) من آثار الذهبي. (٣) السبكي: ((طبقات)) ١٠١/٩. (٤) السخاوي: ((الإعلان)) ص ٦٠٤. ٥٧ وتقي الدين السبكي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ وعلم الدين البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ وشهاب الدين النابلسي المتوفى سنة ٧٥٨(١) هـ وهم من أعلام الحفاظ المحدِّثين المؤرخين، وذكر أن المحدثين في عصره عيالٌ في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة أحدهم الذهبي (٢). ومع أن براعَة الذهبي التاريخية أكثر ما ظهرت في الرجال فإنه قد درس التاريخ السياسي، واختصر عدداً من المؤلفات الرئيسية فيه مثل تاريخ أبي شامة المتوفى سنة ٦٦٥هـ وتاريخ أبي الفداء المتوفى سنة ٧٣٢ هـ وغيرهما، وأفاد من معظم التواريخ المعروفة في عصره ودرسها كسيرة ابن إسحاق المتوفى سنة ١٥١ هـ وتواريخ: الطبري المتوفى سنة ٣١٠هـ وابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠هـ وابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ وغيرها مما يطول تعداده (٣) . وقد ظهرت هذه الكتابات في تواريخه المرتَبة على الحوادث والوفيات مثل ((تاريخ الإِسلام)) و(العبر)) و ((دول الإِسلام)) وغيرها. ونَستبين من نطاق كتاباته هذه أنه كان مؤرخاً جوَّال الذهنية استطاع استيعاب عصور التاريخ الإِسلامي من أول ظهوره حتى زمانه الذي كتب فيه مؤلفاته، وهي فترة تزيد على السبعة قرون، فَأَلَّف في كل هذه العصور بعد أن درسها دراسة عميقة قامت على دعامتين رئيستين هما: الرواية الشفوية والكتب وهذا أمر لم يَتأَتَّ لكثير من العلماء الذين سبقوه أو عاصروه. وحينما كتب الذهبي كتابه («تذكرة الحفاظ)» ورتَّبه على الطبقات تكلم في (١) السيوطي :: ((طبقات الحفاظ)) ورقة ٨٥ فما بعد (نسخة الاسكندرية). (٢) المصدر نفسه، ورقة ٨٦. (٣) انظر كلامنا على نهج الذهبي في الموارد من كتابنا: ((الذهبي ومنهجه)): ٢٨٤ فما بعد . ٥٨ نهاية أكثرها على الأوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية في الوقت الذي تناولته فأجمل الأوضاع العامة بفقراتٍ قليلة دلَّلت على سعة أفقه التاريخي وقدرته الفائقة على تصوير حقبة كاملة من الزمن وعلى امتداد العالم الإِسلامي المترامي الأطراف بعبارة وجيزة. وهذا أمر لا يتأتى إلا لمن استوعب العصر ودرسه دراسة عميقة بحيث حصل له مثل هذا التصور والفهم العام (١). ثم إن هذه المعرفة الرجالية الواسعة مع ما أوتي من ذكاء وإدراك واسعين جَعلتْ منه ناقداً رِجالياً ماهراً، تدلُّ على ذلك مؤلفاته في النقد وأصوله والتي مِن أبرزها كتابه العظيم ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال)» الذي اعتبره معاصروه (٢) ومن جاءَ بعدهم (٣) من أحسن كتبه وأجلّها. وقد تناوله عدد كبير من الحفاظ والعلماء والمعنيين بالنقد استدراكاً وتعقيباً وتلخيصاً بحيث قال شمس الدين السخاوي: ((وعوَّل عليه من جاء بعده(٤)). وللذهبي التفاتات بارعة في أصول النقد؛ فقد ألَّف رسالة في ((ذكر من يؤتمن قوله في الجرح والتعديل)) تكلّم فيها على أصول النقد وطبقاتِ النُّقاد وكيفية أخذ أقوالهم(٥) . وأورد في مقدمة ((الميزان)) عباراتِ الجرح والتعديل من أعلى مراتبها إلى أدناها وبيَّن مدلولاتها في النقد(٦). وهو في كتبه يشرح بعض هذه الأصول، (١) انظر مثلاً الذهبى: ((تذكرة الحفاظ)) ١ /٧٠، ١٥٨ - ١٦٠، ٢٤٤، ٣٢٨، ٢ / ٥٣٠، ٦٢٧ - ٦٢٨، ٤/ ١٢٦٦، ١٤٨٥ (٢) السبكي: ((طبقات)) ١٠٤/٩، الحسيني: ((ذيل تذكرة الحفاظ)) ص ٣٥ (٣) ابن حجر: ((لسان الميزان)) ١ /٤ (٤) ((الإعلان)) ص ٥٨٧ وانظر كلامنا على الميزان في كتابنا: ((الذهبي ومنهجه)): ١٩٣ - ٢٠١ (٥) نسخة أيا صوفيا رقم ٢٩٥٣ (٦) ((ميزان الاعتدال)) ١ /٣ - ٤ ٠ ٥٩ من ذلك مثلاً ماذكره في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي، قال: ((شيعي جَلْد، ولکنه صدوق فَلَنا صِدقه، وعلیه بدعته. وقد وثّقه أحمد بن حنبل، وابن معين ، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال: كان غالياً في التشيع . وقال السعدي: زائغ مجاهر. فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحدُّ الثقة العدالة والإِتقان؟ فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة؟ وجوابه أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرىُ كُغُلوِّ التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولاتحرف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدَّ حديث هؤلاء الذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مَفسدة بينة. ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يُحتج بهم ولا كرامة ... ولم یکن أبان بن تغلب یعرض للشيخين أصلاً، بل قد يعتقد علياً أفضل منهما (١). وقال في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني: ((أحد الأعلام صدوق، تكلّم فيه بلا حجة، ولكن هذه عقوبة من الله لكلامه في ابن منده بهوى، قال الخطيب: «رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أنه يطلق في الإِجازة أخبرنا ولا يبيّن. وقلت (يعني الذهبي): هذا مذهب رآه أبو نعيم. وغيره، وهو ضرب من التدليس. وكلام ابن منده في أبي نعيم فظيع، لا أحب حكايته، ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، لا أعلم لهما ذنباً أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها ... قلت: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوةٍ أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمتُ أن عصراً من الأعصار سَلِمَ أهله من ذلك، سوى الأنبياء (١) ((ميزان الاعتدال)) ١ /٥ - ٦ وانظر أمثلة أخرى في ((معجم الشيوخ)) م ١ الورقة ٢٥٦، ٢ ٢ الورقة ٧٢، ((وتاريخ الإِسلام)) الورقة ٩٣ (أحمد الثالث ٢٩١٧ /٩). ٦٠ والصديقين، ولو شئتُ لسردت من ذلك كراريس، اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم(١)). ولم يكن الذهبي ليصدر اتباعاً لآراء الآخرين في النقد فهو يخالفهم في بعض الأحيان حين لا يجد لآرائهم من سند قوي يؤيدها؛ فمن ذلك - مثلاً - ما جاء في ترجمة زيد بن وهب الجهني، أحد التابعين، وهو الذي تكلم فيه أبو يعقوب الفسوي في ((تاريخه)) وذكر أن في حديثه خللاً كبيراً، فقال: ((ولا عبرة بكلام الفسوي (٢)) وأورد في ((ميزان الاعتدال)) مآخذ الفسوي عليه وردًّ عليها ثم قال: ((فهذا الذي استنكره الفسوي من حديثه ما سُبق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا كثيراً من السنن الثابتة بالوهم الفاسد (٣)) والميزان مليء بمثل هذه النقدات لامجال لتكثير الأمثلة منها. بل وجدناه يؤلف كتابين، يرد فيهما على جملة من علماء الجرح والتعديل هما: ((رسالة في الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم)»، وكتاب «من تكلّم فيه وهو موثق)). ولم يقتصر نقد الذهبي على الرجال حسب، بل تعدَّى ذلك إلى نقد الموارد التي يطالعها أو يختصرها أو يأخذ منها، وهو ما يُعرف اليوم بنَقد المصادر؛ من ذلك مثلاً نقده لكتاب ((الضعفاء)) لابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ الذي اختصره وذيَّل عليه، فقال في ترجمة أبان بن يزيد العطار: ((قد أورده أيضاً العلامة ابن الجوزي في ((الضعفاء)) ولم يذكر فيه أقوال مَن وثَّقه. وهذا من عیوب کتابه یسرُد الجرح ویسکت عن التوثيق)»(٤). وقال في ترجمة حفص (١) نفسه، ج ١ ص ١١١ وانظر (( تاريخ الإِسلام)) الورقة ٣٣٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٢) الذهبي: ((تذكرة)) ١ / ٦٧ (٣) الذهبي: ((ميزان الاعتدال)) ٢ / ١٠٧ وانظر: ((تاريخ الإِسلام)) الورقة ٤٨٥ ( أيا صوفيا ٣٠٠٩ ) . (٤) المصدر نفسه، ١٦/١. وقد تكلم في هذه المسألة ابن حجر في ((اللسان)) فراجعه هناك تجد فائدة .