Indexed OCR Text

Pages 161-180

وفي سنة ٦٢٧ (١) : هزمَ الأشرفُ وصاحبُ الروم جلال الدين خوارزم
شاه ، وتَمَزَّق جَمْعه ، واستردَّ الأشرف خِلاط .
وقَدِمَ رسولُ محمد بن هود الأندلسي بأنه تملَّكَ أكثر المغرب وخطب
بها للمستنصر ، فكُتِبَ له تقليدٌ بسلطنة تلك الديار ، ونفذت إليه الخِلَع
واللواء .
وبعثَ خوارزم شاه يطلب من الخليفة لباس الفتوة فأجيب .
وقد أخذت العرب من مُخَيَّم خوارزم شاه يوم كَسْرَتِهِ(٢) باطيةً (٣) من
ذهب وزنها ربع قنطار ، والعجب أنّ هذه الملحمة (٤) ما قتل فيها من عسكر
الشام سوى واحد جُرح، لكن قُتِل من الروميين أُلوف ، وأمّا الخوارزمية
فاستحرَّ بهم القتلُ وزالت هيبتهم من القُلوب ، وولَّت سعادتهم ، والوقعة في
رمضان .
وفي سنة ٦٢٨ (٥) : فيها خرجَ على ابنِ عبد المؤمن ابنُ عمٍّ له وظفرَ
بالمُلْك ، وقتله ، وقتلَ من البربر خلائق .
وفي رجب بلغنا(٦) كسرة التتار لخوارزم شاه وتفرَّق جَمْعه وذاقَ
(١) تاريخ الاسلام ، الورقة : ٢٤٤ - ٢٤٥ .
(٢) كان ينبغي أن توضع هذه الفقرة بعد قوله: ((واسترد الأشرف خلاط)).
(٣) الباطية : إناء من الخزف أو الفخار أو البلور لتقديم النبيذ . أو الذي يوضع فيه ماء
العطر ( معجم دوزي ١ / ٤٨٤ ) .
(٤) يعني : الحرب بين الأشرف وصاحب الروم من جهة وجلال الدين خوارزم شاه من جهة
أخرى .
(٥) تاريخ الإِسلام ، الورقة : ٢٤٥ - ٢٤٨.
(٦) أصل الخبر في ((تاريخ الاسلام)): (( وفي رجب وصل قزويني إلى الشام
فأخبر ... )) .
١٦١
سير ١١/٢٣

الذُّل ؛ وذاك أن خوارزم شاه لمّا انهزم في العام الماضي ، بعثت الإسماعيلية
تُعَرِّف التتار ضَعْفه ، فسارعت طائفة تقصده بتوريز فلم يقدم على الملتقى ،
وأخذوا مراغة وعاثوا ، وتقهقر هو إلى آمد فكبَسَته التتار ، وتفرَّقَ جَمْعُهُ في كل
جهة ، وَطَمِعَ فيهم الفلاحون والكُرْد ، وأخذت التتار إسعَرد بالأمان ، ثم
غَدَرُوا كعوائدهم ، ثم ◌َنْزَةِ(١) وبلاد نصِيبين .
وفيها سجَنَ الأشرفُ بعَزَّتًا(٢) عليّاً الحَرِيرِيَّ وأفَتَى جماعةٌ بقتلِهِ(٣).
وأُسِّسَتْ دارُ الحديث الأشرفية بدمشق .
وفيها ظُفِرَ بالتاج الكَخَّال ، وقد قَتَلَ جماعةً ختلاً في بيتِهِ ، ففاح
الدَّرب ، فَسَمَّرُوه .
وفي سنة ٦٢٩ (٤) : انهزم جلالُ الدين خوارزم شاه ابن علاء الدين في
جبالٍ ، فقتلَهُ كرديٌّ بأخٍ له(٥) . وقصدت عساكرُ الخلیفة مع صاحب إرْبِل
التتار ، فهربوا .
وأمسك الوزير مؤيد الدين القُمي وابنه ، وكانت دولته ثلاثاً وعشرين
سنة باسم نيابة الوزارة ، لكن لم يكن معه وزير فولِّي مکانه شمس الدين ابن
الناقد ، وجُعِلَ مكان ابن الناقد في الأستاذ دارية ابن العَلْقَمِيّ .
وفي سنة ثلاثين(٦) : حاصر الكاملُ آمد ، فأخذها من الملك المسعود
(١) بلد بجريرة ابن عمر ، من ديار بكر ( معجم ياقوت ).
(٢) الضبط من خط المؤلف في ((تاريخ الاسلام))، وهي قلعة معروفة .
(٣) ولكن السلطان أحجم عن القتل .
(٤) تاريخ الإِسلام ، الورقة : ٢٤٨ .
(٥) وقيل ان ذلك كان سنة ٦٢٨ .
(٦) تاريخ الاسلام، الورقة : ٢٤٨ - ٢٤٩ .
١٦٢

الأتابكي وكانَ فاسقاً يأخذ بناتِ الناسِ قَهْراً.
وفيها عاثَ الرُّوميون بحرَّان وماردين ، وفعلوا شراً من التتار وبَدَّعوا .
ومات مظفر الدين صاحب إرْبِل ، فوُلِّيها باتكين نائب البصرة .
وفي سنة إحدى وثلاثين (١): سار الكاملُ ليفتحَ الروم ، فالتقى صواب
مُقَدَّم طلائعه وعسكر الروم ، فأسر صواب ، وتمزق جندُهُ ، ورجعَ الكامل .
وأديرت (٢) المُستنصرية ببغداد، ولا نظيرَ لها في الحُسْنِ والسّعة،
وَكَثْرَة الأوقاف ، بها مئتان وثمانية وأربعون فقيهاً ، وأربعةُ مدرسين ، وشيخٌ
للحديث ، وشيخ للطب ، وشيخ للنحو، وشيخ للفرائض ، وإذا أقبلَ
وقفُها ، غَلَّ أزيدَ من سبعين ألف مثقال ، ولعلّ قيمةَ ما وقف عليها يُساوي
ألف ألف دينار (٣) .
وفي سنة اثنتين وثلاثين (٤): عُمِلَ (٥) جامع العُقَيبة ، وكان حانة .
وَقَدِمَت(٦) هدية مَلِك اليمن عُمر بن رسول التُّركماني ، فالمُلك في
نَسْلِهِ إلى اليوم .
(١) تاريخ الاسلام، الورقة: ٢٥٠ - ٢٥١ .
(٢) يعني : افتتحت .
(٣) تفاصيل ذلك في الكتاب القيم الذي ألفه الدكتور ناجي معروف - رحمه الله - في تاريخ
علمائها وطبع ثلاث مرات في بغداد والقاهرة ، في مجلدين .
(٤) تاريخ الاسلام ، الورقة : ٢٥٠ .
(٥) الذي بناه هو الملك الأشرف . قال شعيب: ولا يزال إلى يومنا هذا عامراً بالمصلين
ويسمى جامع التوبة ، وهو يقع شمالي الجامع الأموي بدمشق ، وتسمى المحلة التي هو فيها
بالعقيبة ، والعامة تحذف ( القاف ) وتقول العيبة .
(٦) الى بغداد .
١٦٣

وفيها تُرِكَت المُعاملة ببغداد بقراضة الذَّهب ، وضُرِبَت لهم دراهم كل
عشرة منها بدينار إماميّ .
وعاثت التتار بأرض إرْبِل والمَوْصِل ، وقتلوا ، وأخذوا أصبهان بالسَّيف
فإنّا لله وإنا إليه راجعون . فاهتمَّ الخليفة ، وبذلَ الأموال .
وعُزِلَ ابنُ مقبلٍ عن قضاء العراق وتدريس المستنصرية ودَرَّس أبو
المناقب الزّنجاني ، وقضى عبد الرحمن ابن اللّمغاني .
وفيها سار الكامل والأشرف واستعادوا حَرّان والرُّها من صاحب الروم .
ووصلت التتار إلى سِنْجار قَتْلاً وأَسْراً وسَبْياً .
ثم في آخر العام حَشد صاحبُ الروم ، وحاصر حران ، وتعثَّر أهلُها .
واستباحت الفرنج قُرْطُبة بالسَّيف ، وهي أمّ الأندلس ، ما زالت دار
إسلام منذ افتتحها المسلمون في دولة الوليد .
وفي سنة ٦٣٤ : (١) مات صاحب حلب الملك العزيز ابن الظاهر ابن
صلاح الدين ، وصاحب الروم علاء الدين كيقباد ، وأخذت التتار إربل
بالسيف .
وفي سنة ٦٣٥ (٢): مات بدمشقَ السلطان الملك الأشرف، وتَملّكها
بعده أخوه الكامل ، فمات بعده بها ، وذلك بعد أن اقتتل بها الكامل وأخوه
الصالح عماد الدين على المُلْك ، وتعبت الرَّعية . وبعده تملكها الجواد ، ثم
ضعفت هِمّته وأعطاها للملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الكامل ، وتسلطنَ
(١) تاريخ الإِسلام، الورقة : ٢٥٢ .
(٢) تاريخ الإِسلام، الورقة: ٢٥٢ - ٢٥٤.
١٦٤

بمصر العادلُ أبو بكر ابن الكامل ، وجرت أمور طويلة آخرها أن الصالح تملّك
الديار المصريَّة ، واعتقلَ أخاه ، وغلب على دمشقَ عُمُّه الصالح ، فتحاربا
على المُلْك مدة طويلة ، ثم استقرَّت مصرُ والشامُ لنجمِ الدين أيوب .
وفي سنة ست وثلاثين : (١) أخذت الفرنجُ بَلْسِيةَ وغيرها من جزيرة
الأندلس .
وفي سنة سبع : (٢) هَجَمَ الصَّالِحِ عِماد الدِّين دمشق ، وتملَّكها ،
وأخذَ القَلْعَةَ بالأمان ، ونكثَ ، فحبسَ المُغيث عمر ابن الصالح ، وتَفَلَّلَ
الأمراء عن الصالح نجم الدين، وجاؤُوا وحلفوا لعمِّه ، وبقي هو في مماليكه
بالغورِ ، ثم أخذه ابن عمِّه الناصر صاحب الكَرَك ، واعتقله مُكَرَّماً ، ثم أخذه
ومضى به إلى مصرَ ، فتملَّكَ ، فكان يقول : خلفني الناصر على أشياء يَعْجِزُ
عنها كل أحد ، وهي أن آخذ له دمشق وحِمْص وحماة وَحَلَب أو الجزيرة
والموصل وديار بكر ونصف ديار مصر ، وأن أعطيه نصف ما في الخزائن
بمصر ، فحلفت له من تحت قهره .
وولي خطابة دمشق بعد الدَّوْلَعي الشيخُ عز الدين ابن عبد السلام فأزال
الْعَلَمَينِ المُذَهَّبين ، وأقام عوضها سُوداً بكتابة بيضاء ، ولم يؤذِّن قُدَّامه سوى
واحد ، وأمرَ الصَّالِحُ إسماعيل الخطباءَ أن يخطبوا لصاحب الروم معه .
وفي العيد خلعَ المُسْتنصر على أرباب دولته ؛ قال ابن الساعي :
حُزِرت الخِلَع بثلاثة عشر ألفاً (٣) .
(١) تاريخ الإِسلام ، الورقة: ٢٥٦ .
(٢) تاريخ الإِسلام، الورقة : ٢٥٦ - ٢٥٩.
(٣) النص ملبس بهذه الصورة حيث يفهم منه أن قيمة الخلع : ثلاثة عشر ألفاً ، والصحيح =
١٦٥

وفي سنة ٦٣٨ : فيها سَلَّم الصالحُ إسماعيل قَلْعة الشَّقِيف إلى الفرنج لينجدوه
على المصريين ، فأنكر عليه ابنُ الحاجب وابنُ عبد السلام ، فسجنهما
مدة .
قال سِبْط الجوزي : (١) قَدِمَ رسول التتار إلى شهاب الدين غازي ابن
العادل ، وإلى الملوك عنوان الكتاب: (( من نائب رَبِّ السَّماء ماسح وجه
الأرض مَلك الشَّرق والغرب يأمر ملوك الإِسلام بالدخول في طاعة القان
الأعظم )) ، وقال الرسول لغازي : قد جعلك سلحداره(٢)، وأمرك أن تخِّب
أسوار بلادك .
وفيها كَسَرَ الناصر داود الفرنج بغزّة .
وأُخِذَ الركبُ الشامي بقرب تيماء .
والتقى صاحب حِمْصَ ومعه عسْكر حَلَب الخُوارزمية ، فَكَسَرهُم
بأرض حَرّان، وأخذ حرَّان ، وأخذ صاحبُ الروم آمد بعدَ حصار طويل ،
وكانت التتارُ تعيثُ في البلاد قَتْلاً وسبياً ، وقلَّت الخوارزمية ، فكانوا بالجزيرة
یعیثون .
وفي سنة ٦٣٩ : (٣) دخلت التتار مع بايجونَوِين بلاد الرُّوم ، وعاثوا
ونهبوا القُرَى ، فهرب منهم صاحبها .
= أن المخلوع عليهم حزروا بهذا العدد ، كما يظهر في النص الذي اقتبسه في ((تاريخ الاسلام))
قال: ((وقال ابن الساعي: ((وفيها رفل الخلائق ببغداد في الخلع في العيد بحيث حزر المخلوع
عليهم بأكثر من ثلاثة عشر ألفاً)) ( الورقة: ٢٥٨ أيا صوفيا ٣٠١٢).
(١) مرآة الزمان ٨ / ٧٣٣ (بتصرف ) .
(٢) وتكتب أيضاً : سلاح دار ، وهو مسؤول السلاح .
(٣) تاريخ الإِسلام، الورقة : ٢٥٩ - ٢٦٠.
١٦٦

وفي سنة أربعين : (١) التقى صاحب مَيَّارفارقين غازي والحلبيون ،
فَظهَرَ الحَلبيون ، واستَخَرَّ القَتْل بالخوارزمية ، ونُهِبَت نَصِيبين وغيرُها ،
واستولى غازي على مدينة خِلاط .
وفي المحرم أخذت التتار أَرْزن الرُّوم ، واستباحُوها ، وعن رجل
قال : نُهِبت نَصِيبين في هذه السنة سبعَ عشرةَ مرة من المواصلة والماردانيين
والفارقيين ولولا بساتينُها ، لجلا أهلُها .
وكان للمُستنصر منظرةٌ يجلس فيها يسمعُ دروس المستنصرية ،
واستخدم جيشاً عظيماً ، حتى قيل : إنهم بلغوا أزيدَ من مئة ألف . وكان ذا
شجاعة وإقدام ، وكان أخوه الخَفَاجِي من الأبطال يقول : إن وليتُ ، لأعبرن
بالجيش جَيْحون ، وأسترد البلاد ، وأستأصل التتار ، فلما مات المُستنصر
زَوَاه عن الخلافة الدُّويدار والشَّرابي خوفاً من بأسه .
أنبأني ابن البُزُوري أن المستنصر توفِّي يوم الجمعة بُكرة عاشر جُمادى
الآخرة .
وقال المُنْذريّ : (٢) جُمادى الأولى ، فوهم .
عاش إحدى وخمسين سنة وأشهراً، وخُطِبَ يومَ موته له ، كتموا
ذلك ، فأتى إقبال الشرابي والخدم إلى وَلَده المُستعصم ، فسلَّموا عليه بإمرة
المؤمنين وأقعدوه في سُدّة الخلافة ، وأُعْلِمَ الوزير وأستاذ الدار في الليل ،
فبايعاه .
(١) انظر ((البداية والنهاية)) ١٣ / ١٦١، و((تتمة المختصر)) ٢ / ٢٥١.
(٢) التكملة لوفيات النقلة جـ ٣ ص ٦٠٧ من طبعة مؤسسة الرسالة .
١٦٧

وللناصر داود يرثي المُستنصر :
وأجَّجْتِ نَارَ الحُزْنِ ما بَيْنَ أضلُعي
أيا رَنّةِ النَاعِي عَبَثْتِ بِمَسْمَعِي
يَصُوِغُ أَفَانِينَ القَرِيضِ المُوشَّعِ
فأوقفتِ آمالي وأجريتٍ أدمعي
وأَخْرَسْتِ مني مِقولاً ذا براعةٍ
نَعَيْتٍ إليَّ البأسَ والجُودَ والحِجی
وقال صفي الدين ابن جميل :
واسترجَعَتْ ما أعْطَتِ الأيامُ
عَزّ العَزَاءُ وَأَعْوَزَ الإِلمامُ
فَدَعِ العُيُونَ تَسُحُ يَوْمَ فِراقِهِم
بأنُوا فلا قلبي يَقِرُّ قرارُهُ
عِوَضَ الدُّموعِ دَمَاً فليسَ تُلامُ
أسفاً ولا جفني القَرِيحُ ينامُ
مِني تحيَّةُ مَوْجَعٍ وسلامُ
فَعَلَى الَّذِينَ فقدتُهُم وعدمتُهُم
وكانت دولته سبعَ عشرةَ سنة رحمه الله وسامحه .
١٠٦ - المُسْتنصر *
الخليفةُ الإِمامُ أبو القاسم أحمد ابن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد ابن
الناصر لدين الله أحمد ابن المستضيء الهاشميُّ العبّاسيّ البَغْداديُّ، أخو
الخليفة المُستنصر بالله منصور واقف المستنصرية .
بُويع بالخلافةِ أحمد بعدَ خلو الوقت من خليفة عباسي ثلاث سنين
ونصف [ سنة]، وكان هذا معتقلاً ببغدادَ مع غيره من أولاد الخُلفاء، فلما
(*) أخبار مشهورة في الكتب التي أرخت لهذا العصر فانظر ذيل الروضتين : ٢١٣ ، ذيل
مرآة الزمان ١ / ٤٤١ - ٤٥٢ تاريخ الاسلام للذهبي ( أيا صوفيا ٣٠١٣) جـ ٢٠ الورقة ١٨٩ -
١٩٠، دول الاسلام للذهبي ٢ / ١٢٥، العبر للذهبي: ٥/ ٢٥٨ - ٢٥٩، البداية والنهاية:
١٣ / ٢٣١ - ٢٣٣، النجوم الزاهرة: ٧ / ١٠٩ - ١١٧، ٢٠٦، تاريخ الخلفاء للسيوطي :
٤٧٧ - ٤٧٨ .
١٦٨

استولى هولاكو على بغدادَ، نجا هذا، وانضم إلى عَرَبِ العِراق، فلما سمع
بسلطنة الملك الظاهر(١) وَفَدَ عليه في رجب سنة تسع وخمسين في عشرة من آل
مهارش ، فركب السلطان للقائه والقضاة والدولة ، وشق قصبة القاهرة ، ثم
أثبت نسبه على القُضاة ، ويُويع فركب يوم الجمعة من القلعة في السواد حتى
أتى جامع القَلْعة ، فَصَعِدَ المِنبر وخطب ولَوَّح بشرف آل العباس ، ودعا
للسلطان وللرعية ، وصلى بالناس .
قال القاضي جمال الدين محمد بن سومر المالكيّ : حدثني شيخُنا ابنُ
عبد السلام قال : لما أخذنا في بيعةِ المستنصر قلتُ للملك الظاهر : بايِعْه ،
فقال : ما أُحْسِنُ ، لكن بايِعْهُ أنتَ أولاً وأنا بعدَكَ ، فلما عقدنا البيعةَ ،
حضرنا من الغد عند السلطان ، فأثنى على الخليفة ، وقال : مِن جملة بركته
أنني دخلتُ أمسِ الدَّارَ ، فقصدتُ مسجداً فيها للصلاة ، فأرى مصطبة
نافرة ، فقلت للغلمان أخربوا هذه ، فلما هدموها ، انفتح تحتها سَرب فنزلوا
فإذا فيه صناديق كثيرة مملوءة ذهباً وفضة من ذخائر الملك الكامل رحمه الله .
قلت : وهذا هو الخليفة الثامن والثلاثون من بني العباس ، بويع بقلعة
الجَبَل في ثالث عشر رجب سنة تسع(٢). وكان أسمرَ آدم ، شُجاعاً ، مَهِيباً ،
ضخماً، عالي الهمّة . ورَتَّبَ له السُّلطان أتابكاً وأستاذ دار ، وشرابياً
وخَزْنَداراً وحاجباً وكاتباً ، وعيَّن له خزانة وعدة مماليك ، ومئة فرس وعشر
قطارات جمال وعشر قطارات بغال إلى أمثال ذلك .
قال أبو شامة (٣): قُرىء بالعادلية كتابُ السلطان إلى قاضي القضاة
(١) بيبرس البند قداري .
(٢) يعني : وخمسين وست مئة .
(٣) ذيل الروضتين : ٢١٣ .
١٦٩

نجم الدين ابن سنيِّ الدولة بأنه قَدِمَ عليهم أبو القاسم أحمد ابن الظاهر وهو
أخو المستنصر ، وجمع له الناس ، وأثبت في المجلس نسبه عند قاضي
القضاة ، وبدأ بالبيعة السُّلطان ، ثم الكبار على مراتبهم ، ونُقِش اسمه على
السّكّة ، ولُقِّب بلقب أخيه .
قال قطب الدين البَعْلِيّ(١): وفي شعبان رَسَمَ الخليفةُ بعمل خِلْعة
للسُّلطان وبكتابة تقليد ، ونُصبت خَيْمَةٌ بظاهر مِصْر، وركب المستنصر
والظاهر إليها في رابع شعبان ، وحضرَ القُضاة والأمراء والوزير ، فألبس
الخليفةُ السُّلطانَ الخِلْعة بيده ، وطَوَّقَهُ وقَيَّدَهُ ، ونُصِبَ منبرٌ صَعِدَ عليه فخر
الدين ابنُ لُقمانَ كاتب السِّر ، فقرأ التقليد الذي أنشأه ، ثم ركب السُّلطانُ
بالخِلْعة ودخل من باب النَّصر ، وزُيِّنت القاهرة ، وحَمل الصاحبُ التقليد
على رأسه راكباً والأمراء مُشاة .
قلت : ثم عزم المُستنصر على التوجه إلى بغدادَ بإشارة السُّلطان
وإعانته ، فذكر ابنُ عبد الظاهر في (( سيرة الملك الظاهر)) أن السلطانَ قال
له : أنفقت على الخليفة والملوك المواصلة ألف ألف وست مئة ألف دينار .
قال قطب الدين البَعْلي (٢): ثم سار هو والسلطان من مصر في تاسع
عشر رمضان ، ودخلا دمشقَ في سابعِ ذي القعدة ، ثم سار الخليفة ومعه
صاحب المَوْصل وصاحب سِنْجار بعد أيام .
قال أبو شامة (٣): نزل الخليفة بالتُّربة النَّاصرية، ودخل يوم الجمعة
(١) ذيل مرآة الزمان : ١ / ٤٤٣ .
(٢) ذيل مرآة الزمان : ١ / ٤٥٣ .
(٣) ذيل الروضتين : ٢١٣ .
١٧٠

إلى جامع دمشق ، إلى المقصورة ، ثم جاء بعده السُّلطان فصّيا وخَرَجا ،
ومشيا إلى نحو مركوب الخليفة بباب البَريد ، ثم رجع السلطان إلى باب
الزيادة (١) .
قال القُطب(٢): فسافر الخليفة ، وصاحب المَوْصِلِ إلى الرّحبة، ثم
افترقا ، ثم وصل الخليفة بمن معه إلى مشهد عليّ ، ولما أتوا عانة وجدوا بها
الحاكم في سبع مئة نفس ، فأتى إلى المُستنصر وبايع ، ونزل في مُخيّمه معه
وتسلَّم الخليفة عانة ، وأقطعها جماعة ، ثم وصل إلى الحديثة ، ففتحها
أهلُها له ، فلما اتصل الخبرُ بمُقَدّم المغول بالعراق ، وبشحنة بغداد ساروا في
خمسة آلاف ، وعسكروا بالأنبار ، ونهبوا أهلَها وقتلوا وسارَ الخليفة إلى هيت
فحاصرها ، ثم دخلها في آخر ذي الحجة ، ونهب ذمتها ، ثم نزل الدُّور ،
وبعث طلائعه فأتَوا الأنبارَ في ثالث المحرم سنةَ ستين ، فَعَبرت التتار في الليل
في المراكب وفي المخائض ، والتقى من الغد الجمعان ، فانكسر أولاً
الشحنة ، ووقع معظمُ أصحابه في الفرات ، ثم خرج كمين لهم ، فهربت
الأعراب والتركمان ، فأحاط الكمينُ بعسكر الخليفة ، فحمل الخليفة بهم ،
فأفرج لهم التتار ، ونجا جماعة منهم الحاكم في نحو الخمسين ، وقُتِل عدّة ،
والظاهر أن الخليفة قُتِلَ ، ويقال : بل سلم ، وأضمرته البلاد ، ولم يصح ،
وقيل : بل قتل يومئذ ثلاثة من التتار وقتل رحمه الله في أوائل المحرم كهلًا،
وبعد سنتين بويع الحاكم بأمر الله أحمد .
(١) في المطبوع من ذيل الروضتين ( الزيارة ) بالراء وما أثبتناه عن الأصل وعن تاريخ
الاسلام وعن ذيل مرآة الزمان ١ / ٤٥٣، ومعجم البلدان ( صادر) ٢ / ٤٦٩ .
(٢) ذيل مرآة الزمان : ١ / ٤٥٤ - ٤٥٧ باختصار وتصرف .
١٧١

١٠٧ - المَخْزُ وميّ *
الإِمام العَدْلِ المُحَدِّث ظهيرُ الدِّين ويُلقب بالقاضي المُكَرَّم أبو المعالي
عبد الرحمان بن عليّ بن عثمان بن يوسف المَخْزوميُّ المُغِيرِيّ المِصْرِيّ
الشافعيّ الشاهد .
وُلِدَ في صفر (١) سنة تسع وستين .
وأجاز له من بغدادَ فخر النساء شُهْدَة ، وعبدُ الحق اليُوسُفِي ، ومن
المَوْصِلِ خطيبُها أبو الفضل الطُّوسيّ ، ومِن دمشق الحافظ أبو القاسم ، ومن
الثّغر أبو الطاهر السِّلَفيّ ، وطائفة سواهم ، كعيسى الدُّوشابِيّ وابن شاتيل ،
ومسلم بن ثابت ، وأبي شاكر السَّقْلاطونيّ . وسَمِعَ من عبد الله بن بَرِّي ،
ومحمد بن عليٍّ الرَّحْبِي، والبُوصيري ، والقاسم بن عساكر، والأثير بن
بُنان ، وعدَّة .
وروى الكثيرَ ، وهو من بيت رياسة وجلالة .
روى عنه المنذريُّ والدِّمياطيُّ وركن الدين بَيْبرس القيمري وابنُ
العمادية ، والتاج إسماعيل بن قُريش ، وطائفة .
وبالإِجازة المُعَمَّرة وجيهية بنتُ أبي الحسن المؤدب .
وكان دَيّناً كثير التلاوة متنزهاً عن الخدَم .
(*) وهو أحد شيوخ ابن الصابوني ذكره في تكملة اكمال الاكمال وروى عنه ص ٦٥، ٨٧ ،
١٧٨، وانظر صلة التكملة للحسيني الورقة ٥٤ ، تاريخ الاسلام للحافظ الذهبي (٣٠١٣ أيا
صوفيا ) جـ ٢٠ الورقة ٦٨ .
(١) ذكر الشريف الحسيني أن ولادته كانت في الحادي والعشرين من صفر سنة تسع وستين
وخمسمائة .
١٧٢

وهو أخو القاضي حمزةَ بنِ عليّ الأشرفِ .
ماتَ في رمضان سنة ستٍّ وأربعين وست مئة ودُفن بتربة آبائه بالقرافة .
١٠٨ - صاحب اليمن *
السّلطان الملك المنصور نور الدين عُمر بن عليّ بن رسول بن هارون
ابن أبي الفتح .
قيل : إنه من وَلَدْ جَبَلة بن الأَيْهَمِ الغَسّاني .
تملّك بزَبِيد، وجَرَت له حروب وسِيَر ، وَتَمَكَّن ، وكان شجاعاً سائساً
جواداً مَهِيباً ، له نحو من ألف مملوك . وقد كان الكامل جَهّز من مصر
عسكراً فقصدهم المنصور ففروا منه ، وقيل : بل كتب إلى أمراء العسكر
أجوبة فظفر بها مقدمهم جغريل ، فخاف وقفز أميران : فَيروز وابن بُرطاس
إلى المنصور .
حدثني تاج الدين عبد الباقي أن مماليك المنصور قتلوه في سنة ثمان
وأربعين وست مئة(١) وسلطنوا ابنَ اخيه فخر الدين أبا بكر بن حسن ، ولقبوه
(*) مرآة الزمان: ٨ / ٧٧١، تاريخ الاسلام للذهبي ( أيا صوفيا ٣٠١٣) جـ ٢٠ الورقة
٩٠، عيون التواريخ لابن شاكر الكتبي: ٢٠ / ٢٩٢ العسجد المسبوك للملك الأشرف الغساني :
٥٧٨، العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية للخزرجي ١ / ٤٤ - ٨٨، الذهب المسبوك في
ذكر من حج من الخلفاء والملوك للمقريزي ٧٩ - ٨٠ ، العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين للفاسي
جـ ٦ ص ٣٣٩ - ٣٤٩ الترجمة ٣٠٨٢، بهجة الزمن في تاريخ اليمن لعبد الباقي اليماني : ٨٥ -
٨٨ .
(١) سلك سبط ابن الجوزي وفاته في حوادث سنة ٦٤٦ ، وجعلها المقريزي سنة ٦٤٧
ونصّ الفاسي في العقد الثمين على أن وفاته كانت في التاسع من ذي القعدة سنة ٦٤٧ وما ذكره
الذهبي هنا وفي تاريخ الاسلام متابع فيه لمن سبقه ، أما ما ذكره ابن شاكر من أنه كان حياً سنة ٦٦١
فانما هو يقصد ابنه وقد سها الناسخ في ذلك، واغفله المحققان .
١٧٣

بالمُعَظّم ، فلم يستمر ذلك ، وتَمَلَّك المظفّر ابن المقتول .
١٠٩ - المُسْتَعصم بالله *
الخليفة الشَّهيد أبو أحمد عبد الله ابن المستنصر بالله منصور ابن الظاهر
محمد ابن الناصر أحمد ابن المستضيء الهاشميُّ العَبّاسيُّ البَغْدادُّ.
ولد سنة تسع وست مئة .
واستخلف سنة أربعين يوم موت أبيه في عاشر(١) جُمادى
الآخرة . وكان فاضلاً، تالياً لكتاب الله، مليح الكتابة . خَتم(٢) على ابن
النَّار، فأكرمه يوم الختم ستة آلاف دينار ، وبلغت الخِلَعُ يومَ بيعته أزيدَ مِن
ثلاثة عشر ألف خِلْعة .
استجازَ له ابنُ النجار المؤيَّد الطُّوسيَّ وعبد المُعزّ الهَرَويّ ، وسمع منه
بها شيخُه أبو الحسن ابن النّار ، وحدث عنه .
وحَدَّثَ عنه بهذه الإِجازة في حياته الباذرائي ، ومحيي الدين ابن
الجوزي .
(*) سيرته مستوفاة في الكتب التي ذكرت نكبة سقوط بغداد بيد التتار منها : صلة التكملة
لشرف الدين الحسيني جـ ٢ الورقة ٣٤ - ٣٥، مختصر التاريخ لابن الكازروني: ٢٦٦ - ٢٨٠،
خلاصة الذهب المسبوك : ٢٨٩ - ٢٩١، تاريخ الإِسلام للحافظ الذهبي ( أيا صوفيا ٣٠١٣ )
جـ ٢٠ الورقة ١٥٥ - ١٥٦، دول الاسلام للذهبي: ٢ / ١٢١، العبر للذهبي: ٢٣٠ - ٢٣١،
فوات الوفيات لابن شاكر: ٢ / ٢٣٠ - ٢٣٥، الترجمة ٢٣٧، البداية والنهاية: ١٣ / ٢٠٤،
العسجد المسبوك ٦٣٠، تاريخ ابن خلدون: ٣/ ٥٣٦، ((العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين)»
للفاسي ٥ / ٢٩٠ الترجمة ١٦٤٤ النجوم الزاهرة : ٧ / ٦٣ ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : ٤٦٤ -
٤٧٧، شذرات الذهب ٥/ ٢٧٠ - ٢٧٢.
(١) في تاريخ الاسلام في العشرين من جمادى الأولى ثم قال معقباً على ذلك في الحاشية
التي كتبها الذهبي بخطه : والأصح أنه بويع بعد موت أبيه في عاشر شهر جمادى الآخرة ...
(٢) يعني ، ختم القرآن ، وابن النيار قتل في الوقعة .
١٧٤

وكان كريماً ، حليماً ، ديّناً ، سليمَ الباطن ، حَسَن الهيئة(١).
وقد حدث عنه بمراغة ولدُه الأمير مُبارك(٢).
قال قُطب الدين اليُونيني (٣): كان متديِّناً متمسِّكاً بالسُّنةِ كأبيه وجده ،
ولكنه لم يكن في حزم أبيه ، وتيقِّظه، وعُلُوِّ هِمته ، وإقدامه ، وإنما قدَّموه
على عَمِّه الخفاجي لما يعلمون من لينهِ وانقياده وضعف رأيه ليستبدوا
بالأمور .
ثم إنه استوزر المؤيّد ابنَ العَلْقَمِيّ الرافضيّ ، فأهلك الحَرْثَ
والنَّسْلَ، وحَسَّن له جمعَ الأموال ، وأن يقتصِرَ على بعض العساكر ، فقطع
أكثرهم ، وكان يلعبُ بالحمام ، وفيه حرص وتوانٍ .
وفي سنة إحدى وأربعين وست مئة (٤): عائت الخوارزميةُ بقُرى
الشام .
وصالحت التتارُ صاحبَ الروم على ألف دينار ، وفرس ومملوك
وجارية(٥) في كل نهار ، بعد أن استباحوا قيصرية .
وأُهلِكَ قاضي القضاة بدمشق الرفيع الجِيلِيّ .
ودخلت الفرنج القُدس ، ورشُّوا الخمر على الصَّخرة ، وذبحوا عندها
خنزيراً ، وكسروا منها شقفة .
(١) غير واضحة في الأصل، وقرأناها من ((تاريخ الاسلام)) وذيل المرآة: ١ / ٢٥٤.
(٢) الأمير مبارك هذا سلم من قتل المغول .
(٣) ذيل مرآة الزمان ١ / ٢٥٤ - ٢٥٥ .
(٤) تاريخ الإِسلام ، الورقة: ٢٦١ ( أيا صوفيا ٣٠١٢) بخطه .
(٥) يضيف في ((تاريخ الاسلام)) : وكلب صيد .
١٧٥

وفي سنة اثنتين وأربعين (١) : كان حصارُ الخوارزمية على دمشق في
خدمة صاحب مصر ، واشتد القحط بدمشق ثم التقى الشاميون ومعهم عسكر
من الفرنج والمصريون ومعهم الخوارزمية بين عَسْقلان وغَزّة ، فانهزم
الجمعان ، ولكن حَصَدت الخُوارزميةُ الفرنجَ في ساعة ثم أسروا منهم ثماني
مئة، ويقال: زادت القتلى على ثلاثين ألفاً. واندك صاحب حِمْص، ونُهَبَت
خَزائِنه ويَكى ، وقال : قد علمت بأنّا لا نفلح لما سرنا تحت الصُّلبان ، واشتد
الحصار على دمشق .
وجاءت من الحج أم المُستعصم ومجاهد الدين الدُّويدار وقيران (٢)،
وكان وفداً عظيماً .
ومات الوزير ابنُ الناقد ، فوزر المؤيدُ ابنُ العَلْقَمِي والأستاذُ دارية
لمحيي الدين ابن الجوزي .
ودخلت سنة ثلاث وأربعين : والحصار على دمشق وتَعَثَّرت الرَّعيّة
وخَربت الحواضر ، وكَثُرَ الفناء ، وفي الآخر ترك البلدَ الصالحُ إسماعيلُ ،
وصاحبُ حمص ، وترَّّلا إلى بعلبك ، ودخل البلد مُعين الدين حسن ابن
الشيخ ، وحكم وعَزل من القضاء محيي الدين ابن الزَّكي ، وولى صدر الدين.
ابن سني الدولة .
وجاء رسول الخلافة ابن الجوزي (٣) بخلع السلطنة للملك الصالح
نجم الدين .
(١) تاريخ الاسلام ، الورقة : ٢٦١ - ٢٦٣.
(٢) قيران الظاهري ، وكان من كبار القواد .
(٣) هو جمال الدين عبد الرحمان ابن الصاحب محيي الدين يوسف بن عبد الرحمان ابن
الجوزي .
-
١٧٦

وفيها جاءت فرقة من التتار إلى بعقوبا فالتقاهم الدُّويدار ، فكسرهم .
وفي ذي القعدة بلغت غرارة القمح بدمشق ألفاً ومئتي درهم(١) .
وفي سنة أربع وأربعين (٢): عائَت الخُوارزمية وَتَخْرّبت القرى،
فالتقاهم عسكر حَلَب وحِمْص ، فكُسروا شرّ كَسْرَة على بُحيرة حِمْص ، وقُتِلَ
مُقَدَّمهم بركة خان ، وحار الصالح إسماعيل في نفسه ، والتجأ إلى صاحب
حلب .
وفيها ختان أحمدَ وعبدِ الرحمن ولدي الخليفة وأخيه عليّ (٣)، فمن
الوليمة ألف وخمس مئة رأسِ شواء (٤) .
وقدم رسولان من التتار أحدهما من بركة ، والآخر من بايجو ،
فاجتمعوا بابن العَلْقَمِي ، وتعمّت الأخبار (٥) .
وفيها أخذت الفرنج شاطبة .
وفي سنة خمس وأربعين (٦): راح الصالح إلى مصرَ وخلّف جيشَه
يحاصرون عَسْقلان وطَبَرية فافتتحوهما ، وحاصر الحلبيون حِمْص أشهراً
وتعب صاحبها الأشرف فسلمها وُوِّضَ عنها بتلّ باشر في سنة ستّ .
وفي سنةٍ سبعٍ (٧) : هَجَمت الفرنج دِمياط في ربيعٍ الأولِ فهرب
(١) من الدراهم الكاملية .
(٢) تاريخ الإِسلام، الورقة : ٢٦٥ - ٢٦٧ .
(٣) يعني : الأمير عليّ ابن الأمير أبي القاسم عبد العزيز ابن المستنصر .
(٤) هذا غير ما أخرج من الخبز ، والدجاج ، والبيض، والسكر ، والحلوى وغيرها مما ذكره
ابن الساعي نقلاً من خط متولي مطبخ الإقامات. بالخزن (انظر العسجد المسبوك: ٥٤٥).
(٥) في ((تاريخ الاسلام)): ((وتعمّت على الناس بواطن الأمور)).
(٦) تاريخ الإِسلام ، الورقة : ٢٦٧ .
(٧) تاريخ الاسلام ، الورقة : ٢٧٠ .
١٧٧
سير ١٢/٢٣

الناس من البابِ الآخر ، وتملّكها الفرنج صَفْواً عَفْواً نعوذ بالله من الخِذلان،
وكان المسُّلطان بالمنصورة فغضِبَ على أهلها وشنق ستّين من أعيان أهلها ،
وذاقوا ذُلا وجُوعاً، واستوحش العسكر من السُّلطان ، وقيلَ: هَمَّ مماليكُه
بقتلهِ ، فقال نائبه فخر الدين ابن الشيخ : اصبروا فهو على شفا ، فمات في
نصفٍ شعبانَ ، وأُخِفِيَ موته إلى أن أُحضر ابنه المُعَظّم تورانشاه من
حصن كيفا، فلم يبق إلا قليلاً وقتلوه، وكانت وقعة المنصورة في ذي القعدة،
فساقت الفرنج إلى الدّهليز ، فخرج نائب السلطنة فخر الدين ابن الشيخ
وقاتل فَقُتِل ، وانهزم المسلمون وعظم الخطب ، ثم تناخى العَسْكر وكرّوا
على العدوّ فطحنوهم ، وقتلوا خَلْقاً ، ونزلَ النَّصر .
ثم في ذي الحجة كان وصول المُعَظَّم ، وكان نوى أن يفتك بفخر
الدين ، لأنّه بلغَهُ أنه رام السَّلطنة .
واستهلّت سنة ثمانٍ : والفرنج على المنصورة بإزاء المُسلمين ،
ولكنهم في ضَعْف وجُوعٍ ، وماتت خيلهم ، فعزم الفَرنسيس(١) على الركوب
ليلاً إلى دمياط ، فعلم المسلمون ، وكانت الفرنج قد عملوا جِسراً عظيماً
على النيل ، فذَهلوا عن قطعه ، فدخل منه المسلمون فكبسوهم ، فالتجأت
الفرنج إلى مُنْية أبي عبد الله ، فأحاط بهم الجيش ، وظفرَ أصطول المُسلمين
بأصطولهم وغنموا مراكبهم ، وبقي الفرنسيس في خمس مئة فارسٍ وخُذِلَ ،
فطلبَ الطواشي رشيد وسيف الدين القيمري ، فأتوه فطلب أماناً فأمَّناه على أن
لا يمروا به بين الناس، وهرب جمهور الفرنج، وتبعهم العسكر وبقوا جملةً
وجملةً حتى أُبيدت خضراؤهم ، حتى قيل : نجا منهم فارسان ، ثم غرقا في
البحر ! وغنم المسلمون ما لا يُعَبَّر عنه .
(١) هو ملك فرنسا لويس التاسع ، لعنه الله .
١٧٨

أنبأني الخَضِر بن حَمويه ، قال : لو أراد ملكهم لنجا على فَرَسِهِ ولكنّه
حمى ساقيه ، فأسر هو وجماعة ملوك وكُنود(١) فأُحصي الأسرى فكانوا نَّفاً
وعشرين ألفاً ، وَغَرِقَ وقتل سبعة آلاف ، وكان يوماً ما سمع المسلمون
بمثله ، وما قُتِلَ من المسلمين نحو المئة ، واشترى الفرنسيسُ نفسه بردّ دمياط
وبخمس مئة ألف دينار .
وجاء كتابُ المعظّم ، وفيه في أول السنة ترك العدو خيامهم ، وقصدوا
دمياط ، فعمل السيفُ فيهم عامّة اللّيل ، وإلى النهار ، فقتلنا منهم ثلاثين ألفاً
غير مَن ألقى نفسه في الماء ، وأما الأسرى فحدث عن البحر ولا حرج .
وفي أواخر المحرّم قتلوا المُعَظِّم .
وفيها استولى صاحب حلب على دمشقَ ، ثم سار ليأخّذَ مصرَ ، وهزم
المصريين ، ثم تناخوا وهزموه وقتلوا نائبه .
واستولى لؤلؤ على جزيرة ابن عمر ، وقتل ملكها في سنة تسعٍ .
وفي سنة خمسين : أغارت التتار على ميافارقين وسروج ، وعليهم
كشلوخان المَغُلي .
وفي سنةٍ إحدى وخمسين : أخذ المسلمون صَيْدا ، وهرب أهلها إلى
قلعتها .
وفيها قدمت بنتُ علاءِ الدین صاحب الرُّوم ، فدخل بها صاحبُ
دمشقَ الملك الناصرُ ، فكان ◌ُرساً مشهوداً وعُملت القبابُ ، وكان الخُلْف
واقعاً بين الناصر وبين صاحب مصرَ المعز ، ثم بعد مدة وقع الصُّلحُ .
(١) جمع : كند ، وهو الكونت .
١٧٩

وفي سنة أربعٍ وخمسين : كان ظهور الآية الكبرى وهي النار بظاهرٍ
المدينةِ النبويةِ ودامت أياماً تأكل الحجارة ، واستغاث أهلُ المدينة إلى .
الله وتابوا ، وبَكَوْا ، ورأى أهلُ مكة ضوءَها مِن مكةً ، وأضاءت لها أعناقُ
الإِبلِ بُيُصْرَى، كما وعد بها رسولُ اللهِ وَّ فيما صحَّ عنهُ . وكُسِف فيها
الشّمسُ والقمرُ، وكان فيها الغَرَقُ العظيمُ ببغدادَ ، وهلك خلقٌ من
أهلها ، وتهدمت البيوتُ ، وطَفَحَ الماء على السُّور .
وفيها سار الطاغية هولاكو بن تولي بن جنكزخان في مئة ألف ،
وافتتح حصن الألموت ، وأبادَ الإِسماعيلية وبعثَ جيشاً عليهم باجونَوِين ،
فأخذوا مدائنَ الرُّوم ، وذلّ لهم صاحبُها ، وقتل خلق كثير .
وفيها كان حريق مسجد النبي 18ّ جميعِه في أول رمضان من
مسرجة القَيّم ، فللّه الأمر كُلُّه .
وفي سنة خمس وخمسين : مات صاحب مصرَ الملكُ المعزّ أيبك
التّركماني ، قتلْه زوجتُه شجرُ الدُّرّ في الغيرةِ ، فَوُسّطتْ .
وجرت فتنةٌ مهولةٌ ببغدادَ بين الناس وبين الرَّافضة ، وقُتِلَ عدّة من
الفريقين ، وعظُمَ البلاءُ، ونُهبَ الكَرْخُ ، فحنق ابن العَلْقَميّ الوزيرُ
الرافضيُّ، وكاتب هولاكو، وطَمَّعَهُ في العِراق ، فجاءت رُسُل هولاكو
إلى بغدادَ ، وفي الباطنِ معهم فرمانات لغير واحد ، والخليفة لا يدري ما
يتم ، وأيامُه قد ولّت ، وصاحب دمشق شابٌّ غرِّ جبانٌ، فبعث ولدَهُ
الطّفلَ مع الحافظيّ بتقادم وتحفٍ إلى هولاكو فخضع له ، ومصر في
اضطراب بعد قتل المُعزّ ، وصاحب الرُّوم قد هرب إلى بلاد الأشكري ،
فتمرّد هولاكو وتجبَّ، واستولى على الممالك ، وعاث جُندُهُ الكَفَرةُ
يقتلون ويأسرون ويُحرقون .
١٨٠