Indexed OCR Text
Pages 221-240
دور دمشق ، وَهَرَبَ النّاسُ إلى الميادين، وَسَقَطَ من الجامع ستة عشر شُرفة ، وتَشَقّقت قُبَّة النَّسر. إلى أن قال - والعُهدةُ عليه - : وأُحْصِيَ من هَلَك في هذه السنة فكان ألف ألف ومئة ألف إنسان . ثم قال : نقلت ذلك من تاريخ أبي المظفر سبط ابن الجوزيّ . وكانت خُراسان في هيج وحُروب على المُلْك ، والتقى جيش السُّلطان غياث الدين الغُوريّ كُفّار الهند فانهزم الكفار . وانبأني ابن البُزُوريّ في تاريخه، قال: زُلْزِلت الجزيرة والشام ومصر، فتخرّبت أماكن كثيرة جداً بدمشق وحمص وحماة ، واستولى الخراب على صُور وعكا ونابلس وطرابلس ، وانخسفت قرية ، وخربت عدة قلاع . وحارب المُعزبن(١) إسماعيل بن سيف الإِسلام صاحب اليمن عَلَوياً(٢) خرج عليه فهزم العلوي وقتل من جنده ستة آلاف ، وقهر (٣) الرعية ، وادعى أذّه أُموي، وتسمَّى بأمير المؤمنين . وقَدِمَ مُدرس النِّظامية ، وكان قد بعث رسولاً من الناصر إلى الغُوري . ونُدب طاشتكين للحج ، ولمحاربة المعزّ باليمن ، فبعث إلى أمراء ينذرهم ويحضُّهم على طاعة الإِمام ، فشدوا على المُعزّ فقتلوه . سنة ثمان وتسعين: تناقص الفناء بمصر لقِلّة من بقيَ، فكم من قرية كبيرة لم يبق بها بشر، حتى لَنَقَلَ بعضُهُم أن بَلَداً كان بها أربع مئة نول للنسّاجة لم يبق بها أحد . (١) في الأصل : المغرب ، وهو تحريف . (٢) هو عبد الله بن حمزة العلوي المتغلب على جبال اليمن ، وقارن الكامل لابن الأثير : ١٧١/١٢. (٣) يعني : المعز بن اسماعيل . ٢٢١ وأرّخَ العز النسّابة خبر الزلزلة فيها فوهم وقال(١): هي الزَّلزلة العُظمَى التي هدمت بلاد الساحل صور وطرابلس وعرقة ورمت بدمشق رؤوس المآذن ، وأهلكت اثنين (٢) بالكلّاسة. سنة ٥٩٩ : قال لنا ابن البُزُورِيّ : ماجت النُّجوم وتطايرت كالجراد ، ودام ذلك إلى الفَجْر ، وضج الخَلْق إلى الله . ومات سلطان غَزْنَة غياث الدين ، وقام بعده أخوه شهاب الدين . وأبعَدَ العادلُ ابنَ ابن أخيه المنصور العزيز إلى الرُّها، وحاصرَ ماردين ، ثم صَالَحَهُ صاحبُها على حمل مئة وخمسين ألف دينار في العام، وأن يخطب له ، والتقى صاحبُ حماة المنصور الفرَنجَ مرتين ويهزمهم . وفي سنة ست مئة : التقى الأشرف ابن العادل وصاحب المَوْصل نور الدين فكَسَرَهُ الأشرف، وأسر أمراءَهُ ثم اصطلحا ، وتزوّجَ الأشرف بالأتابكية اُخت نور الدين . ودخلت الفرنج في النِّيل (٣) فاستباحوا فوّة يوم العيد . ونازل صاحب سيس أنطاكية وجدّ في حصارها ، ثم ترحّل خوفاً من عسكر حلب ، ثم بعد أيام أقبل وهجم أنطاكية بمواطأة من أهلها ، فقابله البرنس ساعة ثم التجأ إلى القلعة ، ونادى بشعار صاحب حلب وسرّح بطاقة فسارع لنجدته صاحب حلب ، ففرّ الأرمنيّ . وأقبلت جيوش الفرنج من كل ناحية إلى عكّا عازمين على قصد (١) نقل الذهبي ذلك من أبي شامة : ٢٩ . (٢) يعني : رجلين ، وكان أحدهما مغربياً والآخر مملوكاً تركياً. (٣) في جهة مدينة رشيد ( انظر مفرج الكروب : ١٦١/٣) . ٢٢٢ القدس ، ونزلَ العادل تحت الطُّور ، وجاءته أمداد العساكر ، وأغارت الفرنج وعائت ، واستمر الخوف شهوراً . وما زالت قسطنطينية للروم فتحزبت الفرنج وملوكها في هذا الوقت . وسنة إحدى وست مئة : احترقت دار الخلافة ، وكان أمراً مهولاً حتى قيل : إنَّ قيمة ما ذهبَ ثلاثة آلاف ألف دينار وسبع مئة ألف دينار ، قاله أبر شامة(١) . وفيها وقعت الهُدنة بين العادل وبين الفرَنْج بعد أن عاثوا وأغاروا على حمص وعلى حماة ، ولولا ثبات المنصور لراحت حماة ، ثم أغاروا على جَبَلة واللّذقية واستضروا، وكان العادل قد مضى إلى مصرَ فخاف وأهَمَّهُ أمر العدو، ثم عَمل هِمَّة، وأقبلَ في سنة ثلاث وست مئة فحاصر عَكّا مُدّة ، فصالحوه ، فلم يَغْتَرَ ، وطلب العَسْكَر من النَّواحي وانفقَ الأموالَ ، وعلم أن الفَرَنج لا ينامون ، فنازلَ حصن الأكراد ، وأخذ منها بُرجاً ، ثم نازلَ طرابلس مُدةً فملَّ جُندهُ ، وخضعَ له ملكُ طرابلس وسَيَّر له تُحَفاً وثلاث مئة أسير ، وصالح . واستضرت الكُرج ، وعائوا بأذر بيجان ، وقتلوا خَلْقاً، وعَظُم البلاءُ ، فالتقاهم صاحب خِلاط ونَجْدة من الرُّوميين ، فَنَصَر الله وقُتِلَ طاغيةُ الكُرج . وفي سنة ٦٠٢ : وزر النَّصير بن مهدي العلويّ ، وركب وبين يديه دواة مُحَلّة بألف مثقال، ووراءه المَهْد وألوية الحَمْد والكوسات(٢) والعَهْد مَنْشُوراً (١) ذيل الروضتين : ٥١ . (٢) جمع : كوسة ، وهي صنوجات في نحاس شبه الترس الصغير ، يدق بأحدها على الآخر بايقاع مخصوص . وكانت تضرب عادة لمثل هؤلاء الكبار في بعض أوقات الصلوات ، حسب مقامهم. ( انظر المنتظم: ٦/٩، وصبح الأعشى: ٩/٤، ٤٣) وغيرهما . ٢٢٣ والأمراء مشاة فَعذَّبَ الوزير ابن حديدة ، وصادره ، فهرب منه ثم ظهر بعد مدة خبره بمراغة . وأغارت الأرمن على نواحي حَلَب ، وكبسوا العَسْكر ، وقتلوا فيهم فسارع الظاهر وقصد ابن لاون ، ففرّ إلى قلاعه . وَسَلَّم خوارزم شاه بلد تِرْمِذ إلى الخطا مَكِيدة ليتمكن من تملّك خُراسان . وفيها وُجِدَ بإرْبِل خروفٌ وجهه وجه آدمي . وسار صاحب الرَّي إيدغمش ، فافتتح خمس قلاع للإِسماعيلية وصمِّم على أخذ ألموت ، واستئصالهم . وكانت خُراسان تموج بالحروب . وفي سنة أربع : قَصَدَ خُوارم شاه الخطا في جيش عظيم ، فالتقوا وتمّت بينهم مصافّات ، ثم وقعت الهزيمة على المُسلمين ، وقُتِلَ خَلْق ، وأُسِر السُّلطان وأميرٌ من أمرائه فأظهر أنّه مملوك للأمير ، فبقي الذي أسرهما يحترم الأمير، فقال: أحب أن تقرّر عليّ مالاً وأبعث مملوكي هذا حتى يحضر المال ، فانخدع الخطائيّ وسَيَّبَ المملوك ومعه من يخفره ويحفظه إلى خُوارزم فنجا السُّلطان ، وتمت الحيلة وزُيِّنت البلاد ، ثم قال الخطائي لذاك الأمير : قد عدم سلطانكم قال : أوما تعرفه ؟ قال : لا ، قال: هو مملوكي الذي راح . قال الخطائي : فَسِرْ بنا إلى خدمته وهَلّ عرفتني حتى كنت أخدمه(١)! ؟ وكان خوارزم شاه محمد قد عَظُم جداً، ودانت له الأمم ، وتحت يده ملوك وأقاليم . (١) هذه إعادة لما ذكره المؤلف في ترجمته من ((السير)). ٢٢٤ وفي سنة ٦٠٥ : كانت الزلزلة العظمى بنّيْسابور دامت عشرة أيام ، ومات الخَلْقُ تحت الرَّدْم . وفي سنة ٦٠٦ : حاصر ملك الكُرج خِلاط ، وكاد أن يأخذها وبها الأوحد ابن الملك العادل ، فقال لإِيواي (١) الملك منجمُهُ: ما تبيت الليلة إلّ في قلعة خِلاط ؛ فاتفق أنّه سكرَ وحمل في جيشه وخرج المسلمون ، والتحم الحرب ، وقُتِل خلق وأُسِرَ إيواي فما باتَ إلّ في القلعة، ونازلت الكُرج أَرْجيش(٢) وافتتحوها بالسيف . وكان العادل ربما تركَ الجِهاد وقاتل على الدُّنيا ، فحاصر سنجار مدة . وقال ابن الأثير (٣) : سار خوارزم شاه فعبر جيحون بجيوشه فالتقاه طاينكو طاغية الخطا فانهزمت الخطا وأسر ملكهم وأتى به خوار زمشاه فبعث به إلى خوارزم . وعصى صاحب سمرقند على حموه (٤) خوارزمشاه ، وظلم وتمرد وقتل من عنده من العسكر الخوارزمية ، فنازله خوارزم شاه وأخذ منه سمرقند ، وبذل فيها السيف ، فيقال: قُتِلَ بها مئتا ألف مسلم ، ثم زحف على القلعة وأسر ملكها فذبحَهُ . وفي (٥) هذا الوقت أول ما سُمِعَ بذكر الَّتار ، فخرجوا من أراضيهم بادية الصِّين ، وراء بلاد تُركستان ، فحاربوا الخَطا مَرّات وقووا بكسرة خوارزم (١) هذا اسم الملك. (٢) بالقرب من خلاط ، كما في معجم البلدان . (٣) الكامل: ٢٦٧/١٢ وذكر ابن الأثير ذلك في حوادث سنة ٦٠٤، لكنه أشار إلى ان هذه الوقعة كانت سنة ٦٠٦ . (٤) لأن خوارزمشاه كان قد زوجه ابنته . (٥) هذا من ابن الأثير أيضاً : ٢٦٩/١٢ - ٢٧١ بتصرف . ٢٢٥ شاه للخطا ، وعاثوا . وكان رأسهم يدعى كشلوخان(١) ، فكتب ملك الخَطَا إلى خُوارزمشاه : ما جرى بيننا مَغْفُور ، فقد أتانا عدو صَعب ، فإنْ نُصِروا علينا فلا دافع لهم عنك ، والمَصْلَحَة أن تُنجدنا ، فكتب : ها أنا قادم لنصرتكم ، وكاتب كشلوخان : إنني قادم وأنا معك على الخطا ، فكان بئس الرأي ، فأقبل ، والتقى الجمعان ، ونزل خوارزم شاه بإزائهما يوهم كلّ من الفرقين أنه معه ، وأنه كمين له ، فوقعت الكَسْرة على الخطا فمال خُوارزم شاه حينئذ معيناً لكشلوخان ، واستحر القتل بالخَطَا ، ولجؤوا إلى رؤوس الجبال ، وانضم منهم خَلْقٌ إلى خُوارزم شاه، وَخَضَعَ له كشلوخان ، وقال : نتقاسم مملكة الخَطَا ، فقال خُوارزم شاه : بل البلاد لي ، وسار لحربه ، ثم تبين له قوة التتار ، فأخذ يراوغهم ، ويكبسهم، فبعث إليه كشلو : ما ذا فِعْلُ مَلِكٍ ، ذا فِعْل اللّصوص، فإن كنتَ مَلِكاً فاعمل مصافّاً(٢) ، فلم يجبه ، وأمر أهل فرغانة والشاش ومدائن الترك بالجفل إلى بخارى وسمرقند ، وَخَرَّب المدائن ودحاها عجزاً عن حفظها منهم . ثم خرج على كشلو خان الطاغية جنكزخان ، فتحاربوا مدة ، وظفر جنكزخان ، وَطَغَى، وَتَمَرَّدَ ، وأبادَ البلاد والعباد، وأخذَ أقاليم الخَطا ، وجعلَ خان بالق دارَ مُلكه، وأفنى الأمَمَ بإقليم التُّرك وما وراء النّهر وخُراسان ، وهزَمَ الجيوش ، وما جَرَى له فسيرةٌ مُفْرَدَةٌ ، وقد جَوَّدَ وَصْفَهُم المُوفَّق البَغْدادِيُّ ، فقال : (١) ويقال فيه: (( كشلي خان )) أيضاً . (٢) في الأصل : مصاف. وهذه التعابير معظمها للذهبي مع أنه نقل المادة من ابن الأثير، وقد أشرنا غير مرة أن الذهبي ينقل المعنى ، ويغير في الألفاظ ويختصر النصوص ويصيغها بصياغته، وهذا تجوز منه رحمه الله. وفي كامل ابن الأثير: ((وإلا إن كنت سلطاناً، كما تقول، فيجب أن نلتقي، فإما أن تهزمني وتملك البلاد التي بيدي ، وإما أن أفعل أنا بك ذلك . فكان يغالطه ولا يجيبه إلى ما طلب )) . ٢٢٦ حديثُهُم حديثٌ يأكلُ الأحاديثَ ، وَخَبَرٌ يُنْسي التواريخ ، ونازلةٌ تُطبق الأرضَ ؛ هذه أمةٌ لُغَتُها مَشُوبة بلغة الهِنْد لمجاورتهم ، عِراض الوجوه ، واسعو الصُّدور، خِفاف الأعجاز ، صِغار الأطراف ، سُمرٌ ، سريعو الحركة ، تصل إليهم أخبارُ الأمم ، ولا تصل أخبارها إليهم ، وقَلَّما يَقدر جاسوسٌ أن يتمكّن منهم ؛ لأن الغريب لا يشبههم ، وإذا أرادوا وجهةً كتموا أمرهم ، ونَهَضُوا دَفْعَة ، فتنسَدُّ لهذا على النّاس وجوه الحِيَل ، وتضيق طُرُق الهَرَب ، ويسبقون التأهّب ، نساؤُهم يُقاتلن ، يقتلون النِّساء والولدان بغير استثناء ، وربما أبقوا ذا صَنْعَة أوذا قوةٍ ، وغالب سلاحهم النُّشَّاب ، ويطعنون بالسيوف أكثر مما يضربون بها ، جواشِئُهُم من جلود ، وخيلهم تأكل الكلأ وما تجد من ورقٍ وخَشَب ، وسُرُوجهم صغار ليس لها قيمة ، وأكلهم أي حيوان وُجِدَ وَتَمَسُّه النّارُ ، تحلة القسم ، ليس في قتلهم استثناء ، كان قصدهم إفناء النَّوعِ، ما سَلِمَ منهم إلّا غَزْنَة وأصبهان . قلت : ثم استباحوا أصبهان سنة ٦٣٢ . قال : وهذه القبيلة الخبيثة تُعرف بالتمرجيّ سُكان براري قاطع الصين ، ومشتاهم بأرغون، وهُم مشهورون بالشِّر والغَدْرِ ، والصّين مُتَّسِعٌ وهو ست ممالك . قانُهُم الأكبر مقيم بطَمْغاج ، وكان سُلطان أحد الممالك الست دوش خان زوج عمة جنكزخان ، فزارَ جنكزخان عمته إذْ مات زوجُها ومعه كشلوخان ، فقالت : زوجي ما خلف ابناً فأرى أن تقوم مقامه ، فقام جنكزخان ، ونفذ تحفاً إلى القان الكبير، فَتَنَمَّرَ ، وأنف من تَمَلّك تتريّ (١)، فتعاقد جنكز خان وكشلوخان على التّناصر ، وأبدوا الخلاف ، وكثر (١) جاء في حاشية الأصل: ((التتري معناه الفلاح)) ٢٢٧ جمعهم ، فالتقوا ، فطحنوا عساكر البلاد ، وعلم القان قوتهم ، فأرسلَ يُخَوِّفهم ، ثم التقوه ، فكسروه أقبح كَسْرَة ، ونجا القان بنفسه واستولى جنكز خان على بلاده ، فراسله القان بالمسالمة وقنع بما بقي في يده ، وسارا إلى ساقون من الصين فملكاها . ثم ماتَ كشلوخان فقام بعده ولده ، فلم يكن له مع جنكز خان كبير أمر ، فتألم ، وافترقا ، وتحاربا ، فظفر جنكز خان به ، وانفردَ ودانت له قبائل المغول، ووضع لهم ياسةً(١) يتمسكون بها ، لا يخالفونها ألبتة ، وتعبدُوا بطاعته وتعظيمه ، ثم أوَّل مصاف وقع بين خوارزم شاه وبین التّتار کان قائدهم وَلَدُ جنکز خان دوشي خان ، فانهزم دوشي خان ، ورجع خوارزم شاه من بلاد الترك في هَمٍّ وفِكْرٍ من هذا العدو لما رأى من کثرتهم وإقدامهم وشجاعتهم . وفي سنة ٦٠٧ : اتفقت الملوكُ على العادل : سلطانُ الرُّوم ، وصاحب المَوْصِل ، والظاهر ، ومَلِك الجزيرة ، وصاحب إرْبِل ، وعزموا على إقامة الخطبة بالسَّلْطَنة لصاحب الرُّوم خسرو شاه بن قِلْج أرْسلان ، وحَسَّنوا للكُرْج قصد خِلاط فلما أُسر مقدمهم تفرقت الآراء ، وصالحوا العادل ، وافتكّ إيوائي نَفْسَهُ بألفي أسير وثمانين ألف دينار وعشرين قلعة كان قد تَغَلَّب عليها ، وأن يزوِّجَ الملكَ الأوحد بابنته ، فعاد إلى مُلْكِهِ وسُومِحَ ببعض ما التزمه ، ولمّا تَمَلَّكَ الأشرف خِلاط ، تزوَّجَ بابنة إيوائي ، وتزوَّجَ صاحبُ الموصل بينت العادل فمات قبل وصولها إليه(٢) . ونقصت دجلة إلى الغاية ، حتى خاضها الناس فوق بغداد . سنة ٦٠٨ : فيها استباح ركبَ العراق قَتَادَةُ صاحبُ مكة ، وقُتِلَ عدة (١) الياسة : هي شريعة المغول وقانونهم. (٢) من ذيل الروضتين : ٧٥ - ٧٦ . ٢٢٨ وخُرِّجَ خلق فيقال : ذهب للوفد ما قيمته ألفا ألف دينار . وزفت بنت العادل ضَيْفَة إلى صاحب حَلَب الظاهر ، تَزوَّجها على خمسين ألف دينار ، وَنَفَّذَ جهازها على ثلاث مئة جمل وخمسين بغلاً ، وخمسون جارية ، وخلعَ عليها الزَّوجُ جواهر بثلاث مئة ألف درهم . وتملّك ألبان صاحب عكا أنطاكية ، فشنّ الغارات على التُّركمان ، وهجم على بُورة(١) من إقليم مصر فاستباحها فَبَّته التركمان وقتلوه ، وقتلوا فرسانه . وفي سنة ٦٠٩ : الملحمة الكُبرى بالأندلس وتُعرف بوقعة العقاب بين الناصر محمد بن يعقوب المُؤمني وبين الفرنج ، فنزل النصر لكن استُشهد خلقٌ كثير . سنة عشر : قال أبو شامة : وفيها خلص خوارزم شاه من الأسر ، خطر له أن يكشف النَّتار بنفسه ، فدخل فيهم هو وثلاثة بزيهم فقبضوا عليهم فضربوا اثنين فماتا تحت العذاب ، ورسموا على خوارزم شاه وآخر فهربا في الليل (٢) . وقتلت التركمان إيدغمش صاحب الري وهمذان فتألم الخليفة . وتمكن منكلي ، وعظم . في سنة ٦١١ : تَمَلَّكَ خوارزم شاه كَرْمان ومُكْران والسِّند ، وخطب له بُهُرمُز وهلوات وكان يصيف بسمرقند ، وإذا قصد بلداً سبق خبره . (١) مدينة على الساحل قرب دمياط . (٢) ذيل الروضتين : ٨٣ - ٨٤ . ٢٢٩ وفي سنة ٦١٢ : أغارت الكُرْج على أذربيجان وغنموا الأموال وأزيد من مئة ألف أسير ، قاله أبو شامة (١) . وبعث الملك الكامل ولده المسعود فأخذ اليمن بلا كُلفة وظَلَمَ وَعَتَا وتمرّد . وتَوَتَّب خُوارزم شاه على غَزْنَة فتملّكها ، وجعلَ بها ولده جلال الدين منگوبري . وهزم صاحبُ الرُّوم كيكاوس الفرَنجَ وأخذَ منهم أنطاكية ، ثم صارت لِيرِنْس طرابلس . وفيها كُسِرَ مَنْكلي صاحب أصبهان والرَّي وَهَمَذَانَ وَقُتِلَ . وفي سنة ٦١٣ : أحضرت أربعة أوتار(٢) لنسر القبة(٣) طول اثنين وثلاثين ذراعاً أُدخلت من باب الفرج (٤) الى باب الناطفيين، وأقيمت لأجل القرنة ، ثم مددت . وحُرِّرَ خندق القلعة (٥) وعمل فيه كل أحد ، والفقهاء والصوفية والمُعَظِّم بنفسه ، وأنشِىء المصلى وعمل به الخطبة . ووقع بالبصرة بَرَد صغاره كالنارنج . وفي سنة ٦١٤: كان الغرق. قالَ سِبْط الجوزيّ(٦) - بقلّة وَرَعٍ - : (١) ذيل الروضتين : ٨٩. (٢) في ذيل الروضتين: ((أوتاد)) مصحف . (٣) يعني: لقبة النسر في جامع دمشق الأموي، وقد قال المؤلف في ((تاريخ الإِسلام)) - ونقلتُ من خطه -: (( قال أبو شامة : فيها أحضرت الأوتار الخشب لأجل نسر قبة الجامع)) ( الورقة: ٢٣٠ أيا صوفيا : ٣٠١١) وقارن : ذيل الروضتين : ٩٢. (٤) شطح قلم ناسخ الأصل فكتب ((الفرنج)). (٥) هو خندق باب السر . (٦) مرآة الزمان : ٥٨٢/٨. ٢٣٠ فانهدمت بغدادُ بأسرها ولم يبق أن يطفح الماء على رأس السور إلا قدر إصبعين . إلى أنْ قال : وبقيت بغدادُ من الجانبين تلولاً لا أثر لها . قلت : العجب من أبي شامة (١) ينقل أيضاً هذا ولا يبالي بما يقول . وقال أبو المظفر (٢): نزلَ خُوارزم شاه في أربع مئة ألف قاصداً بغدادَ فاستعدّ الناصر، وَفَرَّقَ الأموالَ والعُدَدَ ، ونفذ إليه رسولاً السُّهْرَ وَرْدِيّ(٣)، فأهانه فاستوقفه ولم يجلسه ، وفي الخدمة ملوكُ العَجَم ، قال : وهو شاب علی تخت ، وعليه قباء يساوي خمسة دراهم ، وعی رأسه قُبع جلدٍ يساوي درهماً ، فسلَّمتُ فما ردّ ، فخطبت وذكرت فضل بني العباس ، وَعَظَّمتُ الخليفة والتُّرجمان يعيد عليه ، فقال للترجمان : قل هذا الذي يصفه : ما هو في بغداد ، بلى أنا أُقيمُ خليفةً كما تَصِفُ ، وردَّنا بلا جواب . ونزل ثلج عظيم فهلكت خيلهم وجاعوا ، وكان معه سبعون ألفاً من الخَطا ، فصرفه الله عن بغدادَ ، وقيل: إِنَّه قال : أنا مَنْ (٤) آذيت أحداً من بني العباس ؟ بل في جيش الخليفة خلق منهم ، فأعِد هذا على مسامع الخليفة ، ومنعه الله بثلوج لا تُوصف . وفيها أقبلت جيوش الفرَنْج لقصد بيت المقدس والأخذ بالثأر ، ووصلوا إلى بَيْسان، وتأخر العادل فتبعوه ، ونزل بمرج الصُّفَّر(٥) واستحثَّ العَساكر والمُلوك وضجَّ الخَلْقُ بالدُّعاء وكانت هُدْنة فانفسخت ونهبت الفرَنج بلادَ (١) ذيل الروضتين : ١٠٠ . (٢) مرآة الزمان: ٥٨٢/٨ - ٥٨٣. (٣) شهاب الدين عمر المتوفى سنة ٦٣٢ . (٤) هكذا في الأصل ، وفي ((تاريخ الإِسلام)) - بخط المؤلف - وفي ذيل الروضتين : ((ما ) . (٥) التقييد من معجم البلدان)). ٢٣١ الشام ووصلوا إلى الخربة(١) ، وحاصروا قلعة الطُّور التي بناها المعظم مدةً ، وعجزوا عنها ، ورجعوا فجاء المُعَظِّم ، وخلعَ على من بها ، ثم اتفق هو وأبوه على هدمها ، وأخذت خمس مئة من الفرنج جزين وفَرَّ رجالها في الجبل ، ثم بيّتوا الفرنج ، فاستحر بهم القتل حتى ما نجا من الفرنج سوى ثلاثة. وبادرت الفَرَنج إلى قصد مِصْرَ لخلوها من العساكر ، وأشرفَ الناس على التََّف وما جَسَرَ العادل على الملتقى لِقِلّة من عنده من العساكر ، فتقهقر . ودخلت سنة ٦١٥ : فنازلت الفرنجُ دمياط ، وأقبل الكامل ليكشف عنها فدام الحصار أربعة أشهر ، ومات العادل وخلص واستراح . وفيها كَسَرَ الأشرفُ صاحبَ الرُّومِ ، ثم أقبل وأخذ معه عسکر حلب مُغيراً على سواحل الفَرَنج . وأخذت الفرنج بُرج السِّلسلة من دمياط ، وهو قُفْل على مصر ؛ برج عظيم في وسط النيل فدمياط بحذائه ، والجيزة من الحافة الغربية ، وفيه سلسلتان تمتد كل واحدة على وجه النيل إلى سور دمياط وإلى الجيزة يمنعان مركباً يدخل من البحر في النيل ، وَعَدَتِ الفَرَنج إلى بَرّ دمياط ، فَفَرَّ العساكرُ من الخيام ، فطمعَ العدو، ثم كر عليهم الكامل فطَحَنَهُم ، فعادوا إلى دمياط . ومات كيكاوس صاحب الروم ، وكان جباراً ظَلُوماً . ومات القاهر مسعود صاحب الموصل . ورجع من بلاد بُخارى خوارزم شاه إلى نَيْسابور، وقد بلغه أن التتار (١) وتعرف بخربة اللصوص . ٢٣٢ قاصدوه ، وجاءه رسول جنكز خان يطلب الهدنة يقول : إنَّ القان الأعظم يسلّم عليك ويقول: ما يخفى عليَّ عظم سلطانك وأنت كأعزّ أولادي وأنا بيدي ممالك الصين ، فاعقد بيننا المَوَدَّة ، وتأذن للتجار وتنعمر البلاد ، فقال السلطان لمحمود الخوارزميّ الرسول : أنت منا وإلينا ، وأعطاه جواهر وطلب أن يكون مُناصحاً له فأجابه ، فقال : اصدقني ، تَمَلَّكَ جنكز خان طمغاج ؟ قال: نعم، قال: فما المَصْلَحَة؟ قال: الصُّلح. فأجاب. فأعجب ذلك جنكز خان ومشى الحال . ثم جاء من جهة التتار تجار فشرهت نفس خال السلطان متولي ما وراء النهر إلى أخذ أموالهم ، وقبض عليهم وظنهم جواسيس للتتار، فجاء رسول جنكز خان يقول: إنّك أمّنت تجارنا والغدر قبيح، فإن قلت: فعلَهُ خالي فسلِّمه إلينا وإلا سترى مني ما تعرفني به ، فحارت نفس خوارزم شاه ،. وتَجَلَّد ، وأمر بقتل الرُّسل ، فيا بئس ما صنعَ ، وحَصَّن سمرقند وشحنها بالمقاتلة فما نفع ، وقضي الأمر . ودخلت سنة ٦١٦ : فتقهقر خُوارزم شاه ، وأقبلت المُغْل كالليل المظلم، وما زال أمرُ خوارزم شاه في إدبار، وَسَعْدُهُ فِي سَفَال ، وَمُلكه في زوال ، وهو في تقهقر واندفاع إلى أن قارب هَمَذَان ، وتفرّق عنه جمعُه ، حتى بقي في عشرين ألفاً ، فما بلع ريقَه إلا وطلائعُ المُغل قد أظلَّته ، وأحدقوا به ، فنجا بنفسه ، واستحرَّ القتل بجُنده، وفَرَّ إلى الجَبَل ، ثم إلى مازندران ، ونزل بمسجد على حافة البحر يصلي بجماعة ويتلو ويبكي ، ثم بعد أيام كَبَسَهُ العدو ، فهرب في مركب صغير ، فوصل إليه نشابهم وخاض وراءه طائفة ، فبقي في لجّة ، ومرض بذات الجَنْب ، فقال : سبحان الله ما بقي لنا من مملكتنا قدر ذراعين نُدفن فيها ، فوصل إلى جزيرة فأقامَ بها طريداً وحيداً مجهوداً ، ومات فكفنه فَرّاشُهُ في عمامته سنة سبع عشرة وست مئة . ٢٣٣ وفي أول سنة ٦١٦: خَرَّب أسوارَ القدس المُعَظّمُ خوفاً من تَمَلّك الفرَنجِ ، وَهَجّ الناسُ منه على وجوههم ، وكان يومئذ أحصن ما يكون ، وأعْمَرَهُ ، وذاك لأنّه كان في نجدة أخيه على دمياط ، وسمعَ أنّ الفرنج على قَصْدِه ، وكان به أخوه الملكُ العزيزُ وعزّ الدين أيْيَك صاحبُ صَرْخَد ، فشرعوا في هدمه ، وَتَمَزَّقَ أهلُهُ وتعثّروا ونهبوا وبيع رطل النحاس بنصف والزيت عشرة أرطال بدرهم ، ونحو ذلك . قال ابن الأثير(١): لما أخذت الفرَنجِ بُرج السِّلْسِلة عملَ الكاملُ على النِّيل جسْراً عَظِيماً ، فالتحم القتال حتى قطعته الفرنج ، فعمد الكامل إلى عدة مراكب وملأها حجارةً وَغَرَّقها في الماء ليمنع مركباً من سلوك ، فحَفَرت الفرَنْجُ خليجاً وأخروه وأدخلوا مراكبهم منه حتى دخلوا بُورة وحاذوا الكامل ، وقاتلوه مرات في الماء ولم يتغير عن أهل دمياط شيء ، لأن الميرة واصلة إليهم . ومات العادل فهمَّ جماعة (٢) بتمليك الفائز بمصر ، فبادر الكامل وأصبح الجيش في خَبْطَة وقد فقدوا الكامل ، فشدت الفرَنج على دمياط وأخذوا برها بلا كُلْفة ولولا ◌ُطف الله وقُدوم المُعَظّم بعد يومين لراحت مِصر ، ففرحَ به الكامل ، وبعثوا عماد الدين أحمد بن المَشْطوب الذي سعى للفائز إلى الشام، وتمادَى حصار الفَرَنج لِمْياط وَصَبَرَ أهلُها صَبْراً عظيماً، وقُتْلَ منهم خلق ، وقلّوا وجاعوا فسلَّموها بالأمان(٣)، فحصّنها العدو وأشرفَ الناس على خطة صَعْبةٍ وَهَمَّ أهلُ مصرَ بالجلاء ، وأخذت في شعبان سنة ست عشرة ، ودامَ الكامل مُرابطاً إلى سنة ثماني عشرة (٤)، وأقبل الأشرف مُنجداً (١) الكامل : ٣٢٤/١٢ فما بعدها بتصرف واختصار . (٢) يتزعمهم الأمير عماد الدين أحمد بن علي المعروف بابن المشطوب . (٣) شطح قلم ناسخ الأصل فكتب ((بالألمان )). (٤) رابط معه عدد كبير من المحدثين والفقهاء وأبلوا بلاءً عظيماً في الجهاد واستشهد منهم = ٢٣٤ لأخيه وقوي المسلمون وحاربوا الفَرَنج مَرّات ، وترددت الرُّسُل في هُدْنة وبذلوا للفرَنْجِ القُدْسَ وَعَسْقَلَان وقِلَاعاً سوى الكَرَك ، فأبوا ، وطلبوا ثلاث مئة ألف دينار عوضاً عن تخريب سُور القُدس ، فاضطر المُسلمون إلى حربهم ، فقلَّت الميرة على الفرنج فَفَجََّ المُسلمون النِّيل على منزلة الفرنج ، ولم يبق لهم مسلك غير جهة ضيِّقة ، فنصبَ الكاملُ الجُسورَ على النِّيل ودخلت العساكر فملكوا المضيق وسُقِطَ في أيدي الفرنج وجاعوا ، فأحرقوا خيامَهُم وأثقالَهُم ومجانيقَهُم ، وعزموا على الزَّحف إلى المسلمين فعجزوا وذلوا وعزَّ المسلمون عليهم ، فطلبوا من الكامل الأمان ، ويتركوا له دمياط ، فبينما هم في ذلك إذا رَهَجِّ (١) عظيم وضَجّة من جهة دمياط فظنوها نجدة للفرنج جاءت ، وإذا به الملك المُعَظِّم في جُنده ، فخُذِلت الملاعين وسَلَّموا دمياط في رجب سنة ثماني عشرة ودخلها المسلمون ، وقد بالغت الكلاب في تحصینها ولله الحمد . أنبأني مسعود بن حمويه ، قال: لما تقرر الصُّلح جلسَ السُّلطان في مخيمه : عن يمينه المُجاهد شيركوه ، ثم الأشرف ، ثم المُعَظِّم ، ثم صاحب حَماة ، ثم الحافظ صاحب جَعْبر، وَمُقَدَّم عسكر حلب ، ومُقَدَّم المَواصلة والماردانين ، ومُقَدَّم جُند إربل وميّافارقين ، وعن شماله نائب البابا ثم صاحب عَكّا ثم صاحب قبرص وصاحب طرابلس وصاحب صَيْدا ثم أرباب القلاع ومقدم الديوية ، ومُقَدّم الإِسبتار ، وكان يوماً مشهوداً ، فأذن السُّلطان بأن يُباع عليهم المأكول فكان يدخل إليهم كل يوم خمسون ألف رغيف ، ومئتا = عدد كبير دفاعاً عن بيضة الإسلام، ذكر عدداً منهم الزكي المنذري في ((التكملة))، والذهبي في ((تاريخ الإِسلام)) وهكذا كان العلماء رضي الله تعالى عنهم . (١) الرَّهَج : الغبار . ٢٣٥ أردب شعير ، وكانوا يبيعون سلاحهم بالخُبز ، وكان السلطان قد أنشأ هناك مدينة سماها المنصورة ، نزلها بجيشه وسوّرها . وفي سنة ٦١٧ : التقى مظفر الدين صاحب إرْبل وبدر الدين لؤلؤ نائب المَوْصِل ، فانهزم لؤلؤ، ونازل مظفر الدين المَوْصل فنجدها الأشرف ، واصطلحوا . وفي رجب وقعة البَرَلَّس(١) بين الكامل والفَرَنج، فنصرَ الله وقُتِلَ من الفرنج عشرة آلاف وانهزموا ، فاجتمعوا بدمياط . وفيها أخذت التّتار بُخارَى وَسَمَرْقَند بالسَّيف ، وعدوا جيحون . قال ابن الأثير (٢): لو قيل: إنَّ العالم منذ خُلِقَ إلى الآن لم يُبتلوا بمثل كائنة الَّار لكان صادقاً ، فإنَّ التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ؛ قوم خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تُركستان ، ثم إلى بخارى وسمرقند فتملكوها ، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها تخريباً وقتلاً إلى الرَّي وَهَمَذَان ، ثم يقصدون أذربيجان ونواحيها ويستبيحونها في أقل من سنة ، أمر لم نسمع بمثله ، ثم ساروا إلى دَرْبَند شروين، فملكوا مُدنَهُ ، وعَبروا إلى بلاد اللان واللكز(٣) قَتْلاً وأسْراً، ثم قصدوا بلاد قَفْجاق فقتلوا من وَقَفَ وهرب من بقي إلى الشعراء(٤) والجبال ، واستولت التتار على بلادهم ، ومضت فرقة أخرى إلى غَزْنة وسِجِسْتَان وَكِرْمان ، ففعلوا كذلك ، وأشد . هذا ما لم يطرق (١) بليدة على شاطىء النيل قرب البحر من جهة الاسكندرية . (٢) الكامل : ٣٥٨/١٢ فما بعدها . (٣) في الأصل: ((الدكز)) وما أثبتناه من ((كامل)) ابن الأثير، و((تاريخ الإِسلام)) للذهبي ، وهو بخطه . (٤) في الكامل: ((إلى الغياض)) وأخذ الذهبي المعنى . ٢٣٦ الأسماع مثله ، فإنَّ الإِسكندر ما ملك الدنيا بهذه السرعة ، بل في نحو عشر سنين ولم يقتل أحداً . وقال (١) : وخيلهم لا تعرف الشعير ، إنّما تحفر بحوافرها وتأكل عروق النبات ، وهم يسجدون للشمس ، ولا يحرِّمون شيئاً ، ويأكلون الحيوانات وبني آدم (٢)، ولا يعرفون زواجاً. وهم صنف من التّرك مساكنهم جبال طمغاج . وبعث خوارزم شاه جواسيس فأتوه فأخبروه أن التتر يفوقون الإِحصاء ، وأنهم أصبر شيء على القتال ، لا يعرفون هزيمة ، فندم خوارزم شاه على قتل تجارهم ، وتَقَسَّم فكره ، ثم عمل معهم مصافاً ما سُمِعَ بمثله ، دامَ ثلاثاً ، وقُتِلَ من الفريقين خلائق لا يُحصون ، حتى لقُتِلَ من المسلمين عشرون ألفاً ، وقد ذكرنا هذه الواقعة ، وأنها ما حضرها چِنْكِز خان ، وتحاجز الجمعان ، ومر خوارزم شاه فترك ببخارى عشرين ألف فارس ، وبسمرقند خمسين ألفاً ، وقال : احفظوا البلاد حتى أجمع الجيوش وأعود ، فعسكّرَ على بَلْخ ، فلما أحاطت النَّار ببُخارى خرجَ عسكرُها في الليل على حَمِيّة وتركوها ، فخرج إلى القان بدرُ الدين ابن قاضي خان يطلب الأمان فأعطاهم ودخلوها في رابع ذي الحجة سنة ست عشرة وست مئة ، ولم يتعرضوا أولاً إلى غير الحواصل السُّلطانية ، وطلبوا منهم العون على حرب مَن بقلعتها فطمّوا خَنْدَقها بالتُّراب والأخشاب حتى بالرَّبعات ، وأُخذت بالسَّيف ، وَصَدَقَ أهلُها اللقاء حتى أُبيدوا ، ثم غدر جِنْكِز خان بالناس وهلكوا وتمزَّقوا ، وسبوا الذُّرية ، وبقيت بخارى كأمس الذاهب . ثم أحاطوا بسمرقند في أول سنة ٦١٧ فقيل: برز من أهلها نحو سبعين ألفاً ، فقاتلوا ، فانهزم لهم النَّتر ، ثم (١) الكامل : ٣٦٠/١٢ فما بعدها باختصار . (٢) لم يقل ابن الأثير انهم يأكلون بني آدم ! ٢٣٧ ٦ حالوا بينهم وبين البَلَد وَحَصَدُوهم ، ثم جَهَّزَ چِنْكِز خان خلف خوارزم شاه فعبروا جيحون خَوْضاً وسباحة ، فانهزَمَ منهم وهم وراءه ، ثم عطفوا فأخذوا الرَّي، ومازَنْدران، وظفروا بأُمِّ خُوارزم شاه ومعها خزائنه ، فأسروها ، ثم أخذوا قزوين بالسَّيف ، وبلغت القَتْلَى أربعين ألفاً ، ثم أخذوا أذربيجان ، وصالحهم ملك تَبْريز ابن البهلوان على أموال ، فمضوا ليشتوا بمُوقان وهزموا الكُرْج ، وأخذوا مَرَاغة بالسَّيف ، ثم قصدوا إرْبل ، فتجَزَّبَ لهم عسكر ، فعادوا إلى هَمَذَان ، وكانوا قد بَدَّعُوا فيها ، وَقَرّروا بها شِحْنَةً ، فطالبهم بأموال فقتلوه وتمنَّعُوا فحاصرَهُم التَّتار، فبرزوا لمحاربتهم ، وقتلوا خَلْقاً من التتار وجُرِحَ فقيههم جِراحات ، ثم برزوا من الغدّ فالتحم القتال ، ثم في اليوم الثالث عجز الفقيه عن الركوب ، وعزمت التتار على الرَّحيل ، لكثرة من قُتِلَ منهم ، فما رأوا من خرج لقتالهم ، فطمعوا وَزَحَفوا على البَلَد في رجب سنة ثماني عشرة ، فدخِلوه بالسَّيف ، فاقتتلوا في الأزقة قتال الموت ، وقُتِلَ ما لا يُحصَى، وأُحرقت هَمَذَان ، وسارت التتار إلى تَبْرِيز فبذَلَ أهلُها أموالاً فساروا إلى بَيْلَقان ، فأخذوها عُنوةً في رمضان سنة ثماني عشرة ، وَحَصَدُوا أهلها ، حتى كانوا يَزْنون بالمرأة ثم يقتلونها ، وساروا إلى كَنْجَة ، وهي أُمّ أران فصانعوهم بالأموال ، ثم التقوا الكُرْج فطحنوهم ، وقُتِلَ من الكُرْج ثلاثون ألفاً ، ثم قصدوا الدَّرْبَند فافتتحوا مدينة سماخي عُنوة ، ولم يقدروا على ولوج الدَّربند ، فبعثوا يطلبون من شروان شاه رسولاً فبعث عشرة فقتلوا واحداً وقالوا لمن بقي : إنْ لم تدلونا على طريقٍ قتلناكم ، قالوا : لا طريق لكن هنا مسلك ضَيِّق ، فمرّوا فيه قتلاً وسبياً وأسرفوا في قتل اللان ، ثم بَيَّتْوا القَفْجاق ، وأَبادوا فيهم ، وأتوا سُوداق(١) فملكوها ، وأقاموا هناك إلى سنة عشرين وست (١) في الأصل: ((سوادق))، وما اثبتناه من كامل ابن الأثير (٣٨٦/١٢) وخط المؤلف = ٢٣٨ مئة . وأما جنكزخان فجهّزَ فِرقة إلى تِرْمِذ وطائفة إلى كلاثة على جانب جيحون ، فاستباحوها ، ثم عادوا إليه ، وهو بسمرقند فجهز جَيْشاً كثيفاً مع ولده لحرب جلال الدين ابن خوارزم شاه ، وحاصروا خُوارزم ثلاثة أشهر وأخذوها ، وعليهم أوكتاي الذي تَملَّك بعد جنكزخان ، وقُتِلَ بها أممٌ لكن بعد أن قَتَلوا خلائق من التتار ، وأخذوا بالسيف مَرْو ، وبَلْخ ، ونيسابور ، وطُوس، وسَرْخَس، وهَراة ، فلا يُحصَى من راحَ تحتَ السَّيف . وقال الموفق عبد اللطيف : قَصَدَت فرقةٌ أذربيجان وأرّان والكُرْج ، وفرقة هَمَذَان وأصبهان وخالَطَت حُلوان قاصدة بغداد ، وماجوا في الدنيا بالإِفساد يعضّون على مَن سَلَّم الأنامل من الغَيط . إلى أن قال : وَعَبَرُوا إلى أمم القَفْجاق واللان فغسلُوهم بالسَّيف، وخرجَ من رقيق التّرك خلقٌ حتى فاضوا على البلاد . وأما الخليفة فإنّه جمعَ الجُموعِ وَجَيَّش الجيوش، وَحَشَر فنادَى ، وأتته البُعوث من كل حَدَب يَنْسلون ، ولما جاء رسول التتار احتفل الجيش وبالغوا ، حتى امتلأ قلبه رُعباً ، ودماغُهُ خيالاً، فرجع مُخَبِّراً . وأمّا أهلُ أصبهَان ففتحوا ، ودخلت التتار ، فمال عليهم الناس قتلاً ، فقل من نجا من التَّتار ، سُئِلَ عنهم الملك الأشرف ، فقال : ما أقول في قوم لم يؤسر أحدٌ منهم قط . وعن نَيْسابوري قال : أُحصي من قُتِلَ بِنَيْسَابور ، فبلغوا أزيد من خمس مئة ألف . ومما أبادوه بلاد فَرْغانة وهي سبع ممالك ، ومتَى التمسَ الشَّخصُ رحمَتَهُم ، ازدادوا عتواً ، وإذا اجتمعوا على خمر ، أحضروا = في تاريخ الإِسلام ، الورقة : ٢٤٤ أيا صوفيا ٣٠١١، وكانت هذه البلدة فرضة التجار يسافرون منها إلى خليج القسطنطينية ( وانظر تقويم البلدان لأبي الفدا : ٢١٤ - ٢١٥ ). ٢٣٩ أَسارى ويمثلون بهم بأن يقَطِّعوا أعضاءَهم ، فكلما صاح ، ضحكوا ، نسأل الله العافية . وقد جمع فیھم من کل وحش رديء خلقه . وقال ابن واصل(١): أحصيت القتلى بمرو فكانوا سبع مئة ألف . وفي سنة ثماني عشرة التقى خوارزم شاه ، وتُولّي بن جِنْكِز خان فانهزموا ، وقُتِلَ تُولِّي ، وبلغَ الخبر أبوه فجنَّ وَتَنَمِّر ، وأسرع مُجِدّاً، فالتقاه خُوارزم شاه في شَؤالها ، فحملَ على قلب جنكزخان فمزّقَهُ ، وانهزموا لولا كمين لهم خرجوا على المسلمين ، فانكسروا وأُسِرَ ولد جلال الدين وَتَقَهْقَر إلى نَهْر السِّند فغرق حرمه ، ونجا في نحو من أربعة آلاف حُفاة عُراة ليختفي في الجبال والآجام يعيشون من النَّهب ، فحاربه ملكٌ من ملوك الهند فرماه جلال الدين بسهم في فؤاده فَسَقَطَ وَتَمَزَّقَ جيشُهُ ، وحازَ جلال الدين الغنائم ، وعاشَ ، فسار إلى سِجِسْتَان ، وبها خَزائن له فأنفقَ في جُنده . وقال ابن واصل(٢) : التقاهم جلال الدين بكابل فهزمهم ، ثم فارقه شطرُ جَيْشِهِ لِفِتْنَة جرت ، وفاجأه جنكز خان ، فتحَيّر جلالُ الدين ، وسار إلى نهر السِّنْد ، فلم يجد سفناً تكفيهم ، وضايقه جنكز خان فالتقاه حتى دام الحرب ثلاثة أيام ، وقُتِلَ خلقٌ من الفريقين ، وجاءت سفن فعدُّوا فيها ، ونازلت التتار غَزْنَة فاستباحوها . قلت : هذا كله وجيش مِصْرَ والشَّام في مُصابرة الفرَنج بدمياط والأمر شدید . ودخلت سنة تسع عشرة ، فَتَحَزَّبت ملوكُ الهِنْد على جلال الدين لأذِيّته (١) مفرج الكروب: ٤ /٦٠. (٢) مفرج الكروب : ٤ /٦١ - ٦٣ باختصار وتصرف . ٢٤٠