Indexed OCR Text
Pages 141-160
ولكنَّه كان رجلاً كريماً، يجلِسُ إليه كلُّ أحد ويغشاه فلا يظْرُدُه، ولا يقولُ له شيئاً، وإن مرض، عاده؛ فكانوا يتهمونه بالقدر، لهذا وشِبهه. قلت: كان حقه أن يكْفَهرَّ في وجوههم، ولعله كان حسنَ الظُّن بالنَّاس. ثم قال الواقدي تلميذُه: وكان يُصلي الليل أجمع، ويجتهد في العبادة، ولو قيل له: إن القيامةَ تقوم غداً، ما كان فيه مَزِيْدٌ من الاجتهاد. أخبرني أخوه قال: كان أخي يصوم يوماً ويُفطِرُ يوماً، ثم سرد الصَّوم، وكان شديد الحال(١)، يتعشَّى الخبز والزَّيت، وله قميص وطَيْلَسان، يشتو فيه ويصيف. قال: وكان من رجال النَّاس(٢) صرامةً وقولاً بالحق، وكان يحفظ حديثَه، لم يكن له كتاب، وكان يروح إلى الجمعة باكراً، فيُصلي إلى أن يخرُجَ الإِمامُ. ورأيته يأتي دار أَجْداده عند الصَّفا، فَيَأُخذ كِراءَها، وكان لا يُغَيِّر شيبه . ولما خرج محمد بن عبد الله بن حسن(٣)، لزم بيته إلى أن قتل محمد، وكان أمير المدينة الحسن بن زيد يُجري على ابن أبي ذِئب كل شهْر خمسة دنانير، وقد دخل مرَّة على والي المدينة، فكلَّمه- وهو عبد الصَّمد بن علي عم المنصور- فكلمه في شيء، فقال عبد الصَّمد بن علي: إني لأراك مُرائياً. فأخذ عوداً، وقال: مَن أَرائي؟ فواللّهِ لَلنَّاسُ عندي أهونُ من هذا. ولما وَلِي المدينةَ جعفرُ بن سُليمان، بعث إلى ابن أبي ذِئْب بمئة دينار، فاشترى منها ساجاً(٤) كردياً بعشرة دنانير، فلَبسه عمرَه، وقدِمَ به عليهم بغدادَ، (١) في ((التذكرة)): ١٩٢/١: ((وكان خشن العيش)). (٢) في المرجع السابق: ((وكان من رجال العلم)). (٣) انظر الصفحة: ٢١، حا: ١. (٤) الساج: الطيلسان الضخم الغليظ، وقيل: هو الطيلسان المقورينسج كذلك. ١٤١ فلم يزالوا به حتى قَبِلَ منهم، فأعطَوْهُ ألف دينار- يعني الدولة - فلما رجَع، مات بالكوفة - رحمه الله -. نقل هذا كله ابنُ سعد في ((الطَّبقات)) عن الواقدي، والواقدي- وإن كان لا نزاع في ضعفه- فهو صادقُ اللسان، كبير القدْر. وفي ((مسند)) الشَّافعي سماعَنا، أخبرني أبو حنيفة بن سِماك، حدَّثني ابنُ أبي ذئب، عن المَقْبُري عن أبي شُرَيح أن رسولَ الله مَ ◌ِّ قال: ((مَنْ قُتِل لَهُ قَتِيْلٌ فَهُو بِخَيرِ النَّظَرَيْنِ: إِنْ أَحَبَّ أَخَذَ الْعَقْلَ، وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ الْقَوَّدُ))(١). قلتُ لابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا؟ فضربَ صدري، وصاح كثيراً، ونال مني، وقال: أُحدِّثك عن رسول الله - بَّه - وتقول: تأخذ به: نَعَم آخذُ به، وذلك الفرض عليَّ، وعلَى كل من سمعه. إن اللّه اختار محمداً- وَلِ من النّاس فَهَداهُم به، وعلى يديه، فعلى الخلق أن يتّبعوه طائعين أو داخِرِين، لا مخرج لمسلم من ذلك. قال أحمد بن حنبل: بلغ ابن أبي ذئب أن مالكاً لم يأخذ بحديث ((البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ))(٢) فقال: يُستتابُ، فإن تابَ، وإلا ضُربت عنقُه. ثم قال أحمد: هو أورعُ وأقْولُ بالحق من مالك. قلت: لو كان وَرِعاً كما ينبغي، لما قال هذا الكلامَ القبيحَ في حقِّ إمام (١) مسند الشافعي: ٢٤٩/٢. وأخرجه أبو داود: (٤٥٠٤)، والترمذي: (١٤٠٦)، من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح، وإسناده صحيح وفي الباب عن أبي هريرة، أخرجه البخاري: ١٨٢/١٢، ومسلم: (١٣٥٥)، والترمذي : (١٤٠٥)، وأبو داود: (٤٥٠٥)، والنسائي: ٣٨/٨، بلفظ: ((ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يودى، وإما أن يقاد)». (٢) أخرجه مالك في ((الموطأ): ٦٧١/٢، في البيوع: باب بيع الخيار، والبخاري: ٢٧٦/٤، في البيوع: باب البيعان في الخيار ما لم يتفرقا، ومسلم: (١٥٣١)، في البيوع: باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، من طريق نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - مرح له- قال: ((المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا)). ١٤٢ عظيم. فمالكٌ إنما لم يعمل بظاهر الحديث، لأنه رآه منسوخاً. وقيل: عمل به وحَمَل قوله: ((حَتَّى يَتَفَرَّقًا)» على التلفظ بالإِيجاب والقبول، فمالكٌ في هذا الحديث، وفي كلِّ حديث، له أجرٌ ولا بدَّ، فإنْ أصاب، ازداد أجراً آخر، وإنما يرى السَّيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورِيَّةُ(١). وبكل حال فكلامُ الأقران بعضُهم في بعض لا يُعَوَّل على كثير منه، فلا نقَصَت جلالةُ مالك بقولِ أبن أبي ذئب فيه، ولا ضَعَّف العلماءُ ابن أبي ذِئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما- رضي الله عنهما- ولم يسندها الإِمام أحمد، فلعلها لم تصح. كتب إليَّ مُؤَمَلٌ البالِسي وغيره أن أبا اليُمْن الكِنْدي أخبرهم: أنبأنا القَزَّاز(٢)، أنبأنا أبو بكر الخطيب، أنبأنا أبو سعيد الصَّيْرفي، حدّثنا الأصمُّ، حدَّثنا عبَّاس الدُّوري قال: سمعتُ يحيى بن معين يقولُ: ابنُ أبي ذئب سَمِعَ عكرمة . وبه: قال الخطيب: أنبأنا الجوهريُّ، أنبأنا المَرْزُباني، حدَّثنا أحمد بن محمد بن عيسى، حدَّثنا أبو العَيْنَاء، قال: لما حجّ المهديُّ ، دخل مسجد رسول الله - وَّ- فلم يبقَ أحد إلا قام، إلا ابن أبي ذئب، فقال له المُسَيِّب بن زُهير: قُمٍ، هذا أميرُ المؤمنين. فقال: إنما يقومُ النَّاس لربِّ العالمين. فقال المهدي: دعْه، فلقد قامت كُلُّ شعرة في رأسي . وبه: قال أبو العَيْناء: وقال ابنُ أبي ذئب للمنصور: قد هَلَك النَّاس، فلو أعنْتُهم من الفَيْء. فقال: ويْلَكَ، لولا ما سددتُ من الثُّغور، لكنتَ تُؤْتِى في منزلك، فَتُذْبَح. فقال ابنُ أبي ذئب: قد سد الثُّغور، وأعطى النَّاس من هو . (١) الحرورية: هم الخوارج، ونسبتهم هذه إلى: حروراء: وهو موضع بظاهر الكوفة، وبه كان أول اجتماعهم وتحكيمهم حين خالفوا علياً - رضي الله عنه- وخرجوا عليه . (٢) انظر ((تبصير المنتبه)) ١١٦٨/٣. ٠ ١٤٣ خيرٌ منك: عمر- رضي الله عنه- فنكس المنصور رأسه - والسيفُ بيد المُسَيِّب. ثم قال: هذا خيرُ أهل الحجاز. قال أحمد بن حنبل: ابن أبي ذئب ثقة. قد دخل على أبي جعفر المنصور، فلم يَهُلْهُ أن قال له الحق. وقال: الظُّلم ببابك فاشٍ ، وأبو جعفر أبو جعفر. قال مُصْعَب الزُّبَيْري: كان ابنُ أبي ذئب فقيهَ المدينة .. وقال البَغَوي: حدَّثنا هارون بن سُفيان قال: قال أبو نُعَيْم: حججْتُ عام حج أبو جعفر ومعه ابنُ أبي ذئب، ومالك بن أنس، فدعا ابن أبي ذئب، فأقعده معه على دار النَّدوة، فقال له: ما تقولُ في الحسن بن زید بن حسن- يعني أميرَ المدينة؟ فقال: إنه ليتحرَّى العدلَ. فقال له: ما تقولُ فيَّ - مرتين-؟ فقال: وَرَبِّ هذه البَنِيّة إنك لجائر. قال: فأخذ الربيعُ الحاجبُ بلحيَتِهِ، فقال له أبو جعفر: گُفَّ یا ابن اللَّخناء(١)، ثم أمر لابن أبي ذئب بثلاث مئة دينار. قال محمد بن المُسَيِّب الأَرْغِياني(٢): سمعت يونُس بن عبد الأعلَى، سمعت الشَّافعيَّ يقولُ: ما فاتني أحد، فأسِفتُ عليه ما أسِفتُ على الليث بن سعد وابنٍ أبي ذئب. قلت: أما فواتُ الليث، فَنَعم، وأما ابن أبي ذئب، فما فرَّط في الارتحال إليه، لأنه مات وللشَّافعي تسعة أعوام. علي بن المَدِيني: سمعتُ يحيى بن سعيد يقول: كان ابنُ أبي ذئب (١) اللخن: نتن الريح عامة، وقبح ريح الفرج، ويقال: اللخناء: التي لم تختن. (٢) ترجمته في ((الأنساب)): ١٦٩/١: الأرغياني، بفتح الهمز، وسكون الراء المهملة، وكسر الغين المعجمة: نسبة إلى أرغيان، من بلاد نيسابور. ١٤٤ عَسِراً، أعْسَر أهل الدُّنيا، إن كان معك الكتاب، قال: اقرأه، وإن لم يكن معك كتاب، فإنما هو حفظ. فقلت ليحيى : كيف كنت تصنعُ فيه؟ قال: كنت أتحقَّظُها وأكتُبها. وقال أبو إسحاق الجوزجاني : قلت لأحمد بن حنبل: فابن أبي ذئب، سماعُه من الزُّهْرِيِّ، أَعَرْضُ هو؟ قال: لا يُبالي كيف كان. قلت: كان يُلَيِّنُه في الزُّهْرِيِّ بهذه المقالة، فإنه ليس بالمجوِّد في الزُّهري . قال أحمد بن علي الأَبَّار: سألت مُصعبا عن ابن أبي ذئب، فقال: معاذ الله أن يكون قدَرياً، إنما كان في زمن المهدي قد أخذوا أهلَ القدَر، وضربوهم، ونَفَوْهم، فجاء منهم قوم إلى ابن أبي ذئب، فجلسوا إليه، واعتصموا به من الضَّرب، فقيل: هو قدَري لأجل ذلك. لقد حدَّثني من أثق به أنه ما تكلم فيه قَطُّ . وجاء عن أحمد بن حنبل، أنه سئل عنه، فوثّقه، ولم يرضه في الزّهري. وقال الفَضْل بن زياد: سُئل أحمد بن حنبل: أَيُّما أعجبُ إليك: ابنُ عجلان، أو ابنُ أبي ذئب؟ فقال: ما فيهما إلا ثقة. قدِم ابن أبي ذئب بغداد، فحملوا عنه العلم، وأجازه المهدي بذهب جِيِّد، ثم رُدّ إلى بلاده، فأدركه الأجل بالكوفة، غريباً، وذاك في سنة تسع وخمسين ومئة . قال البَغَوي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان ابنُ أبي ذئب رجلاً صالحاً قَوَّالاً بالحق، يُشَبَّه بسعيد بن المُسَيِّب ، وكان قليلَ الحديث. أخبرنا أبو الحسن بن البخاري وغيره كتابة، قالوا: أنبأنا عُمَر بن محمد ١٤٥ سير ١٠/٧ الدَّارِقَزِّي١ُ، أنبأنا عبد الوهَّاب الأنماطي، أنبأنا أبو محمد بن هزارمرد(٢). الخطيب، أنبأنا عُبيد الله بن محمد بن إسحاق، حدَّثنا عبد الله بن محمد البَغوي، حدَّثنا علي بن الجَعْد، أنبأنا ابنُ أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، سمعت أبا هريرة يحدِّث أبا قتادة، عن النَّبي - ◌ِّ - قال: ((يُبَايَعِ لِرَجُلٍ بَيْنَ الرُّكْن وَالْمِقَامِ، وَلَنْ يَسْتَحِلَّ الْبَيْتَ إِلَّ أَهْلُهُ، فَإِذَاْ اسْتَحَلُّوْهُ، فَلا تَسْأَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ. ثُمَّ تَأَتِي الْحَبَشَةُ فَيُخَرِّبُوْنَهُ خَرَأْباً لا يُعْمَرُ بَعْدَهَا أَبَدَاً، وَهُمُ الَّذِيْنَ يَسْتَخْرِجُوْنَ كَنْزَهُ»(٣). وبه؛ أنبأنا ابن أبي ذئب، عن شُعبة، هو مولى ابن عبّاس، قال: دخل المِسْوَرُ بن مخرمة على ابن عبّاس، وعليه ثوبُ إِسْتَبْرَقٍ، فقال: ما هذا يا أبا العباس؟ قال: وما هو؟ قال: هذا الإِسْتَبْرَق. قال: ما علمت به، ولا أظنُّ رسولَ الله ◌ِ ﴿ - نهى عنه حين نهى إلا للتّجُر والتَّكَبُّر، وَلَسْنا، بحمد الله، كذلك. قال: فما هذه الطَّيور في الكانون (٤)؟- يعني تصاوير- قال: ألا ترى كيف أحرقناها بالنَّار. فلما خرج المِسْوَر، قال: انزعوا هذا الثَّوبَ عني، واقطعوا رأسَ هذه التَّمَاثيل والطّيور. (١) نسبة إلى دار القز: محلة كبيرة ببغداد، في ظرف الصحراء، وهو المعروف بابن طبرزد، ترجمه المؤلف في ((العبر)»: ٢٤/٥، فقال: مسند العصر، أبو حفص، موفق الدين عمر بن محمد ابن معمر الدارقزي، المؤدب، ولد سنة: (٥١٦ هـ)، وسمع من ابن الحصين، وأبي غالب ابن البناء، وطبقتهما، فأكثر. وحفظ أصوله إلى وقت الحاجة، وروى الكثير، ثم قدم دمشق في آخر ,أيامه، فازدحموا عليه، وقد أملى مجالس بجامع المنصور، وعاش تسعين سنة وسبعة أشهر، وكان ظريفاً، كثير المزاحَ، توفي ببغداد سنة : (٦٠٧ هـ). (٢) هو عبد الله بن محمد الصُّريفيني، سيترجمه المؤلف فيما بعد، ومعنى: هزار مرد: ألف رجل بالفارسية. انظر ((الأنساب)): ٥٩/٨، و((التاج)): هزر. (٣) إسناده صحيح. وأخرجه أحمد: ٢٩١/٢، من طريق يزيد، و٣١٢/٢، من طريق زيد ابن الحباب، و٣٢٨/٢، من طريق أبي النضر وإسحاق بن سليمان، و٣٥١/٢، من طريق حسن ابن محمد، كلهم عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة. (٤) الكانون: الموقد. ١٤٦ أخبرنا أبو العباس أحمد بن عبد الرّحمن، أنبأنا أبو القاسم بن صَصْرى، أنبأنا أبو المكارم عبد الواحد بن محمد الأزدي، أنبأنا أبو الفضل عبد الكريم المُؤَمِّل الكَفَرْطَابِي قراءةً عليه وأنا حاضر، أنبأنا عبد الرَّحْمن بن أبي نَصْرِ التَّميمي، أنبأنا أبو علي محمد بن القاسم بن معروف، حدَّثنا أبو بكر أحمد بن علي القاضي، حدَّثنا علي بن الجَعْد، أنبأنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن عُروة، عن عائشة، قالت: ((كانَ رَسُوْلُ اللّه ◌ِ حَّةَ- يَصُومُ يَوْمَ عَأْشُوْرَاءَ، وَيَأْمُرُ بِصِيَامِهِ)(١). ٠٠٠ قال الدَّارَقُطْنِي: كان ابن أبي ذئب صنَّف موطأَّ فلم يُخْرَجْ. ابن أبي مَرْيم: عن يحيى بن معين، قال: ابن أبي ذئب ثقة، وكل من روى عنه ابن أبي ذئب فَئِقة، إلا أبا جابر البياضي، وكل من روى عنه مالك ثقة، إلا عبد الكريم أبا أميّة . وقال يعقوب بن شَيْبةٍ: أَخْذُه عن الزُّهرِيِّ، عَرْضٌ(٢)، والعرض عند جميع من أدركنا صحيح. وسمعْتُ أحمد ويحيى يتناظران في ابن أبي ذئب، وعبد الله بن جعفر المَخْرَمِي، فقدَّم أحمد المخرميَّ، فقال يحيى: المخرميُّ شيخ؟ وأيش عنده؟ وأطرى ابن أبي ذئب، وقدَّمه على المَخْرَمِي تقديماً كثيراً متفاوتاً، فذكرْتُ هذا لعلِيٍّ، فوافق يحيى، وسألتُ علياً عن سماع ابن أبي ذئب من الزّهري ،فقال: هي مقارَبة، وهي عرض. (١) إسناده صحيح. وأخرجه البخاري: ٢١٣/٤، في الصوم؛ باب صوم يوم عاشوراء، ومسلم: (١١٢٥)، في الصيام: باب صوم يوم عاشوراء، من طريق عروة، عن عائشة. (٢) القراءة على الشيخ حفظاً، أو من كتاب تُسمى عند المحدثين: ((عَرْضاً)). والرواية بها سائغة عند العلماء، إلا عند من لا يُعتد بخلافهم. أنظر: ((الباعث الحثيث)»: ١١٠. ١٤٧ قال الواقدي: كان من أورع النَّاسٍ، وأفضلهم(١)، وكانوا يرمونه بالقَدَر، وما كان قدَرياً. أخبرني أخوه قال: كان يصومُ يوماً ويُفطر يوماً، فقَدِم رجل، فجعل يسأله عن رجْفَة الشَّام (٢)، فأقبل يُحدِّثه ويستمِعُ له، وكان ذلك اليوم إفطارَه، فقلتُ له: قم تغذَّ. قال: دعه اليومَ، فسرد من ذلك اليوم إلى أن مات. وكان شديدَ الحال، وكان من رجال الناس(٣) صَرَاهة، وكان يَتَشبب في حداثته حتى كَبر وطلب الحديث، وقال: لو طلبتُ وأنا صغير كنتُ أدركتُ المشايخ، ففرَّْتُ فيهم، كنتُ أتهاون، وكان يحفظُ حديثه، لم يكن له کتاب . قال حمّاد بن خالد: كان يُشَبَّه بابن المُسَيِّب، وما كانَ هو ومالك في موضعٍ عند سلطان إلا تكلّم ابن أبي ذئب بالحق والأمر والنهي، ومالك ساکت . قال عثمان الدَّارمي: قلت ليحيى : ما حالُ ابن أبي ذئب في الزُّهري؟ فقال: ابن أبي ذئب ثقة . قلت: هو ثقةٌ مَرْضي. وقد قال محمد بن عثمان بن أبي شَيْبة: سألتُ عَليّاً عنه، فقال: كان عندنا ثقة، وكانوا يُوهنونه في أشياء رواها عن الزُّهْري. وسُئل عنه أحمد فوثّقه، ولم يرضه في الزُّهري. قال ابن أبي فدَيْك: مات سنة ثمان وخمسين ومئة. وقال أبو نُعَيْم وطائفة: مات سنة تسع وخمسين. وقال الواقدي: اشتکی بالكوفة، وبها مات. (١) انظر الخبر ص: ١٤٠ . (٢) انظر الصفحة: ١١٥، حا: ١ . . (٣) انظره في الصفحة: ١٤١ . ١٤٨ أخبرنا أحمد بن هِبَة الله، عن عبد المُعزّ، أنبأنا تَميم، أنبأنا أبو سعْد، أنبأنا ابن حَمْدان، أنبأنا أبو يَعلَى، حدَّثنا علي بن الجَعْد، حدَّثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شِهاب، عن عُروة، عن عائشة قالت: ((كنتُ أَقْتِلُ قَلَائِدَ هَدْي رَسُولِ اللّهِ وََّ- فَيَبْعَثُ بِهَا، ثُمَّ لا يَجْتَنِبُ شَيْئاً مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ))(١). صحیح عالٍ. قيل : ألَّفَ ابن أبي ذئب كتاباً كبيراً في السُّنن. ٥١- هِشَام الدَّسْتُوائي* (ع ) هو الحافظ، الحجة، الإِمام، الصَّادق، أبو بكر، هشام بن أبي عبد اللّه سَنْيَر البصري الرَّبَعي، مولاهم. صاحب الثِّياب الدَّسْتُوائية ، كان يَتَّجر في القماش الذي يُجلب من دَسْتُوا . ولذا قيل له: صاحب الدَّسْتُوَائِي. ودستُوا بُلَيْدة من أعمال الأَهْواز. حدَّث عن: يحيى بن أبي كثير، وقتادة، والقاسم بن أبي بَزَّة، وحمَّاد الفقيه، وشُعَيب بن الحَبْحَاب، والقاسم بن عوف، ومَطَر الورَّاق، وعاصم بن بَهْدَلة، وعامر الأحول، وعبد الله بن أبي نَجِيْح، ويونُس الإِسْكاف، وأبي (١) إسناده صحيح. وأخرجه البخاري: ٤٣٤/٣، ومسلم: (١٣٢١)، من طريق الزهري، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة. * طبقات ابن سعد: ٢٧٩/٧ - ٢٨٠، طبقات خليفة: ٢٢١، تاريخ خليفة: ٤٢٦، التاريخ الكبير: ١٩٨/٨، التاريخ الصغير: ١١٦/٢ - ١١٨، المعارف: ٥١٢، المعرفة والتاريخ: ٣٤/٣، الجرح والتعديل: ٥٩/٩ - ٦١، مشاهير علماء الأمصار: ١٥٨، حلية الأولياء: ٢٧٨/٦ - ٢٨٦، الكامل لابن الأثير: ٦١٣/٥، تهذيب الكمال: خ: ١٤٣٩ - ١٤٤٠، تذهيب التهذيب :. خ: ١١٦/٤ - ١١٧، تاريخ الإسلام: ٣١١/٦ - ٣١٢، تذكرة الحفاظ: ١٦٤/١، ميزان الاعتدال: ٣٠٠/٤، عبر الذهبي: ٢٢١/١، تهذيب التهذيب: ٤٣/١١-٤٥، طبقات الحفاظ: ٨٤، خلاصة تذهيب الكمال: ٤١٠، شذرات الذهب: ٢٣٥/١. ١٤٩ الزُّبَيْر، وأبي عصام البصري، وعليّ بن الحكم، وأيوب، وبُديل بن ميسرة، وينزلُ إلى أن يروي عن مَعْمر بن راشد. حدَّثَ عنه: ابناه مُعاذ وعبد الله، وشعبة، وابن المبارك، ويزيد بن . زُرَيْع، وعبد الوارث، وابن عُلَيَّةِ، ويحيى القَطَّان، ووَكِيعِ، وَغُنْدَر، ومحمد ابن أبي عدِي، وبشر بن المُفَضَّل، وإسحاق الأزْرق، وخالد بن الحارث، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وأبو داود، وأبو عامر العَقَدي، وعبد الصَّمد بن عبد الوارث، ومكي بن إبراهيم، وأبو عُمَر الحَوْضي، وشاذُ ابن فيَّاض، وعقَّان، وأبو نُعَيْم، ومعاذ بن فَضالة، وأبو سَلَمة التَّبوذكي، ومسلم بن إبراهيم، وأبو الوليد، وخلق كثير. قال يزيد بن زُرَيْع: سمعت أيوب يأمرُنا بهشام بن أبي عبد اللّه، ويحبُّ على الأخذ عنه. أمّيَّة بن خالد: سمعت شُعبة يقول: ما مِن النَّاس أحد أَقُولُ إنه طلب الحديثَ يُريد به الله إلا هشامَ صاحب الدَّسْتُوائي، وكان يقول: ليتنا ننجو من هذا الحديثِ كَفَافاً لا لنا ولا علينا. ثم قال شعبة: إذا كان هشام يقول هذا، فکیف نحن؟!(١). محمد بن عمَّار بن الحارث الرَّازِي: عن علي بن الجَعْد، سمع شعبة يقول: كان هشام الدَّسْتُوائي أحفظ منِّي عن قتادة. وقال ابن معين: قال شعبة: هشام أعلم بحديث قتادة منّي، وأكثر مجالسة له مني . مُعَلَّى بن منصور: سألت ابنَ عُلَيَّةِ عن حُفَّاظ البضرة، فذكر هشاماً الدَّسْتُوائي . (١) جاء في ترجمة سفيان الثوري مثل هذا، انظره في الصفحة: ٢٥٢ .. ١٥٠ أبو هشام الرِّفاعي : عن وكيع، قال: حدَّثنا هشام الدستُوائي وكان ثَبْتاً. وقال ابن مَعين: كان يحيى القَطَّانِ إذا سمع الحديثَ من هشام الدَّسْتُوائي، لا يُبالي أن لا يسمعه من غيره. أبو حاتم: عن أبي غسّان التُّسْتَري: سمعت أبا داود الطَّيَالِسي يقول: كان هشام الدَّستُوائي أميرَ المؤمنين. وقال أبو حاتم: ما رأيت أبا نُعَيم يحثُّ على أحد إلا على هشام الدَّستُوائي . قال أبو حاتم: وسألت أحمد بن حنبل عن الأوْزاعي(١) والدَّسْتُوائي: أيهما أثبت في يحيى بن أبي كثير؟ فقال: الدَّسْتوائي لا تسأل عنه أحداً، ما أرى النَّاس يروون عن أحد أثبت منه، مثله عسى، أما أثبت منه فلا. صالح بن أحمد: قال أبي: أكثر من في يحيى بن أبي كثير بالبصرة هشام الدَّستوائي. وقال علي بن المَدِيني: هو ثبت. وقال أبو حاتم: سألت علياً: من أثبتُ أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قال: هشام الدَّسْتُوائي، ثم حُسين المعلِّم، والأَوْزاعي، وحجَّاج الصَّوَّاف(٢)، وأراه ذكر عليّ بن المبارك. فإذا سمعتَ عن هشام، عن يحيى، فلا تُرد بدلاً . قال العجلي : هشام بصري ثقة، ثبت في الحديث، کان أروى النَّاس عن ثلاثة: قَتادة، وحمَّاد بن أبي سُليم، ويحيى بن أبي كثير، كان يقول بالقَدَر، ولم يكن يدعو إليه. وقال ابنُ سعد: هشام الدَّسْتُوائي مولى بني سَدوس، كان ثقة، ثَبْتاً في الحديث، حجَّة، إلا أنه يرى القَدَر. وقال ابنُ أبي حاتم: سألت أبي وأبا زُرْعَة: من أحبُّ إليكما من (١) انظر ترجمته في الصفحة: ١٠٧. (٢) انظر ترجمته في الصفحة: ٧٥ . ٠٠ ١٥١ أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قالا: هشام. قلت لهما: والأوزاعي؟ قالا: بعده. وزادني أبو زُرْعَة: لأن الأَوْزاعي ذهبت كتبه، وأَثْبَتُ أصحاب قَتَادة هشامٌ وسعید. وروى محمد بن سعد، عن عُبَيْد الله العَيْشي(١) قال: كان هشام الدَّسْتُوائي إذا فقد السِّراج من بيته، يتململُ على فراشه، فكانت امرأته تأتيه بالسِّراج. فقالت له في ذلك، فقال: إني إذا فقدتُ السِّراج، ذكرتُ ظُلْمة القبر: : وقال شَاذ بن فيَّاض: بكى هشام الدَّسْتُوائي حتى فسدت عينُه، فكانت مفتوحة، وهو لا یکادُ يُبصر بها. وعن هشام قال: عجبتُ للعالم كيف يضحك. وكان يقول: ليتنا ننجو لا علينا ولا لنا. قال عَون بن عُمَارة: سمعت هشامً الدَّسْتُوائي يقول: والله ما أستطيع أن أقول: إني ذهبْتُ يوماً قَطُ أطلبُ الحديث أُريدُ به وجه الله عز وجل. قلتُ: والله ولا أنا. فقد كان السَّلَفُ يطلبون العلم للّ فَنَبُلوا، وصاروا أئمة يُقتدى بهم، وطلبه قومٌ منهم أولاً لا لله، وحصَّلُوه، ثم استفاقوا، وحاسبوا أنفسهم، فجرَّهم العلمُ إلى الإخلاص في أثناء الطَّريق، كما قال مُجاهد وغيره: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبيرُ نيَّة، ثم رزق الله النيةَ بعدُ، وبعضهم يقولُ: طلبنا هذا العلم لغير الله، فأبى أن يكونَ إلا لله. فهذا أيضاً حسن. ثم نشروه بِنِيَّةٍ صالحة . وقوم طلبوه بنِيَّة فاسدة لأجل الدُّنيا، وليُثْنَى عليهم، فلهم ما نووا: قال (١) العيشي: نسبة إلى جدته عائشة بنت طلحة. ١٥٢ عليه السلام: ((مَنْ غَزَا يَنْوِي عِقَالا فَلَهُ مَا نَوَى))(١). وترى هذا الضرب لم يستضيؤ وابنورِ العلم، ولا لهم وقعٌ في النُّفوس، ولا لِعلمهم كبيرُ نتيجة من العمل، وإِنما العالِمُ من يخشى الله تعالى. وقوم نالوا العلم، ووَلُوا به المناصِبَ، فظلموا، وتركوا التَّقُّد بالعلم، وركبوا الكبائر والفواحش، فتباً لهم، فما هؤلاء بعلماء! وبعضهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرُّخَص، وروى الشَّاذَّ من الأخبار. وبعضهم اجترأ على الله، ووضع الأحاديث، فهَتَكَه اللهُ، وذهب علمُه، وصار زاده إلى النار. وهؤلاء الأقسام كلهم رَوَوا مِنَ العلم شيئاً كبيراً، وتضلَّعوا منه في الجملة، فخَلَف من بعدهم خلف بَانَ نقصُهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظَّاهر، ولم يُتْقِنُوا منه سوى نَزْرٍ يسيرٍ، أَوْهَمُوا به أنهم علماء فضلاء، ولم يَدُرْ في أذهانهم قَطُ أنهم يتقرَّبون به إلى الله، لأنهم ما رأوا شيخاً يُقتدى به في العلم، فصاروا همجاً رَعاعاً، غايةُ المدرِّس منهم أن يحصل كتباً مُثَمَّنَة يَخْزُنُها وينظُر فيها يوماً ما، فيصحِّف ما يُورده ولا يُقَرِّره. فنسأل الله النَّجاة والعفو، كما قال بعضهم: ما أنا عالمٌ ولا رأيت عالماً. وقد كان هشام بن أبي عبد الله من الأئمة، لولا ما شابَ علمَه بالقدر. قال الحافظ محمد بن البرقي(٢) قلت لیحیی بن معين : أرأيت من يُرمی (١) أخرجه أحمد: ٣١٥/٥، والدارمي: ٢٠٨/٢، والنسائي: ٢٤/٦، من حديث عبادة ابن الصامت، مرفوعاً، بلفظ: ((من غزا في سبيل الله، ولم ينوِ إلَّ عقالاً، فله ما نوى)). وفي سنده يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت، لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات. (٢) البرقي، بفتح الباء، وسكون الراء: نسبة إلى برقة، وهو الحافظ العالم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعيد الزهري، مولاهم البصري، صاحب كتاب ((الضعفاء))، وعرف بالبرقي: لأنه كان يتجر إلى برقة. مات سنة (٢٤٩ هـ). التذكرة: ٥٦٩. ١٥٣ بالقدر يُكتب حديثه؟ قال: نعم، قد كان قَتادة، وهشام الدَّسْتُوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الوارث- وذكر جماعة - يقولون بالقدر، وهم ثقات، يُكتب حديثهم ما لم يدعوا إلى شيء. + قلت: هذه مسألة كبيرة، وهي: القدَري والمعتزلي والجَهْمي والرافضي، إذا عُلِم صدقُه في الحديث وتقواه، ولم يكن داعياً إلى بِذْعته، فالذي عليه أكثرُ العلماءِ قَبولُ روايته، والعمل بحديثه، وترددوا في الداعية، هل يُؤخذ عنه؟ فذهب كثير من الحفّاظ إلى تجنُّب حديثه، وهِجرانه، وقال بعضهم: إذا علمنا صدقَه، وكان داعية، ووجدنا عنده سُنَّة تفرَّد بها، فكيف يسوغُ لنا تركُ تلك السُّنَّة؟ فجميع تصرفات أئمة الحديث تؤذِن بأن المبتّدع إذا لم تُبِح بدعتُه خروجه من دائرة الإِسلام، ولم تُبح دمَه، فإن قَبول ما رواه سائغ. وهذه المسألة، لم تتبرهن لي كما ينبغي، والذي اتَّضح لي منها أن من دخل في بدعة، ولم يُعدَّ من رؤوسها، ولا أمعن فيها، يُقَبلُ حديثُه كما مثَّل الحافظ أبو زكريا بأولئك المذكورين، وحديثهم في كتب الإِسلام لصدقهم وحفظهم(١). (١) جاء في ((تاريخ الثقات)) لابن حبان، في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي ما نصه: ليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة، ولم يكن يدعو إليها، أن الاحتجاج بأخباره جائز، فإِذا دعا إلى بدعته، سقط الاحتجاج بأخباره. وقال أيضاً في ((صحيحه)): ١٢٠: ((وأما المنتحلون المذاهب من الرواة، مثل الإِرجاء والترفض وما أشبههما، فإِنا نحتج بأخبارهم إذا كانوا ثقات، على الشرط الذي وصفناه ، ونَكلُ مذاهبهم وما تقلدوه فيما بينهم وبين خالقهم إلى الله- جلّ وعلا- إلا أن يكونوا دعاة إلى ما انتحلوا، فإن الداعي إلى مذهبه، والذابَّ عنه حتى يصير إماماً فيه- وإن كان ثقة - ثم روينا عنه، جعلنا للاتباع لمذهبه طريقاً، وسوَّغنا للمتعلم الاعتماد عليه وعلى قوله. فالاحتياط ترك رواية الأئمة الدعاة منهم، والاحتجاج بالثقات الرواة منهم، على حسب ما وصفنا. ولو عمدنا إلى ترك حديث الأعمش ، وأبي إسحاق، وعبد الملك بن عمير، وأضرابهم، لما انتحلوا، وإلى قتادة، وسعيد بن أبي عروبة، وابن أبي ذئب، = . ١٥٤ قال معاذ بن هشام: مَكثَ أبي- يعني عاش- ثمانياً وسبعين سنة. قلت: فهذا يدل على أنه أسنُّ من أبي حنيفة وشُعبة، وأنه وُلد في حياة جابر بن عبد الله وطائفة من الصَّحابة. ۔۔ قال أبو الحسن المَيْموني: حدَّثنا أحمد بن حنبل، عن عبد الصَّمد بن عبد الوارث، قال: مات هشام بن أبي عبد الله سنة اثنتين وخمسين ومئة، كان بينه وبين قتادة سبع سنين- يعني في المَوْلد -. وقال زيد بن الحُبَاب: دخلت عليه سنة ثلاث وخمسين ومئة، ومات بعد ذلك بأيام. وقال أبو الوليد وعمرو الفَلَّاس: مات سنة أربع وخمسين. قلت: حديثه في الدَّواوين كلها إلا ((الموظّأ)). أخبرنا الأئمة: يحيى بن أبي منصور، وعبد الرَّحمن بن محمد، والمسلم بن محمد، وعلي بن أحمد، وأحمد بن عبد السَّلام إجازةً، أنبأنا عمر بن محمد، أنبأنا هِبة الله بن الحُصَين، أنبأنا محمد بن غَيْلان، أنبأنا محمد بن عبد الله، حدَّثنا محمد بن شدَّاد المِسْمَعي، حدَّثنا أبو عامر = وأشباههم، لما تقلَّدوا، وإلى عمر بن ذر ، وإبراهيم التيمي، ومسعر بن كدام، وأقرانهم، لما اختاروا ، فتركنا حديثهم لمذاهبهم، لكان ذلك ذريعة إلى ترك السنن كلها، حتى لا يحصل في أيدينا من السنن إلا الشيء اليسير». والحق في هذه المسألة، كما قال العلامة محمد بخيت المطيعي في حاشيته على ((نهاية السول)»: ٧٤٤/٣: قبول رواية كل من كان من أهل القبلة، يصلي بصلاتنا، ويؤمن بكل ما جاء به رسولنا مطلقاً، متى كان يقول بحرمة الكذب، فإن من كان كذلك، لا يمكن أن يبتدع بدعة إلا وهو متأول فيها، مستند في القول بها إلى كتاب الله أو سنة رسوله- وَهله - بتأول رآه باجتهاده، وكل مجتهد مأجور- وإن أخطأ .. نعم، إذا كان ينكر أمراً متواتراً من الشرع، معلوماً من الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه، كان كافراً قطعاً، لأن ذلك ليس محلاً للاجتهاد، بل هو مكابرة فيما هو متواتر من الشريعة، معلوم من الدين بالضرورة ، فيكون كافراً مجاهراً، فلا يقبل مطلقاً ، حَرَّم الكذبَ أو لم يحر مه . ١٥٥ العقدي، حدّثنا هشام، عن قتادة، عن أنس قال: لأحدثكم حديثاً سمعته من رسول الله - بَّ - سمعته يقول: ((إنَّ مِنْ أَشرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرفَعِ العِلْمُ، ويَكْثُرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنِى، ويُشْرَبَ الخَمْرُ، وَتَقِلَّ الرِّجَالُ، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى تَكَوْنَ في الخَمْسِيْنَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ)). أخرجه البخاري(١). عن مسلم بن إبراهيم، وحقْص بن عمَر، عن هشام الدَّستوائي نحوه. ٥٢ - حَمَّد عَجْرَد* الشّاعرُ المفْلقُ، أبو عمرو، حمَّد بن عمر بن يونس بن كُلَيْب السُّوائي، مولاهم الواسطي أو الكوفي. نادَم الوليد بن يَزيد، ثم قدِم بغدادَ زمن المهدي، وبينه وبين بَشَّار بن بُرد مزاح وهجاء فاحش، وكان قليل الدِّين ماجناً، اتُّهم بالزَّنْدقة، وهو القائل: فَأَقْسَمْتُ لَوْ أَصْبحتَ في قَبْضَةِ الهوى لَأَقْصَرْتَ عَنْ لَوْمِي وَأَْنَبْتَ فِي عُذْرِي ولكِنْ بلاِي مِنْكَ أَنَّكَ نَاصِحٌ وَأَنَّكَ لَا تَذْرِي بَأَنَّكَ لا تَدْرِي (٢) ماتَ سنة إحدى وستين ومئة. قَتَّله محمد بن سليمان أمير البصرة على (١) ٢٨/١٠، في أول الأشربة، و: ٢٨٨/٩، في النكاح: باب يقل الرجال ويكثر النساء، و: ١٦٢/١، و: ١٦٣، في العلم: باب رفع العلم وظهور الجهل. وأخرجه مسلم: (٢٦٧١)، في العلم: باب رفع العلم وقبضه، والترمذي: (٢٢٠٥)، وابن ماجه: (٤٠٤٥)، وأحمد: ٩٨/٣، ١٥١، ١٧٦، ٢٠٢، ٢١٣، ٢٧٣، ٢٨٩. * الشعر والشعراء: ٧٧٩ - ٧٨١، طبقات ابن المعتز: ٦٧ - ٧٢، تاريخ الطبري: ٨٦/٨، الأغاني: ٣٢١/١٤ - ٣٨١، تاريخ بغداد: ١٤٨/٨ - ١٤٩، معجم الأدباء: ٢٤٩/١٠ - ٢٥٤، وفيات الأعيان: ٢١٠/٢ - ٢١٤، تاريخ الإسلام: ١٧٣/٦ - ١٧٤، لسان الميزان: ٣٤٩/٢ - ٣٥٠، تهذيب ابن عساكر: ٤٢٧/٤- ٤٢٩. (٢) البيتان في: ((الأغاني)): ٣٦٢/١٤، وفيه: أن بشار بن برد سمع أبيات حماد في غلام کان يهواه يقال له: أبو بشر، أولها: بما فعل الحب المبرّح في صدري أخي كف عن لومي فإنك لا تدري ١٥٦ الزَّنْدقة. وقيل: بل مات في سَفَرٍ. فالله أعلم، ويقال: هلك سنة خمس وخمسين ومئة. وقيل: بعد ذلك. ٥٣- حمَّاد الرَّاويَة* هو العلَّمة الأخباري، أبو القاسم حمَّاد بن سابُور بنْ مُبارَك الشَّيباني، مولاهم . كان مكيناً ونديماً للوليد بن عبد الملك، وكان أحد الأذكياء، رَاوِيةً لأيام النَّاس والشِّعر والنَّسب. طال عمره، وأخذ عنه المهدي، وتوفي سنة ستٍ وخمسين ومئة، وهو في غَشر التسعين. وكان قليل النَّحو، رُبَّما لحَن. وقيل: مات في دولة المهدي نحو السِّتين ومئة. وقيل: إن الوليد بن يزيد سأله: لم سُمِّيت الرَّاوِيَة؟ قال: لأني أروي لكل شاعر تعرفُه، ولكل شاعر تعترفُ أنك يا أميرَ المؤمنين لا تعرفه، وأنشدُك على كل حرف من حروف المعجم مئة قصيدة للجاهلية. فيُقال: إنه وَكَّلَ به من يستنشِده حتى ومنها البيتان، فطرب بشار، ثم قال: ويلكم، أحسن والله، من هذا؟ قالوا: حماد عجرد. قال: أوه، وكلتموني والله بقية يومي بهمُّ طويل، والله لا أطعم بقية يومي طعاماً، ولا أصوم غماً بما يقول النبطي ابن الزانية مثل هذا)). وفيه شطر البيت الأول: ((فأقسم لو أصبحت في لوعة الهوى)). وانظر البيتين أيضاً في ((معجم الأدباء)»: ٢٥٣/١٠. * المعارف: ٥٤١، طبقات ابن المعتز: ٦٩ - ٧٢، الأغاني: ٧٠/٦ -٩٥، الفهرست: المقالة الثالثة الفن الأول، معجم الأدباء: ٢٥٨/١٠ - ٢٦٦، وفيات الأعيان: ٢٠٦/٢ - ٢١٠، تاريخ الإسلام: ٥٦/٦، ١٧٢ - ١٧٣، البداية والنهاية: ١١٤/١٠، لسان الميزان: ٣٥٢/٢- ٣٥٣، شذرات الذهب: ٢٣٩/١، خزانة الأدب: ١٢٩/٤ - ١٣٢، تهذيب ابن عساكر: ٤/ ٤٣٠- ٤٣٤. ١٥٧ سرد ألفين وتسعمئة قصيدة، فأمر له بمئة ألف درهم. وقيل: إن هشام بن عبد الملك أعطاه مئة ألف. ٥٤- معاوية بن صالح" (م، ٤) ابن حُدَيْر بن سعيد بن سعد بن فِهر، الإِمام الحافظ الثَّقة، قاضي الأندلس، أبو عمرو، وأبو عبد الرّحمن الحَضْرَمي، الشَّامي الحمصي. أخبرنا أبو الفداء إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن عمرو بن المنادي، انبأنا عبد الله بن أحمد الفقيه، أنبأنا محمد بن عبد الباقي، أنبأنا رِزق الله التَّميمي، أنبأنا علي بن محمد المُعَدَّل، أنبأنا أبو جعفر محمد بن عَمرو، حدَّثنا محمد ابن إسماعيل السُّلمي، حدَّثنا أبو صالح، حدَّثني معاوية بن صالح، عن يحيى ابن سعيد، عن عَمرة، عن عائشة: أنها قيل لها: ماذا كان يعمل رسول الله- وَ- في بيته؟ قالت: كَانَ بَشَرَأَ مِنَ البَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَه، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ))(١). هذا حديث صالح الإِسناد، أخرجه أبو عيسى الترمذي في كتاب ((الشَّمائل)) عن أبي إسماعيل السُّلمي بلدِيِّه، فوافقناه بعلو. ومعاوية من شرط مسلم . * طبقات ابن سعد: ٥٢١/٧، التاريخ الكبير: ٣٣٥/٧، التاريخ الصغير: ١٧٥/٢، المعرفة والتاريخ: ٤٢٦/٢، الضعفاء: خ: ٤١٣ - ٤١٤، الجرح والتعديل: ٣٨٢/٨-٣٨٣، تهذيب الكمال: خ: ١٣٤٤، تذهيب التهذيب: خ: ٥١/٤ - ٥٢، تاريخ الإسلام: ٢٩١/٦- ٢٩٣، تذكرة الحفاظ: ١٧٦/١، ميزان الاعتدال: ١٣٥/٤، عبر الذهبي: ٢٢٩/١، العقد الثمين: ٢٣٧/٧ - ٢٣٨، تهذيب التهذيب: ٢٠٩/١٠ -٢١٢، طبقات الحفاظ: ٧٧، خلاصة تذهيب الكمال: ٣٨١. (١) أبو صالح هو عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، کاتب اللیث، وهو سيئ الحفظ، وباقي رجاله ثقات. أخرجه الترمذي في ((الشمائل)): (٣٣٥)، من طريق محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح به. وأخرجه أحمد في ((المسند)): ٢٥٦/٦، من طريق حماد بن خالد، عن ليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة. وهذا سند حسن. ١٥٨ أخبرنا علي بن محمد الفقيه، وإسماعيل بن عبد الرّحمن، ومحمد بن مُشَرِّف، قالوا: أنبأنا الحسن بن يحيى المخزومي، أنبأنا عبد الله بن رفاعة، أنبأنا أبو الحسن الخِلَعي، أنبأنا عبد الرحمن بن عَمرو، أنبأنا أبو الطَّاهر أحمد ابْنَ محمد المَدِيني، حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، حدَّثنا ابن وهب، حدَّثني معاوية بن صالح، عن عامر بن جَشِيْب، عن خالد بن مَعْدان، عن أبي أمامة، سمع النبي - * - يقول عند انقضاء الطّعام: ((الحمدُ للَّهِ حَمْداً كثيراً طَيِّاً مُبَارَكاً فِيْهِ، غَيْرَ مكفيٍّ ولا مُؤَدَّعٍ ولا مُسْتَغْنِىّ عنه))(١). أخرجه النَّسائي، عن يونس . وُلد في حياة طائفة من الصَّحابة، وفي دولة عبد الملك بن مروان في حدود الثَّمانين من الهجرةِ. وحدَّث عن: راشد بن سعد، وأبي الزَّاهِرِيَّةِ حُدَيْر بن كُرَيْب، ومكحول، وأبي مَريم الأنصاري، ونُعَيْم بن زياد الأنماري، ويونُس بن سيف، ويحيى بن جابر الطّائي، وعامر بن جَشِيْب، وضَمْرة بن حبيب، وسُلَيْم بن عامر، وأزْهر بن سعيد الحَرَازِي، وحاتم بن حُرَيْث، وحَبيب بن عُبَيْد، ورَبيعة ابن يزيد القَصِير، وزياد بن أبي سَوْدة، والسَّفْر بن نُسَيْر، وعبد الله بن أبي قيس، وصالح بن جُبَيْرِ الأَرْدُنِيِّ، وعبد الرحمن بن جُبير بن نُفَيْرِ، وعبد القاهر أبي عبد الله، وعبد الوهّاب بن بُخْت، وعُمَير بن هانئ ، والعَلاء بن (١) إسناده حسن. وأخرجه البخاري: ٥٠١/٩، في الأطعمة: باب ما يقول إذا فرغ من طعامه من طريق أبي نعيم، عن سفيان، الثوري، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة، وأخرجه الترمذي: (٣٤٥٦)، في الدعوات: باب ما يقول إذا فرغ من الطعام، من طريق محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة . ١٥٩ الحارث، وكثير بن الحارث، والقاسم أبي عبد الرحمن الدِّمشقي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلق سواهم. وكان من أوعية العلم، حدَّث عنه: سُفيان الثَّورِيُّ، والليث ورشْدين ابن سعد، وابن وهب، ومَعن بن عيسى. وعبد الرحمن بن مهدي، وحمّاد بن خالد الخَّط، وبشر بن السَّري، وزيد بن الحُبَاب، وأبو إسحاق الفزاري، وعبد الله بن يحيى البُرُلَّسي، والواقدي، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وهانئ بن المتوكل، وآخرون. وَفَرَّ من الشَّامِ مع المروانية، فدخل معهم الأندلس. فلما استولى عليها عبد الرحمن بن معاوية الدَّاخل ولّه قضاء ممالكه، ثم إنه في آخر عمره حجّ وحدَّث بالحجاز وغيرها. قال أحمد بن حنبل: خرج من حمص قديماً، وكان ثقة. وروی جعفر ابن أبي عثمان الطَّالِسي، عن يحيى بن معين: ثقة. وروى أحمد بن زُهیرِ، عن يحيى: صالح. وأما عبّاس الدُّوري، فروى عن يحيى: ليس برضي، كان يحيى بن سعید لا يرضاه. وقال علي بن المَدِيني: سألت يحيى بن سعيد عن معاوية بن صالح، فقال: ما كُتَّا نأخذ عنه ذلك الزَّمان ولا حرفاً. وقال علي أيضاً: كان عبد الرحمن یُونِّقه . أبو صالح الفَرَّاء: أنبأنا أبو إسحاق الفَزاري بحديث عن معاوية بن صالح، ثم قال أبو إسحاق: ما کان بأهْلٍ أن يُروى عنه. قلت: أظنُّه يشير إلى مداخلته للدولة. ابن أبي مَرْيم: سمعتُ خالي موسى بن سَلَمة قال: أتيتُ معاوية بن ١٦٠