Indexed OCR Text
Pages 1-20
شِيرَا عَلَامِ النَُّّلَاءُ تصنيف الإمام شمس الدين محمدبن أحمد بن عثمان الَّهبيّ المتوفى ٧٤٨ هـ - ١٣٧٤هـ الجزء الرابع حَقْقَ هُذَا الجُزء أشرَق عَلى تحقيق الكتَابُ وَخَّجَ أحَادِيثَه شعيب الأرنؤوط أمون الصّاعري مؤسسة الرسالة 3 شِيَِّ خَلَامِ السَُّلاءِ ٤ جميع الحقوق محفوظَة الطبعة الاولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م الطبعة الثانية مؤسسة الرسالة بيروت - شارع سوريا - بناية صمدي وصالحة هاتف: ٣١٩٠٣٩ - ٢٤١٦٩٢ ص.ب: ٧٤٦٠ برقياً: بيوشران ... . ... . والرسا الاعت - والنبْتْر، والتوز منمع ١ - المجنون* قيس بن المُلَوِّح، وقيلَ: ابن مُعَاذ، وقيل: اسمُه بَخْتَرِيُّ بنُ الجَعْد، وقيل غير ذلك. من بني عامر بن صَعْصَعَة. وقيل: من بني كَعْب بن سَعْد. الذي قتله الحبُّ في ليلى بنتِ مهدي العامِرِيَّةِ. سمعنا أخبارَه تأليفَ ابنِ المَرْزُبَان(١). وقد أنكر بعضُهم ليلى والمجنونَ، وهذا دَفْعٌ بالصَّدر، فَمَا مَنْ لَمْ يَعلَمْ حُجَّة على مَنْ عنده عِلْم، ولا المثبتُ كالنَّفي، لكن إذا كان المثبتُ لِشيءٍ شِبْه خُرَافة، والنَّافِي ليس غَرَضُهُ دَفْعَ الحقّ، فهنا النَّافي مقدَّمٌ، وهنا تقعُ المكابرةُ وتُسْكَبُ العِبْرة. فقيل: إنَّ المجنون عَلِقَ ليلىْ عَلَاقَةَ الصِّبَا وكانا يَرْعَيَانِ البَهْمَ(٢). ألا تسمعُ قولَه، وما أفحل شعره: *ترجمته في: الشعر والشعراء ٤٦٧، الأغاني ١/٢، المؤتلف والمختلف ١٨٨، نشوار المحاضره ١٠٢/٥، سمط اللآلي ٣٥٠، تاريخ الإسلام ٦٤/٣، فوات الوفيات ١٣٦/٢، سرح العيون ١٩٥، شرح الشواهد ٢٣٨، النجوم الزاهرة ١٧٠/١، تزيين الأسواق ٩٧/١، شذرات الذهب ٢٧٧/١، خزانة الأدب للبغدادي ١٧٠/٢ . (١) في تاريخ الإسلام للمؤلف: ((سمعنا أخباره في جزء ألَّفه ابن المرزبان)) وابن المرزبان مؤرخ، عالم بالأدب ، له تصانيف كثيرة منها: الشعراء، النساء والغزل. (٢) البَهْم: جمع بَهْمة، وهو الصغير من الضأن، الذكر والأنثى في ذلك سواء. ولَمْ يَبْدُ لِلَّأْرابِ مِنْ ثَدْيِها حَجْمُ تَعَلَّقْتُ ليلى وهْيَ ذاتُ ذُوَابَةٍ إلى اليَوْمِ لَمْ نَكْبَر وَلَمْ تَكْبَرِ البَهْم(١) صَغَيْرَيْنِ نَرْعَى البَهْمَ يَا لَيْتَ أنَّنا وعَلِقْه هي أيضاً، ووَقَعَ بقلبها. وهو القائل: مِنَ الأرْضِ لا مَالٌ لديَّ ولا أهْلُ أَظُنُّ هَوَاها تَارِكِي بِمَضِلَّةٍ وَلا وَارِثٌ إلَّ المَطِيَّةُ والرَّحْلُ(٢) وَلا أحدٌ أَقْضِي إلَيْهِ وَصِيَّتِي وحَلَّتْ مكاناً لم يَكُنْ حُلَّ مِنْ قَبْلُ مَحَا حُبُّها حُبَّ الْأَلَى كُنَّ قَبْلَها فاشتدَّ شَغَفُهُ بها حتى وُسْوِسَ وَتُخْبِّلَ في عقله فقال: فَأَسْتَفِيقُ وقَدْ غَالَتْنِي الغُولُ (٣) إنّي لَأَجْلِسُ فِي النَّادِي أُحَدِّئهم حتَّى يقُولَ جَلِيسي أنتَ مَخْبولُ (٤) يُهْوی بِقَلْبِي حَدِيثُ النّفس نحوَكُم قال أبو عُبيدة: تزايد به الأمرُ حتى فَقَدَ عَقْلَه، فكان لا يُؤْويه رَحْلٌ ولا يعلُوهُ ثوبٌ إلَّ مزَّقَه. ويقال: إن قومَ ليلى شَكُوا المجنونَ إلى السلطان، فأهدر دَمّه، وترحِّل قومُها بها. فجاءَ وبقيَ يتمرَّغُ في المَحَلَّةِ، ويقول: بِذِي سَلَمٍ لَ جَادَكُنَّ رَبِيعُ(٥) أيا حَرَجاتِ الحيّ حَيْثُ تَحمِّلُوا (١) في الأصل: بليلى وهو تحريف، والتصويب من الديوان ص ٢٣٨ ورواية الديوان والشعر والشعراء: ((وهي غرَّ صغيرة)) وفي رواية أخرى في الأغاني ١٢/٢: ((وعلقتها غراء ذات ذوائب)) الذؤابة مقدَّم شعر الرأس، والذؤابة من كل شيء أعلاه. الأتراب: جمع تِرْب وهو المماثل في السن، وأكثر ما يستعمل في المؤنث. (٢) في الديوان: ((أُقْضي)) يقال: وقضيت إلى فلان الأمر، أي أنهيته إليه وأبلغته ذلك. (٣) الغول: نوع من الشياطين كانت العرب تزعم أنها تظهر للناس في الفلاة، فتتلون لهم بصور شتى. وغالتني: أضلتني وأهلكتني. (٤) للبيت رواية أخرى في ((بسط سامع المسامر)) ص ٧٧ وهي: حتى يقولَ حبيبي أنْتَ مَخْبُولُ يَغْشَىْ بقلبي حديثُ النفسِ عندهُمُ. (٥) في الديوان ص ١٩٠: ((حين)) بدل ((حيث)). وحرجات: ج حَرَجة، وهي الغيضة الملتفة الشجر، أو الشجرة بين الأشجار لا تصل إليها الأيدي. وذو سلم: موضع بالحجاز. ٦ بَلِيَنَ بِلَى لَمْ تَبْلَهُنَّ رُبُوع وخَيْماتُكِ الّلاتِي بِمِنْعَرَجِ اللّوى وقيل: إِنَّ قومه حَجُوا به ليزورَ النبيِّ وَّه ويدعو، حتى إذا كانَ بمنى سمعَ نداءً: يا ليلى، فَغُشِيَ علیه، وبكى أبوه فأفاق يقول: فَهَّجَ أَطْرَابَ الفُؤادِ وَلَمْ يَدْرِ (١) ودَاعِ دَعَا إِذْ نَحْنُ بِالخَيْفِ مِنْ مِنَّى أَطَارَ بِلَيْلِى طَائِراً كانَ فِي صَدْري(٢) دَعَا باسْم لَيْلَىْ غَيْرِها فكأنّما وجَزعت هي لفراقه وضَنِيَتْ. وقيل: إِن أباه قَيََّه، فبقي يأكُلُ لحمَ ذراعيْه، ويضْربُ بنفسه فأطلَقَهُ، فهامَ في الفلاة، فُوُجِد مَيْتاً، فاحتملوهُ إلى الحيِّ وغسِّلوه ودفنوه. وكَثُرَ بُكَاءُ النساءِ والشباب عليه. وقيل: إنه كان يأكلُ مِنْ بُقُولِ الأرض، وأَلِفَتْهُ الوحشُ، وكان يكونُ بنجدٍ فَسَاحَ حتَّى حدود الشام. وشعرُه كثير من أَرَقِّ شيءٍ وأعذبِهِ، وكان في دولة يزيدَ وابن الزبير. ٢ - أبو مسلم الخَوْلاني* (م ٤) الداراني، سيِّدُ التابعين وزاهدُ العَصر. (١) رواية الديوان ص ١٤٤ والشعر والشعراء ص ١٦٣: ((فهيج أحزان الفؤاد وما يدري)). والخيف: موضع في منى، منه سمي مسجد الخيف. والأطراب: جمع طرب وهو خفة تعتري المرء عند شدة الفرح أو شدة الحزن. (٢) انظر الخبر مفصَّلاً في الأغاني ٢١/٢. *طبقات ابن سعد ٤٤٨/٧، طبقات خليفة ت ٢٨٨٨، تاريخ البخاري ٥٨/٥، المعرفة والتاريخ ٣٠٨/٢ و٣٨٢، الحلية ٢٢/٢، الاستيعاب ت ١٤٧٩، تاريخ ابن عساكر ١٢٨٩ ب، أسد الغابة ١٢٩/٣، اللباب ٣٩٥/١، تهذيب الكمال ص ١٧٠ و١٦٥٤ تذكرة الحفاظ ٤٦/١، تاريخ الإسلام ١٠٢/٣، فوات الوفيات ٢٠٩/١، البداية والنهاية ١٤٦/٨، الإصابة ت ٦٣٠٢، تهذيب التهذيب ٢٣٥/١٢، طبقات الحفاظ للسيوطي ص ١٣، شذرات الذهب ٧٠/١، تهذيب ابن عساكر ٣١٤٧. ٧ اسمه على الأصحّ: عبد الله بن ثُوَب، وقيل: اسمُه عبد الله بن عبد الله، وقيل: عبدُ الله بن ثَوَاب(١). وقيل: ابنُ عبيد. ويقال: اسمُه يعقوب بن عَوْف. قدِم من اليَمّن. وقد أسلَمَ في أَيَّامِ النّبِيِّ ◌َّ. فدخلَ المدينةَ في خلافةٍ الصديق . وحدَّثِ عن عُمر، ومعاذٍ بن جبل، وأبي عُبيدة، وأبي ذرِّ الغفاري، وعُبادةَ بنِ الصامت. روى عنه أبو إدريس الخَوْلاني، وأبو العالية الرِّياحي، وجُبَيْرُ بن نُفَيْر، وعطاء بن أبي رَبَاحِ، وشُرَحْبيل بن مسلم ... وما أدركامـ وعَطِيَّةُ بن قيس، وأبو قِلابة الجَرْمي، ومحمد بن زياد الألْهانيّ وعُمَير بن هانىء ويونس بن مَيْسَرة، ولم يلحقوه، لكن أرسلوا عنه. قال إسماعيلُ بن عَيَّاش: حدَّثنا شُرَحْبيل بنُ مسلم، قال: أتىُ أبو مسلم الخَوْلاني المدينةَ وقد قُبِضَ النبيُّ ◌َ﴿َ، واستُخْلِفَ أبو بكر. فحدَّثنا شُرَحْبيل: أن الأسود(٢) تنبّ باليمن، فبعثَ إلى أبي مسلم، فأتاه بنارٍ عظيمة، ثم إنَّه الْقَى أبا مسلم فيها، فلم تَضُرَّه، فقيل للأسود: إِنْ لَمْ تَنْفٍ هذا عنكَ أفسَدَ عليك مَنِ اتَّبَعَكَ. فَأَمَرَه بالرَّحيل فقدِمَ المدينة، فأناخَ راحلته، ودخل المسجد يُصلِّي، فبصُرَ به عُمر رضي اللَّهُ عنه، فقام ٠ ٠ (١) زاد ابن عساكر ١٢٨ ب: ويقال: ابن أثوب، ويقال: ابن مسلم. وانظر تاريخ الإسلام. ١٠٢/٣. (٢) هو الأسود العنسي، واسمه عيهلة وقيل: عبهلة بن كعب بن عوف، من مذحج. متنبىء مشعوذ من أهل اليمن، أسلم لما أسلمت اليمن، وارتد في أيام النبي #1، فكان أول من ارتد في الإِسلام، ادعى النبوة، وضلَّ به كثير من مذحج حتى اتسع سلطانه. اغتيل قبل وفاة النبي وَ لا بشهر واحد . ! هـ مختصراً، الاعلام ٢٩٩/٥ . ٨ إليه، فقال: مِمَّن الرجل؟ قال: مِن الْيَمَن. قال: ما فعل الذي حَرقهُ الکذابُ بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن تُوَب. قال: نَشَدْتُكَ بالله، أنتَ هو؟ قال: اللَّهمَّ نَعَمْ. فاعْتَنَقَهُ عُمر وبكى، ثم ذهب به حتى أجْلسه فيما بينه وبَيْنَ الصِّدِّيقِ. فقال: الحمدُ لله الذي لَمْ يُمْني حتَّى أراني في أُمَّةِ مُحمد مَنْ صُنِعَ به كما صُنِعِ بإِبراهيم الخليل. رواه عبدُ الوهاب بن نَجْدَة، وهو ثقة، عن إسماعيل لكن شُرَحْبيل أرسل الحكاية(١). ويُرْوَى عن مالك بن دينار، أن كعباً رأى أبا مسلم الخولاني، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو مسلم، فقال: هذا حكيمُ هذه الأمة (٢). وروى مَعْمَر عن الزُّهْريّ، قال: كنتُ عند الوليد بن عبد الملك، فكان يتناولُ عائشةَ رضي اللهُ عنها. فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، أَلَا أُحَدِّثُكَ عن رجلٍ من أهل الشام، كان قد أُوِيَ حِكمةً؟ قال: مَنْ هو؟ قلتُ: أبو مسلم الخَوْلاني، سمع أهل الشام ينالون مِن عائشة فقال: ألا أُخبرُكم بِمَثَلِي ومَثَل أُمَّكم هذه؟ كمَثَلِ عَيْنَيْن في رأس، تُؤْذيانِ صاحبَهما، ولا يستطيعُ أنْ يُعاقبهما إلاّ بالذي هو خَيْرٌ لهما فسكت. فقال الزُّهْرِيّ: أخبرنيهِ أبو إدريس الخَوْلاني عن أبي مسلم(٣). قال عثمان بن أبي العاتكة: عَلَّقَ أبو مسلم سَوْطاً في المسجد، فكان يقولُ: أنا أوْلى بالسَّوْط من البهائم، فإِذا فَتَرِ، مَشَقَ (٤) ساقّيْه سَوْطاً أوْ سوْطَين. قال: وكان يقول: لو رأيتُ الجَنَّة عِيَاناً أو النَّارِ عِياناً ما كان عندي مُسْتزادٌ(٣). (١) أورده ابن عساكر في تاريخه ١٥/٩ ب مطولاً. (٢) ابن عساكر ١٦٩ ]. (٣) ابن عساكر ١٦/٩ ب. (٤) مشقه: ضربه بسرعة. ٩ إسماعيل بن عيَّاش: عن شُرَحْبيل، أنَّ رجلَيْن أَتْيَا أبا مسلمٍ، فلم يجداه في مَنْزِلِه، فأتيا المسجدَ، فوجداه يركع، فانتظراه، فأُحْصى أحدُهما أنه ركع ثلاث مئة رَكْعَة(١). الوليد بن مسلم: أنْبأنا عثمان بن أبي العاتكة، أنَّ أبا مسلمِ الخَوْلاني سمع رجلًا يقول: سبق اليومَ (٢) [فلان] فقال: أنا السّابق، قالوا: وكيفَ يا أبا مسلم؟ قال: أَدْلَجْتُ من داريًّا، فكنتُ أَوَّلَ مَنْ دخل مسجدَكم. قال أبو بكر بنُ أبي مريم: عن عطيّة بن قيس، قال: دخلَ ناسٌ من أهْل دمشقَ على أبي مسلم وهو غازٍ في أرض الرُّوم، وقد احتفَر جُورةً في فُسْطَاطِهِ(٣)، وجعل فيها نِطْعاً وأفرغ فيه الماء وهو يتَصَلَّقُ فيه (٤)، فقالوا: ما حملَك على الصِّيام وأنت مسافر؟ قال: لو حضرَ قِتالٌ لأفطرتُ، ولتهيَّأْتُ له وتقوَّيْت؛ إنَّ الخَيْلِ لا تجري الغايات(٥) وهُنَّ بُدَّن، إِنَّما تجري وهُنَّ ضُمَّر؛ ألا وإِنَّ أيّامنا باقيةٌ جائيةٌ لها نعمل(٦). وقيل: كان يرفعُ صوتَه بالتكبير حتى مع الصِّبيان ويقول: اذكر الله حتى يرى الجاهلُ أنَّه مجنون(٧) . (١) زاد ابن عساكر في تاريخه ١٧/٩ آ ما نصه: (( ... والآخر أربع مئة ركعة قبل أن ينصرف، فقالا له: يا أبا مسلم كنا قاعدين خلفك ننتظرك، فقال: إني لو عرفت مكانكما، لانصرفت إليكما أن تحفظا عليَّ صلاتي، وأقسم لكما بالله، إن خير كثرة السجود ليوم القيامة)). اهـ. وانظر تاريخ الإسلام ١٠٤/٣. (٢) ما بين الحاصرتين من تاريخ ابن عساكر. (٣) الفسطاط: البيت من الشعر. (٤) تصلّق: تقلب وتلوّى على جنبيه. (٥) الغايات: النهايات، وفي الحديث: ((أنه صلى الله عليه وسلم سبَّق بين الخيل وفضَّل القُرَّح في الغاية . (٦) في الحلية ١٢٧/٢: ((بين أيدينا أياماً لها نعمل)) وانظر تاريخ ابن عساكر ١٧/٩ ب وتاريخ الإسلام ١٠٤/٣. (٧) رواية ابن عساكر في التاريخ ١٧/٩ ب: ((اذكر الله حتى يرى الجاهل أنك مجنون)). ١٠ وروى محمد بن زياد الألهانيّ، عن أبي مسلم الخَوْلاني، أنَّه كان إذا غزا أرضَ الروم، فَمَرُّوا بنَهرِ فقال: أَجيزُوا بسم الله، ويَمُرُّ بينَ أيديهم، فيمرُّون بالنهر الغَمْر، فربَّما لَمْ يبلغْ من الدَّوابِّ إلَّ الرُّكَب، فإِذا جازوا قال: هَلْ ذهب لكم شيء؟ [فمن ذهب له شيء فأنا ضامِن له] فألقى بعضهم مِخْلاته [عمداً]. فلما جاوزوا قال [الرجل]: مِخْلاتي وقعتْ، قال: اتبعني فاتَّبَعَه، فإِذا بها معلّقةٌ بعودٍ في النَّهر، قال: خُذْها(١). سليمان بن المغيرة: عن حُمَيد الطويل، أنَّ أبا مسلم أتى على دِجْلة وهي تَرْمِي بالخَشَبِ مِنْ مدِّها فذهب(٢) عليها، ثم حَمِدَ الله وأثنى عليه، وذكر مَسِير بني إسرائيل في البَحْرِ، ثم لَهَزّ(٣) دابَّتَه، فخاضتِ الماءَ، وتبعَهُ النَّاسُ حتى قطعوها، ثم قال: هل فقدتُم شيئاً [من متاعكم] فَأَدْعُوَ اللّهَ أن يَرُدَّه [عليَّ](٤)؟ عَنْبَسَةُ بن عبد الواحد: عن عبد الملك بن عُمَيْر، قال: كان أبو مسلم الخَوْلاني إذا استسقى سُقي(٥). وروى بَقِيَّةُ عن محمد بن زياد: عن أبي مسلم، أن امرأةٌ خَبََّت عليه(٦) امرأته، فدعا عليها، فعميتْ، فأتَّهُ فاعترفتْ وتابتْ، فقال: اللّهُمَّ إنْ كانَتْ. صادقةً، فارْدُدْ بَصَرِها، فَأَبْصَرَتْ(٧). (١) تاريخ ابن عساكر ١٨٩ آ وما بين الحاصرتين منه. (٢) لفظ ابن عساكر: فوقف. (٣) لهز: ضرب بجمع كفه. (٤) تاريخ الاسلام ١٠٤/٣ وما بين الحاصرتين منه. (٥) لفظ ابن عساكر: سقانا. (٦) يقال: خبَّبَ فلان على فلان صديقه، إذا أفسده عليه. والخبر في الحلية ١٢٩/٢ و١٣٠. وفي ابن عساكر ١٩٨٩ آ مطوّلاً. (٧) ابن عساكر ١٩٨٩ آ وتاريخ الإسلام ١٠٥/٣. ١١ ضَمْرَةُ بن ربيعة عن بلال بن كعب، أن الصِّبيان قالوا لأبي مسلم الخَوْلاني: ادْعُ اللَّه أن يَحْبِسَ علينا هذا الظَّْيَ فنأخذَهُ. فدعا اللهَ، فحبسه، فأخذوه(١). وعن عطاء الخراسانيّ، أنَّ امرأةً أبي مسلم قالت: ليس لنا دقيق. فقال: هل عندك شيءٌ؟ قالت: درهمٌ بِعْنَا بِهِ غَزْلاً. قال: ابغينيه وهاتي الجراب، فدخل السُّوقَ، فأتاهُ سائلٌ، وألحَّ، فأعطاه الدِّرهم، وملأ الجرابَ نُشَارةً مع تُرابٍ، وأتى وقَلْبُهُ مَرْعُوبٌ منها، وذهب، ففتحتْه، فإذا به دقيق حُوَّارى(٢). فَعَجَنَتْ وخَبَزت، فلما جاءَ ليلاً، وضعَتْه، فقال: مِنْ أينَ هذا؟ قالتْ: مِنَ الدَّقيق، فأكل وبَكَى(٣). أبو مُسْهِر، عن سعيد بن عبد العزيز، أنَّ أبا مسلم استَبْطأُ خَبَر جيشٍ كانَ بأرض الرُّوم، فدخل طائرٌ فوقع، فقال: أنا رتبابيل(٤) مُسْلِي الحُزْنَ، مِن صُدور المؤمنين، فأخبره خبرَ الجيش فقال: ما جئتَ حتَّى استبطأْتُك؟. قال سعيد بن عبد العزيز، كان أبو مسلم يرتجزُ يوم صِفِّين(٥) ويقول: ما عِلَّتي ما عِلَّتِي وَقَدْ لِبِسْتُ دِرْعَتي أُمُوتُ عِنْدَ طَاعَتِي(٦) (١) المصدر السابق. (٢) الدقيق الحوَّارى: الأبيض. (٣) ابن عساكر ١٩/٨ ب. (٤) كذا في الأصل، وعند ابن عساكر: اردياليل. (٥) صِفِّين: موضع بقرب الرقة على شاطىء الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس. فيه كانت واقعة صفين بين عليّ رضي الله عنه ومعاوية سنة ٣٧ هـ في غرة صفر. معجم البلدان ٤١٤/٨. وانظر أخبارها في تاريخ الإسلام ١٦٦/٢ ولنصر بن مزاحم المنقري المتوفى ٢١٢ مؤلف مطبوع سماه ((وقعة صفين)). (٦) ابن عساكر ٢١٨٩ آ وتاريخ الإسلام ١٠٥/٣. ١٢ وقيل: إنَّ أبا مسلمٍ قامَ إلى معاوية، فوعَظَّهُ، وقال: إِيَّاك أنْ تميلَ على قبيلةٍ فَيَذْهَبَ حَيْفُكَ بِعَدْلك(١). وروى أبو بكر بن أبي مريم: عن عطيه بن قيس، قال: دخل أبو مسلم على معاوية، فقام بين السِّماطين، فقال: السلامُ عليكَ أيُّها الأجيرُ، فقالُوا: مَهْ .. قال: دَعُوه، فهو أعرفُ بما يقول، وعليك السلامُ يا أبا مسلم. ثم وَعَظَهُ، وحَتَّهُ على العَدْل(٢). وقال شُرَحْبِيلِ بنُ مسلم: كان الولاة يَتْيَمِّنُون بأبي مسلم، ويُؤْمِّرُونه على المُقَدِّمات(٣). قال سعيد بن عبد العزيز: مات أبو مسلم بأرض الروم، وكان شتا مع بُشْر بن أبي أرطاة، فأدركه أجلُه، فعاده بُسْر، فقال [له أبو مسلم]: يا بُسْر، اعْقِد لي على مَنْ مات في هذه الغزاة، فإِنِّي أرجو أن آتيَ بهم يومَ القيامة على لوائهم(٤). قال أحمد بن حنبل: حُدِّثْنَا عن محمد بن شعيب عن بعض المشيخة قال: أقبلنا مِن أرض الرُّوم فَمَرَرْنَا بالعُمَيْر على أربعةِ أميالٍ من حِمْصَ في آخر اللَّيْل، فاطّلع راهبٌ مِن صَوْمَعة، فقال: هل تعرفُون أبا مسلم الخَوْلانيّ؟ قلنا: نَعَمْ. قال: إذا أتيتُموه، فأقرؤُوهُ السلام، فإِنَّا نجدهُ في الكتب رفيقَ عيسى ابن مريم. أمّا إنكم لا تجدونه حيّاً. قال: فلمَّا أشرفنا على الغُوطة، بَلَغنا موْتُهُ. (١) أورده ابن عساكر ٢١٩ ب مطوّلاً. (٢) تاريخ ابن عساكر ٢٢٨ آ. (٣) المصدر السابق ٢٣/٩ ب. (٤) المصدر السابق وما بين الحاصرتين منه. ١٣ قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر(١): يعني سمعوا ذلك، وكانت وفاته بأرض الرُّوم. وروى إسماعيل بن عيَّاش، عن شُرَحْبِيلَ بن مسلم، عن سعيد بن هانىء قال، قال معاوية: إنَّما المصيبةُ كُلُّ المصيبة بموت أبي مسلم الخَوْلانِيّ، وكُرَيْب بن سَيْف الأنصاريّ. إسناده صالح. فعلى هذا يكون أبو مسلم مات قبل معاوية، إلاّ أنْ يكونَ هذا هو معاوية بن يزيد(٢). وقد قال المُفَضَّل بن غَسَّان الغَلاَبِيّ: إنَّ علقمة وأبا مسلم ماتا في سنة اثنتين وستِّين(٣). فاللهُ أعلم. وبداريًّا قبرٌ يُزَار، يقال: إنَّه قبرُ أبي مسلم الخَوْلانيّ، وذلك محتمل. ٣- القارّيّ* (ع) عبد الرحمن بن عبدٍ القارِّيُّ المدنيّ. يقال: له صُحْبة، وإِنَّما وُلِدَ في أيَّمِ النُّبُوَّة. قال أبو داود: أتي به النبيُّ م له وهو صغير. قال الزُّبِيْر بن بِكَّار: عَضَل والقارَّة ابنا يُثْع(٤) بن الهُون بن خُزَيْمة بن مُذْرِكة. (١) في تاريخه ٢٤٨ آ. (٢) هو معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، تأتي ترجمته في ص ١٣٩. (٣) ابن عساكر ٢٤٨٩ آ. *طبقات ابن سعد ٥٧/٥، طبقات خليفة ت ٢٠١٦، تاريخ البخاري ٣١٨/٥، الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الثاني ٢٦١، الاستيعاب ت ١٤٣٣، أسد الغابة ٣٠٧/٣، تهذيب الكمال ص ٨٠٦، تاريخ الإسلام ١٨٦/٣، العبر ٩٢/١، الإصابة. ت ٦٢٢٣، تهذيب التهذيب ٢٢٣/٦، خلاصة تذهيب الكمال ٢٣١، شذرات الذهب ٨٨/١. (٤) يثيع: وزان يضرب، وفي الأصل يبثع، والتصويب من الجمهرة والقاموس. ١٤ قلتُ: رَوَى عن عُمَر، وأبي طلحة، وأبي أُّوب، وغيرهم. وعنه السَّائبُ بن يزيد مع تَقَدُّمِه، وعُروة والأعرج، والزُّهْريّ وطائفة، وابنه محمد، وثقه ابنُ مَعِين. وقال ابن سعد(١): تُوفِّي سنة ثمانين بالمدينة. وله ثمانٌ وسبعون سنة. ٤- عامرُ بنُ عبدِ قَيْس* القُدَوَةُ الوليُّ الزَّاهدُ أبو عبد الله، ويقال: أبو عَمْرو التميميّ، العَنْبَريّ، البَصْريّ. روى عن عُمر وسَلمان. وعنه: الحسنُ، ومحمدُ بن سيرين، وأبو عبد الرحمن الحُبُليّ وغيرهم، وقلَّما رَوَى. قال العِجْلي: كان ثقةً مِنْ عُبَّادِ التابعين، رآه كعبُ الأحبار فقال: هذا راهبُ هذه الأمة. وقال أبو عُبَيْد(٢) في ((القراءات)): كان عامر بن عبد الله الذي يُعرف بابن عبد قيس يُقْرِئُ النَّاس. حدَّثنا عبَّد: عن يونس، عن الحَسن، أنَّ عامراً كان يقول: مَنْ أُقرئُ ؟ فيأتيه ناسٌ، فَيُقْرِثُهم [القرآن] ثمَّ يقوم فيصلِّي إلى الظُّهْر، ثم يُصلِّي (١) في الطبقات ٥٧/٥. ●طبقات ابن سعد ١٠٣٨٧، طبقات خليفة ت ١٥٤٣، الزهد لأحمد بن حنبل ٢١٨، المعرفة والتاريخ ٦٩/٢، تاريخ البخاري ٤٤٥/٦، الجرح والتعديل القسم الأول من المجلد الثالث ٣٢٥، البدء والتاريخ ٧٦/١، المعارف ٤٣٨، الحلية ٨٧/٢، تاریخ ابن عساکر جزء عاصم عايز ٣٢٣، أسد الغابة ٨٨/٣، تاريخ الإسلام ٢٥/٣، طبقات القراء للجزري ت ١٥٠٢، الإصابة ت ٦٢٨٤، خلاصة تذهيب الكمال ١٨٥، رغبة الأمل للمرصفي ٣٧/٢. (٢) هو القاسم بن سلام المتوفى ٢٢٤ هـ. ١٥ إلى العَصْرِ، ثم يُقْرِئُ النَّاس إلى المَغْرب، ثم يُصلِّي ما بين العشاءين ثم ينصرفُ إلى منزله، فيأكل رغيفً، وينامُ نومةً خفيفة، ثمَّ يقومُ لصلاته، ثم يتسخّرُ رغيفاً ويخرج(١). قال بلال بن سعد: وُشِيَ بعامِر بن عبد قيس إلى زياد، فقالوا: هاهنا رجل قيل له: ما إبراهيمُ عليه السلام خيراً منك فسكَتَ ، وقد تركَ النساء. فَكَتَبَ فيه إلى عثمان، فكتب إليه: انْفِهِ إلى الشام على قَتَب(٢). فلما جاءه الكتابُ، أرسل إلى عامر، فقال: أنْتَ قيل لك: ما إبراهيم خيراً منك فسكَتَّ؟! قال: أما والله، ما سكوتي إلا تعجّبُ، ولَوَدِدْتُ أَنِّي غبارُ قدمَيْه. قال: وترْكتَ النِّساءَ؟ قال: واللهِ ما تَرَكْتُهُنَّ إلَّ أَنِّي قد علمتُ أنَّه يجيءُ الولد وتَشَعَّبُ(٣) فيَّ الدُّنيا، فأحبَيْتُ التَّخلِّي. فأجلاه على قَتَبِ إلى الشام، فأنزله معاوية معه في الخضْراء(٤) وبعث إليه بجارية، وأمرها أن تُعْلِمَهُ ما حالُه. فكان يخرج مِن السَّحَر، فلا تراه إلّ بعد العَتَمَة فيبعث معاوية إليه بطعام، فلا يَعْرِضُ له، ويجيءُ معه بِكِسَرَ، فيبلُها ويأكل، ثمَّ يقوم إلى أنْ يسمعَ النُّداءَ فيخرج، فكتب معاويةُ إلى عثمان يذْكُرُ حالَهُ. فكتب: اجعلْهُ أَوَّلَ داخل وآخِرَ خارج، ومُرْ له بعشرة من الرَّقيق، وعشرةٍ مِنَ الظَّهْر؛ فأَحْضَرَهُ وأخبَرَهُ. فقال: إنَّ عليَّ شيطاناً قد غلبني، فكيف أجمع عليَّ عشرة. وكانت له بغلة(٥). (١) تاريخ الإسلام ٢٦/٣ وما بين الحاصرتين منه. (٢) القَتَّب: الرحل الصغير على قدر سنام البعير. (٣) يقال: شعب الرجلُ أمره: إذا شتّته وفرّقه. (٤) الخضراء: هي دار الإِمارة بدمشق، بناها معاوية بالطوب ثم نقضها وبناها بالحجارة. وموقعها حذاء سوق الصفارين (سوق القباقبية اليوم) من الجنوب، قبليّ الجامع الأموي، ويقال: إنه كان لها باب يفضي إلى المسجد مما يلي المقصورة. انظر أخبارها في تاريخ ابن عساكر المجلدة الثانية ٢٥٠ . : (٥) أورده ابن عساكر (جزء عاصم عايذ) ٣٣٢ مطوّلاً . ١٦ فروى بلال بن سعد، عمّن رآه بأرض الرُّوم عليها، يركبها عُقْبةً، ويحمل المهاجرين عُقْبَةٍ(١) قال بلال: كان إذا فصَل غازياً يتوسِّمُ مَنْ يُرافقه، فإذا رأىْ رُفْقَةً تُعْجِبُهُ، اشترط عليهم أنْ يخدِمَهم، وأن يُؤْذِّن، وأنْ يُنْفقَ عليهم طاقته، رواه ابن المبارك بطوله في ((الزُّهْد)) له(٢). هِمَّام: عن قتادة، قال: كان عامر بن عبد قيس يسألُ ربَّه أنْ ينزِعَ شهوة النِّساءِ مِنْ قلبه، فكان لا يُبالي أَذَكّراً لقي أمْ أَنْثى. وسألَ ربَّه أنْ يمنعَ قلبه منَ الشَّيطان وهو في الصلاة فلم يقدِرْ عليه. وقيل: إنَّ ذلك ذهب عنه(٣). وعن أبي الحسين المجاشعيّ، قال: قيل لعامر بن عبدٍ قيس: أتحدِّث نفسك في الصلاة؟ قال: أحدِّثُها بالوقوف بين يدي الله، ومنصرفي. وعن كعب، أنَّه رأىْ بالشام عامر بن عبدٍ قيس، فقال: هذا راهب هذه الأمّة . قال أبو عمران الجَوْنيّ: قيل لعامر بن عبد قيس: إِنَّك تبيتُ خارجاً، أما تخافُ الأسد!؟ قال: إنِّي لأستحبي من ربِّي أنْ أخافَ شيئاً دونه. وروی همَّام عن قتادة مِثْلَه(٤). حَمَّدٌ: عن أيّوب، عن أبي قلابة، لِقِيَ رجلٌ عامر بن عبد قيس، فقال: ما هذا؟ ألَمْ يَقُلِ الله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]؟ قال: أفلم يقُلِ الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّ لَيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦](٥). (١) عُقبة: أي نوبة . (٢) وهو في ابن عساكر ٣٣٢ و ٣٣٣ (جزء عاصم عايذ). (٣) تاريخ ابن عساكر ٣٤٥ (جزء عاصم عايذ). (٤) تاريخ ابن عساكر ٣٤٧ (جزء عاصم عايذ). (٥) تاريخ ابن عساكر ص ٣٦١ وتاريخ الإسلام ٢٧/٣ . ١٧ سير ٢/٤ وقيل: كان عامر لا يزالُ يُصلِّي مِنْ طُلوعِ الشمس إلى العَصْرِ، فينصرفُ وقد انتفختْ ساقاه فيقول: يا أمّارةً بالسوء، إنما خلقتِ للعبادة(١). وهبط وادياً به عابدٌ حبشيّ، فانفرد يُصلِّي في ناحية، والحَبَشيُّ في ناحية، أربعين يوماً لا يجتمعان إِلاّ في فريضة(٢). محمد بن واسع: عن يزيد بن الشِّخِّير، أنَّ عامراً كان يأخذُ عطاءَه، فيجعلُه في طَرَف ثَوْبِهَ، فلا يَلْقى مسكيناً إلاّ أعطاه، فإذا دخل بيته، رمی به إليهم، فيعُدُّونها فيجدونها كما أُعْطِيَها (٣). جعفر بن بُرْقَان: حدَّثنا مَّيْمون بن مِهْران، أنَّ عامر بن عبدٍ قیس، بعث إليه أمير البصرة: مالك لا تَزَوَّجُ النِّساء؟ قال: ما تركتُهنَّ وإني لَدَائبٌ في الخِطْبة. قال: ومالك لا تأكلُ الجُبن (٤)؟ قال: إنَّا بأرضٍ فيها مجوس، فما شهد مُسلمان أنْ ليس فيه مَّيْنَةٌ أكلْتُه(٥). قال: وما يَمْنَعُكَ أنْ تأتي الأمراء؟ قال: إنَّ لدى أبوابكم طُلَّبَ الحاجات، فادعوهم واقضوا حاجاتهم، ودَعُوا مَنْ لا حاجة له إليكم(٦). قال مالك بن دينار: حدَّثني فلان، أنَّ عامراً مرَّ في الرَّحْبة، وإِذا رجل يُظْلَمُ، فألقىْ رِدَاءه وقال: لا أرى ذِمََّ اللهِ تُخفَرُ وأنا حيّ، فاستنقذه(٧). ويُروى أنَّ سببَ إبعادِه إلى الشام، كَوْنُه أنكر وخَلَّصَ هذا الذِمِيِّ. (١) تاريخ ابن عساكر ص ٣٤٠ وتاريخ الإسلام ٢٧/٣ . (٢) تاريخ الإسلام ٢٧/٣. (٣) ابن عساكر ص ٣٥٦. (٤) في الأصل: الخبز، وهو تصحيف، والتصويب من تاريخ الإسلام ٢٧/٣ وتاريخ ابن عساكر، وفي كتاب الزهد لأحمد: السمن وكلاهما صحيح. (٥) في الأصل ((فأكلته)) والصواب ما أثبتناه من تاريخ الإِسلام وابن عساكر. (٦) تاريخ ابن عساكر ص ٣٣٤ وتاريخ الإسلام ٢٧/٣ . (٧) تاريخ الإسلام ٢٧/٣ و٢٨ والحلية ٩١/٢. ١٨ قال جعفر بن سُليمان: حدَّثنا الجُرَيْرِيُّ قال: لمَّا سُيِّر عامر بنُ عبد الله الذي يُقال له: ابن عبدٍ قيس، شيَّعَهُ إخوانُه، وكان بظَهْرِ المِرْبَد، فقال: إني داعٍ فأمِّنُوا: اللهمَّ من وشى بي، وكذب عليَّ وأخرجَني من مِصْري، وفَرَّقَ بيني وبين إخواني، فأكْثِرْ مَالَه، وأصحَّ جِسْمَه وأطِلْ عُمُرَهُ(١). قال الحسنُ البصريّ: بُعِثْ بعامر بن عبد قيس إلى الشام، فقال: الحمدُ لله الذي حَشَرني راكباً. قال قتادة: لمَّا احتُضِر عامرٌ بكى، فقيل: ما يُبكيك؟ قال: ما أبكي جَزَعاً من المَوْت، ولا خِرْصاً على الدُّنْيا، ولكنْ أبكي على ظَمأ الهواجر، وقيام اللَّيْل(٢). وروى عثمان بن عطاء الخُرَاسانيّ، عن أبيه، أنَّ قبر عامر بن عبدٍ قیس ببيت المقدس. وقيل: توفي في زمن معاوية. ٥- أُوَيْسُ القَرَنِيّ* هو القدوةُ الزاهدُ، سيِّدُ التابعين في زَمَانه. أبو عَمْرو، أُوَيْسُ بنُ عامر ابن جَزْء بن مالك القَرَنِيُّ المُراديُّ اليمانيّ. (١) الحلية ٩١/٢ وتاريخ ابن عساكر ص ٣٣٩ وتاريخ الإسلام ٢٨٣. (٢) في ابن عساكر ص ٣٦٨ و ٣٦٩ بلفظ مخالف وطرق مختلفة وانظر تاريخ الإسلام ٢٨/٣. * طبقات ابن سعد ١٦١/٦، طبقات خليفة ت ١٠٤٤، تاريخ البخاري ٥٥/٢، الجرح والتعديل القسم الأول من المجلد الأول ٣٢٦، الحلية ٧٩/٢، أسد الغابة ١٥١/١، تاريخ ابن عساكر ٩٧/٣ آ، وأخباره مستوعبة فيه، الإصابة ت ٥٠٠، تهذيب التهذيب ٣٨٦/١، لسان الميزان ٤٧١/١، شرح المقامات الحريرية ٢١٧/٢، تاريخ الإسلام ١٧٣/٢، مسالك الأبصار ١٢٢/١، خلاصة تذهيب الكمال ٤١، تاج العروس مادة (أوس)، تهذيب ابن عساكر ١٥٧/٣. ١٩ وَقَوْنُ بَطْنٌ مِن مُرَاد ، وَقَدَ على عُمَر وروى قليلاً عنه، وعن عليّ . روى عنه يُسَيْر بن عمرو، وعبدُ الرحمن بن أبي ليلى، وأبو عَبْد ربّ الدِّمشقيُّ وغيرُهُم، حكاياتٍ يسيرة، ما روى شيئاً مُسنداً ولا تهيّأْ أنْ يُحْكَم عليه بِلِين، وقد كان من أولياء الله المُتَّقين ومن عِبَاده المُخْلَصين. عقَّان (م): حدَّثنا حمَّاد بن سلمة عن الجُرَيْري، عن أبي نضرة عن أُسَيْر بن جابر، قال: لما أقبل أهل اليمن، جعل عُمَرُ رضي الله عنه يستقرىُ الرِّفاقَ فيقول: هل فيكم أحدٌ من قَرَن، فوقع زِمامُ عُمَر أوْزِمامُ أُوَيْس فناوَلَه- أو ناول أحدُهما الآخر- فعرفه، فقال عُمَر: ما اسمُك؟ قال: أنا أُوَيْس. قال: هل لك والدة؟. قال: نَعَمْ. قال: فهل كان بك مِن البياض شيءٌ؟ قال: نعم، فدعوتُ الله فأذهَبَهُ عنِّي إلَّ موضعَ الدِّرهِم مِنْ سُرَّتِي لُأَذْكُرَ بِه رَبِّي. قال له عمر: استغفرْ لي. قال: أَنْتَ أحقُّ أنْ تَسْتَغْفِرَ لي، أنت صاحبُ رسول الله وَلِ﴾. فقال عمر: إِنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ وَه يقول: ((إنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدةٌ وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَدَعَا الله، فأذهبَهُ عنْه إلاَّ مَوْضِعَ الدِّرْهَمِ في سُرَّتِهِ) فاسْتَغْفَرَ لَهُ، ثم دَخَلَ في غِمارِ الناس فَلَمْ نَدْر أَيْنَ وَقَعَ قال: فَقَدِمِ الكُوفَة. قال: فَكُنَّا نجتمع في حَلْقَة، فنذكُر الله، فيجلس مَعَنَا. فكان إذا ذَكَر هو، وَقَعُ في قلوبنا، لا يقعُ حديثٌ غَيْرُه. فذكر الحديث. هكذا اختصره(١). (م): حدَّثنا ابن مثنَّى، حدَّثنا معاذ بن هشام، حدَّثنا أبي، عن قتادة، عن زرارةَ بن أَوْفَى عن أُسَيْر بن جابر، قال: كان عمر بن الخطاب، إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أُوَيْس بن عامر؟ حتى أتى على (١) رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة برقم (٢٥٤٢) مع خلاف في اللفظ والسياق، وأورده المؤلف في تاريخ الإسلام ٢٣٠/١، ٢٣١ و١٧٣/٢، بروايات مختلفة ولفظ مخالف، وأقرب الروايات للنص عند الإمام أحمد في مسنده ٣٨/١ ٢٠