Indexed OCR Text

Pages 141-160

عمرو بن شَمِر : عن جابر الجُعفي ، عن الشعبيِّ ، أو أبي جعفر ،
قال : لما ظهر أمرُ معاوية ، دعا عليٍّ رجلاً، وأَمَرِه أنْ يَسِيرَ إلى دمشق،
فيعقل راحلته على باب المسجد ، ويدخُل بهيئة السفر، ففعَل . وكان
وصَّاه . فسأله أهلُ الشام ، فقال : مِن العِراق . قالوا : وما وراءَك ؟ قال :
تركتُ علّاً قد حشد إليكم ، ونَهَدَ في أهل العراق . فبلغَ معاويةَ ، فبعثَ أبا
الأعور يحققُ أمره(١) فأتاه ، فأخبره ، فنودي : الصلاة جامعة. وامتلأ
المسجدُ ، فصعد معاويةُ وتشهَّد ، ثم قال : إنَّ عليّاً قد نَهَدَ إليكم ، فما
الرأيُ ؟ فضربَ الناسُ بأذقانهم على صدورهم ، ولم يرفعْ أحدٌ إليه طرفه ،
فقالم ذو الكّلاع الحِميري فقال : عليكَ الرأي ، وعلينا أمْ فِعال ، يعني
الفعال ، فنزلَ معاويةُ ونودي : مَنْ تخلّف عن معسكره بعد ثلاث أحَلَّ
بنفسه ، فَرُدَّ رسول عليٍّ، حتى وافاه ، فأخبره ، فأمر ، فنودي : الصلاة
جامعة. واجتمع الناس ، فصعد المنبر ، وقال : إنَّ رسولي قد قدم ،
وأخبرني أنَّ مُعاويةً قد نَهَدَ إليكم ، فما الرأي؟ فأضَبَّ أهلُ المسجد
يقولون : الرأيُ كذا ، الرأيُ كذا ، فلم يفهم عليٍّ من كثرة من تكلم ، فنزلَ
وهو يقولُ: إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهب بها ابنُ أكَّالة الأكباد(٢) .
الأعمش : عمن رأى عليّاً يوم صفِّين يُصَفِّقُ بيديه ، وبعضُّ عليها ،
ويقول : يا عجباً! أُعصى ويُطاع معاوية(٣).
(١) تحرف في المطبوع إلى ((يحيق بأميره)).
(٢) أخرجه ابن عساكر ١٦ / ٣٧٥، وسنده تالف ، عمرو بن شمر متروك الحديث ،
وبعضهم اتهمه، وجابر الجعفي ضعيف. وهو في ((البداية)) ٨ / ١٢٩، ونهد إليه : نهض ،
وقوله: ((فأضب أهل المسجد )) أي: صاحوا وجلَّبوا، وتكلموا متتابعاً. وابن أكَّالة الأكباد :
معاوية لأنَّ أُمَّهُ هند بقرت عن كبد حمزة رضي الله عنه حين استشهد في غزوة أحد ، فلاكتها ، فلم
تستطع أن تسيغها .
(٣) ابن عساكر ١٦ / ٣٥٧ / ب .
١٤١

؟
أبو حاتم السِّجستاني : عن أبي عُبيدة ، قال : قال مُعاويةُ : لقد
وضعتُ رجلي في الرِّكاب ، وهمَمْتُ يوم صِفِّين بالهزيمة ، فما منعني إلا
قولُ ابنِ الإِطنابة :
أَبَتْ لِي عِقَّتِي وأبى بلائي وأخذي الحَمْدَ بالثَّمَنِ الرَّبيح
وضربي هامَة البطل المُشِيح
وإكراهي على المكروه نفسي
وقولي كلما جَشَأتْ وجَاشتْ مكانَك تُحْمَدي أو تَسْتريحي(١)
قال الأوزاعي : سأل رجلٌ الحسن البصريّ عن عليٍّ وعثمانَ ، فقال :
كانَتْ لهذا سابقة ولهذا سابقة ، ولهذا قرابة ولهذا قرابة ، وابتُلي هذا،
وعُوفي هذا . فسأله عن عليٍّ ومعاوية ، فقال : كان لهذا قرابة ولهذا قرابة ،
ولهذا سابقة وليسَ لهذا سابقة ، وابتُليا جميعاً .
قلت : قُتل بين الفريقين نحو من ستين ألفاً . وقيل : سبعون ألفاً .
وقُتِل عمارٌ مع عليٍّ، وتبيَّن للناس قولُ رسول اللهِ وَله: ((تقتله الفئة
الباغية)) (٢).
(١) الخبر مع الأبيات عند ابن عساكر ١٦ / ٣٥٧ / ب، والأبيات في ((الوحشيات)) ٧٧ ، و
((الاختيارين)): ١٥٩، ١٦٠، و((عيون الأخبار)) ١ / ١٢٦، و((العقد الفريد)) ١ / ١٠٤،
١٠٥، وانظر ((سمط اللآلي)) ٥٧٤. وابن الإطنابة: هو عمرو بن عامر بن زيد مناة الخزرجي ،
شاعر فارس من فرسان الجاهلية ، والإطنابة : أمه : بنت شهاب من بني القين ، ومعنى الإطنابة :
سير الحزام يكون عوناً لسير آخر إذا قلق ، وسير يشد في وتر القوس العربية. مترجم في ((معجم
الشعراء)» : ٢٠٣، ٢٠٤ للمرزباني .
(٢) وهو حديث صحيح مشهور بل متواتر، ولما لم يقدر معاويةٌ على إنكاره ، قال: إنما قتله
الذين جاؤوا به، كما في («المسند » ١٦١/٢ بسند صحيح ، فأجابه علي رضي الله عنه بأن رسول الله
* إذن قتل حمزة حين أخرجه ، وهذا منه رضي الله عنه إلزام مُفحم لا جواب عنه، وحجةٌ لا
اعتراض عليها .
وما ذهب إليه المؤلف من كون طائفة معاوية هي الباغية هو مذهب فقهاء الحجاز والعراق من
فريقي الحديث والرأي ، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي ، وغيرهم كما قال الإِمام عبد
القاهر الجرجاني في كتاب ((الإمامة)). نقله عنه المناوي في ((فيض القدير)) ٦٦٣/٦.
١٤٢

الفسوي : حدّثنا حجَّاج بن أبي منيع ، حدّثنا جدي ، عن الزُّهري ،
عن أنس قال : تعاهد ثلاثةٌ من أهل العراق على قتل مُعَاوية ، وعمرو بنِ
العاص ، وحبيب بن مسلمة . وأقبلوا بعد بيعة مُعاوية بالخلافة حتى قدموا
إيلياء، فصلَّوا من السحر في المسجد ، فلما خرج معاوية لصلاة الفجر ،
كُبَّر ، فلما سجد انبطحَ أحدُهم على ظهر الحرسي الساجد بينه وبين معاوية
حتى طعن معاوية في مأكمته . فانصرف معاويةُ ، وقال : أتُمُّوا صلاتكم ،
وأمسك الرجلُ ، فقال الطبيبُ : إن لم يكن الخنجرُ مسموماً ، فلا بأس
عليك . فأعدَّ الطبيبُ عقاقيره، ثم لحسَ الخِنجَرَ، فلم يجده مسموماً ،
فكَبَّر، وكَبَّر من عنده وقيل : ليس بأمير المؤمنين بأس(١).
قلت : هذه المرة غيرُ المرة التي جُرح فيها وَقْتَما قُتِلَ عليٍّ رضي الله
عنه . فإِن تلك فلق أليته (٢) وسُقي أدوية خلَّصته مِن السم ، لكن قُطع نسْلُه .
أيوب بن جابر : عن أبي إسحاق ، عن الأسود؛ قلتُ لعائشة: ألا
تعجبين لرجل مِن الطّلقَاء ◌ُنازِعُ أصحابَ محمد في الخلافة ؟ قالت : وما.
يُعجب ؟ هو سلطانُ الله يؤتيه البرَّ والفاجر . وقد ملك فرعونُ مصرَ أربع مئة
سنة(٣) .
زيد بن أبي الزرقاء : عن جعفر بن بُرقان (٤) ، عن يزيد(٥) بن الأصم
(١) رجاله ثقات ، وجد حجاج: اسمه عبيد الله بن أبي زياد الرصافي .
وإيلياء: اسم مدينة بيت المقدس، وقوله: ((طعن في مأكمته)) المأكمة : العجيزة . وقد أورد
الفسوي في ((تاريخه)) ٤١٣/١ خبراً بمعناه من طريق الوليد بن مسلم ، حدثنا عن عبد الرحمن بن
نمر ، عن الزهري ، أخبرني خالد بن عبد الله بن رباح السلمي أنه صلى مع معاوية يوم طُعن
بإيلياء ...
(٢) فلق، تصحفت في المطبوع إلى ((قلق))، و((الآلية)) بفتح الهمزة : العجيزة ، وقد
كسرت همزتها في المطبوع وهو خطأ .
(٣) ذكره ابن كثير ١٣١/٨ نقلًا عن ابن عساكر بإسناده عن أبي داود الطيالسي بهذا الإسناد .
(٤) بُرقان، بضم الباء وقد تحرف في المطبوع إلى ((زبرقان)) بزيادة زاي في أوله .
(٥) تحرف في المطبوع إلى ((مؤمل)).
١٤٣

١
قال : قال عليٍّ : قتلايَ وقتلى مُعاوية في الجنة .
صَدَقَة بن خالد : عن زيد بن واقد ، عن أبيه ، عن أشياخهم : أن
مُعَاوِيةً لما بويع ، وبلغه قتالُ عليٍّ أهل النَّهروان(١) ، کاتب وجوه من معه مثل
الأشعث ، ومنَّاهم وبذل لهم حتى مالوا إلى معاوية ، وتثاقلوا عن المسير مع
عليّ ، فكان يقولُ فلا يُلتَفَتُ إلى قوله . وكان معاويةُ يقول : لقد حاربتُ عليّاً
بعد صِفِّين بغير جيش ولا عتاد .
شعبة : أنبأنا محمد بن عُبيد الله الثقفي ، سمع أبا صالح يقولُ :
شهدتُ علّاً وَضَعَ المصحفَ على رأسه ، حتى سمعتُ تقعقُعَ الورق فقال :
اللهم إني سألتُهم ما فيه ، فمنعوني ، اللهم إني قد مَلِلْتُهم ومُّوني ،
وأبغضتُهم وأبغضوني، وحملوني على غير أخلاقي ، فأبدلهم بي شرّاً مني ،
وأبدلني بهم خيراً منهم، ومِثْ(٣) قلوبهم مِيثَةَ الملح في الماء .
مجالد : عن الشعبي ، عن الحارث ، عن عليٍّ ، قال : لا تكرهوا
إِمْرَةَ مُعاوية ، فلو قد فقدتُموه لرأيتم الرؤوس تندر(٤) عن كواهلها .
لِمَّا قُتِل أميرُ المؤمنين عليَّ؛ بايعَ أهلُ العراق ابنَه الحسن ، وتجهّزوا
لقصد الشام في كتائب أمثال الجبال ، وكان الحسنُ سيِّداً كبيرَ القدر يرى
(١) وهم الخوارج ، والنهروان : كورة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي ، كانت بها وقعة
بين أمير المؤمنين علي رضي الله عنه والخوارج سنة ٣٨ هـ قتل فيها رأس الخوارج عبد الله بن وهب
الراسبي وأكثر أتباعه. ((تاريخ خليفة)): ١٩٧، و((العبر)) ٤٤/١ وقد تحرف فيه الراسبي إلى
السبائي ، فلم يهتد إليه محقق المطبوع، فظنه عبد الله بن سبأ ، فترجم له .
(٢) تحرف في المطبوع إلى ((عبد)» وأبو صالح: هو الحنفي، واسمه عبد الرحمن بن قيس
الكوفي ثقة من رجال مسلم .
(٣) يقال: مِثْتُ الملح في الماء: إذا أذبتُه.
(٤) ندر: أي: سقط ووقع، والخبر في: ((أنساب الأشراف)) ٢/٤، و((البداية))
١٣١/٨، و((تاريخ الإسلام)) ٣٢٠/٢.
١٤٤

حِقْنَ الدِّماء ، ويكرهُ الفتن ، ورأى من العراقيين ما يكره .
قال جريرُ بنُ حازم : بايع أهلُ الكوفة الحسنَ بعد أبيه وأحبُّوه أكثر من
أبيه .
وقال ابنُ شَوْذَب : سار الحسنُ يطلب الشام ، وأقبل معاويةُ في أهل
الشام ، فالتقوا، فَكْرِهِ الحسنُ القتال ، وبايع مُعَاويةً على أن جَعَلَ له العهدَ
بالخلافة من بعده ، فكان أصحابُ الحسن يقولون له : يا عارَ المؤمنين ،
فيقول : العارُ خيرٌ من النار(١).
وعن عَوَانة بنِ الحَكَم ، قال : سار الحسنُ حتى نزل المدائن ، وبعثَ
على المقدمة قيسَ بنَ سعد في اثني عشر ألفاً ، فبينا الحسنُ بالمدائن إذْ صاح
صائح، ألا إنَّ قيساً قد قُتل. فاختبط النَّاسُ، وانتهبَ الغَوغَاءُ سُرَادِقَ
الحسن، حتى نازعوه بساطاً تحته ، وطَعَنه خارجيٍّ من بني أسد بخنجر ،
فقتلوا الخارجي ، فنزل الحسنُ القَصْرَ الأبيض ، وكاتبَ معاويةَ في الصلح .
وروى نحواً من هذا الشعبي وأبو إسحاق(٢) . وتوجع من تلك الضربة
أشهراً، وعُوفي .
قال هلالُ بنُ خبَّب: قال الحسنُ بنُ علي : يا أهل الكوفة ! لولم
تذهل نفسي عليكم إلّ لثلاث لذهلت ؛ لِقتلكم أبي، وطعنكم في فخذي ،
وانتهابكم ثَقَلي (٣) .
قال النبيُّ ێ في الحسن: (( إِنَّ ابني هذا سيِّدٌ وسيُصلِحُ الله به بین فئتين
(١) ذكره الحافظ في ((الفتح)) ٥٦/١٣، ونسبه لابن أبي خيثمة.
(٢) أبو إسحاق هو السبيعي، واسمه عمرو بن عبد الله الهمداني ، وقد تحرف في المطبوع إلى
((ابن إسحاق)).
(٣) الثّقَل: متاع المسافر وحشمه .
١٤٥
سير ١٠/٣

عظيمتين من المسلمين)) (١) ثم إنَّ معاوية أجاب إلى الصلح ، وسُرَّ بذلك ،
ودخل هو والحسن الكوفة راكبين ، وتسلّم معاويةُ الخلافة في آخر ربيع الآخر ،
وسُمِّي عامَ الجماعة لاجتماعهم على إمام ، وهو عام أحد وأربعين .
وقال ابنُ إسحاق : بُويع مُعاويةُ بالخلافة في ربيع الأول سنةً إحدى
وأربعين لما دَخَلَ الكوفة .
وقال أبو معشر : بايعه الحسنُ بأذْرُح في جُمادى الأولى، وهو عامُ
الجماعة .
قال المدائنيُّ : أقبل معاويةُ إلى العراق في ستين ألفاً ، واستخلف
على الشام الضَّحَّاكَ بن قيس ، فلما بلغَ الحسنَ أَنَّ مُعاويةً عبر جسر مَنْبج ،
عقد لقيس بن سعد على اثني عشر ألفاً فسار إلى مَسْكِن(٢)، وأقبل معاويةُ إلى
الأَخْنُوبِيَّة(٣) في عشرة أيام معه القُصَّاص يعظون، ويَحُضُّون أهلَ الشام .
فنزلوا بإزاء عسكر قيس ، وقدم بُسْرُ بنُ أبي أرطاة إليهم ، فكان بينهم مناوشة ،
ثم تحاجزوا(٤) .
قال الزُّهري : عمل معاويةُ عامين ما يَخْرِمُ عَمَل (٥) عمر ثم إنه بَعُد .
الأعمش : عن عمرو بن مُرَّة ، عن سعيد بن سويد ، قال : صلَّى بنا
مُعاويةُ في النُّخيلة الجمعةَ في الضحى ، ثم خطب وقال : ما قاتلنا لتصوموا ،
(١) أخرجه البخاري ٢٢٤/٥، ٢٢٥ في الصلح، و٥٢/١٣، ٥٧، وسيذكره المؤلف
بتمامه ص ٢٧٠، ٢٧١ .
(٢) مسکن : قال ياقوت : موضع قریب من أوانا عند نهر دجیل عند دیر الجاثلیق ، به كانت
الموقعة بين عبد الملك بن مروان ، ومصعب بن الزبير سنة ٧٢ هـ . فقتل مصعب ، وقبره هناك .
(٣) بضم الهمزة ، وسكون الخاء ، وضم النون وواو ساكنة ونون أخرى مكسورة ویاء
مشددة : موضع من أعمال بغداد .
(٤) أخرجه ابن عساكر ٣٦٠/١٦/ب.
(٥) تحرف في المطبوع إلى ((على)).
١٤٦

ولا لتُصَلُّوا، ولا لتحُجُّوا ، أو تزكوا ، قد عرفتُ أنكم تفعلون ذلك ، ولكن
إنما قاتلناكم لَأَتَأَمَّر عليكم، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون(١).
السَّرِيُّ بنُ إسماعيل، عن الشعبي ؛ حدّثني سفيانُ بنُ الليل ، قلتُ
للحسن لما رجع إلى المدينة من الكوفة : يا مُذِلَّ المؤمنين : قال : لا تقلْ
ذلك ؛ فإني سمعتُ أبي يقول : لا تذهبُ الأيام والليالي حتى يملك مُعاوية ،
فعلمتُ أنَّ أمرَ الله واقع، فكرهتُ القتال(٢) .
السَرِيُّ تالفٌ(٣).
شُعيب : عن الزُّهري، عن القاسم بن محمد ؛ أن مُعاوية لما قدم
المدينة حاجّاً ، دخلَ على عائشة ، فلم يَشْهَدْ كلامهما إلا ذكوانُ مولاها ،
فقالتْ له : أَمِنْتَ أَنْ أَخبأ لك رجلاً يقتُلُك بأخي محمد . قال : صدقتٍ . ثم
وعظَتْه، وحضَّته على الاتباع، فلما خرج ، اتكأ على ذكوان ، وقال: والله
ما سمعتُ خطيباً - ليس رسولَ اللهِ وَ لَهَ - أبلغَ من عائشة (٤).
(١) أورده ابن كثير في ((البداية)) ١٣١/٨ من طريق ابن أبي شيبة ، وسعيد بن منصور ،
قالا : حدثنا أبو معاوية بهذا الإسناد، وسعيد بن سويد مجهول ، وقال البخاري في (( تاريخه))
٤٧٧/٣: لا يتابع في حديثه، فالسند ضعيف، والخبر في ((ابن عساكر)) ٣٦٠/٦/ب.
(٢) ابن عساكر ٣٦٠/١٦/ب، ٣٦١/آ.
(٣) قال يحيى القطان: استبان لي كذبه في مجلس واحد ، وقال النسائي: متروك ، وقال
غيره : ليس بشيء ، وقال أحمد : ترك الناس حديثه .
(٤) ابن عساكر ٣٦١/١٦، وأخرج أحمد في ((مسنده )) ٩٢/٤ من طريق حماد بن سلمة ،
عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب أن معاوية دخل على عائشة ، فقالت له : أما خفت أن أقعد
لك رجلاً، فيقتلك؟ فقال: ما كنت لتفعليه وأنا في بيت أمان، وقد سمعتُ النبي وَ* يقول:
((الإِيمان قيد الفتك)) وللمرفوع منه شاهد من حديث الزبير عند أحمد: ١٦٦/١، ١٦٧، وعبد
الرزاق (٩٦٧٦)، وآخر من حديث أبي هريرة عند أبي داود (٢٧٦٩) فالحديث صحيح . قال أبو
عُبيد : الفتك : أن يأتي الرجلُ الرجل وهو غارِّ غافل حتى يَشُدَّ عليه فيقتله، وقوله: (( الإِيمان قید
الفتك)) أي أن الإِيمان يمنع القتل كما يمنع القيدُ عن التصرف، فكأنه جعل الفتك مقيّداً .
١٤٧

محمد بن سعد : حدّثنا خالد بن مَخْلَد ، حدّثنا سُلَيمان بنُ بلال ،
حدّثني علقمةُ بنُ أبي علقمة، عن أُمِّه قالت : قدم معاويةُ ، فأرسل إلى
عائشة أن أرسلي إليَّ بِأَنْبِجانِيَّة رسول اللهِ وَّهَ وشعره، فأرسلتْ به معي
أحمِلُه ، حتى دخلتُ عليه ، فأخذ الأَنْبِجانِيَّةِ ، فلبسها ، ودعا بماءٍ فغسل
الشعر، فَشَرِبَه، وأفاضَ على جلده(١) .
أبو بكر الهُذَلي : عن الشعبي ، قال : لما قدم معاويةُ المدينة عامَ
الجماعة ، تلقّته قريش ، فقالوا : الحمدُ لله الذي [أعزَّ] نصرك وأعلى
أمرك ، فسكتَ حتى دخل المدينةَ ، وعلا المنبر، فحمدَ الله ، وقال: أمَّا
بعدُ ، فإِنِي والله وليتُ أمركم حين وَلِيتُه وأنا أعلمُ أنكم لا تُسرُّون بولايتي ولا
تُحِبُّونَها ، وإِني لعالمٌ بما في نفوسكم، ولكن خالستُكم بسيفي هذا
مخالسةً ، ولقد أردتُ نفسي على عمل أبي بكر وعمر ، فلم أجدها تقومُ
بذلك، ووجدتُها عن عمل عمر أشدَّ نُفوراً، وحاولتُها على مثل سُنَّات
عثمان ، فأبتْ عليَّ، وأين مثلُ هؤلاء ؛ هيهاتَ أن يُدركَ فضلُهم ، غير أني
سلكتُ طريقاً لي فيه منفعة ، ولكم فيه مثل ذلك ، ولكلُّ فيه مواكلة حسنة
ومشاربة جميلة ما استقامت السيرة ، فإن(٢) لم تجدوني خيركم، فأنا خيرٌ لكم ،
والله لا أحملُ السيفَ على مَنْ لا سيفَ معه ، ومهما تقدَّم مما قد علمتُموه ، فقد
جعلتُه دُبُر أذني ، وإن لم تجدوني أقومُ بحقكم كله ، فارضوا ببعضه ، فإنها
ليست بقائبةٍ قُوبُها، وإنَّ السَّيْل إنْ جاء تترى - وإن قلَّ ـ أغنى، إياكم والفتنة،
(١) أورده ابن عساكر ٣٦١/١٦، ب من طريق ابن سعد .
والأنبجانية : كساء منبجي يُتخذ من الصوف وله خمل ولا علم له ، وهو من أدون الثياب
الغليظة ، وكان أبو جهم قد أهدى للنبي ◌ّله خميصة ذات أعلام ، فلما شغلته في الصلاة ، قال :
((ردُّوها عليه وائتوني بأنبجانَّته)) والخبر عند البخاري ١ /٤٠٦، ٤٠٧، ومسلم (٥٥٦)،
ومالك : ٩٧/١، ٩٨، من حديث عائشة .
(٢) في الأصل («فإني)).
١٤٨

فلا تهمُّوا بها فإنها تُفسد المعيشة ، وتُكدِّر النعمة، وتُورث الاستئصال،
وأستغفر الله لي ولكم . ثم نزل(١).
((القائبة)): البيضة، ((والقُوب)): الفرخ، يقال: قابت البيضةُ:
إذا انفلقت عن الفرخ .
محمد بن بشر العبدي : حدّثنا مُجالِد ، عن أبي الوَدَّاك ، عن أبي
سعيد مرفوعاً: ((إذا رأيتُم فلاناً يخطُبُ على منبري، فاقتلوه))(٢).
رواه جندل بن والق(٣)، عن محمد بن بشر، فقال بدل ((فلاناً)):
معاوية . وتابعه الوليد بنُ القاسم ، عن مجالد .
وقال حمَّاد وجماعة : عن علي بن زيد ، عن أبي نَضْرة ، عن أبي
سعيد مرفوعاً: ((إذا رأيتُم معاويةَ على منبري، فاقتلوه)) (٤).
الحَكَم بن ظُهَير -واه(٥) -عن عاصم ، عن زر عن عبد الله (٦) مرفوعاً
نحوه .
وجاء عن الحسن مرسلاً(٧).
وروي بإسناد مظلم ، عن جابر مرفوعاً: ((إذا رأيتُم معاوية يخطُبُ
(١) أخرجه ابن عساكر ٣١٦/١٦/ب وهو في ((البداية)) ٨ ١٣٢.
(٢) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) ومجالد ضعيف.
(٣) ترجمه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٥٣٥/٢، ونقل عن أبيه أنه صدوق . وقد
تحرف عند ابن عساكر إلى (( واثق)) .
(٤) أخرجه ابن عدي وابن عساكر ، وعلي بن زيد ضعيف .
(٥) قال ابن معين : ليس بثقة ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال مرة : تركوه .
(٦) في المطبوع: عن زر بن عبد الله وهو خطأ. قال ابنُ كثير في (( البداية)) ١٣٣/٨ بعد أن
ذكره عن ابن مسعود وأبي سعيد : وهذا الحديث كذب بلا شك ، ولو كان صحيحاً ، لبادر الصحابة
إلى فعل ذلك ، لأنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم .
(٧) قال ابن كثير : وأرسله عمرو بن عبيد عن الحسن البصري . قال أيوب : وهو كذب .
١٤٩

على منبري ، فاقبلوه، فإِنَّه أمينٌ مأمون))(١).
هذا كذب . ويقال : هو معاوية بن تابوه المنافق.
قال سعيدُ بنُ عبد العزيز : لما قُتِلَ عثمانُ ، ووقع الاختلاف ، لم يكن
للنّاس غزوٌ حتى اجتمعوا على معاوية ، فأغزاهم مراتٍ . ثم أغزى ابنه في
جماعةٍ من الصحابة برّاً وبحراً حتى أجاز بهم الخليج ، وقاتلوا أهل القسطنطينية
على بابها ، ثم قفل (٢).
الليث عن (٣) بكيرٍ ، عن بسر بن سعيد ، أنَّ سعد بن أبي وقاص
قال : ما رأيتُ أحداً بعد عثمان أقضى بحقٍّ من صاحب هذا الباب ، يعني
معاوية(٤).
أبو بكر بن أبي مريم : عن ثابت مولى سفيان : سمعتُ معاويةً ، وهو
يقول : إني لستُ بخيركم ، وإِنَّ فيكم من هو خير مني : ابن عمر ، وعبد الله
ابن عمرو وغيرهما. ولكني عسيتُ أن أكونَ أنكاكم في عدوّكم، وأنعمکم لكم
ولايةً ، وأحسنكم خُلقاً(٥) .
عقيل، ومَعْمَر، عن الزُّهري، حدّثني عُروةُ أَنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمة
(١) أخرجه الخطيب في ((تاريخه)) ١ /٢٥٩ من طريق محمد بن إسحاق الفقيه ، عن أبي النضر
الغازي ، عن الحسن بن كثير، عن بكر بن أيمن القيسي ، عن عامر بن يحيى الصريمي ، عن أبي
الزبير ، عن جابر ، وقال : لم أكتب هذا الحديث إلا من هذا الوجه ، ورجال إسناده ما بين محمد بن
إسحاق وأبي الزبير كلهم مجهولون .
(٢) أخرجه أبو زرعة في ((تاريخ دمشق)) ١٨٨/١ و٣٤٦، من طريق عبد الرحمن بن
إبراهيم ، عن الوليد بن مسلم ، عن سعيد بن عبد العزيز ، وهو عند ابن عساكر ٣٦٢/١٦/ب .
(٣) تحرفت في المطبوع إلى ((بن)) وكانت الجملة في المطبوع: ((ثم نقل الليث بن بكير))
فحرف ((قفل)) إلى ((نقل)) وجعلها من جملة الخبر الجديد .
(٤) ابن عساكر ٣٦٣/١٦/آ. وقد تحرف في المطبوع ((سعيد)) إلى ((سعد)).
(٥) ابن عساكر ٣٦٣/١٦/ب .
١٥٠

أخبره أنه وَفد على مُعاوية ، فقضى (١) حاجته ، ثم خلا به ، فقال : يا مِسْوَر !
ما فعل طعنُك على الأئمة ؟ قال : دعنا من هذا وأحسِن . قال : لا والله،
لتكلِّمنِّ بذات نفسك بالذي تعيبُ عَلَيّ. قال مِسْوَر: فلم أتركْ شيئاً أعيبُه
عليه إلا بيِّنْتُ له . فقال: لا أبرأ من الذنب . فهل تَعُدُّ لنا يا مِسْوَرُ مانَلي من
الإصلاح في أمر العامَّةِ ، فإن الحسنة بعشر أمثالها ، أم تَعُدُّ الذنوبَ، وتتركُ
الإِحسان ؟ قال : ما تذكر إلا الذنوب . قال مُعاويةُ : فإنا نعترفُ لله بكل ذنبٍ
أذنبناه ، فهل لك يا مسورُ ذنوبٌ في خاصتك تخشى أن تُهلكك إن لم تُغفر ؟
قال : نعم . قال : فما يجعلك الله برجاء المغفرة أُحقَّ مني ، فوالله ما ألي من
الإصلاح أكثر مما تلي ، ولكن والله لا أُخَيَّر بين أمرين بين الله وبين غيره ، إلاّ
اخترتُ الله على ما سواه ، وإني لعلى دينٍ يُقبل فيه العملُ ويُجزى فيه
بالحسنات ، ويُجزَىْ فيه بالذنوب إلا أنْ يعفو الله عنها . قال : فخصمني . قال
عُروةُ : فلم أسمع المِسْوَر ذكر مُعاويةَ إلا صلَّى عليه (٢) .
عمرو بن واقد : حدّثنا يونس بن ميسرة : سمعتُ معاويةً يقولُ على
منبر دمشق : تصدَّقوا ولا يَقُلْ أحدُكم : إني مُقِلٌّ، فإِنَّ صدقة المقلِّ أفضلُ
من صدقة الغنيِّ (٣) .
الشافعي : أنبأنا عبد المجيد ، عن ابن جُرَيج ، أخبرني عتبة بن
محمد ، أخبرني كُرَيب مولى ابن عباس: أنه رأى معاوية صلَّى العشاءَ ، ثم
أوتر بركعة واحدةٍ لم يزد ، فأخبر ابنَ عباس ، فقال : أصابَ. أي بنيّ ! ليس
(١) تحرف في المطبوع إلى ((يقضي)).
(٢) رجاله ثقات، وهو في ((المصنف)) (٢٠٧١٧) بنحوه من طريق معمر ، عن الزهري ،
عن حميد بن عبد الرحمن، عن المسور ... وانظر ((أنساب الأشراف)) ٤٧/٤، و« تاريخ
الإسلام)) ٨٠/٣، و((تاريخ بغداد)) ٢٠٨/١، و((البداية)) ١٣٣/٨.
(٣) ابن عساكر ٣٦٣/٦/ب.
١٥١

أحدٌ منا أعلمَ من مُعَاوية . هي واحدةٌ أو خمسٌ أو سبع أو أكثر(١) .
أبو اليمان : حدّثنا ابنُ أبي مريم ، عن عطيةَ بنِ قيس ، قال : خطبنا
معاويةُ ، فقال : إِنَّ في بيتٍ مالكم فضلاً عن عطائكم ، وأنا قاسِمُه
بینکم(٢).
هشام بن عمار : حدّثنا عمرو بن واقد ، عن يونس بن حَلْبَس ، قال :
رأيتُ معاويةً في سوق دمشق على بغلة ، خلفه وصيفٌ قد أردفه ، عليه
قميصٌ مرقُوع الجيب .
قال أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، قال : كان معاويةُ ، وما رأینا
بعده مثله .
ابن عُيَيْنة : حدّثنا ابنُ أبي خالد ، عن الشعبي ؛ سمعتُ معاوية
يقولُ : لو أُنَّ علیاً لم يفعل ما فعل ، ثم كان في غارٍ ، لذهبَ الناسُ إليه حتى
يستخرجوه منه .
العَوَّام بن حَوْشَب : عن جَبَلَة بن سُحَيم ، عن ابنِ عمر ، قال : ما
رأيتُ أحداً أسودَ من مُعاوية ، قلتُ : ولا عمر؟ قال : كان عُمر خيراً منه ،
وكان مُعاويةُ أسودَ منه(٣) .
وروي عن أبي يعقوب ، عن ابن عمر نحوه .
وروى ابن إسحاق، عن نافع : عن ابن عمر مثله ، ولفظه : ما
رأيتُ أحداً قطُّ بعد رسول الله وَِّ كان أسودَ من مُعَاوية . فقلت : كان أسود
(١) رجاله ثقات، وهو في ((مسند الشافعي)) ١٠٨/١، و((تاريخ ابن عساكر))
٣٦٤/١٦/آ .
(٢) ابن عساكر ٣٦٦/١٦/آ.
(٣) ابن عساكر ٣٦٦/١٦/آ.
١٥٢

من أبي بكر ؟ فقال: كان أبو بكر خيراً منه ، وهو كان أسود . قلتُ : كان أسود
من (١) عمر؟ ... الحديث(٢).
مَعْمَر : عن هَمَّام بن مُنّبِّه ، سمعتُ ابنَ عباسٍ يقول : ما رأيتُ رجُلاً
كان أخْلَقَ للمُلْك من معاوية ، كان الناسُ يَرِدُون منه على أرجاءِ وادٍ رحب ،
لم يكن بالضَّيِّقِ الحَصِرِ العُصْعُص(٣)، المُتَغَضِّبِ. يعني ابنَ الزُّبير(٤).
أيوب : عن أبي قلابة ؛ قال كعبُ بنُ مالك : لن يملك أحدٌ هذه الأمة
ما ملك معاوية .
مُجالد : عن الشعبي ، عن قبيصة بن جابر ؛ قال : صحبتُ معاويةَ ،
فما رأيتُ رجلاً أثقلَ حلماً ، ولا أبطأ جهلاً، ولا أبعد أناةً منه(٥) .
ويُروى عن معاوية قال : إني لأرفعُ نفسي أن يكون ذنبٌ أوزن من
حلمي(٦)
مُجالد : عن الشعبي ، قال : أغلظَ رجلٌ لمعاوية ، فقال : أنهاك عن
السلطان ، فإِنَّ غَضَبَه غضبُ الصبيّ، وأَخْذَهُ أَخْذُ الأسد(٧).
(١) سقط من المطبوع من قوله ((أبي بكر)) إلى هنا.
(٢) ابن عساكر ٣٦٦/١٦/آ.
(٣) في ((اللسان)): فلان ضيق العصعص ، أي : نكد قليل الخير، وهو من إضافة الصفة
المشبهة إلى فاعلها ، وفي حديث ابن عباس - وذكر ابن الزبير - ليس مثل الحصر العصعص ، في
رواية ، والمشهور : ليس مثل الحصر العقص ، وذكره في مادة عقص ، وقال : العقص الألوى
الصعب الأخلاق تشبيهاً بالقرن الملتوي .
(٤) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٠٩٨٥) بهذا الإسناد ، وهو في ابن عساكر
٣٦٦/١٦ أ، ب .
(٥) ابن عساكر ٢/٣٦٧/١٦ .
(٦) ابن عساكر ٣٦٧/١٦/آ.
(٧) ابن عساكر ٢/٣٦٨/١٦.
١٥٣

الأصمعي : حدّثنا ابنُ عون قال : كان الرجلُ يقول لمعاوية : والله
لتستقيمنَّ بنا يا معاوية، أو لنُقَوِّمنّك، فيقول : بماذا؟ فيقولون: بالخُشُب ،
فيقول : إذاً أستقيم(١).
عن ابن عباس ، قال : علمتُ بما كان معاويةُ يَغْلِبُ الناس ؛ كان إذا
طاروا وقع ، وإِذا وقعوا طار(٢) .
مُجالد : عن الشعبي ، عن زياد بن أبيه ، قال : ما غلبني معاوية في
شيء إلَّ باباً واحداً ؛ استعملتُ فلاناً، فكسر الخراج . فخشي أن أُعاقبه ،
ففرَّ مني إلى مُعاوية . فكتبتُ إليه : إن هذا أدبُ سوء لمن قبلي . فكتب
إليّ : إنه لا ينبغي أن نُسُوس الناسَ سياسةً واحدة؛ أنْ نلينَ جميعاً فيمرحُ
الناسُ في المعصية ، ولا نشتدّ جميعاً ، فنحمل الناسَ على المهالك ، ولكن
تكونُ للشدة والفظاظة ، وأكون أنا للِّين والألفة (٣).
أبو مسهر : عن سعيد بن عبد العزيز ، قال : قضى معاويةُ عن عائشةَ
ثمانية عشر ألف دينار .
وقال عُروةُ : بعثَ معاويةُ مرةً إلى عائشة بمئة ألف ، فوالله ما أمْسَت
حتَّى فرَّقَتْها .
حُسين بن واقد : عن ابن بُرَيدة ، دخَلَ الحسنُ بنُ عليٍّ على مُعاوية ،
فقال : لأجيزنَّك بجائزةٍ لم يُجزها أحد كان قبلي ، فأعطاه أربع مئة ألف (٤).
جرير : عَنْ مغيرة ، قال : بعثَ الحسنُ وابنُ جعفر إلى مُعاويةَ
(١) ابن عساكر ٣٦٨/١٦/ب. والخشُب جمع خَشيب: وهو السيف - الصقيل.
(٢) ((أنساب الأشراف)) ٨٥/٤، و((ابن عساكر)) ١/٣٦٩/١٦، و((العقد الفريد))
٣٦٤/٤ .
(٣) ابن عساكر ٣٦٩/١٦/ب.
(٤) ابن عساكر ٣٧٠/١٦/ب.
١٥٤

يسألانه . فأعطىٌ كُلَّ منهما مئة ألف، فبلغ ذلك عليّاً، فقال لهما : ألا
تستحيان ؟ رجلٌ نَطْعَنُ في عيبه غُدوةً وعشيةً تسألانه المال!؟ قالا : لأنك
حَرَمْتَنَا وجادَ هُوَ لنا(١) .
أبو هلال ، عن قتادة ، قال معاوية : واعجباً للحسن ! شرب شربةً من
عسل بماء رُومة ، فقضى نحبه . ثم قال لابنِ عباس : لا يسو ؤك اللهُ ولا
يُحزِنُك في الحسن . قال : أما ما أبقى اللّهُ لي أمير المؤمنين فلن يسوءَني اللهُ
ولن يُحزنني . قال: فأعطاه ألف ألف من بين عَروض وعين . قال: اقسمه في
أهلك(٢) .
روى العتبيُّ قال: قيلَ لمعاويةَ: أَسرعَ إليك الشَّيبُ، قال: كيفَ
لا؛ ولا أَعْدَمُ رجلاً من العرب قائماً على رأسي يُلقح لي كلاماً يُلزِمُنِي
جوابه ، فإِنْ أصْبْتُ لم أُحْمَد، وإِن أخطأتُ سارَتْ بِه الْبُرُد(٣).
قال مالك : إِنَّ معاويةً قال : لقد نتفتُ الشيبَ مُدَّةً. قال : وكان
يخرجُ إلى مُصَلَّه، ورداؤه يُحَمَلُ من الكِبَر . ودخل عليه إنسانٌ ، وهو
يبكي ، فقال : ما يُيكيك ؟ قال : هذا الذي كنتم تمنَّون لي .
محمد بن الحسن بن أبي يزيد (٤): عن مُجالد ، عن الشعبي ، قال :
لما أصابَ معاويةَ اللَّقوةُ(٥)، بكى، فقال له مروانُ : ما يُبكيك ؟ قال :
راجعتُ ما كنتُ عنه عَزُوفاً ، كَبِرتْ سِنِّي ، ورَقَّ عظمي ، وكَثُرَ دمعي ،
(١) ابن عساكر ٣٧٠/١٦/ب.
(٢) ابن عساكر ٣٧١/١٦/ب، وقوله : بماء رومة . أي بماء بئر رومة وكان ماؤها عذباً وهي
في عقيق المدينة . كانت لرجل من غفار يقال له رومة ، ابتاعها منه عثمان رضي الله عنه وتصدق بها .
انظر ((فتح الباري)) ٢٢/٥، و٣٠٥.
(٣) ابن عساكر ٣٧٥/١٦ ب .
(٤) تحرف في المطبوع إلى ((مزيد)).
(٥) اللقوة : داء يعرض للوجه يعوَجُ منه الشدق .
١٥٥

ورُميت في أَحْسَني وما يبدُو مِنِّي، ولولا هوايَ في يزيد ، لأبصرتُ
قصدي (١) .
هشام بن عمار : حدّثنا عبدُ المؤمن بن مُهلهِل، حدّثني رجلٌ قال :
حجَّ معاويةُ ، فاطّلع في بئر عادِيَّة(٢) بالأبواء، فضربته اللّقوةُ(٣) فدخل داره
بمكة ، وأرخى حجابه ، واعتمَّ بعمامة سوداء على شِقُّه الذي لم يُصَب ، ثم
أَذِنَ للناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ! إن ابنَ آدم بعرض
بلاء ؛ إما مُبتَلىَّ لْيُؤجر ؛ أو معاقَبٌ بذنب، وإِما مستعتِبٌ لِيُعتَب ، وما أعتذرُ
مِن واحدةٍ من ثلاث ، فإِن ابتُليتُ ، فقد ابتُلي الصالحون قبلي ، وإِن
عوقبتُ ، فقد عوقب الخاطئون قبلي ، وما آمَنُ أنْ أكونَ منهم ، وإِن مرضَ
عضوّ مني ، فما أحصي صحيحي . ولو كانَ الأمرُ إلى نفسي ، ما كان لي
على ربي أكثر مما أعطاني ، فأنا ابنُ بضعٍ وستين ، فرحم اللهُ من دعا لي
بالعافية ، فوالله لئن عَتِبَ عليَّ بعضُ خاصَّتكم ، لقد كنتُ حَدِياً(٤) على
عامَّتكم ، فعجَّ الناسُ يدعون له ، وبكى(٥) .
مُغيرة : عن الشعبي ، قال : أولُ من خطب جالساً معاويةُ حينَ
سمن .
(١) ((تاريخ الاسلام)) ٣٢٣/٢، و((البداية)) ١١٨/٨، و((محاضرات الراغب)) ١٥٥/١،
والفاضل: ١٢٣، وابن عساكر ٣٧٥/١٦ ب و((أنساب الأشراف)» ٢٨/٤، و«عيون
الأخبار)) ٤٦/٣.
(٢) عاديّة : قديمة، كأنها نسبت إلى عاد وهم قوم هود، وكل قديم ينسبونه إلى عاد وإن لم
ويدركهم . والأبواء : قرية من أعمال الفرع من المدينة المنورة ، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة
وعشرون ميلاً، وبه قبر آمنة بنت وهب أم النبي مثلد .
(٣) قال المؤلف في ((تاريخه)) ٣٤٣/٢: يعني بَطَّلَ نصفُه.
(٤) في الأصل ((حرباً)) وهو خطأ، يقال : حَدِب فلانٌ على فلان ، يحدّبُ حَدَباً ، فهو
حَدِب ، وتَحدب : تعطف وحنا عليه ، يقال : هو كالوالد الحَدِب.
(٥) ابن عساكر ٣٧٥/١٦ ب .
١٥٦

أبو المَلِيح : عن مَيْمُون بن مهران ، قال : أولُ من جلس على المنبر ،
واستأذنَ الناسَ معاويةُ ؛ فَأَذِنُوا له .
وعن عُبَادة بن نُسَيّ: خطبنا معاويةُ بالصِّنَّبْرة (١)، فقال: لقد شهد معي
صِفين ثلاث مئة من أصحاب رسول الله وي لو ما بقي منهم غيري(٢).
إسناده لين .
يوسف بن عبدة ؛ سمعتُ ابن سيرين يقول : أخذتْ معاويةً قِرَّةٌ(٣)
فاتخذ لحفاً خِفافاً تُلقى عليه ، فلم يلبثْ أنْ يَتَأَذَّى بها . فإِذا رُفِعَتْ ، سأَلَ أَنْ
تُردَّ عليه ، فقال : قَبَّحكِ اللهُ من دار ، مكثتُ فيك عشرين سنة أميراً ،
وعشرين سنةً خليفةً ، وصرتُ إلى ما أَرى .
قال الزُّبير بنُ بَكَّار : كان مُعاويةُ أولَ من اتخذ الديوان للختم ، وأمر
بالنيروز والمهرجان ، واتخذ المقاصير في الجامع ، وأولَ من قتل مسلماً
صبراً ، (٤) وأولَ من قام على رأسه حرسٌ ، وأولَ من قُيِّدت بين يديه
الجنائب ، وأول من اتخذ الخُدَّام الخصيان في الإِسلام ، وأول من بلَّغ
درجاتِ المنبر خمس عشرة مرقاة ، وكان يقولُ : أنا أَوَّلُ الملوك .
قلت: نعم. فقد روى سفينةُ عن رسولِ اللهِ وَّه، قال: ((الخِلافةُ
بعدي ثلاثون سنة . ثم تكون ملكاً))(٥) . فانقضت خلافةُ النبوة ثلاثين عاماً ،
(١) الصُّنَّبْرَة: بالكسر ثم الفتح والتشديد ، ثم سكون الباء الموحدة وراء ، قال ياقوت :
موضع بالأردن مقابل لعقبة أفيق ، بينه وبين طبرية ثلاثة أميال كان معاوية يشتو بها .
(٢) ابن عساكر ٣٧٥/١٦ ب، ٣٧٦ آ وتمامه عنده: وإنما ذلك فناء قرني ، وإن فناء الرجل
فناء قرنه . ثم ودعنا ، وصعد الثنية فكان آخر العهد به .
(٣) القِرَّةَ: ما أصابك من القُر وهو البرد، وهي البرد أيضاً، وفي ((تاريخ الإِسلام))
٣٢٤/٢ : قُرحة .
(٤) يريد حجر بن عدي وأصحابه .
(٥) أخرجه أحمد ٢٢٠/٥ و٢٢١، والطيالسي ١٦٣/٢، وأبو داود ( ٤٦٤٦)، و
(٤٦٤٧)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) ٣١٣/٤، والطبراني رقم (١٣)، والترمذي (٢٢٢٦) =
١٥٧

وولي معاويةُ ، فبالغ في التجمل والهيئة ، وقلَّ أن بلغ سلطانٌ إلى رتبته ،
وليتَهُ لم يعهد بالأمر إلى ابنه يزيد ، وتركَ الأمَّة من اختياره لهم .
علي بن عاصم : عن ابن جُرَيج ، عن الحسن بن مسلم ، عن
طاووس ، عن ابن عباس ، قال : لما احتُضِرَ معاويةُ ، قال : إني كنتُ مع
رسولِ اللهِ وَ﴿ على الصَّفا، وإِني دعوتُ بمشْقص، فأخذتُ مِن شَعْرِه،
وهو في موضع كذا وكذا ، فإِذا أنا متُّ، فخُذُوا ذلك الشعر، فاحشُوا به فمي
ومنخري (١) .
وروي بإسناد عن ميمون بن مهران نحوه .
محمد بن مصفى : حدّثنا بَقِيَّةُ عن بَحِير ، عن خالد بن مَعْدان ، قال :
وفد المقدامُ بنُ معدي كرب ، وعمرُوبنُ الأسود ، ورجلٌ من الأسد له صحبةٌ
إلى مُعاوية . فقال معاويةُ للمقدام : تُوفِّي الحسنُ ، فاسترجع . فقال:
أتراها مُصيبةً؟ قال: ولمَ لا؟ وقد وضعَهُ رسولُ الله ◌َل﴿ فِي حَجره وقال : هذا
مني ، وحسينٌ من عليّ . فقال للأسَدي : ما تقولُ أنت ؟ قال : جمرةٌ
أطفئت . فقال المقدام: أنشدك الله! هل سمعتَ رسولَ الله ◌ُ له ينهى عن
= من طرق عن سعيد بن جمهان، عن سفينة مولى رسول الله # قال: قال رسول الله وَله: ((الخلافةُ
في أمتي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكاً)) قال سعيد : قال لي سفينة : أمسك خلافة أبي بكر سنتين ،
وعمر عشر، وعثمان ثنتي عشرة ، وعلي ست . قال سعيد : قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أن
علياً عليه السلام لم يكن بخليفة ، قال : كذبت أستاه بني الزرقاء . يعني مروان . وسنده حسن ،
وصححه ابن حبان (١٥٣٤) و (١٥٣٥)، والحاكم ٧١/٣ و ١٤٥، ووافقه الذهبي ، وله شاهد
من حديث أبي بكرة عند البيهقي في ((الدلائل)) وآخر من حديث جابر عند الواحدي في ((الوسيط »
٠٢/١٢٦/٣
(١) رجاله ثقات خلا علي بن عاصم - وهو الواسطي - فإنه يخطىء ويصر على خطئه.
وتقصيره عن رسول الله وَلو شعره بمشقص ثابت عند البخاري ٤٤٨/٣، ٤٤٩، ومسلم
(١٢٤٦)، والمشقص : نصل السهم إذا كان طويلاً ليس بعريض .
١٥٨

لُبْس الذَّهب والحرير، وعن جلود السباع والركوب عليها ؟ قال : نعم.
قال : فوالله لقد رأيتُ هذا كُلُّه في بيتك: فقال معاويةُ: عرفتُ أني لا أنجو
منك (١).
إسناده قوي .
ومعاويةُ من خيار الملوك الذين غَلب عدلُهم على ظلمهم، وما هو
بيريٍ من الهَنَات ، والله يعفُو عنه .
المدائني : عن أبي عبيد الله ، عن عُبادة بن نُسَيّ ، قال : خطب
مُعَاویةُ ، فقال : إني مِنْ زرعٍ قد استحصد ، وقد طالتْ إمرتي عليكم حتى
ملِلتْكم ومللتموني ، ولا يأتيكم بعدي خيرٌ مني، كما أنَّ من كان قبلي خيرٌ
مني . اللهم قد أحببتُ لقاءك فأُحِبُّ لقائي(٢).
الواقدي : حدّثنا ابنُ أبي سبرة ، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلِّى ،
قال : قال معاويةُ ليزيد وهو يوصيه : اتَّق الله، فقد وطَّأْتُ لك الأمر ، ووليت
من ذلك ما وليتُ ، فإِنْ يكُ خيراً فأنا أسعدُ به ، وإِن كان غيرَ ذلك شقيتُ به .
فارفُق بالناس ، وإِياك وجَبْهَ أهل الشرف والتكُّرَ عليهم .
وقيل : إن معاويةَ قال ليزيد : إن أخوفَ ما أخافُه شيءٌ عملتُه في
أمرك، شهدتُ رسول الله ﴿ يوماً قلَّم أظفاره ، وأخذ من شعره ، فجمعتُ
ذلك ، فإِذا متُّ ، فاحْشُ به فمي وأنفي .
عبد الأعلى بن مَيْمُون بن مهران : عن أبيه ؛ أَنَّ مُعاوية أوصى فقال :
(١) رجاله ثقات إلا أن فيه تدليس بقية، وهو في سنن أبي داود (٤١٣١) في اللباس مطولاً،
وأخرج الإِمام أحمد ١٣٢/٤ أوله إلى قوله: ((من علي)) وقد صرَّح فيه بقية بالتحديث .
(٢) ((أنساب الأشراف)) ٤٤/٤، و((الأمالي)) للقالي ٣١١/٢، و((تاريخ الإِسلام))
٣٢٣/٢، وأورده ابن كثير ١٤١/٨ بأطول مما هنا، ونسبه لابن أبي الدنيا .
.
١٥٩

كنتُ أُوَضِّىء رسولَ الله ◌ََّ، فنزع قميصه وكسانيه ، فرفعتُه ، وخبأتُ قُلامة
أظفاره ، فإِذا متَّ ، فألبسوني القميصَ على جلدي ، واجعلوا القُلامة
مسحوقة في عيني ، فعسى [الله أنْ يرحمَني ببركتها](١) .
حُمَيد بن هِلال ، عن أبي بُردة ؛ قال : دخلتُ على معاويةً حين أصابتْه
قرحتُه ، فقال : هلمَّ ياابنَ أخي فانظر؛ فنظرتُ، فإِذا هي قد سَرَتْ(٢).
قال أبو عمرو بنُ العلاء : لما احتُضر معاويةُ ، قيل له : ألا تُوصي ؟
فقال : اللّهُمَّ أقل العثرة، واعفُ عن الزلَّة ، وتجاوزْ بحلمك عن جهل منْ لم
يُرْجُ غيرك ، فما وراءك مذهب . وقال :
هُوَ الموتُ لا مَنْجَى مِن الموتِ والذي نُحاذِرُ بَعْدَ الموتِ أَدْهَى وَأَفظعُ
قال أبو مُسْهِر : صلَّى الضَّحَّاك بنُ قيس الفهري على مُعاوية، ودُفنَ
بين باب الجابية وباب الصغير(٣) فيما بلغني .
قال أبو عبيدة : عن أبي يعقوب الثقفي ، عن عبد الملك بن عُمير،
قال : لما ثَقُلَ مُعاوية، قال: احشُوا عيني بالإِثْمِد ، وأَوْسِعُوا رأسي دُهناً ،
ففعلوا وبرَّقوا (٤) وجهه [بالدهن] ثم مُهِّدَ له وأجلس وسُنِد، ثم قال : لِيَدْنُ
الناسُ ، فليُسلِّموا قياماً، فيدخُل الرجلُ ، ويقول : يقولون : هو لما به ،
وهو أَصَحُّ الناس ، فلما خرجوا ، قال معاوية :
(١) ((أنساب الأشراف)) ١٥٣/٤، و((تاريخ الإسلام)) ٣٢٣/٢، وابن عساكر ٣٧٨/١٦
ب، و (( تاريخ الطبري)) ٣٢٦/٥، ٣٢٧.
(٢) ((أنساب الأشراف) ٤١/٤، و((طبقات ابن سعد)) ٨٣/١/٤، و((تاريخ الإسلام))
٣٢٣/٢، وابن عساكر ٢٨٧/١٦ ب .
(٣) دخل قبره اليوم في مقبرة الباب الصغير إحدى مقابر دمشق ، وهو ما زال معروفاً ثمة ، وقد
جُدِّد بناؤه في السنوات الأخيرة .
(٤) أي : لمعوا وجهه .
١٦٠