Indexed OCR Text

Pages 421-440

قال أحمد : کان ابنُ المبارك يُحدِّث من کتاب ، ومن حدَّث من کتاب
لا یکاد أن یکون له سقط کثیر . وکان وکیع یُحدِّث من حفظه ، فکان یکون له
سقَط ، كم يكون حفظُ الرجل ؟ .
١١٣ - ضَيْغم*
ابن مالك ، الزَّاهدُ القدوةِ الرَّبانيُّ، أبو بكر الرَّاسِبِي البصري.
أخذ عن التابعين .
روى عنه: ابنُ مالك ، وسَيَّار بن حاتم ، وأبو أيوب مولى ضَيغم .
قال عبد الرحمن بن مهدي : ما رأيت مثل ضيغم في الصلاح
والفضل .
قال ابنُ الأعرابي : كان وِرْدُه في اليوم والليلة أربع مئة ركعة ، وصلى
حتى انحنى ، وكان مِن الخائفين البكَّائين .
وقال علي ابن المَديني : دَفن ضيغم كتبه .
وكان ينام ثلثَ الليل ، ويتعبَّد ثلثيه .
توفي ضَيغَم سنة ثمانين ومئة ، هو وصاحبُهُ بُسْر بن منصور العابد في
يوم .
وعنه ، قال : قَوُوا على الاجتهادِ بما يَدْخُل قلوبهم من حلاوة العبادة .
١١٤ - الفُضَيل بن عياض ** (خ، م، د، س، ت)
ابن مسعود بنِ بِشْر ، الإِمامُ القدوة الثَّبْتُ ، شيخ الإِسلام ، أبو علي
* الجرح والتعديل ٤ / ٤٧٠ .
** التاريخ الكبير: ١٢٣/٧، التاريخ الصغير: ٢٤١/٢، المعارف: ٥١١ ، =
٤٢١

التميمي اليَرْبوعي الخراساني ، المجاورُ بحرم الله .
وُلد بِسَمِرْقَند، ونشأ بأَمْوَرْدَ ، وارتحل في طلب العلم .
فكتب بالكوفة عن منصور والأعمش ، وبَيان بن بِشْر، وحُصين بنِ عبد
الرحمن ، ولَيث ، وعطاء بن السائب ، وصفوان بن سُليم ، وعبد العزيز بن
رُفَيع ، وأبي إسحاق الشَّيباني ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وهشام بن
حسَّان ، وابنٍ أبي ليلى ، ومُجالد ، وأشعث بن سَوَّار ، وجعفر الصادق ،
وحُميد الطويل ، وخلقٍ سواهم من الكوفيين والحجازيين .
حدَّث عنه: ابنُ المبارك ، ويحيى القطّان ، وعبدُ الرحمن بن
مَهْدي ، وابن عُيينة ، والأصْمعي ، وعبدُ الرزاق ، وعبد الرحمن بن مهدي
ابن هِلال ، شيخ واسطي ، وحسين الجُعْفي، وأسَدُ السنة (١) ، والشافعي ،
وأحمد بن يونس ، ويحيى بن يحيى التميمي ، وابن وَهْب ، ومَسدَّد ،
وقُتيبة ، وبِشر الحافي ، والسَّرِي بن مُغَلِّس السَّقطي ، وأحمد بن المِقدام ،
وعبيد الله القواريري ، ومحمد بن زُنْبور المكي ، ولُوَين ، ومحمد بن يحيى
العَدني، والحُميدي، وعبد الصمد بن يزيد مَردويه ، وعبدة بن عبد الرحيم
المروَزي ، ومحمد بن أبي السَّري العَسْقلاني ، ومحمد بن قُدامة
= المعرفة والتاريخ للفسوي: ١٧٩/١، الجرح والتعديل: ٧٣/٧، طبقات الصوفية للسلمي :
١٤/٦، حلية الأولياء: ٨٤/٨، تاريخ ابن عساكر: ١٢٩/١٤ / أس، صفوة الصفوة:
١٣٤/٢، التوابون: للمقدسي: ٢٧، وفيات الأعيان: ٤٧/٤ - ٥٠، تهذيب الكمال:
١١٠٤، تذهيب التهذيب: ٢/١٤١/٣، تذكرة الحفاظ: ٢٤٥/١، العبر: ٢٩٨/١، ميزان
الاعتدال : ٣٦١/٣، روض الرياحين اليافعي: ٤١، تهذيب التهذيب: ٢٩٤/٨، النجوم
الزاهرة: ١٢١/٢، ١٤٣، البصائر والذخائر: ١٨٨/٤، خلاصة تذهيب الكمال: ٣١٠،
الجواهر المضيَّة: ٤٠٩/١، شذرات الذهب: ٣٦١/١.
(١) هو أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن داود الأموي الملقب بأسد
السنة، قال الحافظ في ((التقريب)): صدوق يغرب .
٤٢٢

المصِّيصي ، ويحيى بن أيوب المقابري ، وخلق كثير ، آخِرُهم موتاً الحسين
ابن داود البَلْخي .
وَروى عنه سفيانُ الثوري أجلُّ شيوخه ، وبينهما في الموت مئة ،
وأربعون عاماً .
وَروى عنه سفيانُ الثوري أجلُّ شيوخه ، وبينهما في الموت مئة ،
وأربعون عاماً .
قال أبو عمار الحسين بن حُرَيث ، عن الفَضْل بن موسى ، قال : كان
الفضيل بن عياض شاطراً يقطعُ الطريقَ بين أَبِيوَرْد وسَرْخس ، وكان سببُ
توبته أنه عشق جارية ، فبينا هو يرتقي الجدرانَ إليها ، إذ سمع تالياً يتلو
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أن تَخْشَعِ قُلوبِهُم ... ﴾ [الحديد: ١٦] فَلَما
سَمِعَها ، قال : بلى يا رب ، قد آن ، فرجع ، فَآواه الليلُ إلى خَرِبة ، فإذا
فيها سابلة ، فقال بعضُهم : نرحل ، وقال بعضهم: حتى [ نصبح ](١) فإِن
فُضَيلاً على الطريق يقطعُ علينا .
قال : ففكرتُ ، وقلت : أنا أسعى بالليل في المعاصي ، وقومٌ من
المسلمين ها هنا ، يخافوني ، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدعَ ، اللهمَّ
إني قد تبتُ إليك ، وجعلتُ توبتي مُجاورةً البيت الحرام .
وقال إبراهيم بن محمد الشافعي : سمعتُ سفيان بن عيينة يقول :
فُضيل ثقة .
وقال أبو عُبيد : قال ابن مَهْدي : فضيل رجل صالح ، ولم يكن
بحافظ .
(١) سقطت من الأصل .
٤٢٣

وقال العِجلي : كوفي ثقة متعبِّد ، رجل صالح سكن مكة .
وقال محمد بن عبد الله(١) بن عمَّار: ليت فضيلا كان يُحدثك بما
يعرف ، قيل لابن عمار : ترى حديثه حجة ؟ قال : سبحانَ اللَّهِ .
وقال أبو حاتم : صدوق .
وقال النسائي : ثقةٌ مأمون ، رجل صالح .
وقال الدارقطني : ثقة .
قال محمد بن سعد : ولد بخراسان بكورة أُبِيوَرْد ، وقدِم الكوفة ، وهو
كبير ، فسمع من منصور وغيره ، ثم تعبَّد ، وانتقل إلى مكة ، ونزلها إلى أن
مات بها في أول سنة سبع وثمانين ومئة . في خلافة هارون ، وكان ثقةً نبيلاً
فاضلاً عابداً ورعاً ، كثير الحديث .
وقال أبو وَهْب محمد بن مُزَاحم : سمعتُ ابن المبارك يقول : رأيتُ
أعبدَ الناس عبد العزيز بن أبي رَوَّاد ، وأورعَ الناس الفُضيلَ بن عياض ،
وأعلمَ الناس سفيان الثوري ، وأفقهَ الناس أبا حنيفة ، ما رأيت في الفقه
٠٥
مِثْلَه .
وروى إبراهيم بن شَمَّاس ، عن ابن المبارك ، قال : ما بقي على ظَهر
الأرض عندي أفضلُ مِن الفضيل بن عياض .
قال نَصْر بن المغيرة البخاري : سمعت إبراهيم بن شماس يقول :
رأيت أفقه الناس ، وأورع الناس ، وأحفظ الناس وكيعاً والفضيل وابن
المبارك .
(١) في الأصل : محمد بن عمار بن عمار، وهو خطأ ، والصواب ما أثبتناه عن
((التهذيب )).
٤٢٤

وقال عُبيد الله القواريري : أفضلُ من رأيت من المشايخ : بِشْر بن
منصور ، وفُضيل بن عياض ، وعَوْن بن مَعْمر، وحمزة بن نَجيح .
قلت : عَوْن وحمزة لا يكادان يُعرفان ، وكانا عابدين .
قال النَّضر بن شُمَيل : سمعت الرشيدَ يقول : ما رأيتُ في العلماء
أهيبَ من مالك ، ولا أورعَ من الفضيل .
وروى أحمد بن أبي الحَوَاري ، عن الهَيثم بن جميل ، سمعتُ شَريكاً
يقول : لم يزل لكلِّ قوم حجةٌ في أهل زمانهم ، وإن فضِيلَ بنَ عِياض حجةٌ
لأهل زمانه ، فقام فتى من مجلس الهيثم ، فلما توارى ، قال الهيثم: إن
عاش هذا الفتى يكون حجةً لأهل زمانه . قيل: من كان الفتى ؟ قال : أحمد
ابن حنبل .
قال عبد الصمد مَرْدويه الصائغ : قال لي ابنُ المبارك : إن الفضيل بن
عياض صدق اللَّهَ ، فأجرى الحِكمةَ على لسانه ، فالفضيلُ ممَّن نَفَعه
علمه .
وقال أبو بكر عبد الرحمن بن عفان : سمعتُ ابن المبارك يقول لأبي
مريم القاضي : ما بقي في الحجاز أحدٌ من الأبدال إلا فُضيل بن عياض ،
وابنُه علي ، وعليٌّ مُقدَّم في الخوف ، وما بقي أحد في بلاد الشام إلا يوسف
ابن أسباط ، وأبو معاوية الأسود ، وما بقي أحد بخراسان إلا شيخ حائك ،
يُقال له : مَعْدان .
قال أبو بكر المقاريضي المذكِّر : سمعتُ بشْر بن الحارث يقول :
عشرة ممن كانوا يأكلون الحلال ، لا يُدخِلُون بطونهم إلا حلالاً ولو استقُّوا
الترابَ والرماد . قلت : من هُم يا أبا نَصْر؟ قال : سفيان ، وإبراهيمُ بن
٤٢٥

أدهم، والفضيلُ بن عياض ، وابنُه ، وسليمانُ الخَوَّاص ، ويوسفُ بن
أسباط، وأبو معاوية نَجيح الخادم ، وحُذَيفة المَرْعَشي ، وداود الطائي ،
وُهَیب بن الورد .
وقال إبراهيم بن الأشعث : ما رأيتُ أحداً كان اللَّهُ في صدره أعظمَ من
الفضيل، كان إذا ذَكر الله، أو ذُكِرَ عنده ، أو سَمِعَ القرآن ، ظهر به من الخوف
والحزن ، وفاضت عيناه ، وبكى حتى يرحمه من يحضُره ، وكان دائمَ
الحزن ، شديدَ الفكرة ، ما رأيت رجلاً يُريد الله بعلمه وعمله ، وأخذه
وعطائِهِ، ومِنْعِهِ وبذله، وبُغضِه وحبه، . وخصالِه كلِّها، غيرَه . كنا إذا
خرجنا معه في جنازة لا يزال يَعِظُ ، ويذكِّر ويبكي كأنه مودِّع أصحابه ، ذاهبٌ
إلى الآخرة ، حتى يبلُغَ المقابر ؛ فيجلس مكانه بين الموتى من الحزن
والبكاء ، حتى يقومَ وكأنَّه رجع من الآخرة يخبر عنها .
وقال عبد الصَّمد بن يزيد مردويه : سمعتُ الفضيل يقول : لم يتزِيَّن
الناسُ بشيء أفضَل مِن الصدق ، وطلبٍ الحلال . فقال ابنُه علي : يا أبةٍ إِنَّ
الحلالَ عزيز. قال: يا بني ، وإن قليله عند اللَّه كثير.
قال سَرِي بن المُغَلِّس : سمعت الفُضيل يقول : مَنْ خاف اللَّهَ لم
يضرَّه أحدٌ ، ومن خاف غيرَ اللَّه ؛ لم ينفعه أحد .
وقال فَيضُ بن إسحاق : سمعتُ الفضيل بن عياض ، وسأله عبد الله
ابن مالك: يا أبا علي ما الخلاصُ مما نحن فيه ؟ قال : أخبرْني ، من أطاع
الله هل تضرُّه معصيةُ أحد ؟ قال : لا . قال : فمن يعصي الله هل تنفعُه طاعةُ
أحد ؟ قال : لا . قال : هو الخلاصُ إن أردت الخلاص .
قال إبراهيم بن الأشعث : سمعت الفضيل يقول : رَهْبَةُ العبد من اللَّه
على قدر علمه بالله ، وزهادته في الدنيا على قَدر رغبته في الآخرة ، مَن عمل
٤٢٦

بما علم استغنى عما لا يعلم ، ومن عمل بما علم وفَّقه الله لما لا يعلم ، ومن
ساء خلقُه شان دينَه وحسبه ومروءته .
وسمعته يقول : أكذبُ الناسِ العائد في ذنبه ، وأجهلُ الناس المُدِلُّ
بحسناته ، وأعلمُ الناسِ بالله أخوفُهم منه ، لن يكمُلَ عبدٌ حتى يُؤثِرَ دينَه على
شهوته ، ولن يَهْلِكَ عبدٌ حتى يُؤثِرَ شهوتَه على دينه .
وقال محمد بن عَبدويه : سمعتُ الفُضيل يقول : تركُ العملِ من أجل
الناسِ رياءٌ ، والعملُ من أجل الناس شِرْكٌ، والإِخلاصُ أن يعافِيَكَ اللَّهُ
عنهما .
قال سَلْمُ بن عبد الله الخراساني : سمعت الفُضَيل يقول : إنما أمس
مَثلٌ ، واليومَ عملٌ ، وغداً أملٌ .
وقال فيض بن إسحاق: قال الفضيلُ : والله ما يَحِلُّ لك أن تؤذيَ كلباً
ولا خنزيراً بغير حقٍّ ، فكيف تُؤذي مسلماً .
وعن فضيل : لا يكون العبد من المتَّقين حتى يأمنه عَدُوُّه .
وعنه : بقدر ما يصغر الذَّنبُ عندك يعظمُ عند الله ، وبقدر ما يَعْظُمُ
عندك يصغرُ عند الله .
قال مُحْرز بن عَون : أتيتُ الفضيل بمكّة ، فقال لي : يا مُحْرِز ، وأنت
أيضاً مع أصحاب الحديث ، ما فعل القرآن ؟ والله لو نزل حرفٌ باليمن ، لقد
كان ينبغي أن نذهب حتى نسمعَه ، والله لأن تكونَ راعي الحُمُرِ وأنت مقيم
على ما يُحِبُّ الله، خير لك مِن الطواف وأنت مقيم على ما يكره اللَّهُ .
المفضل الجندي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الطبري ، قال : ما رأيتُ
أحداً أخوف على نفسه ، ولا أرجى للناسِ مِن الفضيل. كانت قراءتُه
٤٢٧

حزينةً ، شَهِيَّةً ، بطيئة ، مترسِّلة ، كأنه يُخاطب إنساناً ، وكان إذا مربآية فيها
ذِكرُ الجنة یُرَدِّد فيها ، وسأل ، وكانت صلاتُه بالليل أكثر ذلك قاعداً ، يُلقى له
الحصيرُ في مسجده ، فَيُصلي مِن أول الليل ساعةً ، ثم تغلبه عينُه ، فيُلقي
نفسه على الحصير ، فينامُ قليلاً ، ثم يقوم ، فإذا غلبه النومُ نام ، ثم يقومُ
هكذا حتى يُصبح . وكان دأبُه إذا نعس أن ينام ، ويقال : أشدُّ العبادة ما كان
هكذا .
وكان صحيحَ الحديث ، صدوقَ اللسان ، شديد الهيبة للحديث إذا
حدَّث ، وكان يثقُل عليه الحديثُ جداً ، وربما قال لي : لو أنك طلبتَ مِنِّي
الدنانيرَ كان أيسر عليَّ من أن تطلب مني الحديث . فقلت: لو حدَّثتني
بأحاديث فوائد ليست عندي ، كان أحبَّ إليَّ من أن تَهَبَ لي عدَدَها دنانير .
قال : إنك مفتون ، أما واللهِ لو عملتَ بما سمعت ، لكان لك في ذلك شُغْل
عمّا لم تسمع ، سمعت سليمان بن مهْران يقول : إذا كان بينَ يديك طعامٌ
تأكله ، فتأخذ اللُّقمة ، فترمي بها خلفَ ظهرك متى تشبع ؟
أنبأنا أحمد بن سَلامة ، عن أبي المكارم التَّيمي ، أخبرنا الحدَّاد ،
أخبرنا أبو نُعيم ، حدثنا الطبراني ، حدثنا محمد بن زكريا الغَلابي ،
حدثنا أبو عمر الجَرْمي النَّحوي ، حدثنا الفضلُ بن الربيع ، قال : حجّ
أميرُ المؤمنين - يعني هارون - فقال لي : وَيْحَكَ، قد حكَّ في نفسي
شيءٍ ، فانظر لي رجلاً أسألُه . فقلت : ها هنا سُفيان بن عيينة ، فقال :
امضِ بنا إليه ، فأتيناه ، فقرعت بابه ، فقال : من ذا ؟ فقلتُ : أجِبْ
أمير المؤمنين ، فخرج مسرعاً ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، لو أرسلتَ إليَّ
أتيتُك . فقال : خُذ لما جئتُك له ، فحَدَّثَه ساعةً ، ثم قال له : عليك
دَيْنٌ. قال : نعم . فقال لي : اقضِ دَيْنَه ، فلما خرجنا قال : ما أغنى
عني صاحبك شيئا . قلت : هاهنا عبد الرزاق . قال : امّضٍ بنا إليه ،
٤٢٨

فأتيناه ، فقرعتُ الباب فخرج ، وحادثه ساعةً ، ثم قال : عليك دينٌ ؟
قال: نعم . قال : أبا عباس ، اقضِ دينه . فلما [خرجنا](١) قال: ما
أغنى عنّي صاحبُك شيئاً ، انظر لي رجلاً أسأله ، قلت : هاهنا الفضيلُ
ابن عياض، قال : امضِ بنا إليه، فأتيناه ، فإذا هو قائم يُصلي، يتلُو آيَةً
يُردِّدُها ، فقال : اقرع الْبَاب ، فقرعتُ ، فقال: من هذا؟ قلتُ : أجب
أمير المؤمنين . قال : مالي ولأمير المؤمنين ؟ قلتُ : سبحانَ الله ، أما
عليكَ طاعةٌ ، فنزل ، ففتح الباب ، ثم ارتقى إلى الغُرفة ، فأطفأ السِّراج
ثم التجأ إلى زاوية ، فدخلنا ، فجعلنا نجولُ عليه بأيدينا فسبقت كفّ
هارون قبلي إليه ، فقال : يا لها مِن كفِّ ما ألينَها إن نجت غداً مِن عذاب
الله ، فقلتُ في نفسي : ليكلمنَّه الليلة بكلام نقيٍّ من قلب تقي ، فقال
له : خذ لما جئناك له ، رحمك الله ، فقال : إن عمر بن عبد العزيز لما
ولي الخِلافةَ دعا سالم بن عبد الله ، ومحمد بن كعب ، ورجاء بن
حَيوة ، فقال لهم : إني قد ابتُليتُ بهذا البلاءِ ، فأشيروا عليَّ . فعدَّ
الخلافةَ بلاءً ، وعددتَها أنت وأصحابُك نِعمةً . فقال له سالم : إن أردتَ
النجاة ، فصم الدنيا وليكن إفطارُك منها الموت . وقال له ابن كعب : إن
أردتَ النجاة من عذاب الله ، فليكن كبيرُ المسلمين عندك أباً ، وأوسطُهم .
أخاً ، وأصغرُهم ولداً، فوقِّرْ أباك، وأكرِمْ أخاك، وتَحنَّنْ على ولدك.
وقال له رجاء : إن أردت النَّجاة مِن عذاب الله، فأحبَّ للمسلمين ما تُحِبُّ
لنفسك ، واكره لهم ما تكره لِنفسك ، ثم مُت إذا شئت ، وإني أقولُ لك هذا ،
وإني أخافُ عليك أشدَّ الخوف يوماً(٢) تَزِلَّ فيه الأقدامُ ، فهل معك رحمك الله من
(١) سقطت من الأصل، واستدركت من ((الحلية)) ١٠٦/٨.
(٢) في الأصل: ((يوم)) وما أثبتناه من ((الحلية)).
٤٢٩

يُشير عليك بمثل هذا. فبكى بكاءً شديداً حتى غُشي عليه . فقلتُ له : ارفُقْ بأميرٍ
المؤمنين ، فقال : يا ابنَ أمِّ الربيع تقتُله أنت وأصحابُك ، وأرفُق به أنا ؟ ثم
أفاق ، فقال له : زدني رحمك الله . قلتُ : بلغني أن عاملًا لعمر بن عبد العزيز
شُكي إليه ، فكتب إليه : يا أخي أذكِّرك طولَ سَهَر أهل النار في النار مع خلود
الأبد ، وإيَّك أن يُنْصَرف بك من عند الله، فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء ،
فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قَدِمَ عليه ، فقال : ما أقدمك ؟ قال : خلعتَ
قلبي بكتابك ، لا أعودُ إلى ولاية حتى ألقى اللَّهَ. فبكى هارون بكاءً شديداً
فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن العبّاس عمَّ النبي ◌َّ جاء إليه فقال: أُمِّرْني، فقال
له : ((إِنَّ الإِمارَةَ حَسْرَةٌ ونَدَامٌ يومَ القيامةِ، فإن اسْتَطعتَ أن لا تكونَ أميراً
فافْعِلْ))(١) . فبكى هارون ، وقال : زِدْني . قَال : يا حسنَ الوجه أنتَ الذي
يسألُك الله عن هذا الخلقِ يومَ القيامة ، فإن استطعت أن تقي هذا الوجهَ مِن النار ،
فافعل، وإيّاك أن تُصبحَ وتمسيَ وفي قلبك غِشٌْ لأحد من رعيتك، فإن النبي ◌َّه
قال : ((مَنْ أصْبحَ لَهُمْ غَاشَّاً لم يَرِحْ رائحة الجنة ))(٢) . فبکی هارون وقال له :
أ
(١) ذكر الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: ٣٥٠/٢ حديث العباس بلفظ: « یا
عباس ، يا عم النبي ، نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها )) وقال : أخرجه ابن أبي الدنيا
معضلاً بغير إسناد ، ورواه البيهقي من حديث جابر متصلاً ، ومن رواية ابن المنكدر مرسلاً ،
وقال : هذا هو المحفوظ مرسلاً ، والمحفوظ أيضاً حديث أبي ذر قلت يا رسول الله ألا تستعملني ؟!
قال: (( إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه
فيها)). أخرجه مسلم في صحيحه (١٨٢٥)، وحديث عبد الرحمن بن سمرة: ((لا تسأل الإمارة
فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)) ، أخرجه
البخاري: ١١٠/١٣، ومسلم (١٦٢٥) وحديث أبي هريرة، أن النبي ◌َّا* قال: ((إنكم
ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة )) أخرجه
البخاري : ١١١/١٣، والنسائي في البيعة: باب ما يكره من الحرص على الإمارة، والقضاء:
باب النهي عن مسألة الإمارة ، وأحمد : ٤٧٦/٢ .
(٢) أخرجه البخاري : ١١٢/١٣، ١١٣، في الأحكام : باب : من استرعي رعية فلم
ينصح ، ومسلم (١٤٢ ) في الإِيمان : باب : استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار ، من حديث =
٤٣٠
۔

عليك دينٌ؟ قال: نعم ، دينّ لربي ، لم يحاسبني عليه . فالويلُ لي إن ساءلني ،
والويلُ لي إن ناقشني ، والويلُ لي إن لم أُلهَم حجتي . قال : إنما أعني من دَین.
العباد . قال : إن ربِّي لم يأمُرني بِهذا ، أمرني أن أصدق وعده ، وأطيع أمرَه ،
فقال عز وجل : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [ الذاريات:
٠.٥٦] الآيات. فقال: هذه ألفُ دينار خذها ، فأنفقْها على عيالك ،
وتقوَّ بها على عبادة ربك . فقال : سبحان الله ، أنا أدلَّك على طريق
النجاة ، وأنت تُكافئني بمثل هذا. سَلَّمكَ اللَّهُ، ووفّقك. ثم صمت،
فلم يُكلِّمنا ، فخرجنا ، فقال هارون : أبا عباس ، إذا دللتني ، فدلني
على مثل هذا، هذا سيِّد المسلمين. فدخلَتْ عليه امرأةً مِن نسائِه فقالت:
قد ترى ما نحن فيه من الضِّيق، فلو قبلتَ هذا المال. قال: إنما مَثلي
ومثلكُم كمثلِ قومٍ لهم بعير يأكلون من كْبِهِ ، فلما كَبِرَ ، نحروهُ ،
فأكلوا لحمَه ، فلما سمع هارون هذا الكلام قال : ندخل فعسى أن يقبل
المال ، فلما علم الفضيلُ ، خرج فجلس في السّطح على باب الغرفة ،
فجاء هارون ، فجلس إلى جنبه ، فجعل يُكلمه فلا يُجيبه . فبينا نحن
كذلك إذ خرجت جاريةٌ سوداء ، فقالت : يا هذا، قد آذيتَ الشيخ منذ
الليلة ، فانصرفْ فانصرفنا .
حكاية عجيبة، والغلابي غير ثقة، وقد رواها غيرُه .
أخبرتنا عائشة بنت عيسى ، أخبرنا ابن راجح ، أخبرنا السِّلَفي ، أخبرنا
العلَّف، أخبرنا أبو الحسن الحمَّامي ، أخبرنا جعفر بن محمد بن الحجّاج
بالْمَوصل ، حدثنا محمد بن سعدان الحَرَّاني ، حدثنا أبو عمر النحوي ، هو
= مغفل بن يسار قال: سمعت رسول الله #* يقول: ((ما من أحد يسترعيه الله عز وجل رعية يموت يوم
يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) وفي رواية: ((فلم يحطها بنصح لم يرح رائحة
الجنة )).
٤٣١

الجَرْمي ، عن الفَضْل بن الربيع ، بها .
قال محمد بن علي بن شقيق: حدثنا أبو إسحاق قال : قال الفضيل : لو
خُيِّرت بَيْنَ أن أعيش كلباً وأموتَ كلباً ، ولا أرى يومَ القيامة ، لاخترتُ ذلك .
وقال فيض بن إسحاق: سمعتُ الفُضيل يَقول : واللَّه لأن أكونَ تراباً أحبُّ
إليّ من أن أكونَ في مِسْلاخ أفضلِ أهل الأرض ، وما يَسرُّني أن أعرف الأمر حقَّ
معرفته ، إذاً لطاش عقلي .
وقال إسحاق بن إبراهيم الطبري : سمعتُ الفضيل يقول : لو قلت: إنك
تخاف الموت ما قبلت منك ، لو خفتَ الموتَ ما نفعك طعامٌ ولا شراب ، ولا
شيء . ما يسرُّني أن أعرِفَ الأمر حقِّ معرفته إذاً لطاش عقلي ، ولم أنتفع بشيء .
عبد الصمد بن يزيد : سمعتُ الفضيل يقول : لا تجعلِ الرجالَ
أوصياءَك ، كيف تلومُهم أن يُضيعوا وصيتك ، وأنت قد ضيعتها في حياتك .
وسمعته يقول : إذا أحبَّ اللَّهُ عبداً، أكثر غمَّه، وإذا أبغض عبداً، وسَّع عليه
دنياه .
وقال إبراهيم بن الأشْعث : سمعتُ الفضيل يقول : من أحبُّ أن يُذْكَر لم
يذكر ، ومن كره أن يُذکر ذُكِرَ .
وسمعته يقول : وعزَّتِه ، لو أدخلني النار ما أيستُ .
وسمعته - وقد أَفَضْنا من عرفات - يقول: واسوأتاهُ - واللَّهِ منك - وإن
عفوتَ .
وسمعته يقول : الخوفُ أفضل من الرَّجاء مادام الرجلُ صحيحاً ، فإذا نزل
به الموت ، فالرجاءُ أفضل .
٤٣٢

قلت: وذلك لِقوله ◌َ﴿ه: ((لا يَمُوتَنَّ أحَدُكُمْ إلا وهو يُحْسِنُ الظَنَّ
بالله))(١) .
روى أحمد بن إبراهيم الدَّورقي ، عن عليّ بن الحسن قال : بلغ الفضيلَ
أن حَرِيزاً يُريد أن يأتيه ، فأقفل البابَ مِن خارج ، فجاء فرأى الباب مقفلًا ،
فرجع ، فأتيتُه ، فقلت له : حريز . قال : ما يَصْنعُ بي ، يُظهِرُ لي محاسنَ
كلامه ، وأُظهِرُ له محاسن كلامي ، فلا يتزيَّنُ لي ، ولا أتزينُ له ، خيرٌ له .
ثم قال علي : ما رأيتُ أنصحَ للمسلمين ، ولا أخوفَ منه ، ولقد رأيتُه في
المنام قائماً على صندوق يُعطي المصاحف ، والناسُ حوله ، فيهم : سفيان بن
عُيينة، وهارون أمير المؤمنين ، فما رأيتُه يودّع أحداً ، فيقدر أن يتمَّ وداعه .
قال فیض بن وثیق(٢) : سمعت الفضیل یقول : إن استطعتَ أن لا تكون
محدِّثاً ولا قارئاً ، ولا متكلِّماً . إن كنت بليغاً، قالوا: ما أبلغَه ، وأحسَنَ حديثه ،
وأحسنَ صوته ، فيُعجبك ذلك ، فتنتفخ ، وإن لم تكن بليغاً ، ولا حسنَ
الصوت ، قالوا : ليس يُحسن يحدِّث ، وليس صوته بحسَن ، أحزنك ذلك ،
وشقَّ عليك ، فتكون مرائياً ، وإذا جلست ، فتكلمت ، فلم تُبَالِ مَنْ ذمك ومَن
مدحك ، فتكلَّمْ .
وقال محمد بن زُنْبور: قال الفضيل : لا يَسْلَمُ لك قلبُك حتى لا تبالي مَنْ
أكل الدنيا .
(١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢٨٧٧) في الجنة وصفة نعيمها وأهلها . من حديث
جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع النبي #9 قبل موته بثلاثة أيام يقول: (( لا يموتن أحدكم إلا
وهو يحسن الظن بالله عزّ وجلّ ».
(٢) كذا الأصل: ((فيض بن وثيق)) وهو مترجم في ((الجرح والتعديل)) ولكنه لم يذكر في
شيوخه الفضيل ، وربما يكون محرفاً عن فيض بن إسحاق وهو خادم الفضيل ، وقد روى عنه أكثر
من خبر تقدمت في هذه الترجمة وسيأتي بعضها. وانظر ((الجرح والتعديل)) ٨٨/٧.
٤٣٣

وقيل له : ما الزُّهد ؟ قال : القُنوع، قيل : ما الوَرعُ؟ قال : اجتنابُ
المحارم . قيل : ما العبادة ؟ قال : أداءُ الفرائض . قيل: ما التَّواضعُ ؟ قال :
أن تخضع للحق . وقال : أشدُّ الورع في اللسان .
قلت : هكذا هو ، فقد ترى الرجلَ ورعاً في مأكله وملبسه ومعاملته ، وإذا
تحدَّث يدخل عليه الداخلُ مِن حديثه ، فإما أن يتحرَّى الصدق ، فلا يكمل
الصدق ، وإما أن يصدق ، فينمق حديثه ليُمدَح على الفصاحة ، وإما أن يُظهر
أحسنَ ما عنده ليعظم ، وإما أن يسكُت في موضع الكلام ، ليُثْنَى عليه . ودواءُ
ذلك كله الانقطاع عن الناس إلا مِن الجماعة .
قال عبد الصمد بن يزيد: سمعتُ الفضيل يقول : لو أنَّ لي دعوة مستجابة
ما جعلتها إلا في إمامٍ ، فصلاحُ الإِمام صلاحُ البلاد والعباد .
وسمعته يقولُ : إنما هما عالمان : فعالمُ الدنيا علمهُ منشورٌ ، وعالمُ
الآخرة علمُه مستورٌ . احذروا عالمَ الدنيا ، لا يضرّكم بسُكْره ، العلماء كثير ،
والحكماء قليل .
وعنه : لا يبلُغُ العبدُ حقيقة الإيمان حتى يَعُدَّ البلاءَ نعمةً ، والرخاءَ
مصيبة ، وحتى لا يُحِبَّ أن يُحمد على عبادة الله .
قال الحسين بن زياد المَرْوزي : سمعت فُضيلاً يقول : لو حلفتُ أني مراء
كان أحبُّ إليَّ مِن أن أحلف أني لستُ بمراء ، ولورأيتُ رجلًا اجتمع الناسُ حوله
لقلت : هذا مجنون ، مَن الذي اجتمع الناسُ حوله ، لا يُحب أن يُجوِّد كلامَه
لهم ؟
فيض بن إسحاق : سمعتُ فضيلًاً يقول : ليست الدنيا دارَ إِقامة ، وإنما
آدم [ أُهبط ] إليها عقوبةً ، ألا ترى كيف يَزْويها عنه ، ويمرِّرها عليه بالجوع،
٤٣٤

بالعُري ، بالحاجة ، كما تصنعُ الوالدة الشفيقة بولدها، تسقيه مرةً حُضَضَاً (١)
ومرةً صَبِراً ، وإنما تُريد بذلك ما هو خيرٌ له .
وعن الفضيل : حرامٌ على قلوبكم أن تُصيب حلاوةَ الإِيمان حتى تزهدوا
في الدنيا .
وعنه : إذا لم تقدِرْ على قيام الليل ، وصيامِ النهار ، فاعلم أنك محرومٌ ،
كبَّلَتْكَ خطيئْتُك .
وعن فضيل ، ورأى قوماً مِن أصحاب الحديث يمرَحُون ويضحكون ،
فناداهم : مَهْلاً يا ورثَةَ الأنبياء ، مَهْلاً ثلاثاً، إنكم أئمة يُقتدَى بكم .
قال ابن عُيينة : سمعت الفضيل بن عياض يقول : يُغْفَر للجاهل سبعون
ذنباً ما لا يغفر للعالم ذنب واحد (٢)
قال أحمد بن حنبل: حدثنا أبو جعفر الحذَّاء ، سمعت الفضيل يقول :
أخذتُ بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي ، فقلتُ : إن كنتَ تظنُّ أنه بقي على
وجه الأرض شرٌّ مني ومنك ، فبئس ما تَظُنُّ .
قال عبد الصمد مَرْدويه : سمعتُ الفُضيل يقول : من أحبَّ صاحبَ
بدعة، ، أحبط الله عملَه، وأخرج نورَ الإِسلام من قلبه ، لا يرتفِعُ لصاحب بدعة
إلى الله عمل ، نظرُ المؤمن إلى المؤمن يجلو القلبَ، ونظرُ الرجل الى صاحب
بدعة يورث العمى ، من جلس مع صاحب بدعة . لم يُعْطَ الحكمة .
قال أبو العباس السَّراج : حدثني أبو النَّضْر إسماعيل بن عبد الله ، حدثنا
يحيى بن يوسف الزَّمِّي ، عن فُضيل بن عياض قال : لما دخل عليَّ هارونُ أمير
(١) الحضض : عصارة شجر معروف مر المذاق يُتداوى به ، ويشبه الصبر .
(٢) في الأصل ((ذنباً واحداً)) والتصويب من ((حلية الأولياء)) ١٠٠/٨.
٤٣٥

المؤمنين قلتُ : يا حسن الوجه ، لقد كُلُّفْتَ أمراً عظيماً، أما إني ما رأيتُ أحداً
أحسن وجهاً منك ، فإن قدرتَ أن لا تُسوِّد هذا الوجه بلفحة مِن النار ، فافعل .
قال : عظني . قلتُ : بماذا أَعِظُكَ؟ هذا كتابُ الله بين الدَّفتين ، انظر ماذا عَمِلَ
بمن أطاعه ، وماذا عمل بمن عصاه ، إني رأيتُ الناس يغوصون على النار غَوْصاً
شديداً ، ويطلبونها طلباً حثيثاً ، أما واللَّهِ لو طلبوا الجنةَ بمثلها أو أيسرَ ، لنالوها ،
وقال: عد إليَّ، فقال : لولم تبعث إليّ لم آتك، وإن انتفعتَ بماسمعتَ ، عدتُ
إليك .
قال إبراهيم بن الأشعث : سمعتُ الفضيل يقول في مرضه : ارحمني
بحبِّي إياك فليس شيء أحبَّ إليَّ منك .
وسمعته يقول وهو يشتكي: مسَّني الضر وأنت أرحم الراحمين .
وسمعته يقول : من استوحش من الوحدة ، واستأنس بالناسٍ ، لم يَسلم
من الرِّياء ، لا حجّ ولا جهادَ أشدُّ مِن حبس اللسان ، وليس أحد أشدَّ غَماً ممن
سجن لسانَه .
قال الحسين بن زياد : سمعتُ الفضيل كثيراً يقول : احفظ لسانك ، وأقبِلْ
على شأنك ، واعرف زَمانك ، وأخفٍ مكانك .
وقال أحمد بن إبراهيم الدَّورقي : حدثنا الفيضُ بن إسحاق ، سمعتُ
الفضيل يقول : وددت أنه طارفي الناس أني مُتُّ حتى لا أذكر . إني لأسمعُ صوت
أصحابِ الحديث ، فيأخذني البول فَرَقاً منهم .
وقال الدَّورقي : حدثنا الحسين بن زياد ، سمعتُ فضيلا يقول لأصحاب
الحديث : لِمَ تُكرهوني على أمرٍ تعلمون أني كاره له - يعني الرواية -؟ لو كنتُ
عبداً لكم ، فكرهتكم كان نَوْلي أن تبيعوني ، لو أعلمُ أني إذا دفعت ردائي هذا
٤٣٦

إليكم ذهبتُم عني ، لفعلت .
الدَّورقي: وسمعت إسحاق بن إبراهيم يقول : سمعتُ الفضيل يُخاطب
نفسه : ما أراه أخرجك من الحِلِّ فدسَّك في الحرم إلا ليُضْعف عليك الذنب ،
أما تستحي تذكرُ الدينارَ والدرهم ، وأنت حولَ البيت ، إنما كان يأتيه التائب
والمستجير .
وعن الفضيل قال : المؤمن يَغْبِطُ ولا يحسدُ ، الغبطة من الإِيمان ،
والحسدُ من النفاق .
قلتُ: هذا يُفسِّر لك قوله عليه الصلاةُ والتسليم: ((لا حَسَدَ إلَّ في
اثْنَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مالًا يُنفِقُهُ في الحَقِّ، وَرَجلٍ آتَاهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِه آنَاءَ
الليلِ وأطْرافَ النهار))(١). فالحسدُهنا معناه: الغِبطةُ، أن تَحسُدَ أخاك على
ما آتاه الله، لا أنك تحسُده، بمعنى أنك تودُّ زوالَ ذلك عنه، فهذا بغيٌ وخُبْثٌ .
وعن الفضيل قال : من أخلاقِ الأنبياء الحلمُ والأناةُ وقيام الليل .
قال أبو عبد الرحمن السُّلمي : أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر ، أخبرنا
الحسن بن عبد الله العسكري ، حدثنا ابن أخي أبي زُرْعة ، حدثنا محمد بن
إسحاق بن راهويه ، حدثنا أبو عمَّار، عن الفَضْل بن موسى قال : كان الفضيلُ
شاطِراً(٢) يقطعُ الطريق ، فذكر الحكاية ، وقد مضت .
(١) أخرجه البخاري: ٦٥/٩، ومسلم (٨١٥ ) من حديث ابن عمر ، وأخرجه البخاري :
١٥٢/١، ١٥٣، ومسلم (٨١٦) من حديث ابن مسعود .
(٢) قال في ((اللسان)): وشطر عن أهله شُطوراً وشُطورة وشطارة : إذا نزح عنهم وتركهم
مراغماً أو مخالفاً ، وأعياهم خبثاً، والشاطر مأخوذ منه، وأراه مولداً. وقال الجوهري: شَطَرَ وشَطُر
بالضم شطارة فيهما . قال أبو اسحاق : قول الناس فلان شاطر معناه أنه أخذ في نحو غير
الاستواء ، ولذلك قيل له : شاطر ، لأنه تباعد عن الاستواء .
٤٣٧

وقال إبراهيمُ بن الليث : حدثنا المحدِّث علي بن خَشْرَم قال : أخبرني
رجلٌ مِن جيران الفضيل من أَبِيوَرْد ، قال : كان الفضيلُ يقطع الطريق
وحدَه، فبينا هو ذاتَ لَيلة ، وقد انتهت إليه القافلةُ ، فقال بعضهم : اعدِلُوا
بنا إلى هذه القرية ، فإن الفُضيل يقطع الطريق . فسمع ذلك ، فأُرعِدَ ،
فقال : يا قوم جُوزوا ، واللَّهِ لأجتهدن أن لا أعصيَ اللَّه .
وروي نحوها من وجه آخر ، لكنه في الإِسناد ابن جَهْضَم ، وهو هالك .
وبكل حال : فالشركُ أعظمُ مِن قطع الطريق ، وقد تاب من الشِّرك خَلْقٌ
صاروا أفضلَ الأمة . فنواصي العباد بيد الله تعالى، وهو يُضلَّ من يشاء ، ويهدي
إليه من أناب .
قال إبراهيم بن سعيد الجَوْهري: قال لي المأمون ، قال لي الرَّشيد : ما
رأت عيناي مثلَ فُضيل بن عياض ، دخلتُ عليه فقال لي: فرِّغْ قلبَك للحزن
وللخوف حتى يسكناه ، فيقطعاك عن المعاصي ، ويُباعداك من النار .
وعن ابن أبي عمر قال : ما رأيتُ بعد الفضيل أعبدَ مِن وكيع .
قال إبراهيم بن الأشْعث : رأيتُ سفيان بن عيينة يُقَبِّل يدَ الفضيل مرَّتين،
وعن ابن المبارك قال : إذا نظرتُ إلى الفضيل، جدَّدَلي الحزنَ ، ومقتُّ
نفسي ، ثم بكى .
قال يحيى بن أيُّوب : دخلتُ مع زافربن سليمان على الفُضيل بن عياض ،
فإذا معه شيخٌ ، فدخل زافر ، وأقعدني على الباب . قال زافر : فجعل الفضيلُ
ينظر إليَّ ثم قال: هؤلاء المحدِّثون يُعجبهم قُرْبُ الإِسناد ، ألا أُخبرُك بإسناد لا
شكَّ فيه ، رسول الله عن جبريل، عن الله: ﴿نَاراً وَقُودُها الناسُ والحجارةُ عليها
ملائكةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ ﴾ [ التحريم: ٦]. فأنا وأنت يا أبا سليمان من النَّاس ، ثم
٤٣٨

غُشي عليه ، وعلى الشيخ ، وجعل زافرينظر إليهما ، ثم خرج الفُضيل ، وقُمنا،
والشيخ مَغِشيٍّ عليه .
قال سھْل بن راهويه : قلتُ لابن عيينة : ألا ترى إلى الفضيل لا تكادتچِفُّ
له دمعة . قال : إذا قَرِح القلب ، نَدِيت العينانِ .
قال الأصمعي : نظر الفُضيل إلى رجل يشكو إلى رجل ، فقال : يا هذا
تشكو من يرحمُك إلى من لا يرحمُك .
قال أحمد بن [ أبي ] الحَوَاري : حدثنا أبو عبد الله الأنطاكي قال: اجتمع
الفضيل والثَّورِيُّ ، فتذاكرا ، فَرَقَّ سفيانُ وبكى ، ثم قال : أرجو أن يكون هذا
المجلسُ علينا رحمة وبركة . فقال له الفضيل : لكني يا أبا عبد الله أخاف أن لا
[ يكون ] أضَرَّ علينا منه. ألست تخلَّصت إلى أحسن حديثك، وتخلَّصتُ أنا إلى
أحسن حديثي ، فَتَزَيِّنْتَ لي وتزينتُ لك ؟ فبكى سفيان ، وقال : أحييتني أحياك
الله .
وقال الفيض : قال لي الفضيل : لوقيل لك : يا مُرائي ، غضبتَ ، وشقَّ
عليك ، وعسى ما قيل لك حق ، تزيَّنتَ للدنيا وتصنَّعتَ ، وقصرتَ ثيابك ،
وحسنتَ سمتك ، وكففتَ أذاك حتى يُقال: أبو فلان عابدُ ، ما أحسنَ سَمْتَه
فيكرمونك ، وينظرونك ، ويقصدونك ويهدون إليك ، مثل الدرهم السُّتُّوق(١)
لا يعرفه كُلُّ أحد فإذا قُشر ، قُشر عن نحاس .
إبراهيم بن الأشعث : سمعتُ الفُضيل يقول : بلغني أن العلماء فيمامضى
(١) هو الرديء الزيف الذي لا خير فيه ، وضبطوه بفتح السين وبضمها مع تشديد التاء
المضمومة فيهما ، قال في ((اللسان)): وكل ما كان على هذا المثال ، فهو مفتوح الأول إلا أربعة
أحرف جاءت نوادر وهي : سبُّوحِ، وقُدُّوس ، وذُرُّوح ، وستُّوق ، فإنها تفتح وتضم .
٤٣٩

كانوا إذا تعلموا عَمِلُوا، وإذا عَمِلُوا شُغِلوا، وإذا شُغِلُوا فُقِدوا ، وإذا
فُقِدوا طُلِبوا ، فإذا طُلِبُوا هربوا .
وعنه قال: كفى بالله محَباً وبالقرآن مُؤْنِساً ، وبالموت واعظاً ،
وبخشية الله علماً ، وبالاغترار جهلاً .
وعنه : خصلتان تقسِّيان القلب : كثرةُ الكلام ، وكثرةُ الأكل .
وعنه : كيف ترى حال من كثرت ذنوبُه، وضَعُفَ علمُه ، وفني عمرهُ ، ولم
يتزود لمعاده .
وعنه: يامسكين ، أنت مسي ءٌ وترى أنك محسن ، وأنت جاهل وترى أنك
عالم ، وتبخلُ وترى أنك كريم ، وأحمق وترى أنك عاقل ، أجلُكَ قصير ،
وأملُك طويل .
قلت : إي واللهِ ، صدق ، وأنت ظالم وترى أنك مظلومٌ ، وآكل للحرام
وترى أنك متورِّع، وفاسق وتعتقِدُ أنك عَدْلٌ ، وطالب العلم للدنيا وترى أنك
تطلبُه لله .
عباس الدُّوري : حدثنا محمد بن عبد الله الأنْباري ، قال : سمعت فُضیلاً
يقول : لما قَدِمَ هارون الرشيد إلى مكّة قعد في الحِجْر(١) هو وولدُه ، وقومٌ من
(١) هو من الكعبة ، إلا قريشاً عجزت عن بنائه حين جددت بناء الكعبة ، فقد أخرج
الترمذي (٨٧٦) والنسائي ٢١٩/٥، وأبو داود (٢٠٢٨) من طريق علقمة ، عن أمه ، عن عائشة
قالت : كنت أحب أن أدخل البيت ، فأصلي فيه، فأخذ رسول الله وَطقه بيدي ، فأدخلني الحجر ،
فقال : صل في الحجر إن أردت دخول البيت ، فإنما هو قطعة من البيت ، ولكن قومك استقصروه
حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت)). وأخرج مسلم في ((صحيحه)) (١٣٣٣) (٤٠١) من
طريق سعيد بن ميناء ، عن عبد الله بن الزبير قال: حدثتني خالتي عائشة قالت: قال رسول الله وَلته
((يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة ، فألزقتها بالأرض ، وجعلت لها =
٤٤٠