Indexed OCR Text

Pages 461-480

قال ابنُ المبارك : كان فقهاءُ أهل المدينة الَّذين كانوا يصدرون عن رأيهم
سبعةً: ابن المسيِّب، وسُليمان بن يسار، وسالم، والقاسم، وعُروة، وعُبيد
الله بن عبد اللّه، وخارجة بن زَيْد. وكانوا إذا جاءتْهُم مسألةٌ دخلوا فيها جميعاً
فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتّى يرفع إليهم، فينظرون فيها فيصدرون.
ابن وَهْب: حدَّثنا مالك عن يزيد بن رُومان، عن سالم بن عبد الله، أنَّهُ
كان يخرجُ إلى السُّوق في حوائجٍ نفسِه. واشترى شَمْلَةً، فانتهى بها إلى
المسجد، فرمى بها إلى عبد الملك بن عُمَر بن عبد العزيز، فحبسها عنده
ساعةٌ، ثُمَّ قال: ألا تبعثُ مَنْ يحملُها لك؟ فقال: بل أنا أحمِلُها. وحدَّثني
مالك، قال: كان ابن عُمَر يخرجُ إلى السُّوق فيشتري؛ وكان سالم دَهْرَهُ
يشتري في الأسواق، وكان مِنْ أفضل أهلِ زمانِه(٢).
ورَوى أبو سعيد الحارثيُّ ، عن العُتْبِيِّ، عن أبيه، قال: دخل سالم
على سُليمانَ بن عبد الملك، وعلى سالم ثيابٌ غليظة رثَّة، فلم يزلْ سليمان
يُرحِّب به، ويرفعُه حتَّى أقعده معه على سريره، وعُمّر بن عبد العزيز في
المجلس، فقال له رجل من أُخْرِيَات الناس: ما استطاع خالُكَ أن يلبَسَ ثياباً
فاخرةً أحسنَ مِنْ هذه، يدخل فيها على أمير المؤمنين؟! قال: وعلى المتكلم
ثياب سريّة، لها قيمة، فقال له عُمَر: ما رأيتُ هذه الثيابَ التي على خالي
وضَعَتْهُ في مكانك، ولا رأيتُ ثيابكَ هذه رفعتْكَ إلى مكان خالي ذاك(٣).
(١) ابن عساكر ١٤٨ ب، وقد تقدم بنحوه في ص ٤٣٨، ٤٣٩.
(٢) ابن عساكر ١٧٧ ].
(٣) ابن عساكر ١٦٨٧ آ، وزاد في نهايته: ((قال القاضي : لقد أحسن عمر في جوابه وأجاد في
الذبّ عن خاله. وقد أنشدنا ابن دريد في خبر قد ذكرته في غير هذا الموضع لبعض الأعراب :=
٤٦١

قال أحمد بن عبد الله العِجْلي: سالم بن عبد الله تابعيّ ثقة(١).
وقال أحمد وابن راهويه: أصحُّ الأسانيد؛ الزُّهريّ، عن سالم، عن
أبيه.
وروى عبَّاسُ، عن يحيى بن مَعِين، قال: سالم والقاسم حديثهما
قريب من السواء؛ وسعيد بن المسيِّب أيضاً قريب منهما، وإبراهيم أعجب
إليَّ مرسلاتٍ منهم. قال عباس: قلت ليحيى: فيسالمٌ أعلم بابن عمر أو نافع؟
قال: يقولون: إن نافعاً لم يحدِّث حتى مات سالم(٧).
وقال البخاريُّ: لم يسمعْ سالمٌ من عائشة(٣).
وقال النِّسَائي في حديث الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيه مرفوعاً ((فيما
سقَتِ السَّماء العُشْرُ .. ))(٤) الحديث: ورواه نافعٌ عن ابن عمر قوله، قال:
واختلف سالم ونافع على ابن عمر في ثلاثة أحاديث: هذا أحدها.
والثاني: (مَنْ باَعَ عَبْدَاً لَهُ مَال))(٥) فقال: سالم عن أبيه مرفوعاً. وقال:
نافعٌ عن ابن عُمَر قوله.
یغایظونا بقمصان لهم جدد
ليس القميص إذاجددت رقعته
کأنهالا تری في السوق قمصانا
بجاعل رجلاً إلا كما كانا )
(١) ابن عساكر ١٤٨ ب.
(٢) ابن عساكر ١٤٨٧ آ.
(٣) انظر ابن عساكر ١٤٨ ب.
(٤) أخرجه البخاري ٢٧٤/٣، ٢٧٦ وأبو داود (١٥٩٦) والنسائي. ٤١/٥ وابن ماجه
(١٨١٧). ونقل الحافظ في التلخيص ١٦٩/٢ قول أبي زرعة: الصحيح وقفه على ابن عمر، ذكره
ابن أبي حاتم عنه في العلل. وقد رواه مسلم (٩٨٠) والنسائي ٤١/٥، ٤٢، من حديث جابر،
ورواه الترمذي (٦٣٩) وابن ماجه (١٨١٦) من حديث أبي هريرة، والنسائي ٤٢/٥، وابن ماجه
(١٨١٨) من حديث معاذ.
(٥) وتمامه: «فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع) أخرجه الشافعي ١٦٠/٢ والبخاري ٣٧/٥
و٣٨ في الشرب باب الرجل يكون له حمر أو شرب من حائط أو في نخل. ومسلم (١٥٤٣) (٨٠) من=
٤٦٢

وقال: سالم عن أبيه مرفوعاً: ((يَخْرُجُ نَارٌ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ .. ))(١) ورواه
نافعٌ عن ابن عَمَر، عن كعب قوله. قال: وسالم أجلٌّ من نافع، وأحاديث نافع
أولى بالصواب.
وقال ابن سعد(٢): كان سالم ثقةً، كثيرَ الحديث، عالياً من الرجال
ورعاً.
قال أبو ضَمْرة اللَّيْئيّ: حجَّ هشام بن عبد الملك(٣) في سالم بن عبد
الله، فأعجبتْهُ سَحْنَتُه، فقال: أيَّ شيء تأكل؟ فقال: الخبزَ والزَّيت، قال:
فإذا لم تَشْتهِه؟ قال: أُخمِّرُهُ حتى أَشْتَهِيَه. فعانَهُ(٤) هشام، فمرض ومات،
فشهده هشام وأجْفَل الناسُ في جنازته(٥) فرآهم هشام فقال: إنَّ أهل المدينة
لكثير؛ فضرب عليهم بَعْثاً أخرج فيه جماعةٌ منهم، فلم يرجعْ منهم أحد.
فتشاءم به أهلُ المدينة، فقالوا: عانَ فقيهنا، وعانٍ أهلَ بَلَدِنا(٦).
قال جُوَيْرية بن أسماء: حدَّثني أشعبُ الطَّمَع، قال: قال لي سالم: لا
تسأل أحداً غيرَ الله تعالى.
وقال فِظْرُ بن خليفة: رأيتُ سالم بن عبد الله أبيضَ الرأس واللحية(٧).
= طريق ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر.
وقد رجح مسلم ما رجحه النسائي ورجح البخاري رواية سالم في رفع الحديث كما نقله
الترمذي عنه في العلل.
(١) الترمذي (٢٢١٧).
(٢) في الطبقات ٢٠٠/٥.
(٣) لفظ ابن عساكر: ((فجاءه سالم الخ .. )) ..
(٤) عانَهُ: أصابه بالعين.
(٥) أجفل القوم: انقلعوا كلهم فمضوا.
(٦) في الأصل: ((أعان)) والصواب ما أثبتناه من ابن عساكر واللسان، والخبر في ابن عساكر
١٧٨٧ ب، وانظر ابن سعد ٢٠٠٥، ٢٠١.
(٧) ابن سعد ١٩٧/٥ .
٤٦٣

وقال معن بن عيسى : حدّثني خالد بن أبي بكر، قال: رأيتُ على سالم
قلنسوةُ بيضاء، وعِمامةً بيضاءَ يَسْدِلُ منها خلفَهُ أكثر من شبْر (١).
قال أيُّوب السِّخْتِيانيّ : أتينا(٢) سالم بن عبد الله وهو في قميصٍ وَجُبَّة
قد اتَّزَر فوقها.
قال نافع: كان سالم يركب في عَهْد ابنِ عُمَر بالقطيفة الأُرْجوان.
قال ابن سعد(٣): أخبرتُ عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، عن
ابن المسيِّب، قال: أشبهُ وَلَدِ ابن عُمَر به سالم.
وقيل: كان سالمٌ يركب حماراً عتيقاً زريّاً، فعمد أولادُه فقطعوا ذنبَهُ
حتَّى لا يعود يركبُه سالم؛ فركب وهو أقطش الذَّنَب فعمَدُوا، فقطعوا أَذُنَهُ،
فركبَهُ ولمْ يغيِّرْه ذلك؛ ثم جدعوا أَذْنَه الأخرى وهو مع ذلك يركبه تواضعاً
واطِّراحاً للتكلُّف (٤).
الأصمعيّ، عن أشعب، قال: دخلتُ على سالم بن عبد الله فقال:
حُمِلَ إلينا هريسةٌ وأنا صائم، فاقعُدْ كُلْ؛ قال: فَأَمْعَنْتُ؛ فقال: ارفُقْ فما بقي
يُحْمَلُ معك؛ قال: فرجعتُ، فقالتِ المرأة: يا مشؤُوم بعثَ عبد الله بن عَمْرو
ابن عثمان يطلبُك، وقلْتُ: إِنَّكَ مريض! قال: أحسنتِ، فدخل حمَّاماً وتمرَّجَ
بدُهْن وصُفْرة، قال: وعصبتُ رأسي، وأخذتُ قصبةً أتوكَّأُ عليها وأتيتُه،
فقال: أشعبُ؟ قلت: نَعَمْ، جُعِلْتُ فداك، ما قمتُ منذ شهرين؛ قال: وعنده
سالم ولم أشعُرْ، فقال: وَيْحَك يا أشعب، وغضب وخرج، فقال عبد
(١) ابن سعد ١٩٧/٥.
(٢). لفظ ابن سعد ١٩٧/٥: ((أمَّنا سالم .. )).
(٣) في الطبقات ١٩٥/٥، ١٩٦.
(٤) انظر ابن عساكر ١٥/٧ ب.
٤٦٤

الله: ما غضب خالي سالم إلاّ مِن شيء، فاعترفتُ له، فضحك هو وجلساوه.
ووهبَ لي، فخرجتُ فإذا أشعبُ قد لقي سالماً فقال: وَيْحَكِ، أَلَمْ تَأكُل
عندي الهريسة؟ قلتُ: بلى، فقال: والله لقد شكَّكْتني(١).
وحكى الأصمعيُّ، أن أشعب مرَّ في طريق، فعبث به الصبيانُ فقال:
وَيْحَكُم، سالمٌ يقسم جوزاً أو تمراً، فمَرُّوا يعدون، فغدا أشعبُ معهم،
وقال: ما يُذْريني لعلّه حقّ(٢).
مات سالمٌ في سنة ستٍ ومئة. قاله ابن شَوْذب، وعطَّاف بن خالد،
وضَمْرة، وأبو نُعَيم، وعِدَّة. زاد بعضهم: في ذي القَعْدة، وقال بعضهم: في
ذِي الحِجَّة. فصلَّى عليه هشام بن عبد الملك بعد انصرافه من الحجّ.
وقال خليفة، وأبو أُمَيَّة بن يعلى: سنةً سبعٍ ومئة.
وقال الهيثم بن عديٍّ، وأبو عُمَر الضرير: سنةَ ثمانٍ. والأُوَّل أصحّ.
قال الحافظ ابن عساكر(٣): قدِمَ سالم الشام وافداً على عبد الملك
ببيعة والدِه له؛ ثم قدم على الوليد؛ ثم على عُمَر بن عبد العزيز.
قال يحيى بن سعيد: قلتُ لسالم في حديث: أسَمِعْتَهُ مِنِ ابن عُمَر؟
فقال: مُرَّةً واحدة! أكثر من مئة مَرَّة (٤).
(١) أورده ابن عساكر مطوّلاً مع خلاف يسير، في ترجمة أشعب ٢٨/٣ آ.
(٢) انظر ابن عساكر ٢٩/٣ ب.
(٣) في تاريخه ١٢٨٧ آ.
(٤) المعرفة والتاريخ ٥٥٤/١، وابن عساكر ١٤٨٧ آ، ولفظهما: ((نعم وأكثر من مئة مرة)).
٤٦٥
سیر ٣٠/٤

قال همَّام، عن عطاء بن السائب: دفع الحجَّاج رجُلًا إلى سالم بن عبد
الله ليقتُلَهُ؛ فقال للرجل: أمسلمٌ أنت؟ قال: نَعَمْ: قال: فصلَّيْتَ اليوم
الصُّبْحَ؟ قال: نَغَمْ، فَرُدَّ إلى الحجَّاجِ، فَرَمى بالسيف، وقال: ذكَرَ أنَّهُ مسلم،
وأنَّهُ صلَّى الصُّبْحَ، وإن رسول الله ◌ِوََّ قال: ((مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ
الله))(١) فقال: لسنا نقتُلُهُ على صلاة، ولكنَّهُ ممن أعان على قتلِ عثمان،
فقال: ها هنا مَنْ هو أوْلى بعثمان مني؛ فبلغ ذلك ابنَ عُمَر فقال: مِكْيَسٌ
مِكْيَس(٢) .
قال ابن عُيَيْنة: دخل هشام الكعبةَ فإذا هو بسالم بن عبد الله، فقال:
سَلْني حاجةً؛ قال؛ إنِّي أستحبي من الله أنْ أسألَ في بيته غَيْرَه؛ فلمَّا خرجا
قال: الآن فسلني حاجةً [فقال له سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج
الآخرة؟ فقال: من حوائج الدنيا] قال: والله ما سألتُ الدُّنيا من يَملِكُها،
فكيف أسألُها مَنْ لا يملِكُها(٣).
وكان سالم حسَنَ الخُلُق؛ فَرُوِيَ عن إبراهيم بن عُقْبة، قال: كان
سالمٌ إذا خَلَا، حدَّثنا حديثَ الفِتيان.
وعن أبي سَعْد قال: كان سالمٌ غليظاً كأنَّهُ حمَّال(٤)، وقيل: كان على
سَمْتِ أبيه في عدم الرفاهية .
حمّاد بن عيسى الجُهَنِيَ، حدَّثنا حنظلة، عن سالم، عن أبيه، عن
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٦٥٧) من حديث جندب بن عبد الله، وتمامه: ((فلا
يطلبنكم الله من ذمته بشيء. فيدركه فيكبَّه في نار جهنم)) وأخرجه الترمذي (٢١٦٤) من حديث أبي
هريرة.
(٢) كذا ضبط في الأصل، وفي اللسان والتاج مكيّس كمعظّم: كيِّس معروف بالعقل.
والخبر في ابن سعد ١٩٦/٥ وابن عساكر ١٥/٧ آ.
(٣) ابن عساكر ١٦٨ ب، وما بين الحاصرتين منه.
(٤) ابن عساكر ١٧٨٧ آ، وفيه جمَّال بالمعجمة.
٤٦٦

عُمَر، قال: كان رسول اللهِ وَ﴿ إذا مَدَّ يديه في الدُّعاء، لم يُرْسِلْهُمَا حَتَّى
يُمْسَحَ بهما وَجْهَهِ(١).
تفرد به حمّاد وفیه لین.
١٧٧ - أبو الُفَيْل *
عامر بن واثلة الكِناني، قدَ ذُكر(٢)، وكان يقول: ولدتُ عام أُحُد(٣).
وقال سَيْف بن وَهْب: دخلتُ بمكّةَ على أبي الطُّفَيْلِ، فقال لي: أنا ابنُ
تسعين سنةً ونصف سنة (٤).
وقال جرير بن حازم : رأيتُ جنازة أبي الطُّفيل بمكة سنة عشر ومئة(٥).
قلتُ: هو آخر من رأى النبيَّ وَّهِ وفاةً.
(١) ابن عساكر ١٢٨ ب، وأخرجه الترمذي (٣٣٨٣) من طريق حماد بن عيسى، وهو مع
ضعفه فقد حسِّنَهُ الحافظ ابن حجر في ((بلوغ المرام)» بشواهد، منها حديث ابن عباس عند أبي داود
(١٤٨٥).
* طبقات ابن سعد ٤٥٧/٥ و٦٤/٦، طبقات خليفة ت ١٧٦ و٨٤١ و٢٥١٩، تاريخ البخاري
٤٤٦/٦، المعارف ٣٤١، المعرفة والتاريخ ٢٩٥/١ و٣٥٩، الجرح والتعديل القسم الأول من
المجلد الثالث ٣٢٨. الأغاني ١٦٦/١٣، الاستيعاب ت ١٣٤٤، ابن عساكر ٤١٢/٨ ب، أسد
الغابة ٩٦/٣، تهذيب الكمال ٦٤٦ و١٦٢٣، تاريخ الإسلام ٧٨/٤، العبر ١١٨/١، ١٣٦، تذهيب
التهذيب ١١٨/٢ آ، البداية والنهاية ١٩٠/٩، العقد الثمين ٨٧/٥، الإصابة ت ٤٤٣٦، كنى ٦٧٦،
تهذيب التهذيب ٨٢/٥، النجوم الزاهرة ٢٤٣/١، خلاصة تذهيب التهذيب ١٨٥، شذرات الذهب
١١٨/١، خزانة الأدب (بتحقيق هارون) ٤١/٤، تهذيب ابن عساكر ٢٠٣/٧.
(٢) في القسم الأول من المجلد الرابع ١١٤ آ من الأصل.
(٣) انظر ابن سعد ٦٤/٦.
(٤) ابن عساكر ٤١٧/٨ آ، وطوّله البخاري ٤٤٦/٦، ٤٤٧، وكذا ابن عساكر ٤١٤ ].
(٥) ابن عساكر ٤١٨٨ آ.
٤٦٧

١٧٨ - أبو قلابة * (ع)
عبد الله بن زَيْد بن عَمْرو أو عامر بن ناتِل(١) بن مالك، الإِمام، شيخُ
الإِسلام، أبو قِلابَةَ الجَرْمي البصريّ؛ وجَرْم بطنٌ من الحافِ(٢) بن قُضاعة،
قِدِمَ الشام وانقطع بداريًّا، ما علمتُ متى وُلد.
حدَّث عن ثابت بن الضَّحَّاك في الكتب كُلُّها، وعن أنسٍ كذلك،
ومالك بن الْحُوَيْرث كذلك، وعن حذيفة في سنن أبي داود ولم يلحقه.
وسمُرةَ بنِ جُنْدبِ فِي سُنَنِ النَّسائي، وعبد الله بن عباس في سُنَن التِّرْمِذيّ،
وعَنْبسة بن سعيد بن العاص في البخاري ومسلم، وعن زَهْدَم بن مضرِّب(٣)،
وعمِّه أبي المهلَّب الجرْمي، وأبي الأشعث الصَّنْعَانيّ، وأبي هريرة في سنن
النسائي، ومُعاذة العدويَّة، وزينب بنت أُمِّ سَلمة، وعائشة الكبرى في مسلم
والتِّرْمِذِيّ والنَّسائيّ، ومعاوية في أبي داود والنَّسائيّ، وعَمْرو بن سَلِمة
الجَرْمي في البخاريّ وسنن النَّسائي، والنعمان بن بشير في أبي داود والنسائي وابن
* طبقات ابن سعد ١٨٣٨٧، طبقات خليفة ت ١٧٣٠، تاريخ البخاري ٩٢/٥، المعارف
٤٤٦، المعرفة والتاريخ ٦٥/٢، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الثاني ٥٧، تاریخ داريا
٦٠، الحلية ٢٨٢/٢، طبقات الفقهاء للشيرازي ٨٩، تاريخ ابن عساكر ١٥٦/٩ آ، تهذيب الكمال
ص ٦٨٥، ١٦٤٥، تاريخ الإسلام ٢٢١/٤، تذكرة الحفاظ ٨٨/١، العبر ١٢٧/١، تذهيب
التهذيب ١٤٦/٢ آ، البداية والنهاية ٢٣١٩، تهذيب التهذيب ٢٢٤/٥، النجوم الزاهرة ٢٥٤/١،
طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٣٦، خلاصة تذهيب التهذيب ١٩٨، شذرات الذهب ١٢٦/١،
تهذیب ابن عساكر ٤٢٩٧.
(١) كذا ضبط في الأصل وفي جمهرة ابن حزم. وقد جاء في تاريخ داريا وابن عساكر
(نايل) ..
(٢) ويقال الحافي كما في جمهرة ابن حزم. والحافٍ من الحفى كما في ((الاشتقاق))
و((الجاف)) مما حذفت العرب ياءه اجتزاءً بالكسرة كالعاص بن أمية، وقوله تعالى: ﴿دعوة الداع﴾))
أثر أمالي ابن الشجري ٧٣/٢.
(٣) في تقريب التهذيب (مضرس)) وهو تصحيف.
٤٦٨

ماجه، وقبيصة بن مخارق في أبي داود والنسائي، وعن خلقٍ سواهم. وهو
يُدلِّس، وكان من أئمة الهُدى.
حدَّث عنه مولاه أبو رجاء سَلْمان، ويحيى بن أبي كثير، وثابت البُناني،
وقتادة، وعِمْران بن حُدَيْرِ، والمثَّى بن سعيد، وغيْلانِ بن جرير، ومَيْمون
القنَّاد، وأيوب السِّخْتياني، وخالد الحذَّاء، وعاصم الأحول، وداود بن أبي
هند، وحسَّان بن عطيَّةَ، وأبو عامر الخزَّار، وعمرو بن ميمون بن مِهْران،
وخلقٌ سواهم.
قال ابن سعد(١): كان ثقةً، كثيرَ الحديث، وكان ديوانُه بالشام.
وقال عليّ بن أبي حَمَلة: قدِمَ علینا مسلمُ بن يسار دمشقَ، فقلنا له: يا
أبا عبد الله، لو عَلِمَ الله أنَّ بالعراق من هو أفضلُ منك، لجاءنا به، فقال:
كيف لو رأيتم عبد الله بنَ زَيْد أبا قِلابة الجرْمي! قال: فما ذهبتِ الْأَيَّامُ والليالي
حتى قِدمَ علينا أبو قِلابة(٢).
قال القاضي عبد الجبار بن محمد الخَوْلاني في تاريخ داريًّا(٣): مولد
أبي قِلابة بالبصرة، وقَدِمَ [الشام] فنزل داريًّا وسكن بها عند ابن عَمِّه بَيْهَس بن
صُهَيبٍ بن عامل بن ناتِل.
روى أشهب، عن مالك، قال: مات ابن المسيِّب والقاسم ولم يتركوا
كتباً، ومات أبو قلابة فبلغني أنه ترك حِمْلَ بغلٍ كُباً(٤).
وروى أيُّوب، عن مسلم بن يسار، قال: لو كان أبو قلابة من العجم
(١) في الطبقات ١٨٣/٧.
(٢) ابن عساكر ١٥٦/٩ ب وانظر ص ٥١١ من هذا الجزء.
(٣) ص ٦١، وكذا ابن عساكر ١٥٧٨٩ آ، وما بين الحاصرتين منهما.
(٤) ابن عساكر ١٥٩٩ ب.
٤٦٩

لكان مُؤْبَذَ مُوْبَذَان- يعني قاضي القضاة(١).
ورَوىُ حمّاد بن زيد، عن أبي خُشَيْنَة صاحب الزّياديّ، قال: ذُكِرَ أبو
قلابة عند ابن سيرين فقال: ذاك أخي حقاً(٢).
وقال ابن عَوْن: ذكرَ أيوب لمحمد حديث أبي قلابة فقال: أبو قِلابةَ إنْ
شاء اللّه ثقة، رجلٌ صالح، ولكن عمَّن ذكره أبو قِلابة(٣).
قال حمّاد: سمعتُ أيُّوب ذكر أبا قِلابة، فقال: كان واللّهِ من الفقهاء
ذوي الألباب. إني وجدتُ أعلمَ النَّاسِ بالقضاء أشدَّهم منه فِراراً، وأشدَّهم
منه فرقاً؛ وما أدركتُ بهذا المِصْر أعلم بالقضاء من أبي قلابة. لا أدري ما
محمد(٤).
ابن عُلِيَّةِ، عن أيُّوب، قال: لما مات عبد الرحمن بن أذينة- يعني قاضي
البصرة- زمن شريح ذُكِرَ أبو قِلابة للقضاء، فهرب حتى أتى اليمامة، قال:
فَلِقِيتُهُ بعد ذلك فقلتُ له في ذلك، فقال: ما وجدت مَثَل القاضي العالم إلاّ
مَثَل رجلٍ وقع في بَجْر، فما عسىْ أنْ يسبح حتى يَغْرَقَ(٥).
وقال خالد الحذَّاء: كان أبو قلابة إذا حدّثنا بثلاثة أحاديث قال: قد
أكثرْتُ(٦).
(١) ابن سعد ١٨٣٨٧، والمعرفة والتاريخ ٦٥/٢ والحلية ٢٨٤/٢.
(٢) ابن سعد ١٨٣/٧، ١٨٤.
(٣) ابن عساكر ١٦٠/٩ آ.
(٤) ابن سعد ١٨٣٨٧ وزاد: ((لو خُبر)) وفي رواية لابن عساكر ١٦١٨٩ آ: ((لو جُبر عليه)) وفي
رواية أخرى ١٦١٨٩ ب زاد في نهاية الخبر: «لا أدري ما محمد بن سيرين، فكان يراد على القضاء
فيفرّ إلى الشام مرة، ويفرّ إلى اليمامة مرة، فكان إذا قدم البصرة كان كالمستخفي حتى يخرج)»
وانظر المعرفة والتاريخ ٦٧/٢ والحلية ٢٨٥/٢.
(٥) ابن عساكر ١٦١٨٩ به وانظر ابن سعد ١٨٣/٧ والمعرفة والتاريخ ٦٥/٢، ٦٦.
(٦) ابن سعد ١٨٥/٧ والحلية ٢٨٧/٢ .
٤٧٠

وقال أحمد بن عبد الله: بصريٍّ، تابعيّ، ثقة. كان يحمِلُ على عليّ
ولم يروِ عنه شيئاً، ولم يسمَعْ من ثَوْبان شيئاً(١).
وقال عمرو بن عليّ: لم يسمع قتادة من أبي قلابة(٢).
وقال عليّ بن المدينيّ: أبو قلابة عربيٍّ من جَرْم، مات بالشام، وأدرك
خلافة عُمَر بنِ عبد العزيز، ثم تُوفِّي سنة أربع ومئة.
أبو رجاء، عن مولاه أبي قِلابة، قال: كنتُ جالساً عند عُمَر بن عبد
العزيز فذكروا القَسامة(٣)، فحدَّثْتُهُ عن أنس بقصَّةِ العُرنِين(٤)، قال: فقال
عُمَر: لن تزالوا بخَيْر ما دام فيكم هذا أو مثلُ هذا(٥).
قال ابن المديني : روی أبو قلابة عن سمرة وسمع منه، وروی عن
هشام بن عامر ولم يسمع منه.
(١) انظر ابن عساكر ١٦٠/٩ ب.
(٢) ابن عساكر ١٦٣٨٩ آ . .
(٣) حديث القسامة أخرجه مسلم (١٦٦٩) والبخاري ٤٤٣/١٠. والقسامة: قال البغوي في
(شرح السنة) ٢١٦/١٠: صورة قتيل القسامة أن يوجد قتيل وادعى وليُّه على رجل أو على جماعة
وعليهم لوْث ظاهر، واللَّوْث ما يغلب على القلب صدق المدعي بأنه وجد فيما بين قوم أغداء لهم لا
يخالطهم غيرهم كقتيل خيبر وجد بينهم والعداوة بين الأنصار وبين أهل خيبر ظاهرة، أو اجتمع
جماعة في بيت أو صحراء وتفرقوا عن قتيل، أو وجد في ناحية قتيل وثم رجل مختضب بدمه أو شهد
عدل واحد على أن فلاناً قتله أو قاله جماعة من العبيد والنسوان جاؤوا متفرقين بحيث يؤمن
تواطؤهم ونحو ذلك من أنواع اللّوث فيبدأ بيمين المدعي فيحلف خمسين يميناً ويستحقُّ دعواه،
وإن لم یکن هناك لوث فالقول قول المدعى عليه مع یمینه كما في سائر الدعاوى.
(٤) حديث العرنين أخرجه البخاري ٩٨/١٢ في المحاربين في فاتحته، باب لم يحسم
النبيّ:﴿ من أهل الرُّدة حتى هلكوا، وباب لم يُسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا، وباب سمر
النبي 18 أعين المحاربين، وفي المغازي باب قصة عُكْل وعُرينة، وفي تفسير سورة المائدة باب
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ... وأخرجه مسلم (١٦٧١) في القسامة باب حكم
المحاربين من حديث أنس بن مالك.
(٥) الحلية ٢٨٤/٢، وانظر المعرفة والتاريخ ٦٥/٢.
٤٧١

قلتُ: قد رَوى عن عُمَر بنِ الخطاب ولم يُدركُهُ، فكان يُرسل كثيراً.
قال أيُّوب السّختيانيّ: رآني أبو قلابة وقد اشتريتُ تمراً رديئاً، فقال:
أما علمتَ أن الله قد نزع من كُلِّ رديٍ بَرَكتَه(١).
وقال أبو قلابة: ليس شيءٌ أطيبَ من الرُّوح، ما انتزع من شيءٍ.
إلّ أَنْتَنْ(٢).
أخبرنا إسحاق بن طارق، أنبأنا ابنُ خليل، حدَّثنا اللَّان، أنبأنا
الحدَّاد، أنبأنا أبو نُعَيم، حدَّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدَّثنا بشر بن
موسى، حدَّثنا سُليمان بن حَرْب، حدَّثنا حمَّاد بن زَيْد، عن أيُّوب، قال: قال
أبو قِلابة: لا تُجالسوا أهلَ الأهواء ولا تُحادثوهم، فإنّي لا آمَنُ أن يغمروكم في
ضلالتهم، أو يُلْبِسُوا عليكم ما كنتم تَعْرفون(٣).
وعن أيُّوب، عن أبي قلابة، قال: إذا حدَّثتَ الرجل بالسُّنَّة، فقال:
دَعْنا من هذا، وهاتٍ كتابَ الله، فاعْلَمْ أنَّهُ ضالٌّ (٤).
قلتُ أنا: وإذا رأيتَ المتكلِّمَ المبتدع يقول: دَعْنا من الكتاب
والأحاديث الآحاد، وهاتِ ((العَقْل)) فاعلَمْ أنه أبو جَهْل؛ وإذا رأيتَ السَّالك
التوحيدي يقول: دَعْنا من النَّقْل ومن العَقْل، وهاتِ الذَّوْقَ والوَجْد، فاعلَمْ أنَّهُ
إبليس قد ظهر بصورة بشر، أو قد حَلَّ فيه، فإنْ جَبُّنْتَ مِنْهُ، فاهرُبْ، وإلاّ
فاصرعْهُ وابرُْ على صِدْرِهِ واقرأً عليه آية الكُرْسِي واخْتُقْهُ.
أخبرنا أحمد بن إسحاق، أنبأنا الفتح بن عبد السَّلام، أنبأنا محمد بن
عُمَر القاضي، أنبأنا أبو جعفر بن المُسْلِمة، أنبأنا عُبيد الله بن عبد الرحمن،
(١) انظر الحلية ٢٨٦/٢ وابن عساكر ١٦٣٨٩ آ، والخبر فيهما مطوّل.
(٢) الحلية ٢٨٧/٢ .
(٣) الحلية ٢٨٧/٢، وابن سعد ١٨٤٨٧ وفيه: ((ولا تجادلوهم فإني لا آمنُ أن يغمسوكم)).
(٤) ابن سعد ١٨٤٨ .
٤٧٢

أنبأنا جعفر الفِرْیابي، حدّثنا عبيد الله القواريري، حدثنا حمّاد بن زيد، عن
أيوب، قال: دخل عُمَر بن عبد العزيز على أبي قلابة يعودُه فقال له: يا أبا
قِلابة، تشدَّدْ لا يشْمَت بنا المنافقون(١).
رَوىْ الوليد بن مُسلم، حدَّثنا ابن جابر، قال: قيل لعبد الملك بن
مروان: هذا أبو قلابة؛ قال: ما أقدمَهُ؟ قالوا: [مُتَعوِّذَاً] مِنَ الحجَّاج أرادَهُ على
القضاء، فكتب إلى الحجّاج بالوصاةِ به. فقال أبو قلابة: لَنْ أُخْرُجَ من
الشام(٢).
قال أبو حاتم(٣): لا يُعْرَفُ لأبي قلابة تدليس.
قلتُ: معنى هذا أنه إذا رَوى شيئاً عن عُمَر أو أبي هريرة مثلًا مرسلاً لا
يدري مَن الذي حدَّثُهُ به؛ بخلافِ تدليسِ الحَسن البصريّ، فإنَّهُ كان يأخذ
عن كُلِّ ضرْب، ثم يُسقطُهم كعليٍّ بن زَيْد تلميذه ..
ويُروَىْ أنَّ أبا قِلابة عِطِشَ وهو صائم فأكرمَهُ اللهُ لمَّا دعا، بأن أظلَّْهُ
سحابةٌ وأمطرتْ على جسده، فذهبَ عَطَشُه(٤).
قال سلمة بن واصل: مات أبو قلابة رحمه الله بالشام، فأوصى بكتبهِ
لأُوب السَّختيانيّ، فَحُمِلَتْ إليه(٥). وقال أيُّوب: فلمَّا جاءَتْني الكتب أخبرتُ
ابنَ سيرين، وقلتُ له: أُحَدِّثُ منها؟ قال: نَعَمْ، ثم قال: لا آمُرُكَ ولا
أنهاك(٦).
(١) انظر ابن سعد ١٨٥٨ وكذا في المعرفة والتاريخ ٦٧/٢ وابن عساكر ١٦٣٨٩ ].
(٢) أورده ابن عساكر مطولاً ١٥٦٩ ب، وما بين الحاصرتين منه.
(٣) في الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الثاني ٥٨.
(٤) انظر الخبر مطوّلا في ابن عساكر ١٦٠٨٩ ب.
(٥) ابن عساكر ١٦٣٨٩ آ، ب.
(٦) ابن عساكر ١٦٣٨٩ ب، ولفظه: ((فأخذت منها)) وانظر ابن سعد ١٨٥٨٧.
٤٧٣
/

وقيل: إن أيوب وزَنَ كِراءَ حملها بضعةً عشر درهماً. فقال حمّاد بن
زيد: جيءَ بها في عِدْل راحلة .
وقد أخبرني عبد المؤمن- شيخُنا أن أبا قِلابة ممَّن ابتُلي في بَدَنِه
ودِينِه؛ أريدَ على القضاء، فهرب إلى الشام، فمات بعريش مِصر سنةً أربع،
وقد ذهبتْ يداهُ ورجلاه، وبصره ، وهو مع ذلك حامدٌ شاكر.
وكذا أرَّخَ موتَه شباب وأبو عُبيد، وقال الواقدي: سنة أربعٍ أو خمسٍ
ومئة .
وقال يحيى بن مَعِين: مات سنة ستٍ أو سبعٍ ومئة؛ وقال الهيثم بن
عدي: مات سنة سبعٍ.
أخبرنا يحيى بن أبي منصور الفقيه في كتابه، أنبأنا عبدُ القادر الحافظ،
أنبأنا نَصر بن سيَّار(١)، أنبأنا محمود الأزْدي، أنبأنا عبد الجبَّار الجرَّاحي،
أنبأنا أبو العبّاس المَحْبُوبي، حدَّثنا أبو عيسى التِّرْمِذِيّ، حدَّثنا محمد بن
بشّار، حدَّثنا عبد الوهّاب الثَّقَفيّ، حدَّثنا خالد الحذَّاء عن أبي قلابة، عن
أنس، قال: قال رسول الله وَه: ((أرْحَمُ أُمتي بأمتي أبو بَكْر، وأشدُّهُمْ فِي أمْر
اللهِ عُمَرُ، وأصْدَقُهُمْ حياءً عُثمانُ، وأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ أَبَيُّ بنُ كَعْبٍ،
وأقْرَضُهُمْ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، وَأَعْلمُهُمْ بِالحَلَالِ وَالحَرامِ مُعاذُ بنُّ جَبَلٍ ؛ ألا وإنَّ
لِكُلِّ أُمَّةٍ أمِيناً، ألا وإنَّ أَمِينَ هُذِهِ الأُمَّ أبُو عُبَيْدة بنُ الجَرَّحِ)).
هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(٢).
وبه في سنن التِّرمِذيّ(٣) حدَّثنا سفيان بن وكيع، حدَّثنا حُميد بن عبد
(١) هو نصر بن سيَّار بن صاعد أبو الفتح الكتاني المتوفى سنة ٥٧٢ هـ تأتي ترجمته في
المجلد الثاني عشر ٢٧٥ ب من الأصل.
(٢) رجاله ثقات، وسنده قويّ، وهو في سنن الترمذيّ (٣٧٩١) وأخرجه أحمد ١٨٤/٣
و٢٨١، وابن ماجه (١٥٤).
(٣) رقم (٣٧٩٠).
٤٧٤

الرحمن، عن داود العطَّار، عن مَعْمَر، عن قتادة، عن أنس، قال رسول الله
*: ((أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأَمَّتِي أَبُو بَكْرِ، وأَشَدُّهُمْ فِي دين اللّه ◌ُعُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَياءً
عُثْمَانُ، وأَعْلَمُهُمْ بِالحَلالِ وَالحَرَامِ مُعاذٌ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ،
وأَقْرَؤُهُمْ أَبِيٍّ، ولِكُلِّ أُمَّةٍ أمِينٌ وأمين هذِهِ الأَمَّةِ أبُو عُبَيْدة بنُ الجرّاح)).
هذا حديثٌ غريب، قلتُ: سفيان ليس بِحُجَّة .
١٧٩ - عُبَيْدِ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبَة * (ع)
الإِمامُ، الفقيه، مُفْتي المدينة وعالِمُها، وأحَدُ الفقهاء السبعة، أبو عبد
اللّه الهُذَلي، المَدَنيُّ، الأعْمى، وهو أخو المحدِّث عَوْن. وجَدُّهما عُتْبة هو
أخو عبد الله بن مَسْعُود رضي الله عنهما. وُلِدَ في خلافة عُمَر أو بُعيدها.
وحدَّث عن عائشة، وأبي هُرَيرة وفاطمة بنت قيس، وأبي واقد الليثي،
وزَيْد بن خالد الجُهَني، وابن عباس- ولازَمَهُ طويلاً - وابن عُمَر، وأبي سعيد،
والنُّعمان بن بشير، ومَيْمونة، وأُمَّ سلمة، وأُمِّ قيس بنت محصن، ووالده،
وطائفة، وعن عُمَر وعمَّار بن ياسر، وعثمانَ بن حُنَيف، وغيرهم مرسلاً.
وعنه أخوه، والزُّهْريّ، وضَمْرة بن سعيد المازنيُّ، وعِراك بن مالك
وموسى بن أبي عائشة، وأبو الزِّناد، وصالح بن كَيْسان، وخُصَيْفِ الجَزَريّ،
* طبقات ابن سعد ٢٥٠/٥، طبقات خليفة ت ٢٠٨٧، تاريخ البخاري ٣٨٥/٥، المعارف
٢٥٠، المعرفة والتاريخ ٥٦٠/١، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الثاني ٣١٩، الحلية
١٨٨/٢، طبقات الفقهاء للشيرازي ٦٠، تهذيب الأسماء واللغات القسم الأول من الجزء الأول
٣١٢، وفيات الأعيان ١١٥/٣، تهذيب الكمال ص ٨٨٤، تاريخ الإِسلام ٣٠/٤، تذكرة الحفاظ
٧٤/١، العبر ١١٦/١، تذهيب التهذيب ٢٦٥/٢ ب، تهذيب التهذيب ٢٣٨٧، طبقات الحفاظ
للسيوطي ٣٢، خلاصة تذهيب التهذيب ٢٥١، شذرات الذهب ١١٤/١.
٤٧٥
٦

وسَعْد بن إبراهيم، وسالم أبو النَّضْر، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وعبد
المجيد بن سُهَيل، وأبو بكر بن أبي الجَهْم العَذَويّ، وآخرون.
قال الواقديّ: كان ثقةً، عالماً، فقيهاً، كثيرَ الحديث والعلم بالشعر،
وقد ذهبَ بصرُه(١).
وقال أحمد بن عبد الله العِجْلي: كان أعمش، وكان أحد فقهاء المدينة
ثقة، رجلاً صالحاً، جامعاً للعلم، وهو معلِّم عُمَر بن عبد العزيز.
وقال أبو زُرْعة الرازيّ: ثقة، مأمون، إمام.
يونس بن محمد المؤدّب(٢)، عن عمارة(٣) بن زيد، عن مَعْمر، عن
الزُّهْرِيِّ، قال: كان أبو سَلمة يسأل ابن عباس، وكان يَخْزُنُ عنه، وكان عُبيد الله
يُلِطِفُه، فكانَ يعِزُّهُ عِزّاً(٤).
عبد الله بن شبيب، عن يعقوب بن محمد، عن إبراهيم بن محمد بن
عبد العزيز، عن أبيه، عن الزُّهْري، قال: ما جالستُ أحداً من العلماء إلا
وأرى أنِّي قد أتيتُ على ما عنده، وقد كنتُ أختلف إلى عُروةً بن الزبير حتى ما
كنتُ أسمع منه إلا مُعاداً ما خلا عُبيد الله، فإنه لم آتِهِ إلا وجدتُ عنده علماً
طريفاً ..
ورَوى يعقوب بن عبد الرحمن القارِّيّ، عن أبيه، قال: كُنْتُ أسمع
(١) ابن سعد ٢٥٠/٥.
(٢) في الأصل ((المؤذن)) وهو تصحيف.
(٣) كذا الأصل، وفي الطبقات: حماد بن زيد، ويغلب على الظن أن ما في الطبقات هو
الصواب.
(٤) أي: يتحفه بالقليل، والخبر في ابن سعد ٢٥٠/٥.
٤٧٦

عُبيد الله بن عبد الله يقول: ما سمعتُ حديثاً قطُّ فأشاءُ (١) أن أعِيَهُ إلا وعَيْتُه.
ورَوى يعقوب هذا، عن الزُّهريّ، قال: كان عُبيد الله بن عبد الله لا
أشاءُ أنْ أقعَ منه على ما لا أجدُهُ إِلَّ عنده، إلَّ وقعتُ عليه.
محمد بن الحسن- وهو واهٍ عن مالك، عن ابن شهاب، قال: كنتُ
أَخْدُمُ عُبيد الله بن عبد الله حتى أنْ كنت أستقي له الماء المالح، وكان يقول
الجاريته: من بالباب؟ فتقول: غُلامُك الأعمش.
أخبرنا إسحاق الصفَّار، أنبأنا يوسف بن خليل، أنبأنا أبو المكارم
الَّيْمَيّ، أنبأنا أبو عليّ الحدَّاد، أنبأنا أبو نُعيم، حدَّثنا سُليمان الطَّبراني،
حدَّثنا جعفر بن سُليمان النَّوْفليّ، حدَّثنا إبراهيم بن المنذر، حدَّثنا عبد الرحمن
ابن المغيرة، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: كتب عُبَيدُ اللهِ بنُ
عبد الله بن عُتْبة إِلى عُمَر بن عبد العزيز:
بِسمِ الَّذِي أَنْزِلَتْ مِنْ عِنْدِهِ السُّوَرُ والحمدُ للهِ أَمَّا بَعْدُ يا عُمَرُ
· فَكُنْ عَلَىْ حَذَرٍ قَدْ يَنْفَعُ الحَذَرُ
إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ
وَإِنْ أتاكَ بما لا تَشْتِهِي القَدَرُ
واصْبِرْ عَلَى القَدَرِ المَحْتُومِ وارْضَ بِه
فما صَفَا لامرئٍ عَيْشٌ يُسرُّ بِهِ إِلَّ سَيَتْبَعُ يَوْماً صَفْوَهُ كَدَرُ(٢)
قال الزُّهْريّ: كان عُبيد الله بن عبد الله بحراً من بحور العلم(٣).
وقال محمد بن الضحَّاك الحِزاميّ، قال مالك: كان ابنُ شِهَاب یأتي
(١) في الأصل: ((حاشا)) والصواب ما أثبتناه من المعرفة والتاريخ ٥٦٠/١ وتاريخ الإِسلام
٣٠/٤.
(٢) الخبر والأبيات في الحلية ١٨٨/٢، ١٨٩.
(٣) انظر المعرفة والتاريخ ٥٦١/١.
٤٧٧

عُبيد الله بن عبد الله، وكان مِن العلماء، فكان يُحدِّثُه ويستقي هو لهُ الماءَ من
البْرِ، وكان عُبيد الله يُطوِّل الصلاة، ولا يَعْجَلُ عنها لأحد، قال: فبلغني أنَّ
عليّ بن الحُسَين جاءَهُ وهو يُصَلِّي، فجلس ينتظره، وطُوَّل عليه، فَعُوتِبَ عُبَيد
الله في ذلك وقيل: يأتيك ابنُ بنتِ رسول اللهَ﴿ فَتَحْبِسُهُ هذا الحَبْس! فقال:
اللّهُمَّ غَفْراً، لا بُدَّ لِمَنْ طلبَ هذا الشأنَ أنْ يُعَنَّى (١).
أخبرنا عبد المؤمن بن خَلَف الحافظ. أنبأنا يوسف بن عبد المُعْطي،
أنبأنا أبو طاهر السِّلَفي، أنبأنا نَصْر بن أحمد، قال: أنبأنا أبو حفص عُمَر بن
أحمد البَزَّار أنبأنا أبو جعفر محمد بن یحیی بن عمر بن عليّ بن حرب،
حدِّثني عليُّ بن حرْب، حدَّثنا سفيان بن عُبَيْنة، عن الزُّهريّ، حدَّثه عُبيد الله.
ابن عبد الله، سمع ابن عباس يقول: جئتُ أنا والفضلُ على أتانٍ يوم عرفة،
والنبيُّ ◌ََّ يُصلِّي بالناس، فمَرَرْنا على بعضِ الصَّفّ فنزلنا عنها وتركناها
ترتع، ولم يَقُل لنا النبيُّ ◌َ﴿ شيئاً(٢).
وبه، عن الزُّهْريّ، عن عُبيد الله بن عبد الله، يبلغ به النبيَّ وَّرَ، قال:
(مَنْ بَاتَ وفي يَدِهِ غَمَرٌ فَأَصابَهُ شَيءٌ، فَلاَ يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ)).
هذا مرسل قويُّ الإِسناد(٣)، فيه الحضّ على غسل اليد من الزَّفَر.
قال الواقديّ ومحمد بن عبد الله بن نُمَيْرِ والتِّرْمِذِيُّ: مات عبيد الله سنة
ثمانٍ وتسعين.
(١) انظر الخبر بنحوه في ترجمة علي بن الحسين ص ٣٨٨ من هذا الجزء.
(٢) وأخرجه مالك في ((الموطأ)) ١٥٥/١، ١٥٦ من طريق ابن شهاب الزهري عن عبيد الله
ابن عبد الله عن ابن عباس، وهو في البخاري ٤٧٢/١ ومسلم (٥٠٤).
(٣) وهو حديث صحيح أخرجه موصولاً أبو داود (٣٨٥٢) والدارميّ ١٠٤/٢، وأحمد
٢٦٣/٢، ٣٤١، ٥٣٧، وابن ماجه (٣٢٩٧) من طرق عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله ﴿ 9: ((من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء، فلا يلومن إلاّ
نفسه)» والغمر: الدسم والزهومة من ريح اللحم.
٤٧٨

وقال الهيثم بن عديّ، وعليُّ بن المديني: مات سنة تسع وتسعين.
وقيل غير ذلك.
١٨٠ - صالح * (ع)
أبو الخليل الضُّبَعي مولاهم، البصريُّ، وهو صالح بن أبي مريم.
رَوى عن سَفينة، وأبي سعيد، وعبد الله بن الحارث بن نَوْفل، وأبي
علقمة .
وعنه مجاهد، وعطاء، وقتادة، وأيُّوب، وأبو الزُّبَيْر، ومنصور بن
المُعْتمر، وثّقه ابن معين والنسائي.
وروى عن أبي قتادة الأنصاريّ وأبي موسى مرسلاً.
بقيَ إلى حدود المئة.
١٨١ - كُرَيْب ** (٤
ابن أبي مسلم، الإِمام، الحُجّة، أبو رِشْدِين، الهاشميُّ العباسيّ،
الحجازيّ، والدُّ رِشْدِين ومحمد، أدرك عثمان، وأرسل عن الفَضْل بن
عباس.
وحدَّث عن مولاه ابن عباس، وأُمِّ الفضل أُمُّه، وأُخْتِها مَيْمونة، وأسامة
* طبقات ابن سعد ٢٣٧/٧، تاريخ البخاري ٢٨٩/٤، الجرح والتعديل القسم الأول من
المجلد الثاني ٤١٥، تهذيب الكمال ص ٥٩٩، تاريخ الإسلام ١٤/٤، تذهيب التهذيب ٨٨٢
ب، تهذيب التهذيب ٤٠٢/٤، خلاصة تذهيب التهذيب ١٧١ .
· طبقات ابن سعد ٢٩٣/٥، طبقات خليفة ت ٢٥٣٨، تاريخ البخاري ٢٣١٨، المعرفة
والتاريخ ٤١٧/١، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الثالث ١٦٨، تاريخ ابن عساكر
٢٧٢/٤ ب، تهذيب الكمال ص ١١٤٦، ١٦١١، تاريخ الإسلام ٤٨/٤، العبر ١١٧/١، تذهيب
التهذيب ١٦٩/٣ ب، البداية والنهاية ١٨٦/٩ تهذيب التهذيب ٤٣٣/٨، خلاصة تذهيب التهذيب
٣٢٢، شذرات الذهب ١١٤/١.
٤٧٩

ابن زَيْد، وأُمِّ سَلمة، وأَمِّ هانئ ، وزَيْد بن ثابت، وابن عُمَر، والمِسْور،
وطائفة .
وعنه أبو سلمة بن عبد الرحمن مع تَقدُّمِهِ، ومَكْحُول، وسُليمان بن
يَّسار، وسَلمةُ بن كُهَيْل، وحبيب بن أبي ثابت، وسالم بن أبي الجَعْد،
ومنصور بن المُعتمر، والزُّهريّ، وموسى بن عُقْبة، ويُكَيْرِ بن الأشجّ، وأخوه
يعقوب بن عبد الله، وشريك بن أبي نمِر، وأبو صخر حُمَيْد بن زياد، ومحمد
ابن عبد الرحمن مولى آلٍ طلحة، ومحمد بن أبي حَرْمَلة، وخلقٌ سواهم.
قال ابن سعد(١): كان ثقةً، حسَن الحديث. وقال يحيى بن معين
والنَّسائيّ: ثقة.
قال زهير بن معاوية، عن موسى بن عُقْبة، قال: وضع عندنا كُرَيْبُ حِمْلَ
بعيرٍ أوْ عِدْلَ بعيرٍ مِنْ كُتُب ابن عباس، فكان علَّ بن عبد الله بن عباس إِذا أراد
الكتاب كتب إليه : ابعثْ إِليَّ بصحيفة كذا وكذا، فينسخها ، ويبعث إِليه
إحداهما(٢)
.
قال الواقديّ والمدائني وخليفة وجماعة: مات سنة ثمانٍ وتسعين.
وروی عنه ولداه محمّد ورِشْدین.
١٨٢ - بَشِير *(ع)
ابن نَهِيك، العالم، الثقة، أبو الشعثاء البصريّ .
(١) في الطبقات ٢٩٣/٥.
(٢) الخبر في ابن سعد ٢٩٣/٥.
* طبقات خليفة ت ١٥٩٧، ١٦٥٥، تاريخ البخاري ١٠٥/٢، الجرح والتعديل القسم
الأول من المجلد الأول ٣٧٩، تهذيب الكمال ص ١٥٥، تاريخ الإسلام ٣٤٥/٣، تذهيب التهذيب
٨٧/١ ب، تهذيب التهذيب ٤٧٠/١، خلاصة تذهيب التهذيب ٥٠.
٤٨٠