Indexed OCR Text

Pages 381-400

قال حفص بن عبد اللّه: سمعت إبراهيم بن طَهْمان يقول: واللهِ الذي
لا إله إلا هو، لقد رأى محمد رَبَّه(١).
وقال حمَّاد بن قِيْراط: سمعت إبراهيم بن طَهمان يقول: الجهمية
والقَدَرية كُفَّار (٢).
وقال أبو حاتم: شيخانٍ بخراسان مُرجئان: أبو حمزة السُّكري،
وإبراهيم بن طهمان، وهما ثقتان .
وقال أبو زُرعة: كنت عند أحمد بن حنبل، فذكر إبراهيم بن طهمان،
وكان متكئاً من علةٍ، فجلس، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصَّالحون فُتَّكأ. وقال
أحمد: كان مرجئاً شديداً على الجَهْمية .
قال غسَّان أخو مالك بن سُليمان: كنا نختلف إلى إبراهيم بن طَهمان
(١) قال ابن القيم في ((زاد المعاد)): ٣٦/٣ -٣٧، طبع مؤسسة الرسالة: ((واختلف
الصحابة: هل رأى ربه تلك الليلة، أم لا؟ فصحَّ عن ابن عباس أنه رأى ربه، وصح عنه أنه قال: رآه
بفؤاده .
وصح عن عائشة وابن مسعود إنكارُ ذلك، وقالا: إن قوله: ﴿ولقد رَآه نزلة أخرى عند سدرة
المنتهى﴾ [النجم: ١٣]، إنما هو جبريل.
وصح عن أبي ذر أنه سأله: هل رأيت ربك؟ فقال: ((نور أنّى أراه)» أي : حال بيني وبين رؤيته
النور، كما قال في لفظ آخر: ((رأيت نوراً)).
وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره. قال شيخ الإسلام ابن
تيميّة قدس الله روحه: وليس قول ابن عباس: ((إنه زآه)» مناقضاً لهذا، ولا قوله: «رآه بفؤاده)»، وقد
صح عنه أنه قال: ((رأيت ربي تبارك وتعالى))، ولكن لم يكن هذا في الإِسراء، ولكن كان في
المدينة لما احتُبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه تبارك وتعالى تلك الليلة في
منامه. وعلى هذا بنى الإِمام أحمد - رحمه الله تعالى -: وقال: نعم رآه حقاً فإن رؤيا الأنبياء حق،
ولا بد، ولكن لم يقل أحمد - رحمه الله تعالى - إنه رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك، فقد
وهم عليه، ولكن قال مرة: رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحكيتْ عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة
من تصرف بعض أصحابه: أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة، ليس فيها ذلك)).
(٢) إن كان أراد بذلك أنهم خارجون عن الملة، فهو يُعد مبالغة منه.
.٣٨١

إلى القرية، فكان لا يرضى [منا](١) حتى يُطْعِمَنَا، وكان شيخاً واسعَ القلب،
وكانتْ قريته باشان(٢) من القصبة على فرسخ.
أنبأني علي بن البخاري، أنبأنا أبو اليُمْن الكِنْدي عام ست مئة، أنبأنا
عبد الرَّحمن بن محمد، أنبأنا أحمد بن علي الحافظ، أنبأنا محمد بن عُمر بن
بُكَير، حدَّثنا الحسين بن أحمد الصَّفار، حدَّثنا أحمد بن محمد بن ياسين:
سمعت إسحاق بن محمد بن بُورَجه يقول: قال مالك بن سليمان: كان
لإِبراهيم بن طهمان جراية من بيت المال فاخرة، يأخذ في كل وقت، وكان
يسخو به. فَسُئل مرةً (٣) في مجلس الخليفة، فقال: لا أدري. قالوا له: تأخذ
في كل شهر كذا وكذا، ولا تحسن مسألة؟ فقال: إنما آخذ على ما أحسن، ولو
أخذتُ على ما لا أحسن، لفني بيتُ المال عليَّ، ولا يفنى مالا أُحْسِن.
فَأعْجَبَ أميرَ المؤمنين جوابُه، وأمر له بجائزة فاخرة، وزاد في جرايته(٤).
قلت: شذ الحافظ محمد بن عبد الله بن عَمَّار، فقال: إبراهيم بن
طَهمان ضعيف مضطرب الحديث.
وقال الدَّارَقُطني وغيره: ثقة، إنما تكلموا فيه للإِرجاء.
وقال الجوزجاني: فاضل يُرمَى بالإِرجاء(٥). وكذلك أشار السُّلَيماني
(١) زيادة من ((تاريخ بغداد)): ١٠٦/٦.
(٢) باشان: من قرى هراة.
(٣) في ((تاريخ بغداد)): ١١٠/٦: ((فسئل مسألة يوماً)).
(٤) انظر: تاريخ بغداد: ١١٠/٦، و: تذكرة الحفاظ: ٢١٣/١.
(٥) في ((التهذيب))، في ترجمة إبراهيم بن طهمان: ((قال أبو الصلت: لم يكن إرجاؤهم-
هذا المذهب الخبيث. أن الإِيمان قول بلا عمل، وأن ترك العمل لا يضر بالإِيمان، بل كان
إرجاؤهم أنهم يرجون لأهل الكبائر الغفران رداً على الخوارج وغيرهم الذين يكفرون الناس
بالذنوب)). وانظر الصفحة: ١٦٥، حا: ٢ .
٣٨٢

إلى تَلْيينه وقال: أنكروا عليه حديثَه عن أبي الزُّبير عن جَابر، ((فِي رَفْع
الْيَدَيْن))(١)، وحديثه عن شعبة، عن قتادة، في ((سِدْرَة المنتهى))(٢).
وقال أحمد بن حنبل: هو صحيح الحديث مقارب.
قلت: له ما ينفرد به، ولا ينحط حديثه عن درجة الحسن.
أخبرنا جماعة في كتابهم: أنبأنا عُمر بن محمد، أنبأنا ابن عبد الباقي،
وأحمد بن محمد بن ملُوك، قالا: أنبأنا القاضي أبو الطَّيب الطَّبَري، أنبأنا أبو
أحمد محمد بن أحمد، بجُرْجان، حدَّثنا أبو خليفة الجُمحي، حدَّثنا عبد
الرَّحمن بن سَلَّام، حدَّثنا إبراهيم بن طَهمان، عن أبي إسحاق الهَمْداني، عن
أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ◌ِ وَّه -: ((مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلْيُصَلِّ عَلَيَّ،
فِإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَا)(٣).
(١) أخرجه ابن ماجه: (٨٦٨)، في إقامة الصلاة: باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه
من الركوع، من طريق محمد بن يحيى، عن أبي حذيفة، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير،
أن جابر بن عبد الله كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، فعل
مثل ذلك، ويقول: رأيت رسول الله - مية - فعل مثل ذلك. ورفع إبراهيم بن طهمان يديه إلى أذنيه.
قال البوصيري في ((الزوائد)) خ، ورقة (٥٧): رجاله ثقات.
(٢) نصه في («الميزان)): ٣٨/١: ((وحديثه عن شعبة، عن قتادة عن أنس: رفعت لي سدرة
المنتهى فإذا أربعة أنهار)).
قلت: لا نكارة في ذلك. انظر البخاري : ١٦٦/٧، في مناقب الأنصار، حديث الإِسراء ،
والنسائي: ٢١٧/١، أول كتاب الصلاة.
(٣) وأخرجه أبو داود الطيالسي: ٢٥٩/١، من طريق أبي سلمة المغيرة بن مسلم
الخراساني، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أنس بن مالك، ورجاله ثقات، إلا أن ابن إسحاق لم
يسمع من أنس، فهو منقطع. لكن الحديث صحيح عن أنس. أخرجه أحمد: ٢٦١/٣، من طريق
يونس بن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس، والنسائي: ٥٠/٣، من طريق يونس بن
أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم، قال: حدثنا أنس بن مالك، قال رسول الله -: ((من صلى
عليَّ صلاةً واحدة، صلى الله عليه عشر صلوات، وحُطت عنه عشر خطيئات، ورُفعت له عشر
درجات)). وصححه ابن حبان: (٢٣٩٠)، والحاكم: ٥٥٠/١، ووافقه الذهبي المؤلف.
٣٨٣

روي عن مالك بن سُليمان الهروي : مات سنةً ثلاثٍ وستين ومئة،
إِبراهيمُ بنُ طَهمان. وقيل: سنة ثمان.
أخبرنا أبو الفداء إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن المنادي، أنبأنا العلاّمة
موفق الدين عبد الله بن أحمد المقدسي- في رجب سنة عشرين وست مئة۔
أنبأنا محمد بن عبد الباقي، وقرأت على سِتِّ الأَهْلِ بنتِ علوان(١)، أنبأنا
البهاء عبد الرَّحمن بن إبراهيم، أخبرتنا فخر النِّساء شُهْدَة(٢)، قالا: أنبأنا
الحسين بن أحمد النِّعَالي، أنبأنا علي بن محمد المُعَدَّل، أنبأنا أبو جعفر
محمد بن عَمرو الرَّزَّاز، حدَّثنا أحمد بن إسحاق، حدَّثنا محمد بن سِنان
العَوَقي، حدَّثنا إبراهيم بن طَهمان، عن بُدَيل بن مَيْسرة، عن عبد الله بن
شَقيق، عن مَيْسرة الفَجْر، قال: قلت: يا رسول الله: متى كُتِبِتَ نبياً؟ قال:
((وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ)(٣).
هذا حديث صالح السَّند، ولم يخرِّجوه في الكتب السِّتة.
وأخبرناه سُنْقُر القَضَائي، أنبأنا عبد اللطيف بن يوسُف، أنبأنا عبد الحق
اليوسُفي، أنبأنا علي بن محمد العَلَّف، أنبأنا أبو الحسن بن الحَمَّامي،
حدَّثنا عبد الباقي بن قانع، حدَّثنا محمد بن يونس بن مبارك الأحول، حدَّثنا
محمد بن سِنان بهذا، لكنه قال: متى كنت؟
أخبرنا محمد بن أبي عَصرون: أنبأنا أبو رَوح إِجازةً، أنبأنا تميم، أنبأنا
(١) ست الأهل بنت علوان بن سعد بن علوان البعلبكية: محدثة ذات صلاح ودين، ولدت
ببعلبك سنة (٦١٣هـ) تقريباً، وتوفيت بدمشق سنة (٧٠٣هـ).
(٢) انظر الصفحة: ١٥، حا: ١.
(٣) هو في ((أسد الغابة)): ٢٨٥/٥. وأخرجه أحمد: ٥٩/٥، وأبو نعيم في «الحلية)):
٥٣/٩، من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن منصور بن سعد، عن بُديل، عن عبد الله بن
شقيق، عن ميسرة الفجر. وهذا سند صحيح. وله شاهد من حديث أبي الجدعاء عند ابن سعد،
وآخر عن ابن عباس عند الطبراني.
٣٨٤

أبو سعد، أنبأنا أبو عَمرو الحِيري، أنبأنا أبو يَعلى، حدَّثنا عبد الرَّحمن بن
سَلَّم، حدَّثنا إبراهيم بن طَهمان، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب،
عن علي قال: لما مات أبو طالب أتيت رسولَ الله - نَّه - فقلتُ: إِنَّ عَمَّكَ
الشَّيخَ الضَّالَّ ماتَ، قَالَ: ((اذْهَبْ فَوَارِهِ، ولا تُحْدِثْ شَيْئاً حَتَّى تَأْتِيَنِي)).
فَفَعَلْتُ الذي أَمَرَنِي بِهِ، ثُمَّ أَتَيْتُه، فَقَالَ لي: ((اغْتَسِلْ)). وَعَلَّمَنِي دَعَوَاتٍ هِيَ
أُحَبُّ إِلَّ مِنْ حُمْر النَّعم (١).
١٤١ - أبو حَمْزة السُّكَّرِيّ (ع)
الحافظ الإِمام الحجّة، محمد بن مَيْمون، المُرْوَزي، عالم مَرو.
حدَّث عن: زياد بن عِلاقة، وعبد العزيز بن رُفَيع، وأبي إسحاق،
ومنصور بن المُعْتَمِر، وعاصم بن بَهْدَلة، وعاصم الأحول، وسُليمان
الأعْمش، وعبد الكريم الجَزَري، وعبد الملك بن عُمَير، وجابر الجُعْفي،
ومُطرِّف بن طَريف، وعدة.
وعنه: ابنُ المبارك، وأبو تُمَّيْلة، والفضل السَّيْناني، وعَتَّاب بن زِیاد،
وعلي بن الحسن بن شَقيق، وعَبَدان بن عُثمان، وسَلَّم بن واقد، والفضل بن
خالد البلخي النحْوي، وآخرون، خاتمتهم نُعَيم بن حَمَّاد الحافظ.
(١) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد: ٩٧/١، وأبو داود: (٣٢١٤)، والنسائي: ٤ /
٧٩ -٨٠، من حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي -رضي الله عنه -.
وهذا إسناد صحيح أيضاً .. وأخرجه أحمد: ١٠٣/١، وغيره من طريق السدي، عن أبي عبد
الرحمن السلمي، عن علي. وسنده صحيح أيضاً.
* طبقات ابن سعد: ٣٧٣/٧، التاريخ الكبير: ٢٣٤/١، التاريخ الصغير: ١٧٤/٢،
الجرح والتعديل: ٨١/٨، مشاهير علماء الأمصار: ١٩٧، تاريخ بغداد: ٢٦٦/٣ - ٢٦٩،
تهذيب الكمال: خ: ١٢٧٩، تذهيب التهذيب: خ: ٤/٤ - ٥، تذكرة الحفاظ: ٢٣٠/١، ميزان
الاعتدال: ٥٣/٤ - ٥٤، عبر الذهبي: ٢٥١/١، تهذيب التهذيب: ٤٨٦/٩ - ٤٨٧، طبقات
الحفاظ: ٩٧، خلاصة تذهيب الكمال: ٣٦١، شذرات الذهب: ٢٦٤/١.
٣٨٥
سیر ٢٥/٧

قال أحمد: ما بحديثه عندي بأس، هو أحبُّ إليَّ من حُسين بن
واقد(١).
وقال عبَّاس الدُّوري: كان أبو حمزة من الثِّقات، وكان إذا مرض عنده
من قد رَجل إليه، ينظرُ إلى ما يحتاج إليه من الكفاية، فيأمر بالقيام به، ولم
يكن يبيع السُّكَّر، وإنما سمي السُّكري لحلاوة كلامه.
وروى ابن الغَلابي، عن يحيى بن مَعِين، قال: روى أبو حمزة، عن
إبراهيم الصَّائغ - وذكره بصلاح -: كان إذا مرض الَّجل من جيرانه، تصدَّق
بمثل نفقة المريض، لما صُرفَ عنه من العلة.
وقال النَّسائي: ثقة.
وقال ابن راهَوَيْه، عن حفص بن حُميد: سمع ابن المبارك يقول: أبو
حمزة صاحب حديث. أو كما قال. وحسين بن واقد ليس بحافظ، ولا يترك
[حديثه](٢).
سُفيان بن عبد الملك، عن ابن المبارك، قال: السُّكري، وإبراهيم بن
طَهمان(٣) صحيحا الكتاب.
وقال إبراهيم بن رُسْتم: قال أبو حمزة: اختلفْتُ إلى إبراهيم الصَّائغ
نيفاً وعشرين سنة، ما علم أحدٌ من أهل بيتي أين ذهبْتُ، ولا من أين جئت.
قلت: لأن إبراهيم الصَّائغ كان في السِّجن، سجْنِ المُسَوِّدَة (٤)، ولا
يذهب أحد إليه إلا مختفياً.
(١) ترجمته في الصفحة: ١٠٤.
(٢) زيادة من ((التهذيب)).
(٣) ترجمته في الصفحة: ٣٧٨.
.(٤) وهم العباسيون. سموا بذلك لأن شعارهم لبس السواد.
٣٨٦

وقال يحيى بن أكثم: بلغني عن ابن المبارك: أنه سئل عن الاتِّباع؟
فقال: الاتباعُ ما كان عليه الحسين بن واقد وأبو حمزة.
قال علي بن الحسن بن شَقيق: سئل عبد اللّه عن الأئمة الذين يُقتدَى
بهم، فذكر أبا بكر وعُمَرَ، حتى انتهى إلى أبي حمزة، وأبو حمزة يومئذٍ حي .
قال العبّاس بن مصعب المرْوَزي: كان أبو حمزة مُستجابَ الدَّعوة.
أحمد بن عبد الله بن حكيم، عن معاذ بن خالد: سمعت أبا حمزة
السُّكَّري يقول: ما شبعتُ منذ ثلاثين سنة، إلا أن يكونَ ليْ ضَيْف.
وروى إبراهيم الحربي، عن محمد بن علي بن الحسن بن شَقيق،
قال: أراد جار لأبي حمزة السُّكري أن يبيع دارَه، فقيل له: بكم؟ قال: بألفين
ثمن الدَّار، وبألفين جوار أبي حمزة. فبلغ ذلك أبا حمزة، فَوَجَّه إليه بأربعةِ
آلاف، وقال: لا تبع دارك.
قال علي بن الحسن بن شَقيق، وعبد العزيز بن أبي رزمة: مات أبو
حمزة سنة سبع وستين ومئة. قال آخرُ: سنة ثمان. والأول أصح.
١٤٢ - إبراهيم بن أَدْهَم"
ابن منصوربن يزيد بن جابر، القدوةُ الإِمامُ العارف، سيد الزُّهَّاد، أبو
إسحاق العِجلي، وقيل: التَّميمي، الخُراساني البَلْخي، نزيل الشَّام. مولده
* التاريخ الكبير: ٢٧٣/١، المعرفة والتاريخ: ٤٥٥/٢، الجرح والتعديل: ٨٧/٢.
مشاهير علماء الأمصار: ١٨٣، حلية الأولياء: ٣٦٧/٧ حتى ٥٨/٨، تاريخ ابن عساكر: خ:
١٨٦/٢ آ، الكامل لابن الأثير: ٥٦/٦، تهذيب الكمال: خ: ٤٩ - ٥١، تذهيب التهذيب: خ:
٣٢/١-٣٣، عبر الذهبي: ٢٣٨/١، فوات الوفيات: ١٣/١ - ١٤، الوافي بالوفيات: ٣١٨/٥ -
٣١٩، البداية والنهاية: ١٣٥/١٠ - ١٤٥، طبقات الأولياء: ٥ - ١٥، تهذيب التهذيب: ١٠٢/١
- ١٠٣، خلاصة تذهيب الكمال: ١٥، شذرات الذهب: ٢٥٥/١ - ٢٥٦، تهذيب ابن عساكر:
١٧٠/٢ - ١٩٩.
٣٨٧

في حدود المئة . .
حدَّث عن: أبيه، ومحمد بن زياد الجُمَحي - صاحب أبي هُريرة - وأبي
إسحاق السَّبيعي، ومنصور بن المُعْتَمِر، ومالك بن دينار، وأبي جعفر محمد
ابن علي، وسُليمان الأعْمش، وابن عَجْلان، ومُقاتل بن حَيَّان.
حدَّث عنه: رفيقه سُفيان الثَّوري، وشَقيق البَلْخي، وبَقِيَّة بن الوليد،
وضَمْرة بن رَبيعة، ومحمد بن حِمْير، وخَلَف بن تميم، ومحمد بن يوسف
الفِرْيابي، وإبراهيم بن بشّار الخراساني خادمه، وسهل بن هاشم، وعُتْبة بن
السَّكن، وحكى عنه الأَوْزاعي، وأبو إسحاق الفَزاري .
قال البخاري: قال لي قُتِبة: إبراهيم بن أدْهْم تميمي يروي عن
منصور. قال: ويقال له: العِجْلي.
وقال ابن مَعِين: هو من بني عجل.
وذكر المُفضَّل الغَلَابي: أنه هرب من أبي مُسلم، صاحب الدَّعوة.
قال النَّسائي: هو ثقة مأمون، أحد الزُّهَّاد.
وعن الفضل بن موسى، قال: حج والد إبراهيم بن أدهم وزوجته،
فولدت له إبراهيم بمكة.
وعن يونُس البلخي قال: كان إبراهيم بن أدهم من الأشراف، وكان أبوه
كثيرَ المال والخدم، والمراكب والجنائب والبُزاة(١)، فبينا إبراهيم في الصَّيْد
على فرسه يُرْكضه، إذا هو بصوت من فوقه: يا إبراهيم: ما هذا العبث؟
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون: ١١٥]، اتق الله، عليك بالزَّاد
ليوم الفاقة. فنزل عن دابته، ورفض الدُّنيا. وفي ((رسالة)) القُشَيْري، قال: هو
من كُوْرة بَلْخ، من أبناء الملوك، أثار ثعلباً أو أرنباً، فهتف به هاتف: ألهذا
(١) البزاة: ج، البازي: وهو ضرب من الصقور.
٣٨٨

خُلقتَ؟ أم بهذا أُمرتَ؟ فنزل، وصادف راعياً لأبيه، فأخذ عباءته، وأعطاه
فرسه، وما معه، ودخل البادية، وصحب الثَّوري(١)، والفُضَيل بن عياض،
ودخل الشَّام، وكان يأكل من الحصاد وحِفْظِ البساتين، ورأى في البادية
رجلاً، علمه الاسم الأعظم فدعا به، فرأى الخضِر، وقال: إنما علمك
أخي داود. رواها علي بن محمد المصري الواعظ(٢).
حدَّثنا أبو سعيد الخَرَّاز، حدَّثنا إبراهيم بن بشّار، حدَّثني إبراهيم بن
أدهم بذلك، لما سألته عن بدء أمره. ورويت عن ابن بشَّار بإسناد آخر، وزاد،
قال: فسألت بعض المشايخ عن الحلال، فقال: عليكم بالشَّام، فصِرت إلى
المصِّيْصَة(٣)، فعملت بها أياماً، ثم قيل لي: عليك بطَرَسُوس(٤)، فإن بها
المباحات، فبينا أنا على باب البحر، اكتراني رجل أنْطُرُ بُسْتانَه، فمكثت
مدة .
قال المُسَيَّب بن واضِح: حدَّثنا أبو عُْبة الخوَّاص: سمعت إبراهيم بن
أدهم يقول: من أراد التَّوبة، فليخرجْ من المظالم، وليدْع مخالطة النَّاس،
وإلا لم ينل ما يريد.
قال خلَف بن تميم: سمعت إبراهيم يقول: رآني ابن عَجْلان،
فاستقبل القبلة ساجداً، وقال: سجدتُ لله شكراً حين رأيتك.
قال عبد الرَّحمن بن مهدي: قلت لابن المبارك: إبراهيم بن أدهم ممن
(١) ترجمته في الصفحة: ٢٢٩ .
(٢) انظر رواية الخبر في ((الحلية)): ٣٦٨/٧، و((تهذيب ابن عساكر)): ١٧١/٢-١٧٢.
(٣) المَصِّيصة: مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام، بين أنطاكية وبلاد الروم،
تقارب طرسوس ... وكانت من مشهور ثغور الإِسلام، قد رابط بها الصالحون قديماً، وبها بساتين
كثيرة، يسقيها جيحان، وكانت ذات سور وخمسة أبواب. ((معجم البلدان)).
(٤) طَرَسوس: مدينة بثغور الشام، بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم.
٠٠
٣٨٩

سمع؟ قال: قد سمع من النَّاس، وله فضل في نفسه، صاحب سرائر، وما
رأيتُه يظهر تسبيحاً، ولا شيئاً من الخير، ولا أكلَ مع قوم قَطُّ، إلا كان آخر من
یرفع یده(١).
أبو نُعَيْم: سمعتُ سُفيان يقول: كان إبراهيمُ بن أدهم يشْبه إبراهيم
الخليل، ولو كان في الصحابة، لكان رجلاً فاضلاً(٢).
قال بِشْر الحافي: ما أعرفُ عالماً إلا وقد أكل بِديْنِه، إلا وُهَيْبَ بن
الوَرْد(٣)، وإبراهيم بن أدهم، ويوسُفَ بن أَسْباط، وسَلم الخَوَّاص.
قال شَقِيق بن إبراهيم: قلت لإِبراهيم بن أدهم: تركتَ خراسان؟ قال:
ما تهنأت بالعيش إلا في الشَّام، أفِرُ بديني من شاهِق إلى شاهق، فمن رآني
يقول: مُوَسْوَس، ومن رآني يقول: جَمِّال، يا شقيق: ما نَبُل عندنا من نَبُلَ
بالجهادِ ولا بالحج ، بل كان بِعَقْل ما يدخل بطْنه(٤).
قال خلف بن تميم: سألت إبراهيم: منذ كم قدمتَ الشَّام؟ قال: منذ
أربع وعشرين سنة، ما جئت لرباط ولا لجهاد، جئت لأشبع من خبز الحلال.
وعن إبراهيم، قال: الزُّهد فرض، وهو الزهد في الحرام. وزهد سلامة،
وهو: الزُّهد في الشُّبهات. وزهد فضل، وهو: الزُّهد في الحلال(٥).
(١) انظر: ((البداية والنهاية)): ١٣٧/١٠.
(٢) تتمة الخبر في ((البداية والنهاية)): ١٣٦/١٠: « .. له سرائر، وما رأيته يظهر تسبيحاً،
ولا شيئاً، ولا أكل مع أحد طعاماً إلا كان آخر من يرفع يديه)). والملاحظ أن الذهبي أورد هذا القسم
بخبر منفرد قبل قليل.
(٣) ترجمته في الصفحة: ١٩٨ .
(٤) الخبر في: ((الحلية)): ٣٦٩/٧، و: البداية والنهاية: ١٣٧/١٠، و: تهذيب ابن
عساكر: ١٧٦/٢.
.(٥) انظر: البداية والنهاية: ١٣٧/١٠-١٣٨، تهذيب ابن عساكر: ١٧٧/٢.
٣٩٠

يحيى بن عثمان البَغْدادي: حدَّثْنا بَقِيَّة، قال: دعاني إبراهيم بن أدْهم
إلى طعامه، فأتيتُه، فجلس، فوضع رجله اليسرى تحت أَلْيَته، ونصب
اليمنى، ووضع مرفقة عليها، ثم قال: هذه جلسة رسول الله - بطاطس - كان
يجلس جلسة العبد، خذوا بسم اللّه. فلما أكلنا، قلت لرفيقه: أخبرني عن
أشد شيء مرَّ بكَ منذ صحبته. قال: كنا صياماً، فلم يكن لنا ما نُفطِرُ عليه،
فأصبحنا، فقلت: هل لك يا أبا إسحاق أن نأتي الرَّسْتن(١)، فنكري أنفسَنا مع
الحصَّادين؟ قال: نعم. قال: فاكتراني رجل بدرهم، فقلتُ: وصاحبي؟
قال: لا حاجة لي فيه، أراه ضعيفاً. فما زلتُ به حتى اكتراه بثُلُثَيْن، فاشتريت
من كِرائي حاجتي، وتصدقت بالباقي، فقربت إليه الزَّاد، فبكى وقال: أمَّا
نحن فاستوفينا أجورَنا، فليت شعري أوفينا صاحبنا أم لا؟ فغضبتُ، فقال:
أتضمن لي أَنَّا وفيناه. فأخذتُ الطَّعام فتصدقت به(٢).
وبالإِسناد عن بُقية، قال: كُنَّا مع إبراهيم في البحر، فهاجت ريح،
واضطربت السَّفينة، ويَكَوا، فقلنا: يا أبا إسحاق! ما ترى؟ فقالَ: يا حيُّ حينَ
لا حيّ، ويا حيُّ قبل كل حي، ويا حيُّ بعدَ كل حي، يا حيُّ، يا قُومُ، یا
محسنُ، يا مُجْمِل! قد أريتنا قدرَتك، فأرنا عفوَك. فهدأتِ السَّفينة من
ساعته(٣) .
ضَمْرَة: سمعت ابن أدهم، قال: أخاف أن لا أُؤْجَرَ في تركي أطايبَ
الطّعام، لأني لا أشتهيه. وكان إذا جلس على طعام طيب، قَدَّم إلى أصحابه،
(١) الرستن: ((بليدة قديمة كانت على نهر ((الميماس))، وهذا النهر هو اليوم المعروف
بالعاصي، الذي يمر قدام حماة. والرستن بين حماة وحمص في نصف الطريق، بها آثار باقية إلى
الآن -{زمن ياقوت]- تدل على جلالتها)). ((معجم البلدان)).
(٢) انظر الخبر في ((الحلية)): ٣٧٩/٧-٣٨٠.
(٣) انظر رواية ((الحلية)): ٥/٨-٦، ٧/٨-٨، و((البداية والنهاية)): ١٤٠/١٠.
٣٩١

وقَنَعَ بالخبز والزَّيتون .
محمد بن مَيْمون المكي: حدَّثنا سُفيان بن عُيَيْنَة، قال: قيل لإِبراهيم
ابن أدهم: لو تزوجتَ؟ قال: لو أمكنني أن أطلق نفسي لفعلت(١).
عن خَلَف بن تميم، قال: دخل إبراهيم الجبل، واشترى فأساً، فقطع
حطباً، وباعه، واشترى ناطفاً(٢)، وقدمه إلى أصحابه، فأكلوا، فقال
يُبَاسِطُهم : كأنكم تأكلون في رَهْن.
عصام بن روَّاد بن الجرّاح: حدَّثنا أَبي، قال: كنتُ ليلةً مع إبراهيم بن
أدهم، فأتاه رجل بباكورة، فنظر حوله هل يرى ما يُكافئه، فنظر إلى سرجي،
فقال: خُذ ذاك السَّرج، فأخذه، فسررت حين نزل مالي بمنزلة ماله(٣).
قال علي بن بَكَّار: كان إبراهيم من بني عجل، كريم الحسب، وإذا
حصدَ، ارتجز، وقال:
اتَّخِذِ اللهَ صَاحِباً
وَدَعِ النَّاسَ جَانِباً(٤).
وكان يلبس فرواً بلا قميص، وفي الصَّيف شَقتين بأربعة دراهم: إزار
ورداء، ويصوم في الحَضَر والسَّفر، ولا ينام الليل، وكان يتفكر، وَيَقْبِضُ
أصحابُه أجرتَه، فلا يمسُّها بيده، ويقول: كلوا بها شهواتِكم، وكان ينظُر (٥)،
(١) في ((البداية والنهاية)): ١٣٨/١٠: ((لطلقتها)).
(٢) الناطف: ضرب من الحلوى، يُصنع من اللوز والجوز والفستق، ويسمى أيضا:
القُبَّيْط. قال أبو نواس :
يقول والناطفُ في كفه
مَن يشتَرِي الْحُلوَ من الحلوِ
(٣) انظر الخبر في ((الحلية)): ٣٨٤/٧.
(٤) في ((الحلية)): ٣٧٣/٧، و((البداية والنهاية)): ١٤٤/١٠، و((تهذيب ابن عساكر)):
٢٠/ ١٨٢-١٨٣.
(٥) كذلك عمل بالنطارة سفيان الثوري، وهو من مشاهير علماء الحديث. انظر: ص
٢٥٩.
٣٩٢

وكان يطحَن بيد واحدة مُدَّيْن من قمح.
قال أبو يوسُف الغَسولي: دعا الأوْزاعي إبراهيم بن أدهم، فقصّر فيِ
الأكل، فقال: لم قصرتَ؟ قال: رأيتُك قصرت في الطّعام(١).
بِشر الحافي: حدَّثنا يحيى بن يَمَان، قال: كان سُفيان إذا قعد مع
إبراهيم بن أدهم، تحرَّز من الكلام.
عبد الرَّحمن بن مَهدي، عن طالوت: سمعتُ إبراهيم بن أدهم يقول:
ما صدق الله عبدٌ أحبَّ الشُّهرة.
قلت: علامةُ المخلص الذي قد يُحبُّ شهرةً، ولا يشعُرُ بها، أنه إذا
عُوتِبَ في ذلك، لا يحرَدُ ولا يُبرِّئ نفسه، بل يعتِرِفُ، ويقول: رَحِمَ اللهُ مَنْ
أهدى إليَّ عيوبي، ولا يكن معجباً بنفسه؛ لا يشعرُ بعيوبها، بل لا يشعر أنه لا
يشعر، فإن هذا داء مُزْمِن.
عصام بن رَوَّاد: سمعت عيسى بن حازم النَّيْسابوري يقول: كنا بمكة
مع إبراهيم بن أدهم، فنظر إلى أبي قُبْس(٢)، فقال: لو أن مؤمناً، مستكمِلَ
الإِيمان، يهز الجبلَ لتحرك، فَتَحَرَّكَ أبو قُبَيْس، فقال: اسكن، ليس إياكَ
أردت(٣) .
قال ابن أبي الدُّنيا: حدَّثنا محمد بن منصور، حذَّثنا الحارث بن
النُّعمان، قال: كان إبراهيم بن أدهم يجتني الرُّطب من شجر البُّوط.
(١) تتمة الخبر في ((البداية والنهاية)): ١٣٨/١٠-١٣٩: ((ثم عمل إبراهيم طعاماً كثيراً،
ودعا الأوزاعي، فقال الأوزاعي: أما تخاف أن يكون سرفاً؟ فقال: لا، إنما السرف ما كان في
معصية الله، فأما ما أنفقه الرجل على إخوانه فهو من الدين)). وانظر أيضاً: ((تهذيب ابن عساكر)):
١٨٣/٢.
(٢) أبو قُبيس: جبل مشرف على مسجد مكة.
(٣) انظر: ((الحلية)): ٤/٨.
٣٩٣
٠

وعن مكي بن إبراهيم، قال: قيل لابن أدهم: ما تبلغ من كرامة
المؤمن؟ قال: أن يقول للجبل: تحرك، فيتحرك. قال: فتحرك الجبلُ،
فقال: ما إياك عَنيتُ.
وعن إبراهيم بن أدهم، قال: كل ملك لا يكون عادلاً، فهو واللصُّ
سواء، وكل عالم لا يكون تقياً، فهو والذِّئب سواء، وكل من ذَلَّ لغير الله، فهو
والكلبُ سواء(١).
أخبرنا أحمد بن إبراهيم الجُلودي وغيره: أن عبد الله بن اللّتَي
أخبرهم، قال: أنبأنا جعفر بن المتوكل، أنبأنا أبو الحسن بن العَلَّف، حدَّثنا
الحَمَّامي، حدَّثنا جعفر الخُلْدي، حدَّثني إبراهيم بن نَصْر، حدَّثنا إبراهيم بن
بشّار: سمعتُ إبراهيم بن أدهم یقول: وأُّ دین لو كان له رجال! من طلب
العلم لله، كان الخمولُ أحبَّ إليه من التَّطاول، والله ما الحياةُ بثقة، فُيُرجى
نومها، ولا المنية بعذر، فيؤمن عُذْرها، ففيم التَّفريطُ والنَّقصيُر والاتكالُ
والإِبطاءُ؟ قد رضينا مِنْ أعمالنا بالمعاني، ومِنْ طلب التَّوبة بالتَّواني، ومِن العيش
الباقي بالعيش الفاني.
وبه: قال ابنُ بَشَّار: أمسينا مع إبراهيم ليلةً، ليس لنا ما نفطر عليه،
فقال: يا ابنَ بشّار! ماذا أنعم الله على الفقراء والمساكين من النَّعيم والرَّاحة،
لا يسألُهم يومَ القيامة عن زكاة، ولا حج، ولا صَدَقةٍ، ولا صلة رحم! لا تغتم،
فرزقُ الله سيأتيك، نحن - والله - الملوكُ الأغنياء، تعجلنا الرَّاحة، لا نُبالي
على أي حال كنا إذا أطعنا الله (٢). ثم قام إلى صلاته، وقمتُ إلى صلاتي،
فإذا برجل قد جاء بثمانية أرغفة، وتمر كثير، فوضعه، فقال: كُلْ يا مغموم.
(١) انظر: ((البداية والنهاية)): ١٠/ ١٤٢.
(٢) انظر صفحة: ٣٩٠ .
٣٩٤

فدخل سائل، فأعطاه ثلاثة أرغفة مع تمر، وأعطاني ثلاثة، وأكل رغيفَيْن.
وكنت معه، فأتينا على قبرِ مسنَّمٍ ، فترحم عليه، وقال: هذا قبر حُمَيْد
ابن جابر، أميرُ هذه المدن كلها، كان غارقاً في بحار الدُّنيا، ثم أخرجه الله
منها. بلغني أنه سُرَّ ذات يوم بشيء، ونام، فرأى رجلاً بيده كتاب، ففتحه،
فإذا هو كتاب بالذَّهب: لا تُؤْثِرِنَّ فانياً على باق، ولا تغترَّنَّ بملكك، فإنَّ ما
أنتَ فیه جسِیمٌ لولا أنه عَدِیم، وهو ملك لولا أن بعدههلك، وفرح وسرور لولا
أنه غرور، وهو يومٌ لو كان يُوثق له بغد، فسارع إلى أمر الله، فإن الله قال:
﴿وَسَارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبَّكُمْ، وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمُواتُ وَالأَرْضُ، أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِينَ﴾. [آل عمران: ١٣٣] فانتبه فزعاً، وقال: هذا تنبيهٌ من الله وموعظة.
فخرج من ملكه، وقصد هذا الجبل، فعبد الله فيه حتى مات.
ورُوي أن إبراهيم بن أدهم حصد ليلة ما يحصُدُه عشرة، فأخذ أجرته
ديناراً .
أنبأنا أحمد بن سَلامة، عن عبد الرَّحيم بن محمد، أنبأنا الحَدَّاد، أنبأنا
أبو نُعَيْم، حدَّثنا إبراهيم بن عبد الله، حدَّثنا السَّرَّاج: سمعت إبراهيم بن بشَّار
يقول: قلت لإِبراهيم بن أدهم: كيف كان بدءُ أمرك؟ قال: غيرُ ذا أولى بك.
قال: قلتُ: أخبرني لعل الله أن ينفعنا به يوماً. قال: كانَ أبي من الملوك
المياسير، وحُبِّب إلينا الصَّيدُ، فركبت، فثار أرنب أو ثعلب، فحركت فرسي،
فسمعتُ نداءً من ورائي: ليس لذا خُلِقْتَ، ولا بذا أُمِرْتَ. فوقفتُ أنظر يمنة
ويَسرة، فلم أر أحداً، فقلت: لعن الله إبليس، ثم حركتُ فرسي، فأسمع نداءً
أجهَر من ذُلك: يا إبراهيم! ليس لذا خُلقتَ، ولا بذا أُمِرتَ. فوقفتُ أنظرُ فلا
أرى أحداً، فقلتُ: لعن الله إبليسَ، فأسمع نداءٍ من قَرَبُوس(١) سرجي
(١) القربوس: هو حِنْو السرج. قال الأزهري: والسرج قربوسان: فأما القربوس المقدم،=
٣٩٥

بذاك، فقلتُ: أَنْبِهْتُ، أُنبهت، جاءني نذيرٌ، والله لا عصيتُ الله بعدَ يومي ما
عصمني الله، فرجَعْتُ إلى أهلي، فخلَّيت فَرَسي، ثم جئتُ إلى رعاة لأبي،
فأخذتُ جبة كِسَاءً، وألقيتُ ثيابي إليه، ثم أقبلتُ إلى العِراق، فعملتُ بها
أياماً، فلم يصفُ لي منها الحلالُ، فقيل لي: عليك بالشام، فذكر حكاية(١)
نِطارته الرُّمَّان، وقال الخادم له: أنت تأكل فاكهتنا، ولا تعرف الحلو من
الحامض؟ قلتُ: والله ما ذقتها. فقال: أتراك لو أنك إبراهيم بن أدهم،
فانصرف، فلما كان من الغد، ذكر صفتي في المسجد، فعرفني بعضُ
النَّاس، فجاء الخادم ومعه عُنُق(٢) من النَّاس، فاختفيتُ خلف الشَّجر،
والنَّاسُ داخلون، فاختلطت معهم وأنا هارب (٣).
قد سقت أخبار إبراهيم في ((تاريخي)) أزْيَد مما هنا، وأخباره في :
((تاريخ دمشق)) (٤)، وفي: ((الحلية))(٥)؛ وتآليف لابن جوصا، وأخباره التي
رواها ابن اللّي، وأشياء.
وثقه الدَّارَقُطْني .
وتوفي سنة اثنتين وستين ومئة، وقبره يُزار، وترجمته في ((تاريخ دمشق))
في ثلاثة وثلاثين ورقة.
= ففيه العضدان، وهما رجلا السرج، ويقال لهما: حنواه ... والقربوس الآخر فيه رجلا المؤخرة،
وهما حنواه. (اللسان).
(١) انظر الصفحة: ٣٨٩، و: ٣٩٠.
(٢) العنق: الجماعة من الناس والرؤساء.
(٣) كذلك جرت حادثة مشابهة لهذه مع سفيان الثوري المحدث الفقيه. انظر الصفحة:
٢٥٩.
(٤) خ: ١٨٦/٢ آ، وما بعدها.
(٥) ٣٦٧/٧ حتى ٥٨/٨.
٣٩٦

١٤٣ - معاوية بن سَلام* (ع)
ابن الإِمام أبي سلَّام، مَمْطور الحَبَشي العربي الشَّامي .
حدَّث عن: أبيه، وأخيه زيد، وقيل: إنه أدرك جدّه، وروى أيضاً عن
الزهري، ویحیی بن أبي کثیر.
حدَّث عنه: أبو مُسْهر، ومروان بن محمد الطَّاطَري، ويحيى بن
حسَّان، ويحيى الوُحَاظي، ويحيى بن يحيى النَيْسَابوري، ويحيى بن بشر
الحَرِيْري، وأبو تَوْبَة الحلبي، وجماعة، كان يكون بحمص وبدمشق.
وثَّقه النَّسائي وغيره، وكان من أئمة الدِّين.
قال يحيى بن مَعِين: أعدُّه محدِّث أهل الشَّام في زمانه.
وروينا في نسخة أبي مُسْهِر، قال: حدَّثنا معاوية بن سَلَّم: سمعت
جدي أبا سلام ... فذكر حديثاً مرسلاً، قال أبو مُسْهر: قلت له: لمن
ولاؤك؟ فغضب - يعني أنه عربي -.
وقال أحمد بن حنبل: ثقة.
وقيل: إن يحيى بن أبي كثير حمل عن معاوية بن سلَّم كتابَ جده
مناولةً(١).
مات بعد السبعين ومئة .
* التاريخ الكبير: ٣٣٥/٧، الجرح والتعديل: ٣٨٣/٨، مشاهير علماء الأمصار: ١٨٤،
تاريخ ابن عساكر: خ: ٣٣٢/١٦ ب، تهذيب الكمال: خ: ١٣٤٣ - ١٣٤٤، تذهيب التهذيب: خ:
٥١/٤، تذكرة الحفاظ: ٢٤٢/١ -٢٤٣، عبر الذهبي: ٢٦٢/١، تهذيب التهذيب: ٢٠٨/١٠ .
٢٠٩، طبقات الحفاظ: ١٠٢ - ١٠٣، خلاصة تذهيب الكمال: ٣٨١، شذرات الذهب:
٢٧٠/١.
(١) تقدم الحديث عن ((المناولة)) في الصفحة: ٣٠٤، حا: ١.
٣٩٧

١٤٤ - أبو عُبَيْد الله الوَزِير*
معاوية بن عُبَيْد اللّه بن يسار الأشعري، مولاهم الطََّراني الشَّامي،
الكاتب، أحد رجال الكمال حزماً ورأياً، وعبادة وخيراً.
روى عن: أبي إسحاق، ومنصور، وطائفة.
حدَّث عنه: منصور بن أبي مُزاحِم وغيره.
وكان المهدي يُبالغ في إجلاله واحترامه، ويعتمِدُ على رأيه وتدبيره
وحسن سياسته. قال حفيدُه عُبَيْد الله بن سُليمان: أبلى جدُّنا سَجَّادتين،
وشرع في ثالثة موضع رکبتیہ ووجهہ ویدیہ، من کثرة صلاته - رحمه الله -وكان
له كل يوم كُرُّ دقيق يتصدَّق به، فلما وقع الغَلاء، تصدَّق بكُرِّيْن.
قلت: الكُرُّ يشبع خمسة آلاف إنسان، وكان من ملوك العدل.
ويقال: سمع من الزُّهري، وعاصم بن رجاء بن حَيوَة، وكان مع دينه فيه
ثِيْه وتعزز. حج الرَّبيع الحاجب، فجاء إليه مُسَلِّماً، فما قام له، ولا وفاه حقه،
فعمل عليه عند المهدي، ورمى ابنه بالتَّعرض لحُرم الهادي، فقتل المهديُّ
ابنَه، وقبض عليه، فسجنه، فما زال في السِّجن حتى توفي سنة سبعين ومئة .
وقد بسطتُ من سيرته في: ((تاريخ الإِسلام))، وهو جَد الحافظ معاوية
ابن صالح الأشعري .
١٤٥ - عَافِية **.
ابن يَزيد بن قَيْس الأوْدي، الكوفي، الحَنَفي، قاضي بغداد بالجانب
* تاريخ خليفة: ٤٤٢، تاريخ بغداد: ١٩٦/١٣ - ١٩٧، تاريخ ابن عساكر: خ:
٣٨٤/١٦ ب، تهذيب الكمال: خ: ١٣٤٤ - ١٣٤٥، تذهيب التهذيب: خ: ٥٢/٤، عبر
الذهبي: ٢٥٨/١، تهذيب التهذيب: ٢١٢/١٠، خلاصة تذهيب الكمال: ٣٨١، شذرات
الذهب: ٢٧٩/١.
* * طبقات ابن سعد: ٣٣١/٧، تاريخ خليفة: ٤٤٢، تاريخ بغداد: ٣٠٧/١٢ - ٣١٠، =
٣٩٨

الشَّرقي .
كان من العلماء العاملين، ومن قضاة العدل، نزع في الفقه بأبي
حنيفة .
وِحدَّث عن: هشام بن عُروة، والأعْمش، ومُجَالد، ومحمد بن عمرو بن
عطاء، وابن أبي ليلى.
روى عنه: موسى بن داود، وأسد السُّنة. وقلما روى، لأنه مات كهلاً.
قال الخطيب: كان عالماً زاهداً، حكم مدة على سَدّاد وصون، ثم
استعفى من القضاء، فأُعفي .
وثّقه النسائي .
وقال أبو داود: يُکتب حديثه.
وروى عبّاس الدُّوري، عن يحيى: ثقة. وكذلك روى أحمد بن أبي
مَرْيم عنه، وقال في رواية علي بن الحسين بن الجُنّيْد الرَّازي ، عنه: ضعيف
في الحدیث.
قيل: سبب تركه القضاء، أنه تثبت في حكم، فأهدى له الخصم رُطَباً،
فردَّه وَزَجَره، فلما حاكم خصمه من الغد، قال عافية: لم يستويا في قلبي. ثم
حكاها للخليفة، وقال: هذا حالي وما قبلتُ، فكيف لو قبلتُ؟! قال:
فأعفاه(١) .
توفي سنة نيف وستين ومئة.
=تهذيب الكمال: خ: ٦٤٠ - ٦٤١، تذهيب التهذيب: خ: ١٠٣/٢ - ١١٤، ميزان الاعتدال:
٣٥٨/٢، البداية والنهاية: ١٧٦/١٠، تهذيب التهذيب: ٦٠/٥ - ٦١، خلاصة تذهيب الكمال:
٣٠٤.
(١) انظر: ((تاريخ بغداد): ٣٠٨/١٢ - ٣٠٩، و: ((البداية والنهاية»: ١٧٦/١٠.
٣٩٩

١٤٦ - مُفَضَّل* (م، س، ق)
ابن مُهَلْهل، الإِمام الكبير، أبو عبد الرّحمن السَّعدي الكوفي .
حدَّث عن: منصور، وبَيّان بن بشر، ومُغيرة، والأعْمش، ونحوهم.
وعنه: حُسين الجُعْفي، وأبو أسامة، ويحيى بن آدم، والحسن بن
الرَّبيع وآخرون.
قال أحمد العِجْلي: كان ثِقَةً ثبتاً، صاحب سُنَّةٍ وفضل وفقه. لما مات
الثَّوري مضى أصحابُه إلى المُفَضَّل، فقالوا: تجلسُ لنا مكانَ أبي عبد الله؟
فقال: ما رأيتُ صاحبكم يحمد مجلسه .
وذكره عبد الرَّزَّاق فقال: ذاك الرَّاهبُ قَدِمَ علينا مع سُفيان.
ووثّقه أبو حاتم وجماعة .
قال ابن مَنْجَوَيْه: مات سنة سبع وستين ومئة.
روينا عن مفضل بن مُهَلْهل كلمة نافعة، قال: اعمل بقليل الحديث
يُزَهِّدْك في کثیره.
١٤٧ - اَهْدي **
الخليفة، أبو عبد الله محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد
* طبقات ابن سعد: ٣٨١/٦، التاريخ الكبير: ٤٠٦/٧، التاريخ الصغير: ١٧١/٢،
الجرح والتعديل: ٨/ ٣١٦، تهذيب الكمال: خ: ١٣٦٤ - ١٣٦٥، تذهيب التهذيب: خ: ٤ /
٦٤، ميزان الاعتدال: ١٧١/٤، عبر الذهبي: ٢٥٠/١، تهذيب التهذيب: ٢٧٥/١٠ -٢٧٦،
خلاصة تذهيب الكمال: ٣٨٦، شذرات الذهب: ١ / ٢٦٣.
** المعارف: ٣٧٩ - ٣٨٠، الطبري: ١٧٢/٣، و١٨٣/٦، ٤٢٥ و٧/ ٥٠٩، ٥١١،
٥٢٤، ٦٠٣، و٨ /٧، ٩، ٢٥، ٢٩، ٣٧، ٣٩، الوزراء والكتاب: ١٤١ -١٦٦، مروج الذهب:
٠
١
٢٤٦/٢ - ٢٥٥، تاريخ بغداد: ٣٩١/٥ - ٤٠١، الكامل لابن الأثير: ٣٢/٦ - ٣٤، ٨١ - ٨٧، ٠
٤٠٠