Indexed OCR Text
Pages 181-200
قال ابن مَسْدي : له تواليف كثيرة ، وأسند فيها ، ولم يَسْلَم من مزالق الأقدام في ذلك الإِقدام وحَسَّنَ الظن بأقوام فتبعهم وتورَّط معهم . قلت : خطبة كتابه (( برق النقاء)): الحمدُ لله الذي أودع الخُدودَ والقدودَ الحُسْنَ واللَّمَحات الحُوريَّة السالبة إليها أرواحَ الأحرار . ١٢١ - خَزْعل * العَلامةُ الأوحد تقيّ الدين أبو المجد خَزْعل بن عَسْكر بن خليل الشَّنائيّ (١) المِصْرِيُّ الشَّافعيُّ المُقرىء النَّحويُّ اللغويُّ نزيل دمشق . سمع من السِّلَفِيّ ، وقرأ ببغدادَ على الكمال الأنباري أكثر تصانيفه . وأقرأْ بالقدس ، ثم قَدِمَ دمشق ، وأَمَّ بمشهد عليّ ، وعقد الأنكحة ، واتسعت حلقته بالعزيزية . أخذ عنه أبو شامة والكبار . وكان رأساً في العربية ، وكان يُعَظِّم الحديث ، ويَحْضُّ على حفظه ، وعند الطلاق لا يأخذ من أحد شيئاً ، ويؤثر بما أمكنه . توفي سنة ثلاث وعشرين ، وله ست وسبعون سنة . (*) تكملة المنذري : ٣ / الترجمة ٢١١٤ ، بغية الطلب لابن العديم ، ٥ / الورقة ١٤٧ - ١٤٨ وقال في كنيته : ( أبو محمد) ، ثم قال : وقيل: ( أبو المجد ) . وذيل الروضتين لأبي شامة: ١٤٩، وتاريخ الإسلام للذهبي، الورقة ٣٠ - ٣١ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والوافي بالوفيات : ٨/ الورقة ١٣، والنجوم الزاهرة: ٦ / ٢٦٦، وتاريخ ابن الفرات، ١ / الورقة ٨٣ ، وبغية الوعاة : ١ / ٥٥٠ . (١) في الأصل: ((الشناني))، والتصحيح من تكملة المنذري وخط الذهبي في ((تاريخ الإِسلام )) وغيرهما ، وهي نسبة إلى أزد شنوءة ، كما في أنساب السمعاني ولباب ابن الأثير. ١٨١ ١٢٢ - قاضي حران * العَلامة أبو بكر عبد الله بن نصر بن أبي بكر بن محمد الحَرّانِيُّ الخَنْبَليُّ . ولد سنة تسع وأربعين . وارتحل وتفقه ببغداد وبرع ، وسمع من شُهدة الكاتبة ، وعبد الحق ، وعيسى الدُّوشابيّ ، وَتَجَنِّي الوَهْبانية . وتلا بالروايات بواسط على أبي طالب الكُتّانيّ ، وابن الباقلانيّ . وأَقرَأَ ببلدِهِ، وحَكَمَ ، وحَدَّثَ، وصَنَّفَ(١). حدثنا عنه سِبْطه أبو الغنائم، والشِّهاب الأَبَرْقُوهيّ . توفِّي سنة أربع وعشرين وست مئة . ١٢٣ - القَزْوينيّ ** الشَّيخُ الزَّاهِدُ السَّائح أبو المناقب محمد ابن العَلامة الكبير أبي الخَيْرِ أحمد بن إسماعيل الطّالقانيُّ القَرْوينيُّ . أقامَ ببغدادَ مع أبيه مدةً ، ثم بعده، وتَزَهَّدَ ، ولبسَ الصُّوف ، وجال في الجزيرة والشام والروم ومصر ، وارتبط عليه ملوك وكبراء ، وكان يقول : (*) تاريخ الإسلام، الورقة: ٤١ (أيا صوفيا ٣٠١٢ بخطه)، والعبر: ٩٨/٥ - ٩٩، والذيل لابن رجب : ٢ / ١٧١ - ١٧٣، وغاية النهاية لابن الجزري: ٢ / ٤٦٢، شذرات الذهب : ٥/ ١٣٣ . (١) منها ((التذكير)) في قراءة السبعة، ومنها ((مفردات)) في قراءة الأئمة . ( ** ) التدوين الرافعي، الورقة ٣٦، وتاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٩ (شهيد علي)، وتكملة المنذري : ٣ / الترجمة ٢١٣٨، وتاريخ الإِسلام للذهبي ، الورقة ٣٥ ( أيا صوفيا ٣٠١٢ ) . ١٨٢ أنا لا أقبل منهم شيئاً إلا ما أنفقه في أبواب الخير ، وكان فقيراً مجرداً . أخرجَ إلى ابن النجار ((أربعينات)) جمعَها ، روى فيها عن أبي الوَقْت سَمَاعاً ، وعن الحسن بن محمد الموسياباذي صاحب أبي صالح المؤذن ، ثم ظهر كذبه وادعاؤه ما لم يسمع ، ومزّقوا ما كتبوا عنه وافتضح . قال ابن الدُّبَيْثِيّ : خَرَّجَ عن أبي الوقت حديث السَّقِيفة بطوله رَكَّبَهُ على سند بعض الثلاثيات . قال ابن النجار : سمعت غير واحد يحكي أن أبا المناقب كان إذا دخل عليه الملوك زائرين ، وعرضوا عليه مالاً لم يقبله ، ويقول : قد عزمنا على استعمال بُسُط لبيت المقدس ، فإن أردتم أن تبذلوا لذلك فنعم ، فيعطونه ، فَحَصَّل جملةً ، وتمزقت ، وما بورك له ، ثم كسدت سوقه ، واشتهر نفاقه . سألته عن مولده فقال : يوم عاشوراء سنة ثمان وأربعين . وقال المُنذري : مات سنة اثنتين وعشرين أو سنة ثلاث وعشرين وست مئة . ١٢٤ - أخوه * الإِمام أبو بكر محمد بن أحمد الشافعيّ ، جعله أبوه معيد النِّظامية . وسمع من أبي الأزهر محمد بن محمد الواسطيّ شيئاً من ((مسند مُسَدّد))، ثم ولي قضاء الرُّوم ، ثم عزل وسكن إربل ، وقَدِمَ بغداد رسولاً . قال ابن النجار : سمعتُ جماعة يرمونه بالكذب ويذمونه . (*) تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٩ (شهيد علي)، وتكملة المنذري : ٢ / الترجمة ١٥٢٨، وتاريخ الإسلام للذهبي، الورقة ٢١٣ (باريس ١٥٨٢)، ومعجم الشافعية لابن عبد الهادي ، الورقة ٢٣ . ١٨٣ مات بالرُّوم سنة أربع عشرة وست مئة وله ستون سنة . ١٢٥ - ابن حَوْط الله * الإِمام العالِمُ الصّالحُ المُحدِّث الحافظ القاضي أبو سُلَيمان داود بن سُلَيمان بن داود بن عبد الرحمان بن سُليمان بن عُمر بن حوط الله الأنصاريُّ الحارثيُّ الْبَلَنسِيُّ الأَنْدِيُّ. وأُندة: من عمل بَلَنْسِيَّة . ولد سنة اثنتين وخمسين . ونزل مالقة . حدَّث عن أبيه، وأخيه أبي محمد، وأبي القاسم بن حُبَيش ، وأبي القاسم بن بَشكوال، وأبي عبد الله بن حَمِيد ، وأبي عبد الله بن زَرْقُون ، وأبي عبد الله ابن الفَخّار ، وعبد الحق بن بُوْنُهْ، وأبي محمد بن عُبيد الله وخَلْقٍ . ورحلَ ، وجمعَ ، وحَصَّلَ . وأجاز له أبو الطَّاهر بن عوف من الإِسكندرية . قال الأبار(١): شيوخه يزيدون على المئتين ، وكانت الرواية أغلب عليه من الدراية ، وكان هو وأخوه أوسع أهل الأندلس رواية في وقتهما مع الجلالة والعدالة . قال : وكان أبو سليمان ورعاً منقبضاً . ولي قضاء الجزيرة الخضراء ، (*) تكملة ابن الأبار: ١/ ٣١٦ - ٣١٨، وتكملة المنذري: ٣/ الترجمة ١٩٧٥، والعبر: ٥ / ٨٢ وتاريخ الإِسلام، الورقة : ٣ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، وشذرات الذهب: ٥٪ ٩٤. (١) التكملة : ١ / ٣١٧. ١٨٤ ثم قضاء بلنسية ، وبها لقيته ، وتوفّ على قضاء مالقة في سادس ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وست مئة . وقال ابن مَسْدي ، وروى عنه: لم أر أكثر باكياً من جنازته ، وحُمِلَ نعشُهُ على الأكفّ ، رحمه الله . ١٢٦ - ابن عبد السَّميع * الإِمامُ العَدلُ المأمون المقرىء المُجوِّد المحدِّث ، شيخُ واسط أبو طالب عبد الرحمان بن محمد بن عبد السميع بن أبي تَمّام عبد الله بن عبد السميع القرشي الهاشمي الواسطي المعدّل . ولد سنة ثمان وثلاثين . وتلا على أبي السعادات أحمد بن عليّ ، وأبي حُمَيد عبد العزيز بن علي السُّماتيّ ، وسمع من جده، ومن محمد بن محمد بن أبي زنبقة ، وخلق بواسط ، وهبة الله بن أحمد الشِّبليّ ، وابن البَطِّي، وابن تاج القراء ، والشيخ عبد القادر ، وعدة . وكتب ، وجمع ، وصَنّف ، وروى الكثير ، وكان صَدْراً نبيلاً ، عالماً ، ثِقَةً ، حَسَن النقل . حدَّثَ عنه أبو الطاهر ابن الأنماطيّ ، وعبدُ الصمد بن أبي الجيش ، (*) التقييد لابن نقطة ، الورقة ١٤٢، تاريخ ابن الدبيئي ، الورقة ١٢٧ ( باريس ٥٩٢٢)، وتكملة المنذري: ٣ / الترجمة ١٩٦٢، والعبر: ٥ /٨٣، ومعرفة القراء: الورقة ١٩٠ وتاريخ الإِسلام، الورقة: ٤ - ٥ (أيا صوفيا: ٣٠١٢)، وغاية النهاية: ١ / ٣٧٧، والنجوم الزاهرة : ٦ / ٢٦٠، وتاريخ ابن الفرات، ١ / الورقة : ٤٣، وشذرات الذهب : ٥٪ ٩٤ - ٩٥. ١٨٥ وعز الدين الفاروثي ، وابن الدُّبيثي وجماعة ، وبالإِجازة أبو المعالي الأبرقوهي . مات في سادس المحرم سنة إحدى وعشرين وست مئة . وله أرجوزة في الاعتقاد يتطرق إليها الانتقاد ، ويلقب بالشِّيْناتيّ - كما نُظِمَ فیه - : شرفُ الدِّينِ شَيْخُنَا شَافِعِيّ شَاعِرٌ شَاهِدٌ شَرِيفٌ شُرُوطي وله كتاب (( لُباب المنقول في فضائل الرسول))، وكتاب (( فضائل الأيام والشهور))، وكتاب ((تعبير الرؤيا)) و((النُّخب في الخطب)) وأشياء . قرأت على أبي المعالي الأبَرْقُوهيِّ: أخبرنا أبو طالب بن عبد السميع إذناً - إن لم يكن سماعاً - بواسط ، وأبو حفص عمر بن محمد بقراءة أبي عليه واللفظ له ، قالا : أخبرنا هبة الله بن أحمد ، أخبرنا محمد بن محمد ، أخبرنا أبو طاهر المُخَلِّص ، حدثنا عبد الله الْبَغَويُّ ، حدثنا عبد الجبار بن عاصم ، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرَّقيُّ، عن عبد الكريم(١) ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس أنّه قال: (( سيكون أقوامٌ يَخْضِبون بالسَّوادِ كَحَوَاصِلِ الحَمَّامِ لا يَرِيحونَ رائحةَ الجَنَّةِ ». وبه : إلى البغوي : حدثنا هاشم بن الحارث ، حدثنا عُبيد الله الرقيّ، فذكره مرفوعاً إلى النبي وَّ. أخرجه أبو داود(٢) عن أبي توبة(٣) (١) هو عبد الكريم بن مالك الجزري . (٢) في الترجل ، باب ما جاء في خضاب السواد ( ٤٢١٢). (٣) هو الربيع بن نافع الحلبي . ١٨٦ والنسائي(١) عن عبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي، كلاهما عن عبيد الله(٢) مرفوعاً . ١٢٧ - ابن عساكر * الشَّيخُ الإِمامُ العالم القُدوة المُفتي شيخُ الشافعية فخرالدين أبو منصور عبد الرحمان بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الدمشقيُّ الشافعيُّ . ولد سنة خمسين وخمس مئة . وسمع من عمَّيْهِ : الصائن والحافظ ، وعبد الرحمان بن أبي الحسن الدَّارانيّ، وحَسّان بن تميم ، وأبي المكارم بن هِلال ، وداود بن محمد الخالديّ ، ومحمد بن أسعد العراقيّ ، وابن صابر ، وعدة . وتفقه بالقُطب النَّيْسابوريّ ، وتزوَّج بابنته ، وجاءه ولد منها سماه مسعوداً مات شاباً . دَرَّس بالجاروخيّة ، ثم بالصلاحية بالقدس ، وبالتَّقَوِيّة بدمشق ، فكان يُقيم بالقدس أشهراً، وبدمشق أشهراً، وكان عنده بالتَّقَوية فُضلاء البلد ، (١) في الزينة ١٣٨/٨، قال شعيب: وإسناده قوي. (٢) عبيد الله بن عمرو الرقي . (*) الكامل لابن الأثير: ١٢ / ١٧٢، ومرآة الزمان: ٨ / ٦٣٠ - ٦٣١، وتكملة المنذري: ٣/ الترجمة ١٩٣٥، وذيل الروضتين لابي شامة: ١٣٦ - ١٣٩، ووفيات الأعيان: ٣ / ١٣٥، وتلخيص ابن الفوطي: ٤ / الترجمة ٢١٦٠، وتاريخ الإِسلام للذهبي، الورقة ٢٦٣ (باريس ١٥٨٢)، والعبر: ٥ /٨٠ - ٨١، ودول الإسلام: ٢ / ٩٣، وفوات الوفيات: ١/ ٥٤٤، وطبقات السبكي: ٥ / ٦٦ - ٧١، والبداية والنهاية: ١٣ / ١٠١، والعقد المذهب لابن الملقن ، الورقة ٧٦، وعقد الجمان للعيني، ١٧ / الورقة ٤٤٠، والنجوم الزاهرة: ٦ / ٢٥٦، وشذرات الذهب : ٥ / ٩٢ - ٩٣، والتاج المكلل القنوجي : ١٦٤ . ١٨٧ حتى كانت تسمَّى نظاميَّة الشام . ثم درس بالعَذْراوية سنة ٥٩٣ وماتت الست عَذْراء ، وبها دُفنت ، وهي أخت الأمير عز الدين فروخشاه . وكان فخر الدين لا يَمَلُّ الشَّخصُ من النَّظر إليه لحُسن سَمْتِهِ ، ونور وجهه، ولُطفه واقتصاده في مَلْبَسه، وكان لا يَفْتُرُ من الذِّكر، وكان يُسَمِّع الحديثَ تحت النّسر(١). قال أبو شامة (٢): أخذتُ عنه مسائل، وبعثَ إليه المُعَظِّم ليوليه القضاء فأبَى ، وطلبه ليلاً فجاءه فتلقاه وأجلسه إلى جَنْبه ، فَأُحْضِر الطعامُ فامتنع ، وألحَّ عليه في القضاء ، فقال : أستخير الله ، فأخبرني من كان معه ، قال : ورجع ودخل بيته الصغير الذي عند مِحراب الصحابة ، وكان أكثر النهار فيه ، فلما أصبح أتوه فأصرّ على الامتناع، وأشار بابن الحرستانيّ فولّيَ ، وكان قد خاف أن يُكره فجهّزَ أهلَهُ للسَّفَر، وخرجت المحابر(٣) إلى ناحية حلب، فردّها العادل ، وعزّ عليه ما جرى . قال : وكان يتورَّع من المرور في زُقاق الحنابلة لئلا يأثموا بالوقيعة فيه، وذلك لأن عوامّهم يبغضون بني عساكر للتَّمشعر(٤)، ولم يُوَلِّه المُعَظّم تدریس العادلیة لأنه أنکر علیه تضمین الخمر والمکس ، ثم لما حجّ أخذ منه التَّقويّة وصلاحية القدس ، ولم يبق له سوى الجاروخية . وقال أبو المظفر الجوزيّ(٥): كان زاهداً، عابِداً، ورعاً ، منقطعاً إلى (١) يعني قبة النسر من جامع دمشق الأموي . (٢) ذيل الروضتين : ١٣٨. (٣) يعني : أهل المحابر ، وهم طلبة العلم الذين يستملون . (٤) أي بسبب كونهم أشاعرة، وهذا من اصطلاح الذهبي، وإلا فإن أبا شامة قال: ((لأنهم كانوا أعيان الشافعية الأشعرية )). (٥) المرآة : ٨/ ٦٣١ . ١٨٨ العلم والعبادة ، حَسَن الأخلاق ، قليل الرَّغبة في الدُّنيا ، توفِي في عاشر رجب سنة عشرين وست مئة ، وقَلَّ من تخلّف عن جنازته . وقال أبو شامة (١): أخبرني من حضره(٢) قال: صلى الظهر ، وجعل يسأل عن العصر ، وتوضأ ثم تَشَهَّد وهو جالس ، وقال : رضيتُ بالله رباً ، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد نبياً ، لقّني الله حُجتي وأقالني عَثْرَتي ورحمَ غُربتي(٣) . ثم قال: وعليكم السلام ، فعلمنا أنّه حضرت الملائكة ، ثم انقلب ميتاً . غسله الفخر ابن المالكي ، وابن أخيه تاج الدين (٤) ، وكان مرضه بالإِسهال ، وصلى عليه أخوه زين الأمناء ، ومَن الذي قدر على الوصول إلى سريره(٥) ؟ وقال عُمر بن الحاجب : هو أحد الأئمة المُبرزين ، بل واحدهم فضلاً وقدراً، شيخُ الشافعية ، كان زاهداً، ثقة ، متجهداً ، غزير الدمعة ، حَسَن الأخلاق ، كثير التَّواضع ، قليل التَّعصب ، سلكَ طريقَ أهل اليقين ، وكان أكثر أوقاته في بيته في الجامع ينشُر العلم ، وكان مطّرح الكلف ، عُرضت عليه(٦) مناصب فتركها ، ولد في رجب وعاش سبعين سنة ، وكان الجمع لا يُنْحصر كثرةً في جنازته . حَدَّث بمكة ، ودمشق ، والقُدس ، وصنف عدة مصنفات ، وسمعنا منه . (١) ذيل الروضتين : ١٣٩ . (٢) يعني من حضر وفاته . (٣) بعدها عند أبي شامة : وآنس وحدتي . (٤) يعني عبد الوهاب ابن زين الأمناء . (٥) الجملة الأخيرة اختصار من الذهبي لفقرة كاملة ذكرها أبو شامة عن ازدحام الناس عند تشييعه . (٦) في الأصل ((عليها)) ولعلها سبق قلم من الناسخ . ١٨٩ وقال القُوصِيُّ : كان كثير البكاء ، سريع الدموع ، كثير الورع والخشوع، وافر التواضع والخضوع، كثير التهجد ، قليل الهجوع ، مبرزاً في علمي الأصول والفروع، وعليه تفقهت، وعرضت عليه ((الخُلاصة)) للغزالي ، ودفن عند شيخه القُطب .. قلت : حدث عنه البِرْزاليُّ، والضِّياء ، والزين خالد ، والقُوصِيُّ ، وابن العَدِيم ، والتاج عبد الوَهَّاب ابن زين الأمناء ، والقاضي كمال الدين إسحاق بن خليل الشَّيبانيُّ ، وجماعةٌ . وسمعنا بإجازته من عمر ابن القَوّاس ، وتفقه عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام وغيرُه . وفيها مات الشيخ موفق الدين المَقْدِسيُّ، وأحمد بن ظَفَر بن هُبيرة ، وصالح بن القاسم بن كَوّر ، والحُسين بن يحيى بن أبي الرَّدّاد المِصْرِيّ ، وأكمل بن أبي الأزهر العلويّ الكَرْخِيّ ، وعبد السلام بن المبارك البَرْدَغوليّ ، وصاحب الغَرْب يوسُف بن محمد بن يعقوب . ١٢٨ - صاحب توريز * السلطان مظفر الدين أزبك(١) بن محمد البهلوان بن إلدكز. عظم أمره لما قُتل طغرل آخر سلاطين السلجوقية ، وامتدت أيامُه ، وكان منهمكاً في الشرب واللذات ، فنازلته المُغل ، فصانعهم ، وبذل لهم الأموال ، فسكتوا عنه ، ثم ضايقوا الخوارزمية ، وقالوا له : اقْتُلْ مَنْ عندك من الخوارزمية ، ففعل ، وكان قد تزوَّج ببنت السلطان طغرل وجرت له i (*) توريز ، هي تبريز المشهورة ، وأخبار أزبك هذا في كتب التاريخ المستوعبة لعصره مثل ((الكامل)) لابن الأثير، وسيرة السلطان جلال الدين مَنكوبري للنسوي ، فانظر تاريخ ابن الأثير خاصة ١٢ / ٤٣٢ - ٤٣٧ ( ط . بيروت ) . (١) ويقال فيه ((أوزبك)). ١٩٠ أمور ، ثم دهمه خوارزم شاه جلال الدين في سنة اثنتين وعشرين ، واستولى على أذربيجان ، وعظم سلطانُه ، فهرب أُزبك إلى كَنْجَة فتزوَّج خوارزم شاه بابنة السلطان ، حكم له القاضي بوقوع طلاق أزبك لها ، ثم هرب أُزبك منه إلى بعض القلاع، وهلك وتلاشى أمره ، وكان أبوه ملكاً أيضاً . ١٢٩ - البَرْ دغوليّ * الشَّيخُ الصَّالِحِ المُعَمَّر أبو سعد عبد السلام بن المبارك بن أبي الغنائم عبد الجبار بن محمد البَغْداديُّ العتابيّ ، ويعرف بابن البَرْدَغوليِّ . شيخٌ صدوقٌ مُتيقظ مُسِنّ . ولد سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة . وسمع من أحمد بن الطلاية الزَّاهد ، وواثق بن تَمَّام ، وعبد الخالق الْيُوسُفِيّ ، وجماعة . حَدَّثَ عنه ابن الدُّبيئي ، وابنُ النجار ، والبِرْزاليُّ ، وجمال الدين محمد بن أبي الفرج ابن الدَّاب عنده عنه (( جزء ابن الطََّّية)). توفِّي في المُحَرَّم سنة عشرين وست مئة . ١٣٠ - ابن صِرْما ** الشيخُ المُسنِد المُعَمَّر أبو العباس أحمد بن يوسف ابن الشيخ محمد بن (*) تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ١٤٣ (باريس ٥٩٢٢)، وتكملة المنذري : ٣/ الترجمة ١٩١٥، وتاريخ الإِسلام للذهبي، الورقة ٢٦٤ (باريس ١٥٨٢)، والمختصر المحتاج إليه ، الورقة ٧٧ ، والنجوم الزاهرة : ٦ / ٢٥٧. ( ** ) التقييد لابن نقطة، الورقة ٤٧، وتكملة المنذري: ١٩٨٨/٣، وتاريخ الإِسلام، الورقة: ٢ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والعبر: ٥ / ٨٢، والمختصر المحتاج اليه: ١ / ٢٢٦، = ١٩١ أحمد بن صِرْما الأزَجِيُّ المُشْتَرِيُّ . ولد سنة ست وثلاثين وخمس مئة ظنّاً . وسمع من أبي الفضل الأرمويّ كتاب ((المصاحف)) و((صفة المنافق)) و((المهروانيات)) والتاسع من ((فضائل الصحابة)) للدَّارَقُطني والأول من («صحيحه)) و((جزء ابن شاهين)) والثالث من ((الحَرْبيات)). وسمع من ابن الطلاية ، وعبد الخالق اليوسُفيّ ، وابن ناصر ، وسعيد ابن البَنّاء ، وأبي الوَقت ، وعدة . روى عنه الضياء، والدُّبيثيّ، ومكي بن بَشَر (١)، والكمال القُوَيرِهِ ، والجمال محمد ابن الدَّبّاب ، والشهاب الأَبَرْقُوهيّ، وآخرون . مات في شعبان سنة إحدى وعشرين وست مئة . سمعنا من طريقه ((نسخة)) يحيى بن مَعِين، وخَرَّج له عبد اللطيف بن بورنداز («أربعين)) سمعها منه الكمال الفُوَيره . ١٣١ - الناصر لدين الله * الخليفة أبو العباس أحمد ابن المُستضيء بأمر الله أبي محمد الحَسَن = والنجوم الزاهرة: ٦ / ٢٦٠، وشذرات الذهب: ٥/ ٩٤ . وله ذكر في كتاب منتخب المختار للفاسي : ٩٤ . (١) بفتح الباء الموحدة والشين المعجمة . (*) سيرته مشهورة في كتب التاريخ ، وانظر : تلقيح ابن الجوزي ، الورقة ٢٦ فما بعد ، رحلة ابن جبير: ٢٠٦، الكامل لابن الأثير: ١٢ / ١٠٨ - ١٨١، والنبراس لابن دحية : ١٦٤، وتاريخ ابن الدبيثي ، الورقة ١٦٨ - ١٧٠، والتاريخ المظفري لابن أبي الدم ، الورقة ٢١١ فما بعد ، وتاريخ بغداد للبنداري ، الورقة ٢٨ - ٢٩ والتاريخ المنصوري ( في مواضع متعددة ) ، ومرآة الزمان: ٨/ ٦٣٥، وتكملة المنذري : ٣ / الترجمة ٢٠٧٠، ومختصر ابن العبري : ٢٣٧ = ١٩٢ ابن المُسْتَنجِد بالله يوسف ابن المقتفي محمد ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقُتدي الهاشمي العباسِيُّ البَغْدادُّ . مولده في عاشر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة . وبويع في أول ذي القعدة سنة خمس وسبعين ، وكان أبيضَ ، معتدل القامة ، تركيّ الوجه ، مليحَ العينين ، أنور الجبهة ، أقنى الأنف ، خَفيف العارضين ، أشقر(١)، رقيق المحاسن، نقش خاتمه: ((رجائي من الله عفوه)) . وأجاز له أبو الحُسين الْيُوسُفي ، وعليّ بن عساكر البطائحي ، وشُهْدَة الكاتبة ، وطائفة . وقد أجاز لجماعة من الأئمة والكُبراء ، فكانوا يحدِّثون عنه في أيامه ، ويتنافسون في ذلك ، ويتفاخرون بالوَهْم . ولم يل الخلافة أحد أطول دولة منه ، لكن صاحب مصر المستنصر العُبيديّ ولي ستين سنة ، وكذا وليَ الأندلس الناصر المَرْوانيّ خمسين سنة . كان أبوه المستضيء قد تَخَوَّف منه فحبَسهُ ، ومالَ إلى أخيه أبي = ومفرج الكروب: ٤/ ١٦٣ فما بعدها، ومختصر أبي الفداء: ٣/ ١٤٢ - ١٤٣، وتاريخ الإِسلام للذهبي ، حوادث سنة ٦٢٢هـ، والورقة ١٠ - ١٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والعبر: ٨٧/٥ -٨٨، والمختصر المحتاج اليه : ١/ ١٧٩ - ١٨٠، ومستدركه لاستاذنا العلامة مصطفى جواد: ٣٤، ودول الإِسلام : ٢ / ٩٥، والوافي بالوفيات، ٦/ ٣١٠ - ٣١٦، ونكت الهميان: ٩٣ - ٩٦، وفوات الوفيات : ١ / ٦٢، والاكتفاء لابن نباتة ، الورقة ٩٩ فما بعد ، والبداية والنهاية : ١٣ / ١٠٦ - ١٠٧، والعقد الثمين ٢ / الورقة ٦، والسلوك للمقريزي: ٢١٧/١/١ -٢١٨، والنجوم الزاهرة: ٦ / ٢٦١ - ٢٦٢ والمنهل الصافي ١ / ٢٦٤ وسلم الوصول لحاجي خليفة ، الورقة ٧٦ ، وشذرات الذهب: ٥ / ٩٧ - ٩٩، وعيون الأخبار للصديقي، الورقة ١٥٨ - ١٥٩. (١) يعني: أشقر للحية ، كما في تاريخ الإِسلام وغيره . ١٩٣ منصور ، وكان ابن العطار وكُبراء الدَّولة ميلهم إلى أبي منصور ، وكانت حَظِيَّة المُستضيء بَنَفْشا والمجد ابن الصّاحب وطائفةٌ مع أبي العباس ، فلما بُويع قُبِضَ على ابن العَطّر ، وأُهْلِكَ فسُحِبَ في الشوارع مَيتاً ، وطَغَى ابن الصّاحب إلى أن قُتِل . قال المُوفَّق عبد اللطيف : كان النّاصر شاباً مَرحاً عنده مَيْعة الشّباب ، يشقّ الدُّروب والأسواق أكثر الليل، والناس يتهيبّون لقياه ، وظهر الرَّفض بسبب ابن الصاحب ثم انطفأ بهلاكه وظهر التَّسنن(١)، ثم زال ، وظهرت الفتوة والبُندق والحمام الهادي ، وتَفَنّن الناسُ في ذلك ، ودخل فيه الأجلاء ثم الملوك ، فأُلِسَ العادل وأولاده سراويل الفُتوة ، وشهاب الدين الغُوريّ صاحب غَزْنَة والهند(٢) والأتابك سعد صاحب شيراز . وتخوف الديوان من السلطان ◌ُغريل ، وجرت معه حروب وخطوب ، ثم استدعوا خوارزمشاه تُكُش لحربه ، فالتقاه على الريّ ، واحتزَّ رأسه ، ونفذه إلى بغدادَ ، ثم تقدم تُكُش نحو بغداد يطلب رسومَ السلطنة ، فتحركت عليه أمة الخطا، فَردّ إلى خُوارزم ومات . وقد خطب الناصر بولاية العهد لولده الأكبر أبي نصر ، ثم ضَيَّق عليه لِما استشعر منه وعَيّنَ أخاه ، وأُخِذَ خط باعتراف أبي نصر بالعجز ، أفسد ما بينهما النصير بن مهدي الوزير ، وأفسدَ قلوب الرَّعية والجُند على النّاصر وبَغَّضَه إلى الملوك، وزادَ الفَساد ، ثم قُبِضَ على الوزير ، وتمكن بخراسان خُوارزمشاه محمد بن تُكُش وتَجَبَّر واستعبدَ الملوكَ وأبادَ الأمم من التُّرك والخطا ، وظلمَ وعَسَف(٣) ، وقطعَ خُطبة النّاصر من بلاده ، ونال منه ، (١) بعد هذا في تاريخ الإِسلام، والوافي للصفدي الذي ينقل منه: ((المفرط)). (٢) في تاريخ الإسلام والوافي بعد هذا: (( وصاحب كيش وأتابك سعد صاحب شيراز والملك الظاهر صاحب حلب )). (٣) في تاريخ الإِسلام: (( وأساء إلى باقي الأمم الذين لم يصل إليهم سَيْفه ورهبه الناسُ كلهم )) . ١٩٤ وقصد بغدادَ ، ووصل بوادره إلى حُلوان فأهلكهم ببلخ ، دام عشرين يوماً واتعظوا بذلك ، وجمعَ النّاصر الجيش ، وأنفق الأموال ، واستعد ، فجاءت الأخبار أن الترك قد حشدوا ، وطمعوا في البلاد ، فكرّ إليهم(١) وقصدهم فقصدوه وكثروه إلى أن مَزقوه(٢) ، وبَلْبِلُوا لُبَّه وشَتْتوا شَمْلَهُ ، وملكوا الأقطار ، وصار أين توجه وجد سيوفَهُم متحكمةً فيه ، وتقاذفتْ به البِلاد ، فَشَرَّق وغَرَّبَ ، وأَنَجَدَ وأَسْهَل، وأَصْحَر وأَجْبَل، والرُّعب قد زلزل لُبَّهُ، فعند ذلك قَضَیْ نَحْبَهُ . قلتُ : جرى له ولابنه منكوبرتي عجائب وسيرٌ ، وذلك عندي في مجلد ألَّفه النَّسَوِيُّ كاتبُ الإِنشاء(٣). قال المُوَفَّق : وكان الشيخ شهاب الدين السُّهْرَ وَرْدِيّ لَمّا ذهب في الرسالة خاطب خُوارزم شاه محمداً بكل قولٍ ، ولاطَفَهُ ، ولا يزداد إلّ عُتَوّاً(٤) ، ولم يزل الناصر في عزّ وقمع الأعداء ، ولا خرج عليه خارجي إلا قمعه ، ولا مخالف إلا دمغه ، ولا عدو إلَّ خذل، كان شديدَ الاهتمام بالملك ، لا يخفى عليه كبيرُ شيء من أمور رعيته ، أصحاب أخباره في البلاد ، حتى كأنَّه شاهد جميع البلاد دفعةً واحدةً ، كانت له حِيل لطيفة ، وخِدع لا يَفْطُنُ إليها أحد ، يوقع صداقة بين ملوك متعادين ، ويُوقع عداوة بين ملوك متوادِّين ولا يفطُنون . (١) يعني خوارزمشاه . (٢) في تاريخ الإِسلام: ((فقصدهم فقصدوه ثم كايدوه وكاثروه )). (٣) هو شهاب الدين محمد بن أحمد النسوي، وكتابه هو (( سيرة السلطان جلال الدين منكوبري )) كتبه بعد سنة ٦٣٩ ونشره حافظ حمدي بالقاهرة سنة ١٩٥٣ م. (٤) في تاريخ الإِسلام: ((إلا طغياناً وعُتواً)) والذهبي - كما هو معروف يتصرف -. ١٩٥ إلى أن قال : ولما دخل رسول صاحب مازندران(١) بغدادَ كانت تأتيه كل صباح ورقة بما فعل في الليل فصار يبالغ في التكتم ، واختلى ليلة بامرأة فصبحته ورقة بذلك ، فتحير ، وخرج لا يرتاب أن الخليفة يعلم الغيب . قلت : أظنه كان مخدوماً من الجن(٢). قال : وأتى رسول خُوارزم شاه برسالة مخفية وكتاب مختوم ، فقيل : ارجع فقد عرفنا ما جئت به ! فرجع وهو يظن أن الناصر وليّ الله . وجاء مرة رسول لخُوارزم شاه فحُبِسَ أشهراً ثم أُعطيَ عشرة آلاف دينار فذهب وصار مُناصحاً للخليفة . وبعثَ قاصداً يكشف له عَسْكَر خُوارزم شاه ، فشوّه وجهه وتجَانَنَ ، وأنه ضاع حماره ، فسخروا منه ، وضحكوا ، وتردد بينهم أربعين يوماً ثم رَدّ إلى بغدادَ وقال: القوم مئة وتسعون ألفاً يزيدون ألفاً أو ينقصون . وكان الناصر إذا أَطْعَم أَشبعَ ، وإذا ضرب أَوجَعَ ؛ وصل رجل ببغاء تقرأ ﴿ قل هو الله أحد ) هدية للناصر، فأصبحت ميتة وحزن فأتاه فراش يطلب البَّغاء فبكى وقال: ماتت، قال: عرفنا فهاتها ميتة، وقال: كم كان أَمَلكَ؟ قال: خمس مئة دينار ، قال : خذها فقد بعثها إليك أمير المؤمنين ، فإنّه عالم بأمرك منذ خرجت من الهند ! وكان صدرجهان قد قَدِمَ بغدادَ في جَمْعٍ من الفقهاء ، فقال واحد منهم عن فرسه : لا يقدر الخليفة أن يأخذها مني ؛ قال ذلك في سمرقند ، وعرف الناصر فَأَمَر بعض الزَّبَّالين أن يتعرض له ويضربه ويأخذ الفرس منه ببغدادَ ، ويهرب بها في الزَّحمة ففعل ، فجاء الفقيه إلى الأبواب يستغيث ولا يُغاث، فلما رجعوا من الحج خُلِعَ على صدرجهان (١) في الأصل: ((مازندان))، والتصحيح من خطه في ((تاريخ الإِسلام)). (٢) كذا قال الذهبي ، وهو تفسير ساذج غيبي ، وما أدرك شدة عناية الناصر بالمخابرات واكثاره من الجواسيس فقال هذه القالة . ١٩٦ وأصحابه سوى ذلك الفقيه ، ثم بَعْدُ خُلِعَ عليه، وقُدِّمت له فرسُهُ وعليها سرج مُذَهَّب ، وقيل له : لم يأخذ فرسك الخليفة ، إنما أخذها زَبّال ، فغشي عليه . قلت : ما تحت هذا الفعل طائل ، فكل مخدوم وكاهن يتأتى له أضعاف ذلك(١) . قال الموفق عبد اللطيفِ : وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث ، واستناب نُواباً يروون عنه ، وأَجرى عليهم جرايات ، وكتبَ للملوك والعُلماء إجازات ، وجمعَ كِتاباً سبعين حديثاً وصل على يد السُّهْرَ وَرْدِيِّ إلى حلب فسمعه الظاهر ، وجماهير الدولة وشرختُهُ . وسبب ميله إلى الرواية أن قاضي القضاة العَبّاسي نُسِبَ إليه تزوير فأحضروه وثلاثة من الشهود ، فعُزِّرَ القاضي بتخريق عمامته ، وطيف بالثلاثة على جمال بالذِّرة ، فمات أحدهم ليلتئذ والآخر لبس لُبْس الفُسّاق ، والثالث اختفى وهو المحدث البَنْدَنِيجيّ رفيقُنا ، واحتاجَ وباَعَ في كتبه فوجد في الجُزاز إجازة للناصر من مشايخ بغدادَ ، فرفعها إليه ، فخُلِعَ عليه وأعطي مئة دينار ، ثم جُعِلَ وكيلاً عن الناصر في الإِجازة والتسميع(٢). قلت : ممن يروي عن الناصر بالإِجازة عبد الوهاب بن سُكَينة ، وابن الأخضر ، وقاضي القضاة ابن الدَّامغَاني ، وولي العهد ، والملك العادل ، وبنوه ، وشيخانا : محمود الزّنجانيُّ والمقداد القَيْسِيُّ. (١) انظر ما علقنا قبل قليل . (٢) هذا تفسير ساذج من الموفق لسبب عناية الناصر لدين الله برواية الحديث ، وما نشك أن وراءها مقاصد سياسية أعظمها كسب الرأي العام وتثبيت قدسية الخلافة في نفوس الناس وملوك الأطراف . ١٩٧ قال ابن النجار : شَرّفني الناصر بالإِجازة، ورويت عنه بالحَرَمين ودمشق والقُدس وحَلَب وبغدادَ وأصبهان ونَيْسابور ومَرْوٍ وَهَمَذَان . قال الموفق : وأقام مُدّة يُراسل جلال الدين الصباحيّ صاحب الألموت يراوده أن يعيد شعار الإسلام من الصّلاة والصّيام مما تركوه في زمان سِنان ، ويقول لهم: إنّكم اذا فعلتم ذلك كنا يداً واحدة. واتفق أن رسول خوارزم شاه قَدِمَ فَزُوِّر على لسانه كتب في حق الملاحدة تشتمل على الوعيد ، وعَزْم الإِيقاع بهم ، وأنه يخرّب قلاعهم ويطلب من الناصر المعونة ، وأُحضر رجل منهم كان قاطناً ببغدادَ ووُقِّفَ على الكُتب ، وأُخرِجَ بها ويكتبٍ من الناصر على وجه النُّصح نصف الليل على البريد ، فَقَدِمَ الألموت فأرهبهم فتظاهروا بالإِسلام وإقامة الشِّعار(١)، وبعثوا رسولاً معه مئتا شاب ودنانير كباراً عليها (( لا إله إلا الله محمد رسول الله))، وطاف المئتان بها يُعلنون بالشهادتين . وكان(٢) الناصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة، حتى كان يرهبه أهل الهند ، وأهل مصر ، فأحيى هيبة الخلافة . لقد كنت بمصر وبالشام في خلوات الملوك والأكابر إذا جرى ذكره خفضوا أصواتهم إجلالاً له . وردَ بغدادَ تاجرٌ معه متاع دمياط المُذَهَّب ، فسألوه عنه فأخفاه فأُعطِي علامات فيه من عدده وألوانه وأصنافه ، فازداد إنكاره ، فقيل له : من العلامات أنك نقمت على مملوكك فلان التّركي فأخذته إلى سِيْف(٣) بحر دمياط وقتلته ، ودفنته هناك خلوةً . (١) قد نوهنا في ترجمة جلال الدين إلى أن إقامته شعائر الإسلام إنما كان لأغراض سياسية بحتة ، لذلك نعته الذهبي في غير هذا الموضع بلقب ((ضلال الدين)) بدلاً من ((جلال الدين)). (٢) الكلام للموفق عبد اللطيف . (٣) السيف - بكسر السين - : الساحل. ١٩٨ قال ابن النجار : دانت للناصر السلاطين ، ودخل تحت طاعته المخالفون ، وذلّت له العُتاة ، وانقهرت بسيفه البُغاة ، واندحض أضداده ، وفتحَ البلاد العديدة ، وملك ما لم يملكه غيرُه ، وخُطِبَ له بالأندلس وبالصّين ، وكان أسد بني العباس تتصدع لهيبته الجبال ، وتذل لسطوته الأَقيال ، وكان حسن الخَلْق أطيف الخُلق ، كامل الظّرف ، فَصيحاً بليغاً ، له التوقيعات المُسَدَّدة والكلمات المؤيدة ، كانت أيامه غرّة في وجه الدهر ، ودرة في تاج الفخر(١). حدثني الحاجب عليّ بن محمد بن جعفر قال : برزَ منه توقيع إلى صَدْر المخزن (٢) جلال الدين ابن يُونُس: ((لا ينبغي لأرباب هذا المقام أن يُقْدِمُوا على أمر لم ينظروا في عاقبته ، فإنَّ النّظر قبل الإِقدام خيرٌ من الندم بعد الفوات ، ولا يؤخذ البرآء بقول الأعداء ، فلكل ناصح كاشح ، ولا يُطالب بالأموال من لم يخن في الأعمال ، فإنّ المُصادرة مكافأة للظالمين ، وليكن العفاف والتقى رقيبين عليك)). وبرز منه توقيع: ((قد تَكَرَّر تقدُّمنا إليك مما افترضه الله علينا ويلزمنا القيام به كيف يُهْمَل حالُ الناس حتى تم عليهم ما قد بُيّن في باطنها ، فتنصف الرجل وتقابل العامل إن لم يفلج بحجة شرعية)) . قال القاضي ابن واصل(٣) : كان الناصر شهماً شجاعاً ذا فكرة صائبة وعقل رصين ومَكْر ودهاء ، وكانت هيبته عظيمة جداً ، وله أصحاب أخبار بالعراق وسائر الأطراف يطالعونه بجزئيات الأمور(٤) حتى ذُكِرَ أن رجلاً ببغداد (١) في الأصل: ((الفجر)) وليس بشيء، والتصحيح من خط المؤلف في ((تاريخ الاسلام » . (٢) صدر المخزن : يشبه وزير المالية في عصرنا ، أو مدير الخزانة . (٣) مفرج الكروب : ٤ / ١٦٣ بتصرف - على عادته . (٤) ((وكلياتها)) كما في مفرج الكروب . ١٩٩ عمل دعوة وغسل يده قبل أضيافه فطالعه صاحب الخبر ، فكتب(١) في جواب ذلك: (( سوء أدب من صاحب الدار وفضول من كاتب المطالعة)). قال(٢): وكان ردىء السِّيرة في الرّعية، مائلًا إلى الظلم والعَسْف، فخربت في أيامه العراق وتفرق أهلها وأخذ أملاكهم ، وكان يفعل أفعالاً مُتضادّة ، ويتشيع بخلاف آبائه(٣). قال : وبلغني أن رجلاً كان يرى صحة خلافة يزيد ، فأحضره ليعاقبه ، فسأله: ما تقول في خلافة يزيد؟ قال: أنا أقول لا ينعزل بارتكاب الفِسق ، فأعرض عنه ، وأمر بإطلاقه ، وخاف من المُحاققة . قال (٤): وسُئِلَ ابنُ الجوزيّ والخليفة يسمع: (( مَن أفضل الناس بعد رسول الله وَل*))(٥)؟ قال: ((أفضلهم بعده من كانت بنته تحته)). وهذا جواب جيّد يصدق على أبي بكرٍ وعلى عَلِيّ. قيل(٦): كتب إلى الناصر خادم اسمه يُمن يتعتب، فوقع فيها(٧): ((بِمَنْ يَمُنّ يُمْن، ثَمَنُ يُمْنٍ ثُمْن))(٨). (١) يعني الناصر . (٢) مفرج الكروب ٤ / ١٦٣. (٣) قوله (( يتشيع بخلاف أبائه )) نقل الذهبي معناها من مفرج الكروب بعد أزيد من صفحتين من كلامه السابق (٤ /١٦٦)، قال ابن واصل: ((وكان الناصر لدين الله يتشيع ويميل إلى مذهب الإِمامية ، وهو خلاف ما كان عليه آباؤه من القادر إلى المستضيء فإنهم كانوا يذهبون مذهب السلف ، وللقادر عقيدة مشهورة في ذلك)). (٤) مفرج الكروب : ٤ / ١٦٦ - ١٦٧. (٥) كانت غاية السائل أن يجيب ابن الجوزي صريحاً بما يخالف رأي الخليفة ، فأتى بهذا الأمر الموهم خوفاً منه . (٦) مفرج الكروب : ٤ / ١٧٠. (٧) كتب الخليفة التوقيع من غير نقط ، وهذا هو المقصود من الحكاية ، لأنها استعصت على جماعة بسبب تشابه الصورة وعدم النقط . (٨) يضيف بعضهم إليها صورة أخرى فتكون ((ثمُنُ ثمنٍ)) بدل ((الثمن))، كما في الوافي = ٢٠٠ /