Indexed OCR Text

Pages 21-40

قال يحيى بن بكير قدم عكرمة مصر ونزل هذه الدار، وخرج إلى
المغرب، فالخوارج الذين بالمغرب عنه أخذوا.
قال علي بن المديني: كان عكرمة يرى رأي نجدةَ الحروريِّ.
وقال أحمد بنُ زُهير: سمعت يحيى بن معين يقول: إنما لم يذكر مالك
عكرمة- يعني في ((الموطأ)). قال: لأن عكرمة كان ينتحل رأي الصُّفريَّة.
وروى عمر بن قيس المكي، عن عطاء قال: كان عكرمة إياضياً(١).
وعن أبي مريم قال: كان عكرمة بَيَهسيّاً(٢).
وقال إبراهيم الجوزجاني: سألتُ أحمد بن حنبل عن عكرمة، أكان
يرى رأيَ الإِباضية؟ فقال: يُقال: إنه كان صُفرياً، قلت: أتى البربَر؟ قال:
نعم، وأتى خُراسان يطوفُ على الأمراء يأخذ منهم (٣).
وقال علي بن المديني: حُكِيَ عن يعقوب الحضرمي، عن جدّه قال:
= الشريعة لا يسمى مرتكبه مشركاً ولا كافراً، بل يدعى باسمه المشتق من جريمته، فيقال: سارق،
وقاتل، وقاذف، وكل ذنب ليس فيه حد كمن يترك الصلاة، فمرتكبه كافر، ولا يسمون مرتكب
واحد من هذين النوعين جميعاً مؤمناً. ((مقالات الإسلاميين)» ص ١٨٢، ١٨٣، ((والفرق بين الفرق)»
ص ٧٠، و((التبصير في الدين)) ص ٥٢، و((الملل والنحل)) ١٣٧/١.
(١) هم أتباع عبد الله بن إباض من بني مرة بن عبيدبن تميم خرج في دولة بني أمية، نقل عن
الشهرستاني في ((الملل والنحل)) ١٣٤/١ قوله: إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين،
ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال ، وغنيمة أموالهم عند الحرب حلال، وما سواه حرام، وحرام
قتلهم وسبيهم في السر غيلة إلا بعد نصب القتال، وإقامة الحجة ، ولا تزال بقية من هؤلاء في بلاد
الجزائر، وقد طَوَّل الزركلي في أعلامه في ترجمة عبد الله بن إباض، فراجعه.
(٢) فرقة من الصفرية أصحاب أبي بيهس هيصم بن جابر الضبعي رأس الفرقة البيهسية من
الخوارج، وقد كان الحجاج طلبه أيام الوليد، فهرب إلى المدينة، فطلبه بها عثمان بن حيان المري،
فظفر به، وحبسه، ثم قتله بأمر من الوليد سنة ٩٤ هـ. والإِباضية والصفرية والبيهسية من الأزارقة
انظر ((الملل والنحل)) ١٢٥/١، ١٢٧.
(٣) قبوله لجوائز الأمراء لا يمنع من قبول روايته، فابن شهاب الزهري كان في ذلك أشهر من
عكرمة، ومع ذلك، فلم يترك أحد الرواية عنه بسبب ذلك.
٢١

وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلاّ كافر. قال: وکان یری رأي
الإباضية.
وروى خلَّد بنُ سليمان الحضرمي، عن خالد بن أبي عمران قال: دخُلَ
علينا عكرمةُ مولى ابن عباس بإفريقية في وقت الموسم، فقال: ودِدتُ أني
اليومَ بالموسم بيدي حربةٌ أضربُ بها يميناً وشمالاً، وفي رواية: فَأَعْتَرضُ بها
مَن شهد الموسم. قال خالد: فمن يومئذٍ رفضه أهلُ إفريقية.
قال مُصْعَبُ بنُ عبد الله: كان عِكرمة يرى رأي الخوارج، وادَّعى على
ابن عباس أنه کان یری رأي الخوارج. هذه حکایة بلا إسناد.
قال أبو خلف عبد الله بنُ عيسى الخزَّاز، عن يحيى البَكَّاء سمعتُ ابن
عمر يقول لنافع: اتَّقِ الله، ويحكَ، لا تكذب عليَّ كما كذبَ عكرمة على ابنِ
عباس، كما أَحَلِّ الصَّرف، وأسلَم ابنه صَيرفياً. البكّاء واٍ(١).
إبراهیم بن سعد، عن أبيه، عن سعيد بن المسيِّب أنه کان یقول لِغلام
له: يا برد، لا تكذب عليَّ كما يكذب(٢) عكرمةُ على ابن عباس.
(١) بل هو متروك اتفقوا على ضعفه، ومن المحال. كما قال ابن حبان أن يجرح العدل بكلام
المجروح.
(٢) قال ابن حبان في ترجمة برد هذا من كتاب ((الثقات)): أهل الحجاز يطلقون ((كذب)) في
موضع ((أخطأ)) ويؤيد ذلك إطلاق عبادة بن الصامت قوله ((كذب أبو محمد)) لما أخبر أنه يقول: ((الوتر
واجب)) فإن أبا محمد لم يقله رواية، وإِنما قاله اجتهاداً، والمجتهد لا يقال له: إنه كذب، وإِنما يقال:
إنه أخطأ. قلت: وخبر عبادة أخرجه مالك ١٢٣/١، وأبو داود (١٤٢٠) وأحمد ٣١٥/٥ و٣١٩،
والنسائي ٢٣٠/١، والدارمي ٣٧٠/١، وابن ماجه (١٤٠١) كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن
محمدبن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز أن رجلاً من كنانة يُدعى المخدجي سمع رجلاً بالشام يُدعى
أبا محمد يقول: إن الوتر لواجب، قال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت، فاعترضت له وهو
رائح إلى المسجد، فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذب أبو محمد، سمعت النبي ◌َالد
يقول: ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من جاء بهن، لم ينقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهنّ،
كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه، وإن شاء
أدخله الجنة)) ورجال إسناده رجال الصحيح ما عدا المخدجي، فإنه لا يعرف بغير هذا الحديث، لكن =
٢١

قال إسحاق بن الطَّبَّاعِ: سألت مالكاً: أبلغك أنَّ ابن عمر قال النافع: لا
تكذِبْ عليَّ كما كذب عِكرمةُ على عبد الله؟ قال: لا ، ولكني بلغني أنَّ سعيدَ
ابن المسيِّب قال ذلك لبُرْد مولاه.
قلتُ: هذا أشبهُ، ولم يكن لِعكرمة ذِكر في أيام ابن عمر، ولا كان
تصدَّی للرِّواية.
جرير بنُ عبدِ الحميد، عن يزيد بن أبي زياد قال: دخلتُ على علي بنِ
عبد الله بن عباس، وعكرمة مقيَّدٌ على باب الحُشِّ، قال: قلتُ: ما لِهذا كذا،
قال: إنه يكذِبُ على أبي(١).
هشام بنُ سعد، عن عطاء الخراساني قال: قلت لسعيد بن المسيِّب:
إن عكرمة يزعم أن رسول الله وَ ل ل تزوج ميمونة وهو مُحرم(٢)، فقال: كذب
مَخْبَثَانُ(٣) اذهب إليه فسُبَّه، سأحدثكم: قدم رسولُ اللهِ وَّهِ وهو مُحرم، فلمّا
حلَّ تزوجها .
وقال شعبة، عن عمرو بن مُرَّة: سأل رجل سعيد بن المسيِّب عن آيةٍ،
= تابعه عبد الله الصنابحي عند أحمد ٢١٧/٥، وأبي داود (٤٢٥) وأبو إدريس الخولاني عند الطيالسي
(٧٨) فصح الحديث، وقد صححه ابن حبان (٢٥٢) وغيره.
(١) يزيدبن أبي زياد ضعيف لا يحتج بنقله، فالخبر لا يصح. والحش: البستان.
(٢) لقد ظلم عكرمة في ذلك، فإن هذا مروي عن ابن عباس من طرق كثيرة أنه كان يقول: إن
النبي ◌َّير تزوجها وهو محرم. وهو معدود في أوهامه رضي الله عنه، فقد صح عن يزيد بن الأصم بن
أخت ميمونة، عن ميمونة أن رسول الله بم# تزوجها وهو حلال، وبنى بها حلالاً، وماتت بسرف
أخرجه الترمذي (٨٥٤) ومسلم (١٤١١) وأبو داود (١٨٤٣) وابن ماجه (١٩٦٤) وعن سليمان بن
يسار، عن أبي رافع، قال: تزوج النبي ◌َل# ميمونة حلالاً، وبنى بها حلالاً، وكنت أنا الرسول بيتُهُما ..
أخرجه أحمد ٢٩٣/٦، والترمذي (٨٤١) وحسنه، وأخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٤٨/١ عن سليمان بن
يسار مولى ميمونة مرسلاً أن رسول الله وَ ل# بعث أبا رافع مولاه ورجلاً من الأنصار، فزوجاه ميمونة
ورسول الله ير بالمدينة قبل أن يخرج.
(٣) في ((اللسان)): هو الخبيث، ويقال للرجل والمرأة جميعاً، وكأنه يدل على المبالغة.
٢٣

فقال: لا تسألني عن القُرآن، وسَلْ عنه من يزعم أنه لا يخفى عنه منه شيء
يعني عكرمة. وقال مطر: قلت لعطاء: إن عكرمة قال: قال ابنُ عباس: سبق
الكتابُ المسحَ على الخُفَّين، فقال: كذبَ عِكرمة، سمعتُ ابنَ عباس يقول:
امسَحْ عَلَى الُقَّيْنِ وإِن خَرَجْتَ مِن الخَلاءِ(١).
مسلم الزَّنجي، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم أنه كان جالساً مع
سعيد بن جُبير، فمرَّ به عكرمة ومعه ناسٌ، فقال لنا سعيد: قُوموا إليه واسألوه،
واحفظُوا ما تسألونَ عنه وما يُجيبكم، فقُمنا وسألناه فأجابنا، ثم أتينا سعيداً
فأخبرناه، فقال: كذب(٢).
بِشْرُ بنُ المُفَضَّل، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم سألت عكرمة، أنا
وعبدُ الله بنُ سعيد، عن قوله: ﴿والنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] قال: بُسُوقها
كُبُسوق النساء عند ولادتها، فرحتُ إلى سعيد، فأخبرته، فقال: كذب،
بُسوقُها: طُولُها(٣).
إسرائيل، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة أنه كره كِرَاءَ الأرض،
(١) وأخرجه البيهقي في ((سننه)) ٢٧٣/١، وقال: ويحتمل أن يكون ابن عباس قال ما روى عنه
عكرمة، ثم لما جاءه التثبت عن النبي ◌َّه أنه مسح بعد نزول المائدة قال ما قال عطاء. ونقل ابن المنذر
عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف، لأن كل من روي عنه منهم
إنكاره، فقد روي إثباته. وقال ابن عبد البر؛ لا أعلم روي عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن
مالك مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرحة، بإثباته، وقال النووي: وقد صرح جمع من الحفاظ بأن
المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته، فجاوزوا الثمانين ومنهم العشرة، وفي مصنف ابن أبي
شيبة وغيره عن الحسن البصري: حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين.
(٢) مسلم بن خالد الزنجي ضعيف كثير الأوهام، فالخبر لا يصح.
.(٣) وقد وافق عكرمة في تفسيره هذا الحسن البصري والفراء، ففي القرطبي ٦/١٧، ٧: وقال
الحسن وعكرمة والفراء: مواقير: حوامل، يقال للشاة: بسقت: إذا ولدت، على أن تفسير
(الباسقات)) بالطوال مروي أيضاً عن عكرمة نقله عنه الطبري ١٥٣/٢٦ من طريق هناد، عن أبي.
الأحوص، عن سماك ...
٢٤

فذكرتُ ذلك لسعيد فقال: كذب عكرمة، سمعت ابن عباس يقول: ((إِنَّ أَمْثَلَ
مَا أَنْتُم صَانِعُونَ اسْتِثْجَارُ الأرْضِ البَيْضَاءِ سَنَةً بِسَنَةٍ))(١).
وقال مسلم بن إبراهيم، عن الصَّلْتِ بن دينار: سألت ابن سيرين عن
عكرمة فقال: ما يَسُوؤني أن يكونَ مِن أهل الجنة، ولكنه كذَّاب.
ورویعارم ،عن الصَّلت بن دينار: قلت لابن سیرین: إن عكرمة يُؤذینا
ويُسمعنا ما نكره، فقال كلاماً فيه لين، أسأل الله أن يُميته ويُريحنا منه (٢)
وُهيب [بن خالد] سمعت يحيى بن سعيد وأيوب ذكرا عكرمة، فقال
يحيى: كان كذاباً، وقال أيوب: لم يكن بكذَّاب.
هشام بن عبد الله بن عكرمة المخزومي(٣) سمعت ابن أبي ذِئْبِ يقول:
رأيت عكرمة، وكان غيرَ ثقة. هكذا رواه عمران بنُ موسى بن مُجاشع، عن
إبراهيم بن المنذر عنه، ورواه العُقَيلي عن محمدبن زُریق بن جامع، عن
إبراهيم فقال: كان ثقة. فالله أعلم، والرواية الأولى أشبه.
قال رجاءُ بن أبي سلمة: سمعت ابن عَوْن يقول: ما تركوا أيوبَ حتى
استخرجوا منه ما لم يكن يُريد- يعني الروايةَ عن عكرمة- وقال ضَمْرة: قيل
لداود بن أبي هند: هل تروي عن عكرمة؟ قال: هذا عملُ أيوب، قال:
عكرمة؟ فقلنا: عكرمة.
(١) إسناده صحيح، وعلقّ قول ابن عباس البخاري في ((صحيحه)) ١٩/٥ في الحرث: باب
كراء الأرض بالذهب والفضة، وقال الحافظ: وصله الثوري في ((جامعه)) قال: أخبرني عبد الكريم هو
الجزري، عن سعيد بن جبير عنه، ولفظه: إن أمثل ما أنتم صانعون أن تستأجروا الأرض البيضاء ليس
فيها شجر يعني من السنة إلى السنة. وإسناده صحيح، وأخرجه البيهقي ١٣٣/٦ من طريق عبد الله بن
الوليد العدني، عن سفيان به.
(٢) يغلب على الظن أن طعن ابن سيرين عليه من جهة الرأي، فقد قال خالد الحذاء: كل ما
قال ابن سیرین: ثبت عن ابن عباس، فإنما أخذه عن عكرمة، وکان لا يسميه، لأنه لم یکن یرضاه
(٣) قال ابن حبان في ((المجروحين والضعفاء)) ٩١/٣: لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد.
٢٥

وقال معن وغيره: كان مالكٌ لا يرى عِكرمة ثقةً، ويأمرُ أن لا يُؤخذَ عنه.
قال یحیی بنُ معین: کان مالكٌ یکره عكرمة، قیل: فقد روی عن رجلٍ عنه،
قال: شيء یسیر.
وقال ابنُ المديني: لم يسم مالكٌ عِكرمةً في شيء من كتبه إلَّ في حديث
ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس في الذي يُصيبُ أهلَه وهو محرمٌ، قال:
يصومُ ويُهْدِي(١) وكأنه ذهب إلى أنه يرى رأي الخوارج. وكان يقول في
◌ُتبه: رجل.
وروى الربيع عن الشافعي قال: ومالك سبىِّء الرأي في ◌ِكرمة، قال: لا
أرى لأحد أن يَقْبَلَ حَدِيثُه.
قال أحمدبن حنبل: ◌ِكرمةُ بن خالد أوثقُ مِن عكرمة مولى ابن عباس،
عِكرمةُ مضطربُ الحديث يُختلَفُ عنه، وما أدري.
وقال قتادة؟ ما حَفِظْتُ عن ◌ِكرمة إِلَّ بيتَ شِعرِ، رواه عنه أيوب. فعلى
هذا روايته عنه تدليس.
وفي صحيح البخاري لقتادة عن عكرمة أربعةُ أحاديثَ: في تكبيراتٍ
الصلاةِ، والخِنصر والإِبهام سواء، والمتشبهين بالنساء، وفي زوج بَريرة(٢)
وفي السنن أحاديث.
قال أحمد بن أبي خَيْثَمة: رأيتُ في كتاب علي بن المديني، سمعتُ
(١) أخرجه مالك ٣٨٤/١ في الحج: باب من أصاب أهله قبل أن يفيض أي: قبل أن يطوف
طواف الإفاضة. وقوله: ((يصوم ويهدي)) كذا الأصل، وهو كذلك في تهذيب الكمال، والذي في
((الموطأ)) ((يعتمر ويهدي)) وهو الصواب.
(٢) انظر البخاري ٢٢٥/٢ في صفة الصلاة: باب التكبير وإذا قام من السجود، و١٩٨/١٢ في
الديات: باب دية الأصابع و٢٧٩/١٠ في اللباس: باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال،
و٣٥٨/٩ في النكاح: باب خيار الأمة تحت العبد.
٢٦

يحيى بن سعيد يقولُ، حدثوني والله عن أيوب، أنه ذُكرَ له: عِکرمةُ لا يُحسِنُ
الصلاةَ. قال أيوب: وكان يُصلي؟!
الفضلُ بنُ موسى، عن رشْدين بن كُرَيب قال: رأيتُ عكرمة قد أقيم
قائماً في لعب النَّرد.
وقال يزيد بن هارون: قَدِمَ عكرمةُ البصرةُ، فأتاه أيوبُ وسليمان التيمي
ويونس، فبينا هو يُحدِّثهم إذ سمع صوت غناء، فقال: أمسِكُوا، ثم قال: قاتله
اللهُ، لقد أجاد، فأمَّا سلیمانُ ویونس، فما عادا إلیه، وعاد إليه أيوب، فأحسن
أيوب.
قال ابن عُلَيَّة: ذكر أيوبُ عكرمةَ فقال: كانَ قليلَ العقل، أتيناه يوماً
فقال: واللهِ لُأَحدِّثَنَّكم، فمكث، فجعل يُحدثنا، ثم قال: أيُحسنُ حسَنُكم
مِثْلَ هذا؟ وبينا أنا عنده إذ رأى أعرابياً فقال: هَاه(١)، ألم أرك بأرضِ الجزيرةِ
أو غيرها، فأقبل عليه وتركنا.
وروى شَبابة عن المغيرة بن مسلم قال: لمَّا قدِم ◌ِكرمة خراسان قال أبو
مِجْلَز: سلُوه ما جُلاجِلُ الحاجِّ؟ فسُئِل، فقال: وأنَّى هذا بهذه الأرضِ؟ !.
جُلاجلُ الحاجِّ: الإِفاضةُ، فقيل لأبي مِجْلَز، فقال: صدق.
قال عبد العزيزبن أبي رَوَّاد: قلتُ لعكرمة: تركتَ الحرمين، وجئت
إلى خراسانَ؟! قال: أسعى على بناتي.
شبابة، أخبرنا أبو الطيب موسى بن يَسَار قال: رأيتُ عكرمة جائياً مِن
سمرقند على حمار، تحته جُوالِقَان(٢)، فيهما حرير، أجازه بذلك عامل
(١) كلمة تقال للتذكر، وتقال أيضاً عند التوجع والتلهف.
(٢) تثنية جوالق، بضم الجيم وكسر اللام أو فتحها: عدل كبير منسوج من صوف أو شعر.
فارسي معرب.
٢٧

سمرقند، ومعه غلام، وقيل له: ما جاء بك إلى هذه البلاد؟ قال: الحاجة.
وقال عِمرانُ بن حُدَير: تناول عِكرمة عمامةً له خَلَقّاً، فقال رجل: ما
تُريدُ إلى هذه؟ عندنا عمائم نرسِلُ إليك بواحدة، قال: لا آخُذُ مِن الناسِ
شيئاً، إنما آخذٌ مِن الأمراء.
الأعمش، عن إبراهيم قال: لقيتُ عكرمة فسألته عن البطشة الكبرى(١)
قال: يوم القيامة، فقلت: إن عبد الله كان يقول: يوم بدر، فأخبرني من سأله
بعد ذلك، فقال: يومُ بدر. قلت: القولان مشهوران(٢).
عباس بن حمَّد، عن عثمان بن مُرَّة قال: قلتُ للقاسم: إن عكرمة قال:
حدثنا ابنُ عباس أنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ نهى عن المُزَفَّت، والنَّقِير، والدُّبَّاءِ،
والخَنْتَم، والجِرَار (٣). قال: ياابنَ أخي! إن عكرمة كذاب يُحدِّث غدوةً حديثاً
(١) أي: في قوله تعالى ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾ وتفسير ابن مسعود أخرجه
البخاري ٤٣٩/٨ في التفسير: باب (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين) وقد وافق ابن مسعود رضي
الله عنه على تفسير الآية بهذا جماعة من السلف كمجاهد وأبي العالية وإِبراهيم النخعي، والضحاك،
وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير الطبري.
(٢) انظر الطبري ١١١/٢٥، ١١٥ وقال الحافظ في ((مقدمة الفتح)) ص ٤٢٧: وأما طعن
إبراهيم عليه بسبب رجوعه عن قوله في تفسير البطشة الكبرى إلى ما أخبر به ابن مسعود، فالظاهر أن
هذا يوجب الثناء على عكرمة لا القدح، إذ كان يظن شيئاً، فبلغه عمن هو أولى منه خلافه، فترك قوله
لأجل قوله.
(٣) ولم ينفرد عكرمة بذلك، بل رواه عن ابن عباس أبو جمرة نصر بن عمران، انظر البخاري
١٢٠/١، ١٢٥ و١٦٦ و١٤٦/٦، و٦٧/٨، ومسلم (١٧) وأبو داود (٣٦٩٢) وأحمد ٢٢٨/١ و٢٧٤.
والمزفت: الوعاء المطلي بالزفت من داخل، والنقير: أصل خشبة تنقر، وقيل: أصل نخلة، والدباء:
القرع، واحدها: دباءة، والحنتم : جرار خضر كانوا يخزنون فيها الخمر، والجرار: جمع جرة وهو من
الخزف معروف، وقيل: هو ما كان منه مدهوناً. وهذه الأوعية الأربعة تسرع بالشدة في الشراب،
وتحدث فيه القوة المسكرة عاجلاً. وتحريم الانتباذ في هذه الظروف كان في صدر الإسلام، ثم نسخ كما
في حديث بريدة رضي الله عنه مرفوعاً: ((كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم، فاشربوا في كل
وعاء غير ألا تشربوا مسكراً) أخرجه مسلم في (صحيحه)) (٩٧٧) (٦٥) ١٥٨٥/٣.
٢٨

يُخالفه عشية. وروى روحُ بنُ عبادة عن عثمان نحوه.
القاسم بن مَعْن، حدثني أبي، عن عبد الرحمن، قال: حدَّث عكرمة
بحديث فقال: سمعتُ ابنَ عباس يقولُ: كذا وكذا، فقلتُ: يا غلام! هاتٍ
الدواة والقِرطاسَ، فقال: أعْجَبَكَ؟ قلتُ: نعم، قال: إنما قُلتُه برأيي (١).
أبو مُسْهِر، عن سعيدٍ بن عبد العزيز قال: قال خالد بن يزيد بن معاوية في
عكرمة: نِعمَ صاحبُ رجلٍ عالم، وبئسَ صاحبُ رجلٍ جاهل، أمَّا العالمُ،
فيأخذ ما يعرف، وأمَّا الجاهلُ، فيأخذ كلَّ ما سمع، ثم قال سعيد: وكان
عكرمة يُحدِّث الحدیثَ، ثم يقول في نفسه: إن كان كذلك.
النضرُ بنشميل: حدّثنا سالم أبو عتاب بَصْري قال: كُنتُ أطوف أنا
وبكربن عبد الله المُزَني، فضحِكَ بكر، فقيل له: ما يُضحكُك؟ قال: العجبُ
مِن أهل البصرة أن عكرمة حدَّثهم- يعني عن ابن عباس- في تحليل الصرف،
فإِن كان عِكرمةُ حدَّثهم أنه أحلّه، فأنا أشهد أنه صَدَقَ، ولكني أُقيم خمسينَ
مِن أشياخ المهاجرين والأنصار يشهدون أنه انتفى منه (٢).
مُعْتَمِربن سليمان، عن أبيه، قيل لطاووس: إن عكرمة يقول: لا يُدَافِعَنَّ
أحدُكُم الغَائِطَ والبولَ في الصلاة، أو كلاماً هذا معناه، فقال طاووس:
المسكينُ لو اقتصر على ما سَمِعَ كان قد سمع علماً.
قلتُ أصاب هنا عكرمة، فقد صحّ الحديثُ في ذلك .. (٣) أعني قبل
(١) قال الحافظ: وأما قصة القاسم بن معن، ففيها دلالة على تحرِّيه فإِنه حدثه في المذاكرة
بشيء فلما رآه يريد أن يكتبه عنه، شك فيه، فأخبره أنه إنما قاله برأيه، فهذا أولى أن يحمل عليه من أن
يظن به أنه تعمد الكذب على ابن عباس رضي الله عنه.
(٢) سالم أبو عتاب لا يعرف بجرح ولا تعديل كما في ((الجرح والتعديل)) ١٩١/٤. وانظر ((فتح
الباري)) ٣١٩/٤، ومسلم (١٥٩٤) و (١٥٩٦).
(٣) أخرج مسلم في ((صحيحه)) (٥٦٠) في المساجد: باب كراهية الصلاة بحضرة الطعام =
٢٩

الإِحرام بالصلاة- فإِن عرضَ له ذلك في الصلاة، وأمكنه الصبرُ، فصلاتُه
صحيحة، وإِن أجهده ذلك فلینصرف .
وروىْ إبراهيمُ بنُ مَيْسَرة، عن طاووس: لو أن مولى ابن عباس اتقى الله،
وكفَّ مِن حديثه، لشّدَّت إليه المطايا.
وروى أحمد بن منصور المروزي، عن أحمدبن زهير قال: عِكرمة أثبتُ
الناس فيما روى، ولم يُحدِّث عن أقرانه، أكثرُ حديثه عن الصحابة.
:
وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: قال خالد الخَذَّاء: كُلُّ ما قال
محمدُبن سيرين نُبِّئتُ عن ابن عباس، فإِنما رواه عن عِكرمة، قيل: ما شأنُه؟
قال: كان يرى رأيَ الخوارج، رأي الصُّفريَّة، ولم يَدَْع موضعاً إلَّ خرج إليه:
خُراسان والشام واليمن ومصر وإفريقية. قال أحمد: وإنما أخذ أهلُ إفريقية
رأيَ الصُفرية مِن عكرمة لمَّا قَدِمَ عليهم، وكان يأتي الأمراء يطلُب جوائزهم.
واختلف أهلُ المدينةِ في المرأة تموتُ ولم يُلاعِنها زَوْجُها: يَرتُها؟ فقال
أبان بنُ عثمان: ادعوا مولى ابن عباس، فَدُعِيَ فأخبرهم، فعجبوا منه، وكانوا
يعرفونه بالعلم(١).
= الذي يريد أكله في الحال، وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين من حديث عائشة رضي الله عنها
سمعت رسول الله * يقول: ((لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان)) وأخرجه أبو داود.
(٨٩) وفي الباب عن أبي هريرة عند ابن حبان (١٩٥) بلفظ ((لا يصلي أحدكم وهو يدافعه الأخبثان))
وعن عبد الله بن الأرقم عند مالك في ((الموطأ)) ١٥٩/١، وأبي داود (٨٨) والترمذي (١٤٢) والنسائي
١١٠/٢، ١١١، وابن ماجه (٦١٦) وإِسناده صحيح، وصححه الترمذي، والحاكم ١٦٨/١ ووافقه
الذهبي، ولفظه ((إذا أراد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة)) وفي لفظ ((إذا أراد أحدكم أن يذهب
إلى الخلاء، وقامت الصلاة، فليبدأ بالخلاء)).
(١) انظر أقوال العلماء في الوقت الذي تقع فيه الفرقة بين الزوجين في اللعان في ((شرح السنة))
٢٥٥٨٩ وما بعدها بتحقيقنا.
٣٠

ومات هو وكُثَيِّرُ عَزَّة في يوم واحدٍ، فقالُوا: ماتَ أعلمُ الناس وأشعرُ
الناس.
قال أبو بكر المرُّوذِي، قلتُ لأحمد: يُحتج بحديث عكرمة؟ قال: نعم
يحتج به.
وقال عثمان بن سعيد: قلتُ لابن معين: فعكرمةُ أحبُّ إليكَ في ابن
عباس أو عُبيد الله؟ قال: كِلاهُما، ولم يختر، قلتُ: فعكرمة، أو سعيد بن
جُبير؟ فقال: ثقة وثقة.
وروی جعفر بن أبي عثمان الطيالسي ،عن یحییبن معین قال: إذا رأيت
إنساناً يقع في ◌ِكرمة، وفي حمَّادبن سلمة، فاتَّهِمْهُ على الإِسلام.
٠٥
قلتُ: هذا محمولٌ على الوقوع فيهما بهوَّى وحَيْف في وزنهما، أمّا مَنْ
نقل ما قيل في جرحِهما وتعديلهما على الإِنصاف، فقد أصاب، نعم إنَّما قال
يحيى هذا في مَعْرِضٍ رواية حديث خاص في رؤية الله تعالى في المنام، وهو
حديث يُستنكر. وقد جمع ابن مَنْدة فيه جزءاً سمّاه: ((صحة حديث عكرمة)).
وقال يعقوب بن شَيْبة: سمعت علياً يقول: لم يكن في موالي ابن عباس
أغزر مِن عكرمة .
كان عكرمةُ من أهل العلم، قد روى عنه الشَّعْبي، وإِبراهيم، وجابر أبو
الشعثاء، وعطاء، ومجاهد.
وقال أحمد العجلي: مكِّي تابعيّ ثقة بريء مما يرميه به الناسُ مِن
الحَرورية. يعني مِن رأيهم.
وقال البخاري: ليس أحدٌ من أصحابنا إلَّ وهو يحتجُّ بعكرمة.
وقال النسائي : ثقة.
٣١

وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ثقة، قلت: يُحتج بحديثه؟
قال: نعم إذا روى عنه الثقاتُ، والذي أنکر علیه یحییبن سعيد ومالك،
فلسبب رأيه. قيل لأبي: فموالي ابن عباس؟ قال: كُرَيب وسُمَيع وشُعْبة
وعِكْرمة، وهو أعلاهم.
وسئل أبي عن عكرمة وسعيدبن جُبير، أيُّهما أعلمُ بالتفسير؟ فقال:
أصحابُ ابن عباس عيالٌ على عكرمة(١).
قال الحافظ ابن عدي في ((كامله)) وعكرمة لم أُخرِّج هُنا مِن حديثه
شيئاً، لأن الثقات إذا رَوَوْا عنه، فهو مستقيمُ الحديث إلَّ أن يَرْوِيَ عنه
ضعيف، فيكون قد أتي من قبل الضعيف، لا من قبله، ولم يمتنع الأئمةُ من
الرواية عنه، وأصحابُ الصحاح أدخلوا أحاديثه إذا روى عنه ثقةٌ في
صِحاحھم، وهو أشھرُ مِن أن أحتاج أن أُخرِّج له شیئاً مِن حديثه، وهو لا بأس
به(٢).
وقال أبو أحمد الحاكم: احتجَّ بحديثه الأئمةُ القدماء، لكن بعض
المتأخرين أخرج حديثه من حيِّز الصحاح.
قلتُ: ما علمتُ مسلماً أخرج له سِوی حدیثٍ واحد، لكنه مقرون
بآخر، فروى لابن جُرَيج عن أبي الزُّبَيْر عن عكرمة. وطاووس عن ابن عباس
فِي حَجِّ ضُبَاعة(٣).
قال الخصیببن ناصح: حدّثناخالد بنخداش قال: شهدت حمّاد بن
(١) ((الجرح والتعديل)) ٨٧، ٩.
(٢) الكامل اللوحة ٦٢٣.
(٣) هي ضباعة بنت الزبير أتت رسول الله وَ ل﴿، فقالت: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج فما
تأمرني؟ قال: أهلي بالحج واشترطي أن محلي حيث تحبسني، قال: فأدركَتْ. أخرجه مسلم في
((صحيحه)) (١٢٠٨) في الحج: باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه.
٣٢

زيد في آخر يوم مات فيه، فقال: أُحَدِّثكم بحديث لم أُحَدِّث به قط، إني أكره
أن ألقى الله ولم أُحَدِّثْ به، سمعتُ أيوب يُحدِّث عن عكرمة قال: إنما أنزلَ
اللهُ متشابهَ القرآن ليُضلَّ به .
قلتُ: هذه عبارة رديئة، بل إنما أنزله اللهُ تعالى لِيهدِيَ بِهِ المؤمنين،
وما يُضِلُّ به إلّ الفاسِقين، كما أخبرنا عزَّ وجلَّ في سورة البقرة(١).
قال ابن سَعْد: كان عِكرِمَةُ كثيرَ العِلم والحديث، بحراً مِن البحور،
ولیس یُحتج بحديثه، ویتکلُّم الناسُ فيه.
قال مُصعَب بنُ عبد الله الزُّبيري: كان عكرمة یری رأي الخوارج،
فطلبه متولِّي المدينة، فتغَيِّب عند داود بن الحُصَين حتى ماتَ عنده.
قلتُ: ولهذا ينفردُ عنه داود بأشياء تُستغرب، وكثيرٌ من الحفّاظ عدُّوا
تلك الإفرادات مناكير، ولا سيما إذا انفرد بها مثلُ ابن إسحاق ونحوه.
روى إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك بن أنس، عن أبيه قال: أتِي
بجنازة عِكرمة مولى ابن عباس وكُثِّر عَزَّة بعد الظهر، فما علمتُ أن أحداً مِن
أهل المسجد حلَّ حَبْوَته إليهما.
وروى أبو داود السِّنجي ،عن الأصمعي، عن ابن أبي الزِّناد قال: مات
كُثَيِّر وعكرمة مولى ابن عباس في يوم واحد؛ فأخبرني غيرُ الأصمعي، قال:
فَشهدَ الناسُ جنازة كُثِّر وتركوا جنازة عِكرمة.
(١) نص الآية ﴿إِنَّ الله لا يَسْتحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون
أنه الحقُّ من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللهُ بهذا مثلاً يُضِلُّ به كثيراً ويهدي به كثيراً وما
يُضِلُّ به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهدَ اللهِ من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الهُ به أن يُوصل
ويُفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون﴾ [البقرة: ٢٦، ٢٧].
سير ٣/٥
٣٣

قلت: "ما تركوا عكرمة - مع علمه - وشيَّعوا كُثِّراً إلَّا عن بَلِيَّة كبيرة في
نفوسهم له رضي الله عنه.
وروى يحيى بن بُكير، عن الدَّراوردي قال: مات عكرمة وكُثِر عَزَّة في يوم
واحد فما شهدهما إلاَّ سُودان المدينة.
وقال نوحبن حبيب: ماتا في يوم، فقال الناس: مات فقيهُ الناسِ ،
وشاعِرُ الناسِ .
البخاري وغيره، عن علي بن المديني قال: مات عِكرمة بالمدينة سنةً
أربع ومئة، رواها يعقوب الفَسوي عن عليٍّ فزاد، قال: فما حمله أحد، اكتروا
له أربعة.
وقال علي بن عبد الله التميمي، وَمُصعب بن عبد الله، وابن نُمير،
والفَلَّس، وأبو عُبيد، وشَبَاب، وابن يونس: مات سنة خمس ومئة. وكذا نقل
أبو الحسن بن البراء عن ابن المديني. قال التميمي وابن يونس: وهو ابن
ثمانين سنة .
وقال الواقدي: حدَّثتني بنته أُمُّ داود أنه تُوفي سنة خمس ومئة.
وقال الهيثم بن عدي وأبو عمر الضرير: مات سنة ست ومئة، والأصح
سنة خمس.
وقال أبو معْشَر السِّندي، وأبو نُعَيم، وابن أبي شَيْبَة، وأخوه عثمان،
وهارون بن حاتم، وقَعْنَب بن المُحَرَّر: مات سنة سبع ومئة، وقيل غير ذلك.
خرِّج له مسلم مقروناً بطاووس في الحجِّ، فالذين أهدروه كِبار، والذين
احتجوا به كِبَارُ(١ والله أعلم بالصواب.
(١) قال أبو جعفر بن جرير الطبري: ولم يكن أحد يدفع عكرمة عن التقدم في العلم بالفقه
والقرآن وتأويله، وكثرة الرواية للآثار، وأنه كان عالماً بمولاه، وفي تقريظ جلة أصحاب ابن عباس=
٣٤

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد وجماعة إجازةٌ، قالُوا: أخبرنا عمربن
محمد، أخبرنا ابن الحُصَين، أخبرنا ابن غيلان، أخبرنا أبو بكر الشافعي،
حدّثنا موسی بن سهل الوشّاء، حدّثنا یزیدُبن هارون، أخبرنا عبّادبن منصور،
عن عِكرمة، عن ابن عباس، عن النبيِّ وَ﴿ قال: ((خَيْرُ يَوْمٍ يُحتجمُ فِيهِ يَوْمُ
سَبْعَ عَشْرَةً وتِسْعَ عَشْرَةً وإحدى وعِشرين، وما مَرَرْتُ بِمَلٍ مِنَ المَلَائِكَةِ لَيْلَةَ
أُسْريَ بي إلّا قَالُوا: عَلَيْكَ بالحِجَامة يا مُحَمَّدُ﴾(١) تفرَّد به عبَّاد، وفيه ضعف،
أخرجه أحمد في مسنده عن یزید.
وروى ابنُ المبارك، عن مَعْمَر، عن الحگمبن أبان، عن عكرمة ﴿فِي
يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قال: مِن أَوَّلِ الدنيا إلى
آخرها خمسون ألف سنة، لا يعلم أحدٌ كم مضى، وكم بقي إلاّ اللهُ عزّ وجل(٢)
= إياه، ووصفهم له بالتقدم في العلم، وأمرهم الناس بالأخذ عنه ما بشهادة بعضهم تثبت عدالة
الإنسان، ويستحق جواز الشهادة، ومن ثبتت عدالته، لم يقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن،
وبقول فلان لمولاه: لا تكذب علي وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعان غير الذي وجهه
إليه أهل الغباوة، ومن لا علم له بتصاريف كلام العرب.
وقال ابن مندة في «صحيحه)): وأما حال عكرمة في نفسه، فقد عدله أمة من نبلاء التابعين،
فمن بعدهم، وحدثوا عنه، واحتجوا بمقاريده في الصفات والسنن والأحكام، روى عنه زهاء ثلاث مئة
رجل من البلدان منهم زيادة على سبعين رجلاً من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة لا تكاد توجد
لكثير من التابعين على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه، ولم يستغنوا عن حديثه،
وكان يتلقى حديثه بالقبول، ويحتج به قرناً بعد قرن، وإماماً بعد إمام إلى وقت الأئمة الأربعة الذين
أخرجوا الصحيح، وميزوا ثابته من سقيمه، وخطأه من صوابه، وأخرجوا روايته، وهم البخاري،
ومسلم، وأبو داود، والنسائي، فأجمعوا على إخراج حديثه، واحتجوا به على أن مسلمًا كان أسوأهم
رأياً فيه، وقد أخرج عنه مقروناً وعدله بعدما جرحه.
(١) أخرجه أحمد ٣٥٤/١، والترمذي (٢٠٥٤) والطيالسي (٢٦٦٦) والحاكم ٤٠٩/٤، وسنده
ضعيف لضعف عبادبن منصور لتدليسه وسوء حفظه وتغيره.
(٢) وأخرجه عبد الرزاق في «تفسیرہ)» عن معمر فیما ذكره الحافظ ابن کثیر ٤١٩/٤. وروى ابن
أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس
(في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) قال: يوم القيامة. ورجاله ثقات.
٣٥

قال سُنَيد بنُ داود في تفسيره: حدّثنا عبَّادبن عبَّد المُهَلَّبي، عن عاصم
الأحْوَل، عن عكرمة في رجل قال لِغلامه: إن لم أُجْلِدْكَ مئةَ سوطٍ، فَامرأتُه
طالق، قال: لا يجلد غلامَه، ولا يُطلق امرأته، هذا مِن خُطواتِ الشيطان.
قلتُ: هذا واضح في أن عكرمة كان يرى أن اليمينَ بالطلاق في
الغضب مِن نزغات الشيطان، فلا يقعُ بذلك طلاق. والله أعلم.
وقيل: إن عكرمة هي الحمامة الأنثى.
١٠-أبو صالح السَّمَّان » (ع)
القدوةُ الحافظ الحُجَّة ذكوانُ بن عبد الله مولى أمِّ المؤمنين جُوَيرية
الغطفانيَّة. كان مِن كبار العلماء بالمدينة، وكان يجلِبُ الزيت والسمن إلى
الكوفة، وُلِدَ في خلافة عُمَرَ، وشهد - فيما بلغنا - يومَ الدار، وخَصْر عثمان،
وسَمِعَ مِنْ سعد بن أبي وقّاص، وعائشة، وأبي هُريرة، وابن عباس، وأبي
سعيد، وعبد الله بن عمر، ومعاوية، وطائفة سواهم، ولازم أبا هريرة مُدَّة.
حدَّثَ عنه ابنُه سُهيل بن أبي صالح، والأعمش، وسُمَيٍّ، وزيدُ بن
أسلم، ويُكير بن الأشجِّ، وعبدُ الله بن دينار، والزُّهْريّ، ويحيى بنُ سعيد
الأنصاري، وخلقٌ سواهم.
ذكره الإِمام أحمد فقال: ثقة ثقة، من أجَلُّ الناس وأوثقهم، وقيل: كان
عظيم اللُّحية.
وروى أبو خالد الأحمر، عن الأعمش قال: سمعتُ من أبي صالح
السمَّان ألفَ حدیث.
طبقات ابن سعد ٣٠١/٥، التاريخ الكبير ٢٦٠/٣، التاريخ الصغير ٢٣٩/١، تاريخ
٠
الفسوي ٤١٥/١، الجرح والتعديل ٤٥٠/٣، تهذيب الكمال: ٤٠٠، تذهيب التهذيب ١/٢١٣/١،
تاريخ الإسلام ٢١٩/٤، العبر ١٢١/١، تذكرة الحفاظ ٨٩/١٠، تهذيب التهذيب ٢١٩/٣.
٣٦

قال أبو الحسن المَيْمُوني : سمعتُ أبا عبد الله يقول: كانت لأبي صالح
لِحْية طويلة، فإذا ذكرَ عثمانَ رضيَ اللهُ عنه، بكى فارتجَّت لحيتُه، وقال:
هَاهْ، هَاهْ. وذكر أبو عبد الله من فضله.
حفص بن غياث، عن الأعمش قال: كان أبو صالح مؤذناً فأبطأ الإِمامُ،
فَأَمَّنا، فكان لا يكادُ يُجيزها من الرِّقَّة والبكاء، رحمه الله.
وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحدیث، يحتج بحديثه، وقيل: إن أبا
هريرة كان إذا رأى أبا صالح قال: ما على هذا أن يكونَ مِن بني عبد مناف.
قلتُ: تُوفّي سنة إحدى ومئة.
١١ - أبو صالح باذام * (٤)
ويقال: باذان.
[حَدَّث] عن مولاته أُمِّهانىء، وأخيها علي، وأبي هريرة، وابن عباس.
حدَّث عنه أبو قِلَابة، والأعمش، والسُّدِّي، ومحمدبن السائب
الكلبي، ومحمد بن سُوقة، ومالك بن مِغْوَل، وسفيان الثَّوري، وعمَّار بن
محمد. وهو آخر من روی عنه.
قال يحيى بن معين: ليس به بأس، وإذا حدَّث عنه الكلبي فليس بشيءٍ.
وقال يحيى القطّان: لم أر أحداً من أصحابنا تركه.
وقال ابن عَدِيّ: عامَّةُ ما يرويه تفسير، قلَّ ماله مِن المسند.
وقال النّسائي: ليس بثقة، كذا عندي، وصوابُه بقوي، فكأنها
* طبقات ابن سعد ٣٠٢/٥، التاريخ الكبير ١٤٤/٢، التاريخ الصغير ٢٣٨/١، الفسوي
٦٨٥/٢، ٦٨٦ و٧٨٢ و٧٨٥ و٨٠٠، الجرح والتعديل ٤٣١/٢، المجروحين والضعفاء ١٨٥/١،
تهذيب الكمال: ١٤٠، تذهيب التهذيب ٢/٧٩/١، تاريخ الإسلام ٢٣٣/٤، ميزان الاعتدال
٢٦٦/١، تهذيب التهذيب ٤١٦/١، خلاصة تذهيب الكمال: ٥٤.
٣٧

تصحَّفت، فإِن النسائي لا يقول: ليس بثقة في رجل مخرَّج في كتابه، وهذا
الرجل من طبقة السمَّان، لكنه عاش بعده نحواً من عشرين سنة.
١٢ - أبو صالح الحنفي * (م، د، س)
الکوفيّ، يقال: عبد الرحمنبن قيس.
له عن علي، وابن مسعود، وأبي هريرة.
وعنه بیانبن بشر، وابن أبي خالد، وسعيد والد الثوري، وطائفة، وثقه
ابن معین، وما هو بالمُكْثِر.
(ع
١٣- طاووس
ابن كَيْسانَ، الفقيه القدوة عالم الیمن، أبو عبد الرحمن الفارسي، ثم
اليمني الجَنَدي (١) الحافظ.
کان من أبناء الفرس الذین جهّزهم کسری لأخذ اليمن له، فقيل: هو
مولى بَحِير بن رَيْسَان الحِمْيري، وقيل: بل ولاؤه لهَمْدان. أراه وُلِدَ في دولة
* طبقات ابن سعد ٦١٥/٢، التاريخ الكبير ٣٣٨/٥، تاريخ الفسوي ٦١٥/٧، الجرح
والتعديل ٢٧٦/٥، تهذيب الكمال: ٨١٣، تذهيب التهذيب ١/٢٢٦/٢، تاريخ الإسلام ٧٨٤،
تهذيب التهذيب ٢٥٦/٦، خلاصة تذهيب الكمال: ٢٣٣ .
* * طبقات ابن سعد ٥٣٧/٥، طبقات خليفة: ٢٨٧، تاريخ خليفة: ٢٣٦، التاريخ الكبير
٣٦٥/٤، التاريخ الصغير ٢٥٢/١، تاريخ الفسوي ٧٠٥/١، الجرح والتعديل ٥٠٠/٤، حلية الأولياء
٣/٤، ٢٣، طبقات الفقهاء للشيرازي ٧٣، اللباب ٢٤١/١، تهذيب الأسماء واللغات ٢٥١/١،
وفيات الأعيان ٥٠٩/٢، تهذيب الكمال: ٦٢٣، تذهيب التهذيب ١٠١/٢ /٢، تاريخ الإِسلام
١٢٦/٤، تذكرة الحفاظ ٩٠/١، العبر ١٣٠/١، طبقات القراء ٣٤١/١، تهذيب التهذيب ٨٥،
النجوم الزاهرة ٢٦٠/١، طبقات الحفاظ: ٣٤، خلاصة تذهيب الكمال: ١٨١، شذرات الذهب
١٣٣/١.
(١) نسبة إلى مدينة كبيرة باليمن كثيرة الخيرات، بها قوم من خولان، وبها مسجد جامع بناه
معاذ بن جبل رضي الله عنه حين نزلها، نزل بها طاووس، فنسب إليها.
٣٨

عثمان رضي الله عنه، أو قبلَ ذلك.
سمع من زيدبن ثابت، وعائشةً، وأبي هريرة، وزیدبن أرقم، وابن
عباس، ولازم ابنَ عباس مُدَّة، وهو معدودٌ في كُبَراء أصحابه.
وروى أيضاً عن جابر، وسُراقَةً بن مالك، وصفوان بن أمّيّة، وابن عمر،
وعبد الله بن عمرو، وعن زياد الأعجم، وحُجْر المدري، وطائفة. وروى عن
مُعاذ مرسلاً.
روى عنه عطاء، ومجاهد، وجماعة من أقرانه، وابنُه عبد الله،
والحسن بن مسلم، وابنُ شهاب، وإِبراهيم بن مَيْسَرة، وأبو الزُّبَيْر المكِّي،
وسليمان التيمي، وسليمان بن موسى الدِّمَشْقي، وقيس بن سعد المكّي،
وعِكرمة بن عمَّار، وأسامةُ بن زيد الليثي، وعبدُ الملك بن مَيْسَرة، وعمرو بن
دينار، وعبد الله بن أبي نجيح، وحنظلةُ بن أبي سفيان، وخلق سواهم.
وحديثُه في دواوين الإِسلام، وهو حُجَّة باتفاق.
فروى عطاءبن أبي رباح عن ابن عباس قال: إني لأظُنُّ طاووساً مِن أهل
الجنة .
وقال قيس بنُ سَعْدٍ: هو فينا مثلُ ابن سيرين في أهل البصرة.
سفيان بن عُيينة، عن ابن أبي نَجِيح قال: قال مجاهدٌ لطاووس : رأيتُك يا
أبا عبد الرحمن تُصلي في الكعبة، والنبي ◌َّرِ على بابها يقول لك: اكْشِفْ
قِنَاعَكَ، وَبَيِّنْ قِراءَتَكَ. قال طاووس: اسكت لا يسمعْ هذا منك أحد، قال:
ثم خُيِّل إليَّ أنه انبسط في الكلام، يعني فرحاً بالمنام.
عبد الرزاق، عن داودبن إبراهيم أن الأسد حَبَسَ لَيْلَةُ النّاسَ في طريق
الحجِّ، فدقَّ الناسُ بعضُهم بعضاً، فلمَّا كان السَّحَرُ، ذهب عنهم، فنزلوا
٣٩

وناموا، وقام طاووس يُصلي، فقال له رجل: ألا تنامُ، فقال: وهل ينامُ أحدٌ
السَّحرَ.
أخبرنا إسحاق بن أبي بكر، أخبرنا يوسف بن خليل، أخبرنا أبو المكارم
اللَُّّان، أخبرنا أبو علي الحدَّاد، أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، حدّثنا محمدبن
بدر، حدّثنا حمَّادبن مُدرك، حدّثنا عثمان بن طالوت، حدّثنا عبد السلام بن
هاشم ،عن الحُرِّ بن أبي الحُصَين العنبري قال: مرَّ طاووس [برؤَّاس] قد أخرج
رأساً فغُشِيَ عليه(١).
وروی عبد اللهبن بشر الرَّقُّي قال: کان طاووس إذا رأی تلك الرؤ وسَ
المشويَّة،لم يتعشَّ تلك الليلة. سمعه منه مَعْمَرُبن سليمان.
وبه إلى أبي نُعَيم، حدّثنا الطبراني، حدّثنا إسحاق، حدّثنا عبد
الرزاق، عن مَعْمَر، عن ابن طاووس أو غيره أن رجلاً کان یسیرُ مع طاووس،
ء
فسمع غراباً [يَنْعَبُ] فقال: خيرٌ، فقال طاووس: أُّ خيرِ عند هذا أو شرّ؟ لا
تصحبْني، أو قال: لا تمشٍ معي.
وبه إلى عبد الرزاق سمعتُ النعمان بن الزُّبير الصّنعاني يحدث أن
محمد بن يوسف، أو أيوب بن يحيى بعث إلى طاووس بسبع مئةٍ دينار أو
خمس مئة، وقيل للرسول: إن أخذَها الشيخُ منك، فإِن الأميرَ سيُحْسنُ إليك
ويكسوك، فَقَدِمَ بها على طاووس الجَنَد، فأراده على أخذها، فأبى، فَغَفِلِ
طاووس، فرمى بها الرجل في كُوَّة البيت، ثم ذهب وقال لهم: قد أخذها، ثم
بلغهم عن طاووس شيءٌ يكرهونه فقال: ابعثوا إليه، فليبعث إلينا بمالنا، فجاءه
الرسولُ، فقال: المال الذي بعث به الأمير إليكَ، قال: ما قبضتُ منه شيئاً،
فرجع الرسولُ، وعرفوا أنه صادق، فبعثوا إليه الرجلَ الأول، فقال: المالَ.
(١) حلية الأولياء ٤/٤.
٤٠