Indexed OCR Text
Pages 241-260
على خَدِّه]، فبقي مفكراً، ونمتُ، ثم قمتُ وقت الفجر، فإذا المطهرة في يده كما هي [فقلت: هذا الفجرُ قد طلع] ، فقال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكّرُ في الآخرة حتى السَّاعةِ(١). وقال يوسُف بن أَسباط: سُئل الثَّوري عن مسألة، وهو يشتري شيئاً، فقال: دعني، فإن قلبي عند دِرْهمي . وروى موسى بنُ العلاء عن حُذَيفة المَرْعَشِي، قال: قال سُفيانُ: لَأن أُخلِّفَ عشرةَ آلاف درهم، يُحاسبني اللهُ عليها أحبُّ إلي من أن أحتاجَ إلى النَّاس. وقال رَوَّادُ بن الجرَّاحِ: سمعت الثَّوري يقولُ: كان المالُ فيما مضى يُكره، فأما اليوم، فهو تُرْس المؤمن. وقال عبد الله بن محمد الباهلي: جاء رجل إلى الثَّوري يُشاوره في الحج، قال: لا تَصْحَبْ مَن يكُرُم عليك، فإنْ ساويته في النَّفَقَّةِ، أَضَرَّبِك، وإن تفضّل عليك، استذَلَّك. ونظر إليه رجل، وفي يَدِه دنانير، فقال: يا أبا عبد الله! تُمْسِكُ هذه الدَّناتير!؟ قال: اسكُتْ، فلولاها لتمندَلَ بنا الملوكُ. قلتُ: قد كان سُفيان رأساً في الزُّهْد، والتَّلُّه، والخوف، رأساً في الحفظ، رأساً في معرفة الآثار، رأساً في الفقه، لا يخافُ في الله لومة لائم، من أئمة الدِّين، واغتُفِر له غير مسألة اجتهد فيها، وفيه تَشَُّع يسير، كان يُثَلِّث بعلي (٢)، وهو على مذهب بلده أيضاً في النَّبيذ(٣)، ويُقال: رجَع عن كل (١) الخبر في ((الحلية)): ٥٣/٧، والزيادات منه. (٢) أي: كان يقدم علياً على عثمان- رضي الله عنهما- في التفضيل. (٣) انظر الصفحة: ٢٥٩. و: ٢٧٥ . . ٢٤١ سير ١٦/٧ ذلك. وكان ينكر على الملوك، ولا يرى الخروجَ أصلاً، وكان يُدلِّس في روايته، وربما دلَّس عن الضُّعفاء، وكان سُفيان بن عُيَيْنَة مدلِّساً، لكن ما عُرفَ له تدْليسٌ عن ضعيف. أحمد: حدَّثنا موسى بن داود: سمعت سُفيان يقول سنةَ ثمان وخمسين ومئة : لي إحدى وستون سنة . وَكِيْع: ولد سفيان سنة ثمان وتسعين، ومات وله ثلاث وستون سنة . سفيان بن وَكِيع: حدَّثنا أبي، قال: مات سفيان وله مئة دينار بضاعة، فأوصی إلی عمّار بن سيف في کتبه، فأحرقها، ولم يُعْقِب سُفیان، كان له ابن، فمات قبله، فَجَعَلَ كل شيءٍ له لأخته وولدها، ولم يُورث أخاه المبارك شيئاً، وتوفي المبارك سنة ثمانين ومئة. قال ابن معين: بلغني أن شريكاً، والثَّوري، وإِسرائيل، وفُضيل بن عياض، وغيرهم من فقهاء الكوفة ولدوا بخراسان، كان يُبعث بآبائهم في الْبُعُوث، ويتسرَّى بعضُهم، ويتزوج بعضُهم، فلما قفلوا، نقلوهم إلى الكوفة، ومسروق جَدُّ الثَّوري، شِهِد الجَمَل(١) مع علِي. أبو العَيْناء : عن عبدِ الله بن خُبَيْق ، قال يُوسُف بن أسباط : كان سفيان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبولُ الدَّمَ . عبد الرّحمن بن مَهدي: سمعت سفيانَ يقول: ما بلغني عن رسول الله - الَّه- حديثٌ قَطُّ إلا عملتُ به، ولو مَرَّة. حاتم بن الوليد الكَرْماني: سمعت يحيى بن أبي بُكَير يقول: قيل (١) وقعة الجمل: وهي التي جرت بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه- وعائشة أم المؤمنين ومن قام معها، وكانت سنة (٣٦ هـ)، وانتهت بانتصار علي وجيشه. ٢٤٢ لسُفيان الثَّوري: إلى متى تطلب الحديث؟ قال: وأي خير أنا فيه خير من الحديث، فأصِير إليه؟ إنَّ الحديث خيرُ علوم الدُّنيا. يحيى القَطَّان: سمعت سُفيان يقول: إن أقْبح الرَّعِية أن يطلب الدُّنيا بعمل الآخرة. وقال عبد الرَّزَّاق: دعا الثَّوريُّ بطعام ولحم، فأكله، ثم دعا بتمر وزُبْد فأكله،، ثم قام، وقال: أحسِنْ إلى الزَّنجي وكُدَّه(١). أبو هِشام الرِّفَاعي: سمعت يحيى بن يَمان، عن سُفيان، قال: إني لأرى الشَّيء يجب عليَّ أن أتكلم فيه، فلا أفعل، فأبول دماً. ابن مَهدي: كنا مع الثَّوري جلوساً بمكة، فَوَثَبَ وقال: النَّهار يعمل عمله . وعن سُفيان: ما وضع رجلٌ يده في قَصْعَة رجل إلا ذَلَّ له. أحمد بن يونس : سمعت الثَّوري ما لا أحصيه يقول: اللهم سلِّم سلِّم، اللهم سلِّمْنا، وارزقْنا العافية في الدُّنيا والآخرة. قال يحيى بن يَمان: قال سُفيان: ما شيءٌ أبغض إليَّ من صحبة قارئ ، ولا شيء أحبّ إليَّ من صُحبة فتىَّ . أبو هِشام: حدَّثنا وَكِيع: سمعتُ سُفيان يقول: ليس الزُّهد بأكل الغليظ، ولبس الخشِن، ولكنه قِصَرُ الأمل، وارتقابُ الموت. يحيى بن يَمان: سمعت سُفيان يقول: المال داءُ هذه الأمة، والعالِم طبيبُ هذه الأمة، فإذا جَرَّ العالمُ الدَّاءَ إلى نفسه، فمتى يُبرئ النَّاسَ (٢)؟ (١) للخبر رواية أخرى في ((تاريخ بغداد)): ١٥٨/٩. وانظر ص ٢٧٧ من هذا الكتاب. (٢) للخبر رواية أخرى في ((الحلية)): ٣٦١/٦. ٢٤٣ : وعن سفيان قال: ما نعلم شيئاً أفضل من طلب العلم بِنِيَّة. الخُرَيبي : عن سفيان: قال: احذر سَخَط الله في ثلاث: احذر أن تُقصِّر فيما أمرك، واحذر أن يراك وأنت لا ترضى بما قَسَم لك، وأن تطلب شيئاً من الدُّنيافلا تجده، أن تسخطَ على ربِّكَ. قال خالد بن نزار الأيْلي: قال سُفيان: الزُّهْد زهدان: زهدُ فريضة، وزهدُ نافلة. فالفَرْض: أن تَدَعَ الفخر والكِبْر والعلو، والرِّياء والسُّمْعة، والتَّزَيُّن للنَّاس. وأما زهد النافلة: فأن تدع ما أعطاك الله من الحلال، فإذا تركتَ شيئاً من ذلك، صار فريضة عليكَ ألَّ تتركه إلا لِله. وقيل: إن عبد الصَّمد عَمَّ المنصور، دخل على سُفيان يعودُه، فحوَّل وجهه إلى الحائط، ولم يرد السَّلام، فقال عبد الصَّمد: يا سيفُ! أظن أبا عبد الله نائماً. قال: أحسب ذاك - أصلحَك الله - فقال سُفيان: لا تَكْذِبْ، لستُ بنائم. فقال عبد الصَّمد: يا أبا عبد الله! لك حاجة؟ قال: نعم، ثلاثُ حوائج: لا تعود إليَّ ثانية، ولا تشهد جنازتي، ولا تترحم عليَّ. فخجل عبدُ الصَّمد، وقام، فلما خرج، قال: والله لقد هممتُ أن لا أخرج إلا ورأسُه معي . قال يوسُف بن أسباط: قال سفيان: زيِّنوا العلمَ والحديثَ بأنفسكم، ولا تَتَزَینوا به. - قال محمد بن سعد: طُلب سفيان، فخرج إلى مكة، فنفذ المهدي إلى محمد بن إبراهيم - وهو على مكة. في طَلَبه، فَأَعْلِمَ سفيانُ بذلك، وقال له محمد: إن كنتَ تُريدُ إِثْيانَ القوم، فاظهر حتى أبغثَ بك إليهم، وإلا فتوارَ. قال: فتوارى سفيان، وطَلَبَهُ محمد، وأمر منادياً فنادى بمكة: من جاءَ بسفيان، فله كذا وكذا. فلم يزل متوارياً بمكة، لا يظهر إلا لأهْل العلم، ومَن لا يخافُّه. ٢٤٤ وعن أبي شِهاب الحَنَّط قال: بعثتْ أختُ سفيان بجراب معي إلى سفيان، وهو بمكة، فيه كعك وخشكنان(١)، فقدمْتُ، فسألتُ عنه، فقيل لي: ربما قعد عند الكعبة مما يلي الحنَّطين، فأتيتُه، فوجدته مستلقياً، فسلمتُ عليه، فلم يُسائلني تلك المساءلة، ولم يُسلم عليَّ كما كنت أعرفُه، فقلتُ: إن أختكَ بعثت معي بجراب، فاستوى جالساً، وقال: عَجِّل بها. فَكَلَّمْتُه في ذلك. فقال: يا أبا شِهاب! لا تَلُمْني، فلي ثلاثةُ أيام لم أَذُقْ فيها ذواقاً، فعذرتُه . قال ابنُ سعد: فلما خاف من الطَّلب بمكة، خرج إلى البصرة، ونزل قربَ منزل يحيى بن سعيد، ثم حوَّله إلى جواره، وفتح بينه وبينه باباً، فكان يأتيه بمحدِّثي أهل البصرة، يسلِّمون عليه، ويسمعون منه. أتاه جريرُ بن حازم، ومباركُ بن فضالة، وحمَّاد بن سَلَمة، ومرحوم العطّار، وحمَّادُ بن زيد، وأتاه عبد الرّحمن بن مَهدي، فلزمه، وكان أبو عَوانة يُسلِّم على سفيان بمكة، فلم يرد عليه، فكُلم في ذلك، فقال: لا أعرفه. ولما عَرَفَ سُفيان أنه اشتهر مكانه ومقامه، قال ليحبى: حوِّلْني، فحوله إلى منزل الهيثم بن منصور، فلم يزل فيه، فكلمه حمّاد بن زيد في تَنَحِّيْهِ عن السُّلطان، وقال: هذا فعلُ أهل البِدَع، وما يُخاف منهم. فأجمع سُفيان وحمَّاد على أن يَقْدَما بغداد، وكتب سُفيان إلى المهدي وإلى يعقوب بن داود الوزير، فبدأ بنفسِه، فقيل: إنهم يغضبون من هذا. فبدأ بهم، وأتاه جوابُ كتابه بما يُحب من التَّقريب والكرامة،. والسَّمع منه والطّاعة، فكان على الخروج إليه، فحُمَّ ومرض، وحضر الموت، فجزع، فقال له مرحوم بن عبد العزيز: ما هذا الجَزَعُ؟ فإِنَّك تَقْدَمُ على الرَّب الذي كنتَ تعبده. فَسَكَّن وقال: انظروا مَن هنا من أصحابنا (١) انظر: ٢٧٧، حا: ٥ ٢٤٥ الكوفيين. فأرسلوا إلى عبادان، فقدم عليه جماعة، وأوصى، ثم مات(١). وأُخرجت جنازته على أهل البصرة فجأةً، فشهده الخلقُ، وصلَّى عليه عبد الرَّحمن بن عبد الملك بن أَبْجَر، وكان رجلاً صالحاً، ونزل في حُفرته هو وخالد بن الحارث. أبو هشام الرِّفاعي: حدَّثنا وَكِيع، قال: دخل عُمر بن حَوشَب الوالي على سُفيان، فسلَّم عليه، فأعْرَض عنه، فقال: يا سُفيان! نحن- والله - أنفعُ للنَّاس منكَ، نحن أصحابُ الدِّيات، وأصحابُ الحمالات، وأصحابُ حوائج النَّاس والإِصلاح بينهم، وأنتَ رجلُ نفسك. فأقبل عليه سُفيان، فجعل يُحادثُه، ثم قامَ، فقال سُفيان: لقد ثقل علَيَّ حين دخل، ولقد غَمَّني قيامه من عندي حین قام. قال عبد الرَّزَّاق: ما رأيت أحداً أحفظَ لما عنده من الثَّوري. قيل له: ما منعك أن ترحل إلى الزُّهري؟ قال: لم تكن دَرَاهم(٢). قال يحيى القَطَّان: سُفيان الثَّوري فوق مالك في كل شيء. رواها ابن المديني عنه. قال ابن مهدي: قال لي سُفيان: لو كانت كتبي عندي، لأفدتُك علماً، كتبي عند عجوز بالنِّيل. الكُدَيْمي: حدَّثنا أبو حُذيفة: سمعت سُفيان يقول: كنا نأتي أبا إسحاق الهمْداني وفي عنق إسرائيل- يعني حفيده طوقٌ من ذهب. ابن المَدِيني: قال: كان ابنُ المبارك يقول: إذا اجتمع هذان على (١) انظر رواية ((تاريخ بغداد)): ١٥٩/٩ - ١٦٠. (٢) الخبر تقدم في الصفحة: ٨، في ترجمة معمر بن راشد، فانظره. ٢٤٦ شيء، فذاك. قوي- يعني سُفيانَ، وأبا حنيفة .. علي بن مُسْهر: عن سُفيان، قال: حُفَّاظ النَّاسِ أربعة: يحيى بن . سعيد الأنصاري، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الملك بن أبي سُليمان، وعاصم الأحول. قلت: فالأعمشُ؟ فأبى أن يجعله معهم. أحمد بن يونس: سمعت زائِدة، وذُكر عنده سُفيان، فقال: ذاكَ أفقهُ أهل الدُّنيا. وكيع: عن شعبة، قال: سفيان أحفظ مني . ابن حُمَيْدٍ : سمعت مِهران الرَّازي يقول: كتبتُ عن سُفيان الثَّوري أصنافه، فضاع مني كتاب الدِّيات، فذكرتُ ذلك له، فقال: إذا وجدتني خالياً فاذكر لي حتى أُمِلَّه عليك. فحج، فلما دخل مكة، طاف بالبيت، وسعى، ثم اضطجع، فذكرتهُ، فجعل يُملي علَيَّ الكتاب، باباً في إثر باب، حتى أملاه جمیعهُ من حفظه . قال الزَّعْفَراني : سمعتُ أحمد بن حنبل يسأل عفَّان: أيُّهما أكثر غلطاً، سفيانُ أو شُعبة؟ قال: شُعبة بكثير. فقال أحمد: في أسماء الرِّجال. عبد الرَّزَّاق: سمعت سُفيان يقول: سَلوني عن علم القرآن والمناسك، فإني عالم بهما. أبو قدامة: سمعت يحيى بن سَعيد يقولُ: ما كتبت عن سُفيان، عن الأعمش أحبُّ إليَّ مما كتبته عن الأعمش. إبراهيم بن أبي اللَّيث: سمعت الأشجعي يقول: سمعت من الثَّوري ثلاثين ألف حديثٍ. قال يحيى القَطَّان: مات ابن أبي خالد وأنا بالكوفة، فجلس إلى جنبي ٢٤٧ : سُفيان ننتظرُ الجنازة، فقال: يا يحيى! خذ حتى أحدِّثَك عن إسماعيل بعشرة أحاديث، لم تسمعْ منها بشيء، فحدثني بعشرة، وكنت بمكة، وبها الأَوْزاعي، فلقيني سُفيان الثَّوري على الصَّفا، فقال: يا يحيى! خرج الأَوْزاعيُّ الليلةَ؟ قلت: نعم. فقال: اجلِسْ، لا تَبْرِحْ حتى أحدثَك عنه بعشرة لم تسمع منها بشيء. قلت: وأيّ شيء سمعتُ أنا منه؟ فلم يدعْني حتى حدثني عنه بعشرة أحاديث، لم أسمع منها بواحد. قال الأشجعي: سمعت سُفيان يقول: لو همَّ رجل أن يكذب في الحديث، وهو في بيت في جوف بيت، لأظهر اللّه عليه . عن ابن مَهْدي قال: ما رأيتُ رجلاً أعرفَ بالحديث من الثَّوري. القَوارِيْري: قال يحيى القَطَّن: بات عندي سُفيان الثَّوري، فحدثْتَه بحديثين، أحدهما: عن عمرو بن عُبَيد، فقام يُصلي، فرفعتُ المصلى، فإذا هو قد كَتَبَهما عني . أبو مُسْهِر: عن عيسى بن يونس، قال: دخل سُفيان الثَّوري على محمد ابن سعيد بن أبي قيس الأَزْدي، فاحْتَبَس عنده، ثم خرج إلينا، فقال: إنه كذّاب. قال أبو مُسْهر: قَتله أبو جعفر في الزَّنْدَقة . أبو العبَّاس الدَّغولي: حدَّثنا محمد بن مُشكان، حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاق، قال: قال ابنُ المبارك: كنتُ أقعد إلى سُفيان الثَّوري، فيحدِّث، فأقول: ما بقي من علمه شيء إلا وقد سمعتُه، ثم أقعُدُ عنده مجلساً آخر، فيحدث، فأقول: ما سمعتُ من علمه شيئاً. الفَلَّس: سمعت سُفيان بن زياد يقول ليحيى بن سعيد القَطَّان في ٢٤٨ حديث: يا أبا سعيد! قد خالفك أربعة. قلتُ: من؟ قال: زائدة، وشَرِيْك، وأبو الأخْوص، وإسرائيل. فقال يحيى: لو كان أربعة آلاف، مثل هؤلاء، كان سُفيان أثبتَ منهم . عبد الرَّزَّاق: سمعت الأُوْزَاعي يقول: لو قيل: اخْتَرْ لهذه الأمةِ رجلاً، يقوم فيها بكتاب الله وسُنَّ نَبِّه، لاخترتُ لهم سُفيان الثَّوري. أبو هَمَّام: حدَّثْنا المُبارك بن سعيد، قال: رأيت عاصمَ بنَ أبي النَّجود يجيء إلى سُفيان الثَّوري يستفتيه، ويقول: يا سُفيان! أتيتنا صغيراً، وأتيناك كبيراً. عبَّاس: عن ابن مَعِيْن، قال: ليس أحدٌ في حديث الثّوري يُشبه هؤلاء: ابن المبارك، ويحيى بن سعيد، ووَكِيْع، وعبد الرّحمن، ثم قال: والأشْجَعي ثِقَةٌ مَأْمون. قال: وبعد هؤلاء في سُفيان: يحيى بن آدم، وعُبَيْد الله بن موسى، وأبو أحمد الزُّبَيْري، وأبو حُذَيْفَة، وقَبْصة، ومعاوية بن هشام، والفِرْيابي. قلت: فأبو داود الحَفَري؟ قال: أبو داود رجل صالح. قال الفضل بن محمد الشّعْراني: سمعتُ يحيى بن أكثم يقول: كان في النَّاس رؤساء، كان سُفيان الثَّوري رأساً في الحديث، وأبو حنيفة رأساً في القِياس، والكِسَائي رأساً في القُرَّاء، فلم يبق اليوم رأس في فن من الفنون. قلت: كان بعد طبقة هؤلاء رؤوس، فكان عبد الرَّحمن بن مَهدي رأساً في الحديث، وأبو عُبَيْدة مَعْمَر رأساً في اللغة، والشَّافعيُّ رأساً في الفقه، ويحيى اليزيدي رأساً في القراءات، ومعروف الكَرْخي رأساً في الزُّهْد. ثم كان بعَدهم ابن المَدِيْني رأساً في الحديث وعلَلِه، وأحمد بن حنبل رأساً في الفقه والسُّنَّة، وأبو عُمر الدُّورِي رأساً في القراءات، وابن الأعرابي رأساً في اللغة، والسَّري السَّقَطي رأساً في الزُّهد. ٢٤٩ ويمكن أن نذكر في كل طبقة بعد ذلك أئمة على هذا النَّمط، إلى زماننا، فرأس المحدِّثين اليوم أبو الحجّاجِ القُضَاعي المِزِّي(١)، ورأسُ الفقهاء القاضي شرف الدين البارِزي، ورأس المُقرئين جمَّاعة، ورأس العربية أبو حَيَّان الأندلسي، ورأس العُبَّاد الشيخ علي الواسِطي، ففي النَّاس بقايا خير، ولله الحمد. عن ابن مَهدي قال: نزل عندنا سُفيان وقد كنَّا ننام أكثرَ الليل، فلما نَزْلَ عندنا، ما كنا ننام إلا أقله، ولما مرض بالبَطَن، كنت أخدمه وأدع الجماعة، فسألته، فقال: خِدمةُ مسلم ساعةً أفضل من صلاة الجماعة، فقلتُ: ممن سمعتَ هذا؟ قال: حدَّثني عاصم بن عُبَيْد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: لأن أخدم رجلاً من المسلمين على علةٍ يوماً واحداً، أحبُّ إليَّ من صلاة الجماعة ستين عاماً، لم يَفُتْني فيها التكبيرة الأولى. قال: فَضَجَّ سُفيان لما طالت علتهُ، فقال: يا موتُ، يا موتُ، ثم قال: لا أتمناه، ولا أدعو به. فلما احتُضِرَ، بكى وجَزع، فقلت له: يا أبا عبد الله! ما هذا البُكاء؟! قال: يا عبدَ الرَّحمن، لِشدَّة ما نَزَلَ بي من الموتِ، الموتُ- واللهِ- شديدٌ. فَمَسِسْته، فإذا هو يقول: رُوحُ المؤمن تخرج رَشَحاً، فأنا أرجو. ثم قال: اللهُ أرحمُ من الوالدة الشَّفيقة الرَّفِيقة، إنه جوادٌ كريم، وكيف لي أن أُحِبَّ لقاءَه، وأنا أكره الموتَ. فبكيتُ حتى كِدتُ أن أختنقَ، أخفي بكائي عنه، وجعل يقول: أوَّه ... ، أوَّه من الموت. -- قال عبدُ الرَّحمن: فما سمعتهُ يقول: أوَّه، ولا يئن، إلا عند ذهاب عقله، ثم قال: مرحباً برسول ربِّي، ثم أغمي عليه، ثم أُسكت حتى أُحْدَث، ثم أغمي عليه، فظننتُ أنه قد قضى، ثم أفاقَ، فقال: يا عبد الرَّحمن! اذهب (١) وهو صاحب ((تهذيب الكمال))، شيخ المؤلف. ٢٥٠ إلى حمَّاد بن سَلمة، فادْعُه لي، فإني أحبُّ أن يحضُرَني. وقال: لَقْني قول: لا إله إلا الله. فجعلت أُلَقِّنُه. قال: وجاء حمّاد مسرعاً حَافياً، ما عليه إلا إزار، فَدَخَلَ وقد أُغمي عليه، فَقَبَّل بين عَيْنَيْه، وقالَ: بارك الله فيك يا أبا عبد الله. ففتح عينيه، ثم قال: أي أخي، مرحباً. ثم قال: يا حمَّد! خذ حِذْرك، واحْذَرْ هذا المصْرَع. وذَكَرَ فصلاً طويلاً، ضَعُف بصري أنا عن قراءته . رواه الحاكم، عن أبي جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرَّازي، من أصل كتابه، حدَّثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن عبد الكريم الشَّيْباني، حدَّثنا محمد بن حسَّان السَّمتي، حدَّثنا عبد الرّحمن بن مَهْدي ... فذكره. وهذا إسناد مُظْلِم . ومن جملة ذلك: أن السُّلطان دخل على سُفيان، وقبَّل بين عينيه، ثم قال: دعوني أُكَفِّنه. فقلنا له: إنه أوصى أن يكفنَ في ثيابه التي كانت عليه، فكفنه السُّلطان بعد ذلك بكفن بستين ديناراً، وقيل: قوّم بثمانين ديناراً. محمد بن سَهْل بن عَسْكر: حدَّثنا عبد الرَّزَّاق، قال: بعَث أبو جعفر الخَشَّابين حين خرج إلى مكة، وقال: إن رأيتم سُفيان الثُّوري فاصلِبوه. فجاء النَّجارون، ونصبوا الخشَبَ، ونُودي عليه، فإذا رأسه في حجر الفُضيل ابن عِيَاض، ورجلاه في حجر ابن عُيَيْنَة، فقيل له: يا أبا عبد الله! اتقِ الله، لا تُشَمِّتْ بنا الأعداءَ، فَتقدَّمَ إلى الأستار، ثم أخذه، وقال: بَرْتُ منه إن دَخَلَها أبو جعفر. قال: فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة، فأخبر بذلك سُفيان، فلم يقل شيئاً. هذه كرامة ثابتة، سمعها الحاكم من أبي بكر محمد بن جعفر المُزَكِّي، سمعت السَّراج، عنه. ٢٥١ الحاكم: سمعت محمد بن صالح بن هانئ ، سمعت الفضل الشَّعْراني، سمعتُ القوارِيري، سمعت يحيى القَطَّان يقول: رأيتُ سُفيان الثَّوري في المنام مكتوبٌ بين كتفيه بغير سواد: ﴿فَسَيَكْفِيْكَهُمُ اللَّهُ﴾(١). [البقرة: ١٣٧] .. عبَّاس الدُّوري: سمعت يحيى بن مَعِين، سمعت ابن عُيَيْنَة، عن سُفيان الثَّوري، قالَ: ما تُريد إلى شيء إذا بلغت منه الغاية، تمنيت أن تنفلِتَ منه كفافاً (٢). أبو قُدامَة السَّرخسِي: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: كان سُفيان الثَّوري إذا قيل له: إنه رُؤيَ في المنام، يقول: أنا أعرف بنفسي من أصحاب المنامات . قال أبوبكر بن عَيَّاش: كان سُفيان يُنكِرُ على من يقول: العبادات ليست من الإِيمان، وعلى من يُقدم على أبي بكر وعمر أحداً من الصَّحابة، إلا أنَّه كان يُقدم علياً على عثمان. رواها الحاكم، عن أبي بكر بن إسحاق، أنبأنا الحسن بن علي بن زياد، حدَّثنا يحيى بن مَعِين، سمع أبا بكر. محمد بن سَهْل بن عَسْكر: حدَّثنا عبد الرَّزَّاق: سمعت مالكاً، والأوْزَاعِي، وابن جُرَيْج، والثَّوري، ومَعْمراً، يقولون: الإِيمان قول وعمل، يزيد وينقصُ. الحاكم، حدَّثنا أبو الفَضْل محمد بن إبراهيم المُزَكِّي، حدَّثنا جعفر (١) للخبر رواية أخرى في («الحلية)): ٣٧١/٦. (٢) للخبر رواية أخرى في ((الحلية)): ٣٦٥/٦، وانظر ما جاء في ترجمة هشام الدستوائي، صفحة: ١٥٠ ٫ ٢٥٢ الفِرْيابي، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن يوسُف الفِرْيابي، حدَّثنا أبي: سمعت سُفيان يقول: إن قوماً يقولون: لا نقول لأبي بكر وعُمر إلا خيراً، ولكنْ عَلِيٍّ أولى بالخلافة منهما. فمن [قال] ذلك، فقد خطَّأ أبا بكر وعمر وعلياً، والمهاجرين والأنصار، ولا أدري ترتفعُ مع هذا أعمالهم إلى السَّماء؟. أبو سعيد الأشَج : سمعتُ ابن إِدْريس يقولُ: ما رأيتُ بالكوفة رجلاً أُتْبَعَ للسُّنة ولا أود أني (١) في مِسلاحه من سُفيان الثَّوري. وعن زيد بن الحُبَاب قال: خرج سُفيان إلى أيوب، وابن عَون، فترك لَّشَبُّعِ. وقال حفص بن غياث: قلت لسُفيان: يا أبا عبد الله! إنَّ النَّاس قد أكثروا في المهدي، فما تَقولُ فيه؟ قال: إنْ مَرَّ على بابك، فلا تكن فيه في شيء حتى يَجْتَمِعَ النَّاس عليه . مُؤَمَّل بن إسماعيل: عن سُفيان، قال: تركتْني الروافضُ، وأنا أبغض أن أذكر فضائل عليّ(٢). الحاكم: سمعت أبا الوليد، حدَّثنا الحسن بن سُفيان، حدَّثنا هارون ابن زِياد المَصِّيصي، سمعت الفِرْيابي، سمعت سُفيان ورجل يسأله عن من يشتم أبا بكر؟ فقال: كافر بالله العظيم. قال: نُصلِّ عليه؟ قال: لا، ولا كرامة. قال: فزاحمه النَّاس حتى حالوا بيني وبينه، فقلت للذي قريباً منه: ما قال؟ قلنا: هو يقولُ: لا إِله إِلا الله، ما نصنع به؟ قال: لا تمسوه بأيديكم، ارفعوه بالخشب حتى تُواروه في قبره. (١) في الأصل: ((نحن))، وما أثبتناه من ((الحلية)): ٦/٧. ((وفي مسلاحه)) أي: في هديه وسمته . (٢) الخبر في ((الحلية)): ٢٧/٧، وفيه: ((منعتنا الشيعة أن نذكر فضائل علي)). ٢٥٣ عِبَّاس الدُّورِي: حدَّثني عبد العزيز بن أبان: سمعت الثَّوري يقول: من قدَّم على أبي بكر وعمر أحداً، فقد أزرى على اثني عشر ألفاً من أصحاب رسول الله - ﴿ ـ تُوفي رسولُ الله وهو عنهم راضٍ . عبّاس: حَدَّثنا يحيى بن معين، حدَّثنا عبد الرَّزَّاق: سمعت الثَّوري يقول: امسح عليهما ما تعلقتا بالقدم، وإن تَخَرَّقا. قال: وكذلِكَ كانت خِفافُ المهاجرين والأنصار مُخَرَّقَة مُشقَّقة . مشايخ حدَّث عنهم الثَّوري، وحدَّثوا هم عنه: محمد بن عجلان، محمد بن إسحاق، ابن أبي ذئب، عبد الله بن المبارك، أبو إسحاق الفَزاري، المعتمر بن سُليمان، سَلَمة الأَبْرش، إِبراهيم بن أدهم، أبان بن تَغْلِب، حمزة الزَّيَّات، جعفر الصَّادق، حمَّاد بن سلمة، الحسن بن صالح بن حي، خارِجَة بن مُصعب، خُصَيف بن عبد الرّحمن، سُليمان الأعْمش، أبو الأحوص، سلَّم بن سُليم، سُفيان بن عُيَيْنَة، شعبة بن الحجّاج، شريك القاضي، الأوزاعي، أبو بكر بن عيَّش، ابن جُرَيْج، فُضَيْل بن عياض، أبو حنيفة، وَكِيع بن الجرَّاحِ. سمى هؤلاء الحاكم. وروى سُليمان بن بلال، عن ابن عجلان، عن الثَّوري. وروي عن الثَّوري قال: أُحِبُّ أن يكونَ صاحبُ العلم في كفايةٍ، فإنَّ الآفاتِ إليه أسرع، والألسنة إليه أسرع(١). قال زَائِدة: كان سُفيان أفقه النَّاس. وقال ابن المبارك: ما أعلم على وجهِ الأرضِ أعلمَ من سُفيان. وعن ابن عُيَيْنَة: ما رأى سُفيان مثلَ نفسه .. ٠ = ٠٠ (١) للخبر رواية أخرى في ((الحلية)): ٣٦٩/٦. ٢٥٤ قال إبراهيم بن محمد الشَّافعي : قلتُ لابن المبارك: رأيتَ مثل سُبفيان الثَّوري؟ فقال: وهل رأى هو مثلَ نفسِه؟ وقال الخُريبي : ما رأيتُ محدِّثاً أفضل من الثَّوري. وقال يحيى بن سعيد: ما كتبت عن سفيان، عن الأعمش، أحب إلي(١) مما كتبتُ عن الأعمش. وقال أبو أسامة: من حدَّثك أنه رأى بعينه مثلَ سُفيان، فلا تصدّقْه. وقال شَريك: نرى أن سُفيان حُجَّة لله على عباده. قال أبو الأحوص: سمعت سُفيان يقول: وددت أني أنجو من هذا الأمر كَفَافاً، لا عَليَّ ولا لي . وقال أبو أُسَامة: سمعتُ سُفيان يقولُ: ليس طلبُ الحديث مِن عدة الموت، لكنَّه علةٌ يتشاغل به الرَّجل. قلت: يقول هذا مع قوله للخريبي : ليس شيء أنفع للنَّاس من الحديث؟! وقال أبو داود: سمعتُ الثَّوزي يقولُ: ما أخافُ على شيء أن يُدخلني النَّارَ إلا الحديث. وعن سفيان قال: وددتُ أني قرأتُ القرآن، ووقفتُ عنده لم أتجاوزه إلى غيره. وعن سفيان قال: من يزدَدْ علماً يزدَدْ وجعاً، ولولم أعلم كان أيسر لحزني . وعنه قال: وددت أن علمي نسخ من صدري، ألستُ أريد أن أُسأل غداً عن كل حديث رويته: أَيْش أردتَ به؟ قال يحيى القَطَّان: كان الثَّورُّ قد غلبتْ عليه (١) في الأصل: ((إليك)). ٢٥٥ شَهْوة الحديثِ، ما أخاف عليه إلا من حبه للحديث. قلت: حبُّ ذاتِ الحديث، والعمل به لله مطلوبٌ من زاد المعاد، وجبُّ روايته وعواليه والتَّكثر بمعرفته وفهمه مذموم مَخُوف، فهو الذي خاف منه سُفيان، والقَطَّان، وأهل المراقبة، فإن كثيراً من ذلك وبال على المحدِّث. وروى موسى بن عبد الرَّحمن بن مَهْدي: أنه سمع أباه يقول: رأيتُ الثَّوري في النَّوم، فقلتُ: ما وجدت أفضل؟ قال: الحديث. وقال الفِرْيابي : سمعتهُ يقول: ما عمل أفضل من الحديث إذا صحت النِّيَّة فيه . وقال ضَمْرة: كان سُفيان ربما حدَّث بعَسْقلان، يبتدئُهم، يقول: انفجرتِ العيون! يعجب من نفسه. مُهَنا بن يحيى: حدَّثنا عبد الرَّزَّاق: قالَ صاحبٌ لنا لسُفيان: حدِّثْنا كما سمعتَ. فقال: لا والله لا سبيلَ إليه، ما هو إلا المعاني. وقال زيد بن الحُبَابِ : سمعت سُفيان يقول: إن قلتُ: إني أحدِّثكم كما سمعتُ، فلا تُصدِّقوني . أحمد بن سِنان : حدثنا ابنُ مهدي، قال: كنا نكون عند سُفیان، فكأنه قد أوقِفَ للحساب، فلا نجْترئُ أن نُكلِّمه، فتُعرِّضُ بذكر الحديث، فيذهبُ ذلك [الخشوع] فإنما هو حدثنا حدثنا (١). قال عبد الرَّزَّاق: رأيتُ سُفيان بصنعاء يُملي على صبيٍّ، ويستملي له. (١) هو في ((الحلية)): ٦/ ٣٧١، وهو فيه أيضاً: ٧٣/٧، بلفظ (( ... فإنما هو: حدثني حدثني)). -- ٢٥٦ -- وعن سُفيان قال: لو لم يأتني أصحابُ الحديث لأتيتهم . -سيأتي بقية هذا الفصل-(١). الفِرْيابي: عن سُفيان قال: دخلت على المهدي، فقلت: بلغني أن عُمر- رضي الله عنه- أنفقُ في حجته اثني عشر ديناراً، وأنتَ فيما أنتَ فيه. فغضبَ، وقال: تُريد أن أكونَ مثل هذا الذي أنتَ فيه. قلتُ: إن لم يكن مثل ما أنا فيه، ففي دون ما أنت فيه. فقال وزيره: جاءتنا كتبُك، فأنفذتها. فقلتُ: ما كتبت إليكَ شَيئاً قَطُّ . (٢). الخريبي : عن سُفيان، قال: ما أنفقت درهماً في بناء. وقال يحيى بن يَمان: عن سُفيان: لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون، ما أكلتم منها سميناً. ثم قال ابنُ يَمان: ما رأيتُ مثل سُفيان! أقبلت الدُّنيا عليه، فَصَرَفَ وجهه عنها . قال أبو أحمد الزُّبَيري: كنتُ في مسجد الخَيْف (٣) مع سفيان، والمنادي ينادي: من جاء بسُفيان، فله عشرة آلاف. وقيل: إنه لأجل الطَّلب هَرَبَ إلى اليمن، فسُرقَ شيء، فاتهموا سُفيان. قال: فأتَوا بي معن بن زائدة(٤)، وكان قد كُتِبَ إليه في طلبي ، فقيل له: هذا قد سرق منا. فقال: لِمَ سرقت متاعَهم؟ قلت: ما سرقت شيئاً. فقال لهم: تنحوا لأسائله. ثم أقبل عَلَيَّ، فقال: ما. اسمك؟ قلت: عبدُ الله بن عبد الرَّحمن. فقال: نشدتُك اللّه لمَّا انتسبت. (١) انظر الصفحة: ٢٧٤ . (٢) رويت هذه الحادثة قريباً في الصفحة: ٢٦٣، عن الفريابي ، أنها جرت بين سفيان وأبي جعفر. فانظرها . (٣) الخيف: ما انحدر من غلظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء، ومنه سمي مسجد الخيف من منى، لأنه في خيف الجبل . (٤) انظر ترجمته في الصفحة: ٩٧. ٢٥٧ سير ١٧/٧ قلت: أنا سُفيان بن سعيد بن مَسْروق. قال: الثَّوري؟ قلت: الثَّوري. قال: أنت بغيةُ أَمير المؤمنين. قلت: أجل، فَأَطْرَقَ ساعةً، ثم قال: ما شئتَ، فأقم، وبَتَّىَ شئتَ، فارحل، فوالله لو كنتَ تحتَ قدمي ما رفِعتُها. قرأتها على إسحاق بن طارق، أنبأنا ابن خَليل، أنبأنا أحمد بن محمد، أنبأنا أبو علي المقْرىء، أنبأنا أبو نُعَيْم، أنبأنا أبو الشَّيخ، حدَّثنا إِبراهيم بن محمد بن الحَسَن، حدَّثنا أحمد بن سُليمان بن أبي شَيْبَة، سمعت صالح بن معاذ البصري، سمعت عبد الرَّحمن بن مهدي، سمعت سُفيان، فذكرها. وَكِيْعٍ: عن سُفيان، قال: ما عالجتُ شيئاً أشد عليَّ من نفسي، مرة عَليَّ، ومرة لي . الْخُرَيْبِي: عن سفيان: ﴿سَنَستدْرِجُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٢] و [القلم: ٤٤]: قال: نُسبغ عليهم النِّعم، ونمنعُهم الشُّكر. أبو إسحاق الفَزاري، عن سُفيان، قال: البكاءُ عشرة أجزاء: جزء لله، وتسعة لغير الله، فإذا جاء الذي لله في العام مرة، فهو كثير. قال خَلَف بن تميم: سمعت سُفيان يقول: من أحبَّ أفخاذ النِّساء، لم يُفْلِحْ. وقال عبد الرَّحمن رُسْتَه : سمعتُ ابن مَهدي يقول: باتَ سُفيان عندي، فجعل يبكي، فقيل له. فقال: لَذُنوبي عندي أهونُ من ذا- ورفع شيئاً من الأرض- إني أخاف أن أُسْلَبَ الإِيمان قبل أن أموتَ. وعن سُفيان: السَّلامة في أن لا تحب أن تُعرف. وروى رُسْتَه، عن ابن مَهْدي قال: قدم سُفيان البصرة، والسُّلطان ٢٥٨ يطلبه، فصار إلى بُستان، فأجَّر نفسه لحفظ ثماره(١)، فمرَّ به بعض العَشَّارين فقال: من أنت يا شيخ؟ قال: من أهل الكوفة. قال: أَرُطَبُ البصرة أحلى أم رُطَب الكوفة؟ قال: لم أذق رطب البصرة. قال: ما أكذبَك! البُرُّ والفاجر والكلاب يأكلون الرُّطَب السَّاعة. ورَجَع إلى العامل، فأخبره ليُعجبه، فقال: ثكلْكَ أُمُّك! أَدْرِكْه، فإنْ كنتَ صادقاً، فإنَّه سُفيان الثَّوري، فخذه لنتقرب به إلى أمير المؤمنين، فَرَجَع في طلبه، فما قدَر عليه. قال شُجَاعُ بن الوليد: كنت أحجُّ مع سُفيان، فما يكادُ لسانُه يفتُر من الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، ذاهباً وراجعاً. وعن سفيان: أنه ذهب إلى خُراسان في حقٌّ له، فأجَّر نفسه من جمَّالين. وقال إِبراهيم بن أَعْيَن: كنت مع سُفيان والأوزاعي، فدخل علينا عبد الصَّمد بن علِي - وهو أميرُ مكة - وسفيان يتوضأ، وأنا أصبُّ عليه، كأنه بطَّأه، وهو يقول: لا تنظروا إلى، أنا مُبتلى(٢). فجاء عبد الصَّمد، فسلّم، فقال له سفيان: من أنتَ؟ فقال: أنا عبدُ الصَّمد. فقال: كيف أنت؟ اتق الله، اتقِ الله، وإذا كَّرت، فأَسْمِع. قال يحيى بن يَمان: سمعت سفيان يقول: إني لأرى المنكر، فلا أتكلم، فأبول أكدمَ دماً. قلت: مع جلالة سفيان، كان يُبيحُ النَّبِيذَ الذي كثيرهُ مسكر(٣). (١) وممن اعمل بنطارة البساتين الزاهد إبراهيم بن أدهم. انظر الصفحة: ٣٩٢. والقصة المشابهة لهذه في الصفحة: ٣٩٦. (٢) أي موسوس في الوضوء. (٣) انظر الصفحة: ٢٤١، ٢٧٥ . ٢٥٩ أخبرنا أحمد بن سلامة كتابةً، عن اللبَّان، أنبأنا الحدَّاد، أنبأنا أبو نُعَيْم، حدَّثنا أحمد بن جعفر بن سَلَم، حدثنا الأَبَّار، حدَّثنا عبد الملك المَيْموني: سمعت يعلى بن عبيد يقولُ: قال سفيان: إني لآتي الدَّعوة، وما أشتهي النَّبِيذَ، فأشربهُ لكي يراني النَّاس. المُحاربي: سمعتُ الثَّوري يقول للغلام إذا رآه في الصَّف الأول: احتلمتَ؟ فإنْ قال: لا. قال: تأخر. يوسُف بن أَسْباط: سمعت الثَّوري يقول: ليس شيء أُقْطَع لظهر إبليس من قول: لا إله إلا الله. عن سفيان: وسئل: ما الزُّهْد؟ قال: سقوطُ المنزلة. وعنه: قال: إني لألقى الرَّجُل أبغضه، فيقول: كيف أصبحتَ؟ فيلين له قلبي . فكيف بمن آكل طعامهم؟ . وَكِيْعٍ: عن سُفيان: لو أن اليقينَ ثبت في القلب، لطار فرحاً، أو حُزناً، أو شوقاً إلى الجَنَّة، أو خوفاً من النَّار. قال قُتَيَّة: لولا سفيان، لمات الوَرَع. ابن المبارك: قال لي سُفيان: إياك والشُّهرة، فما أتيتُ أحداً إلا وقد نهى عن الشُّهرة . وعن الفِرْيابي قال: أتى سفيان بيت المقدس، فأقام ثلاثةَ أيام، ورابط بِعَسْقلان أربعين يوماً، وصحبته إلى مكة. أحمد بن يونس : سمعتُ سُفيان يقول: ما رأيتُ للإِنسان خيراً من أن يَدخل جُحراً. قال عطاء بن مُسْلم: قال لي الثَّوري: إذا كنتَ بالشَّام، فاذكر مناقب علِي، وإذا كنتَ بالكُوفة، فاذكر مناقب أبي بكر وعمر. ٢٦٠