Indexed OCR Text

Pages 441-460

القارِص، وعبد الواحد بن أبي المُطَهَّرِ الصَّيْدلانيُّ ، وعبد الله بن أبي الحَسن
الجُبّائِيُّ .
٢٣٣ - حمزة بن عليّ *
ابن حمزة بن فارس الإِمام شيخُ القُرّاء أبو يَعْلَى ابن القُبَيْطِيِّ (١)
الحَرّانِيُّ، ثم البَغْداديُّ، أخو المُحَدِّث أبي الفرج محمد .
ولد سنة أربع وعشرين وخمس مئة (٢) .
قرأ بالروايات على أبيه، وسِبْط الخَيّاط(٣)، وأبي الكرم
الشَّهْرُ زُورِيّ، وعُمر بن ظَفَر، وعليّ بن أحمد اليَزْدِيّ .
وسمعَ من أبي منصور القَزّاز ، وأبي الحسن بن تَوْبَة ، ومحمد بن
محمد ابن السَّلّال ، وعليّ بن الصَّغِ ، وأبي سَعْدِ البَغْداديّ ، وخلقٍ کثیرٍ .
وكتبَ ، وتعبَ ، وحَصّل الأصولَ ، لكن احترقت كتُبُه ، وكان مليح
الكتابة ، مُثْقِناً ، إماماً .
حَدَّثَ عنه ابنُ الدُّبَيْئِيّ ، وابنُ النَّجّارِ ، وابنُ خليل ، وعِدةٌ .
* التقييد لابن نقطة، الورقة : ٨٩، وتاريخ ابن الدبيئي، الورقة : ٣٦ - ٣٧ (باريس
٥٩٢٢)، ومرآةُ الزمان: ٥٢٦/٨ - ٥٢٧، وتكملة المنذري: ٢/ الترجمة : ٩٣٩، وذيل
الروضتين: ٥٤، والجامع المختصر لابن الساعي: ١٨٩/٩، وتاريخ الإسلام: ٩٧/١/١٨ -
٩٨، والعبر: ٤/٥، والمختصر المحتاج: ٥٠/٢، والوافي بالوفيات: ١١ / الورقة: ١٤٢،
وغاية النهاية لابن الجزري: ٢٦٤/١، وعقد الجمان للعيني: ١٧ / الورقة ٢٩٠، والنجوم
الزاهرة: ٢٩٠/٦، وشذرات الذهب : ٧/٥.
(١) قيّده المنذري في (( التكملة)) فقال : بضم القاف وفتح الباء الموحدة وتشديدها وسكون
الياء آخر الحروف وبعدها طاء مهملة مكسورة .
(٢) في رمضان ، كما ذكر غير واحد .
(٣) سبط الخياط هو : أبو محمد عبد الله بن عليّ المقرىء المشهور.
٤٤١

قال ابنُ النَّجّار(١): أكثرتُ عنه، ولازمتهُ، وسمعتُ منه من كُتُب
القراءات والأدب ، وكان ثقةً حُجّةً نَبِيلًا موصوفاً بحُسن الأداء وطيب الثَّغمة ،
يقصده الناس في التّراويح ، ما رأيتُ قارئاً أحلَى نَغْمَةً منه، ولا أحسنَ
تجويداً، مع علو سِنّه ، وانقلاع ثنيَّته ، وكان تامّ المعرفة بوجوه القراءات
وعِلَلها وحِفْظ أسانيدها وطُرقِها ، وكانت له معرفةٌ حَسَنَةٌ بالحديثِ، وكان دَمِثاً
لطيفاً متودِّداً، وكان في صباه من أحسن أهل زمانه وأظرفهم ، مع صيانة
ونَزاهة ، وكانَ من أحسن الشيوخ صُورةً ، وقد أكثر الشُّعراء في وصفه ؛
فأنشدني يحيى بن طاهر ، أنشدنا أبو الفتح محمد بن محمد الكاتب لنفسه في
حمزة بن القُبَّيْطِي :
تَمَلَّكَ مُهْجَتِ ظَبْيٌ غَرِيرٌ ضَنِيتُ بِهِ وَلَمْ أَبْلُغْ مُرَادِي
فَتَصْحِيفُ اسْمِهِ فِي وَجْنَتَيْهِ وَمِنْ رِيقٍ بِفِيهِ وَفِي فُؤَادِي
قرأتُ على حمزة بن علي ، أخبرنا ابن تَوْبة ، حدثنا الخطيب ، فذكر
حديثاً .
تُوفي في ثامن عشر ذي الحجة سنة اثنتين وست مئة .
وفيها توفي ضياء بن الخُرَيف ، وسُلطان غَزْنَةِ الشهاب الغُوري .
٢٣٤ - ابن الخَصِيب *
الشيخ العالم الفقيه أبو المُفَضَّل محمد بن الحُسين بن أبي الرضا بن
الخَصِيب بن زيد القُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ.
(١) قول ابن النجار هذا كله لم يورده المؤلف في كتابه ((تاريخ الإِسلام)).
* تكملة المنذري: ٢ / الترجمة: ٨٦١، وتاريخ الإِسلام: ٧٨/١/١٨، والنجوم
الزاهرة: ١٨٨/٦، وشذرات الذهب: ٦/٥.
٤٤٢

ولد سنة خمس وعشرين(١).
وسمعَ من جمال الإِسلام أبي الحسن(٢)، وأبي طالب علي بن أبي
عقيل الصُّوريّ ، ونصر الله بن محمد الفقيه .
حَدَّث عنه إبراهيم بن إسماعيل المَقْدِسيُّ ، وعبد الملك بن عبد
الكافي ، وعبد الواحد بن أبي بكر الواعظ الحَمَويّ ، ومحمد بن المُسَلَّم بن
أبي الخوف ، ويوسف بن خليل ، وإسماعيل القوصي ، وخالد التَّابلسيّ ،
ومحمد بن حَيّان العامري ، وآخرون .
وأجاز لأحمد بن سلامة الحَدَّاد ، والفخر ابن البُخاريّ ، والكمال عبد
الرحيم .
وَثَّقه بعضُهم ، وضَعَّفه ابنُ خليل وما فَسَّر ، وقال : تُوفِّي سنة إحدى
وست مئة في ثالث المحرم وكان يُعْرَف قديماً بسبط زيد المحتسب .
٢٣٥ - عبد الغنيّ *
الإِمامُ العالِمُ الحافِظُ الكبير الصَّادِقُ القُدوة العابِد الأَثَرِيُّ (٣) المُتَّبَع
(١) مولده في السادس عشر من رجب سنة ٥٢٥ كما في تكملة المنذري .
(٢) عليّ بن المُسَلَّم السُّلمي .
* التقييد لابن نقطة، الورقة : ١٥٨، وتاريخ ابن الدبيثي ، الورقة : ١٧٩ ( باريس
٥٩٢٢)، ومرآة الزمان: ٥١٩/٨ - ٥٢٢، وتكملة المنذري: ٢ / الترجمة: ٧٧٨ ، وذيل
الروضتين : ٤٦، والجامع المختصر لابن الساعي: ١٤٠/٩، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد ،
الورقة : ٤٩ - ٥٠، وتاريخ الإسلام: الورقة: ١٢٧ (باريس ١٥٨٢) والمختصر المحتاج ،
الورقة: ٨٦، وتذكرة الحفاظ: ١٣٧٢/٤ - ١٣٨١، والعبر: ٣١٣/٤، ودول الإِسلام :
٨٠/٢، والبداية والنهاية: ٣٨/١٣ - ٣٩، والذيل لابن رجب: ٥/٢ -٣٤، والعسجد
المسبوك، الورقة : ١١٠، والفلاكة للدلجي : ٦٨ - ٦٩، وحسن المحاضرة: ١٦٥/١،
وشذرات الذهب: ٣٤٥/٤ - ٣٤٦ وغيرها، وهو صاحب ((الكمال في أسماء الرجال)) الذي
هَذّبه المزي وزاد عليه زيادات نفيسة، فانظر مقدمتنا للمجلد الأول من ((تهذيب الكمال)).
(٣) نسبة إلى عنايته بالأثر على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم.
٤٤٣

عالِمُ الحُفّاظ تقيُّ الدِّين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سُرور
ابن رافع بن حسن بن جعفر المقدسيُّ الجَمَّاعيليُّ ثم الدِّمَشْقِيُّ المَنْشَأ
الصَّالحيُّ الخَنْبَلِيُّ، صاحب ((الأحكام الكُبرى)) و((الصُّغرى)).
قرأتُ سيرتَهُ في جزئين جَمْعِ الحافظ ضياء الدين أبي عبد الله
المقدسي (١) على الشيخ عبد الحميد بن أحمد البنّاء بسماعه عام ستة
وعشرين وست مئة من المؤلف فعامّة ما أورده فمنها .
قال : وُلِدَ سنة إحدى وأربعين(٢) وخمس مئة بجماعيل أظنه في
ربيع الآخر ، قالت والدتي(٣): هو أكبر من أخيها الشيخ الموفق (٤) بأربعة
أشهر ، والموفق ولد في شعبان .
سمع الكثير بدمشق ، والإِسكندرية ، وبيت المقدس ، ومِصْرَ ،
وبغدَادَ ، وحَرّان ، والمَوْصِل ، وأصْبَهَان ، وَهَمَذَان ، وَكتبَ الكثير .
سمعَ أبا الفتح ابن البَطِّ ، وأبا الحسن عليّ بن رَبَاح الفَرَّاء ، والشيخ
عبد القادر الجيليَّ، وهبة الله بن هِلَال الدَّقاق، وأبا زُرْعَة المَقْدِسِيَّ (٥)،
وَمَعْمَر بن الفاخر ، وأحمد بن المُقَرَّب ، ويحيى بن ثابت ، وأبا بكر بن
(١) توفي الضياء سنة ٦٤٣ وكتب مجموعة سير للمقادسة. ونقل ابن رجب عن الضياء أن
ممن كتب سيرة له أيضاً : مكي بن عمر بن نعمة المصري .
(٢) ولكن قال الزكي المنذري: ((وذكر عنه بعض أصحابه على أن مولده سنة أربع وأربعين
وخمس مئة)) . وذكر ابن النجار في تاريخه ــ على ما نقل ابن رجب - أنه سأل الحافظ عبد الغني
عن مولده ، فقال: إما في سنة ثلاث أو في سنة أربع وأربعين وخمس مئة ، وأنه قال : الأظهر أنه
سنة أربع .
(٣) الكلام للضياء .
(٤) ابن قدامة المتوفى سنة ٦٢٠ .
(٥) طاهر بن محمد .
٤٤٤

النقور ، وأحمد بن عبد الغني الباجِسرائِيَّ ، وعِدة ببغدادَ ، والحافظَ أبا طاهر
السِّلَفِيَّ(١)، فكتب عنه نحواً من ألف جُزء ، وبدمشق أبا المكارم بن هِلال ،
وسَلْمان بن عليّ الرَّحبي ، وأبا المعالي بن صابر، وعدة . وبمصر محمد بن
علي الرَّحبيَّ ، وعبد الله بن بَرِّي ، وطائفة ، وبأصبهان الحافظ أبا موسى
المَدِينِيَّ، وأبا الوَفَاء محمود بن حَمَكًا ، وأبا الفتح الخِرَقِيَّ، وابن يَنَال
التُّرك(٢)، ومحمد بن عبد الواحد الصائغ ، وحبيب بن إبراهيم الصُّوفيِّ،
وبالمَوْصل أبا الفضل الطُّوسيَّ، وطائفةٌ . ولم يزل يطلب ويسمع ويكتب ،
ويَسهَر ، ويدأَب ، ويأمُرُ بالمعروف وينهى عن المُنْكر ، ويتقي الله ، ويتعبَّد
ويصوم ، ويتهجّد ، وينشر العلم إلى أن مات . رحلَ إلى بغدادَ مرتين ، وإلى
مصر مرتين ؛ سافر إلى بغدادَ هو وابن خاله الشَّيخ الموفّق في أول سنة إحدى
وستين (٣) ، فكانا يخرجان معاً ويذهب أحدهما في صُحبة رفيقه إلى دَرْسِه
وَسَمَاعه، كانا شابين مُختَطّين (٤)، وخَوَّفَهُما الناسُ من أهل بغدادَ ، وكان
الحافظ ميله إلى الحديث والمُوَفّق يريد الفِقه ، فتفقه الحافظ وسمع الموفق
معه الكثير ، فلما رآهما العُقَلاء على التَّصَوّن وقِلّة المُخَالطة أحبّوهما ،
وأحسنوا إليهما، وحَصّلا عِلْماً جمّاً، فَأَقَاما ببغدادَ نحو أربع سنين ، ونزلا
أولاً عند الشيخ عبد القادر فأحسنَ إليهما ، ثم مات بعد قُدومهما بخمسين
ليلة ، ثم اشتغلا بالفقه والخلاف على ابن المَنِّي . ورحل الحافظ إلى
السِّلَفِي(٥) في سنة ست وستين، فأَقَامَ مُدَّةً، ثم رحل أيضاً إلى السِّلَفِيِّ سنة
(١) ذكر المنذري أن عبد الغني سمع من السلفي بالإِسكندرية .
(٢) أبو العباس أحمد بن أبي منصور أحمد بن محمد بن ينال .
(٣) يعني وخمس مئة .
(٤) يعني : أول ظهور الشعر في وجهيهما .
(٥) كان السِّلَفِي آنذاك مقيماً بالإِسكندرية .
٤٤٥

سبعين . ثم سافَرَ سنة نَيِّفٍ وسبعين إلى أصبهَانَ، فَأَقَامَ بها مُدّةً ، وَحَصَّلَ
الكتبَ الجيّدةَ .
قال الضِّياء : وكان ليس بالأبيض الأمهق(١) ، بل يميل إلى السُّمرة،
حَسَن الشَّعر كَثّ اللّحية، واسع الجَبِين ، عظيم الخَلْقِ ، تَامَ القامة ، كأنَّ
النّور يخرج من وجهه ، وكان قد ضعف بصره مِن البكاء والنَّسْخ والمُطَالَعَة .
قلت(٢): حَدَّث عنه الشَّيْخُ مُوفَّق الدّين ، والحافظُ عزّ الدين محمد
والحافظ أبو موسى عبد الله والفقيه أبو سُلَيمان أولادُهُ ، والحافظُ الضّياء ،
والخطيبُ سُلَيمان بن رَحْمَة الأَسْعَرديُّ، والبهاء عبد الرحمان، والشيخ الفقيه
محمد اليُونينيُّ ، والزين ابن عبد الدائم ، وأبو الحجاج بن خليل ، والتقيّ
اليَّلْدَانِيُّ، والشهاب القُوصِيُّ، وعبد العزيز بن عبد الجبار القَلَانِسِيُّ،
والواعظ عثمان بن مكي الشَّارعيّ (٣) ، وأحمد بن حامد الأرتاحيُّ،
وإسماعيل بن عبد القوي بن عزون ، وأبو عيسى عبد الله بن عَلّق الرَّزاز ،
وخلقٌ آخرهم موتاً سعد الدين محمد بن مُهلهل الجينيّ .
وروى عنه بالإِجازة شيخنا أحمد بن أبي الخير الحَدّاد .
تصانيفه :
١
كتابُ ((المصباح في عُيُون الأحاديث الصِّحاح )) مشتملٌ على أحاديث
(١) الأمهق: الأبيض لا يخالطه حُمرة وليس بنيِّر لكنّه كالجص ، كما في القاموس
المحيط .
(٢) القول للإِمام الذهبي .
(٣) منسوب إلى ((الشارع)) ظاهر القاهرة .
٤٤٦
!
٠

الصَّحيحين ، فهو مستخرج عليهما بأسانيده في ثمانية وأربعين جزءاً(١) ،
كتابُ (( نهاية المراد))(٢) في السُّنن ، نحو مئتي جزء لم يبيضه ، كتابُ
((اليواقيت)) مُجلد، كتابُ ((تُحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين))
مُجَلد، كتاب ((فضائل خير البَرِيّة))(٣) أربعة أجزاء، كتاب ((الرَّوضة))
مجلد(٤)، كتابُ ((التَّهجد)) جزآن، كتاب ((الفَرَج)) جزآن ، كتابُ
((الصِّلات إلى الأموات))(٥) جزآن، ((الصِّفَات)) جزآن، ((مِحنة الإِمام
أحمد)) جزآن(٦)، ((ذم الرِّياء)) جزء، ((ذم الغيبة)) جزء، ((الترغيب في
الدعاء)) جزء، ((فضائل مكة)) أربعة أجزاء، ((الأمر بالمعروف)) جزء،
((فضل رمضان)) جزء، ((فضل الصَّدَقَة)) جزء، (( فضل عشر ذي الحجة))
جزء، ((فضائل الحج)) جزء، ((فضل رجب))، ((وفاة النبي (وَّر)) جزء،
((الأقسام التي أقسم بها النبي ◌ِّي))، كتاب ((الأربعين))(٧) بسند واحد ،
((أربعين من كلام رب العالمين))، كتاب ((الأربعين)) آخر، كتاب
((الأربعين)) رابع، ((اعتقاد الشافعي)) جزء، كتاب ((الحكايات)) سبعة
أجزاء، ((تحقيق مشكل الألفاظ)) (٨) مجلدين، (( الجامع الصغير في
الأحكام )) (٩) لم يتم، ((ذكر القبور)) جزء، (( الأحاديث والحكايات )) كان
(١) المراد بالجزء هنا هو الجزء الحديثي ، وهو بحدود عشرين ورقة .
(٢) نهاية المراد من كلام خير العباد .
(٣) اسمه الكامل : الآثار المرضية في فضائل خير البرية .
(٤) ذكر ابن رجب أنه في أربعة أجزاء .
(٥) الاسم الأكمل كتبه ابن رجب: ((الصلات من الأحياء إلى الأموات)).
(٦) ذكر ابن رجب أنه ثلاثة أجزاء .
(٧) يعني : أربعين حديثاً .
(٨) عنوانه الكامل: ((غنية الحفاظ في تحقيق مشكل الألفاظ)) كما ذكر ابن رجب .
(٩) هو: ((الجامع الصغير لأحكام البشير النذير)).
٤٤٧

يقرؤها للعامة، مئة جزء، ((مناقب عُمر بن عبد العزيز)) جزء، وعدة أجزاء
في ((مناقب الصحابة))، وأشياء كثيرة جداً ما تَمّت ، والجميع بأسانيده ،
بخطه المليح الشّديد السُّرعة، و((أحكامه الكبرى)) مجلد، و((الصُّغْرَى))
مُجَيْلِيد، كتاب ((درر الأثر)) مجلّد، كتابُ ((السِّيرة)) جزء كبير، ((الأدعية
الصحيحة)) جزء، (( تبيين الإصابة لأوهام حصلت لأبي نُعَيم في معرفة
الصحابة)) جزآن تدل على براعتِهِ وحفظه، كتاب ((الكمال في معرفة رجال
الكتب الستة))(١) في أربعة أسفار يروي فيه بأسانيده .
في حفظه :
قال ضياء الدين : كان شيخنا الحافظ لا یکاد یُسأل عن حديثٍ إلّ
ذَكَرَهُ وَبَيَّنَهُ ، وَذَكَرَ صِحَّتَهُ أو سقمه، ولا يُسأل عن رجلٍ إلّ قال: هو فلان بن
فلان الفُلَانِيّ ويذكر نسبَهُ ، فكان أمير المؤمنين في الحديث ، سمعته يقول :
كنت عند الحافظ أبي موسى (٢) ، فجرى بيني وبين رجل مُنازعة في حديث ،
فقال : هو في صحيح البخاريّ ، فقلتُ : ليس هو فيه ، قال : فكتبه في
رقعة ، ورفعها إلى أبي موسى يسأله ، قال : فناولني أبو موسى الرّقعة،
وقال : ما تقول ؟ فقلت : ما هو في البخاري ، فخجل الرجل .
قال الضّياءُ : رأيتُ في النّومِ بِمَرو كأنَّ البُخَارِيّ بين يدي الحافظ عبد
الغني ، يقرأ عليه من جزء وكان الحافظ يرد عليه ، أو ما هذا معناه .
وسمعت(٣) إسماعيل بن ظفر يقول : قالَ رجلٌ للحافظ عبد الغني :
(١) عبد الغني هو أول من جمع رجال الكتب الستة في مصنف واحد، نعم ، ألّف الحافظ
ابن عساكر (( المعجم المشتمل)) لكنه خصصه لشيوخ أصحاب الكتب الستة فقط .
(٢) يعني محمد بن أبي بكر المديني الأصبهاني .
(٣) الكلام للحافظ الضياء ، ومثله الأقوال الآتية .
٤٤٨

رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مئة ألف حديث ، فقال : لو قال أكثر لصدق !
ورأيتُ الحافظَ على المنبر غيرَ مَرّةٍ يقولون له اقرأ لنا من غير كتاب ،
فيقرأ أحاديث بأسانيده من حفظه .
وسمعتُ ابنه عبد الرحمان يقول : سمعتُ بعضَ أهلنا يقول : إنّ
الحافظ سُئِل : لم لا تقرأ من غير كتاب ؟ قال : أخاف العُجب .
وسمعت خالي أبا عُمر (١) أو والدي ، قال : كان الملك نور الدين بن
زنكي يأتي إلينا ، وكنا نسمع الحديث ، فاذا أشكل شيءٌ على القارىء قاله
الحافظ عبد الغني ، ثم ارتحل إلى السِّلَفِيّ ، فكانَ نور الدين يأتي بعد
ذلك ، فقال : اين ذاك الشاب ؟ فقلنا : سافر .
وسمعت عبد العزيز بن عبد الملك الشَّيبانيَّ، سمعتُ التَّاجِ الكِندِيّ
يقول : لم يكن بعد الدَّارَقُطْنِيّ مثل الحافظ عبد الغني .
وسمعت أبا الثناء محمود بن هَمَّام ، سمعت الكِتْديَّ يقول : لم يرَ
الحافظُ مثلَ نفسِهِ .
شاهدتُ بخط أبي موسى المديني على كتاب (( تبيين الإِصابة )) الذي
أملاه عبد الغني - وقد سمعه أبو موسى والحافظ أبو سعد الصائغ وأبو العباس
الترك -: ((يقول أبو موسى عفا الله عنه: قلَّ مَن قَدِمَ علينا يَفْهَم هذا الشأن
كفَهم الشيخ الإِمام ضياء الدين أبي محمد عبد الغني المقدسيِّ ، وقد وُفْقَ
لتبيين هذه الغَلَطات، ولو كان الدَّارَقُطْنِيّ وأمثاله في الأحياء لَصَوَّبُوا فِعْلَهُ ،
وَقَلَّ مَن يفهم في زماننا ما فهم، زاده الله عِلماً وتوفيقاً)).
(١) ستأتي ترجمة أبي عمر بعد قليل ، وتوفي سنة ٦٠٧ وهو زاهد المقادسة .
سير ٢٩/٢١
٤٤٩

قال أبو نِزَار ربيعة الصَّنْعاني : قد حضرتُ الحافظَ أبا موسى وهذا
الحافظ عبد الغني ، فرأيت عبد الغني أحفظ منه .
سمعت عبد الغني يقول: كنتُ عند ابن الجوزيّ فقال: (( وُرَيرة بن
محمد الغَسّاني))، فقلت: إنما هو ((وَزِيرة))، فقال: انتم أعرف بأهل
بلدكم .
في إفادته واشتغاله :
قال الضياء : وكان رحمه الله مُجتهداً على الطلب ، يُكرم الطَّلبة ،
ويُحسن إليهم ، وإذا صارَ عنده طالب يَفْهَم أمرَهُ بالرّحلة ، ويفرح لهم بسماع
ما يحصلونه ، وبسببه سمع أصحابنا الكثير .
سمعت أبا اسحاق إبراهيم بن محمد الحافظ يقول : ما رأيتُ الحديثَ
في الشام كلَّه إلّ ببركة الحافظ ، فإنني كل من سألته يقول : أول ما سمعت
على الحافظ عبد الغني ، وهو الذي حَرَّضَنِي .
وسمعت أبا موسى ابن الحافظ يقول عند(١) موته : لا تضيِّعوا هذا
العِلْمَ الذي قد تعبنا عليه .
قلتُ(٢) : هو رَخَّلَ ابنَ خليل إلى أصبهان، ورَحَّلَ ابنيه العز محمداً
وعبد الله إلى أصبهان ، وكان عبد الله صغيراً ، وسَفَّر ابنَ اخته محمد بن عمر
ابن أبي بكر وابن عَمِّه علي بن أبي بكر .
قال الضِّياءُ: وَحَرَّضَنِي على السَّفَر إلى مِصْرَ وسافَرَ مَعنا ابنُه أبو سُلَيْمَان
(١) ((عند)) مكررة بالأصل، وليس بشيء.
(٢) القول للإِمام الذهبي .
٤٥٠

عبدالرحمان ابن عشرٍ، فبعث معنا (( المُعجَم الكبير)) للطبراني وكتاب
((البخاري)) و((السِّيرة)) وكتب إلى زين الدين علي بن نجا يوصيه بنا، وسَفَّر
ابن ظَفَر إلى أصبهان ، وَزَوَّدَهُ ، ولم يزل على هذا .
قال الضياء : لما دخلنا أصبهان في سفرتي الثانية كُنّا سبعة أحدنا الفقيه
أحمد بن محمد بن الحافظ ، وكان طفلاً ، فسمعنا على المشايخ ، وكان
المؤيّد ابن الإخوة عنده جملةٌ من المسموعات وكان يتشدد علينا ، ثم توفِّي ،
فحزنت كثيراً، وأكثر ما ضاق صدري لثلاثة كتب: ((مُسْنَد العَدَني))
و((مُعجم ابن المقرىء)) و((مسند(١) أبي يَعْلَى))، وقد كنتُ سمعتُ عليه
في النَّوبة الأولى ((مُسْنَد العَدَنِيّ)) لكن لأجل رفقتي ، فرأيت في النَّوم كأنّ
الحافظ عبد الغني قد أمسكَ رجلاً وهو يقول لي: أُمَّ هذا، أُمَّ هذا، وهذا
الرجل هو ابن عائشة بنت مَعْمَر، فلما استيقظتُ قلتُ: ما هذا إلّ لأجل
شيءٍ ، فوقَعَ في قلبي أنه يريد الحديث ، فمضيت إلى دار بني مَعْمَر وَفَتّشت
الكتب فوجدت «مُسْنَد العَدَني)» سماع عائشة مثل ابن الإخوة ، فلما سمعناه
عليها قال لي بعضُ الحاضرين: إنها سمعت ((مُعجم ابن المقرىء)) فأخذنا
النسخة من خباز وسمعناه . وبعد أيام ناولني بعض الإِخوان ((مُسْنَد(٢) أبي
يَعْلَى)) سماعها، فسمعناه .
(١) في الأصل ((معجم)) وكتب فوقها ((مسند)) وفي آخر الحكاية ((معجم)) أيضاً. قال
بشار : و (( مسند )» هو الصحیح لأن مسند أبي يعلى الموصلي كان مما اشتهر بروايته ابن الاخوة كما
سيأتي في ترجمته من هذا الكتاب ، قال المؤلف في ترجمة ابن الإخوة الآتية : ((ومن مسموعاته :
مسند أبي يعلى، ومسند العدني، ومسند الروياني)) وتوفي ابن الإِخوة سنة ٦٠٦، هذه واحدة، أما
الأخرى فإن المؤلف ذكر مثل ذلك في ترجمة عائشة بنت معمر القرشية الأصبهانية المتوفاة سنة
٦٠٧، وقد قال ابن نقطة في ((التقييد)) (الورقة: ٢٣٢): ((سمعنا منها مسند أبي يعلى
الموصلي بسماعها من سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي ، وكان سماعها صحيحاً بإفادة أبيها )).
(٢) في الأصل: ((معجم)) وراجع التعليق السابق.
٤٥١

مجالسه :
كانَ رحمه الله يقرأ الحديثَ يومَ الجمعة بجامع دمشق وليلة الخميس ،
ويجتمع خَلْقٌ ، وكانَ يقرأ ويَبكي ويُبكي النَّاسَ كَثيراً، حتى إن مَن حَضَرَه
مَرّة لا يكاد يتركه ، وكانَ إذا فَرَغَ دعا دُعَاءً كثيراً .
سمعتُ شيخَنا ابنَ نجا الواعظ بالقَرَافة يقول على المنبر : قد جاء
الإِمامُ الحافِظُ ، وهو یرید أن يقرأ الحدیث فاشتھی أن تَحضروا مجلسه ثلاث
مرات ، وبعدها أنتم تعرفونه وتحصل لكم الرَّغبة ، فجلس أوّل يومٍ ،
وحضرتُ ، فقرأ أحاديث بأسانيدها حِفظاً، وقرأ جُزءاً، ففرح النَّاسُ به ،
فسمعتُ ابنَ نجا يقول : حَصَلَ الذي كنت أريده في أول مجلس .
وسمعتُ بعضَ مَن حضرَ يقول : بكىْ النَّاسُ حتى غُشِيَ على
بعضهم . وكان يجلس بمصر بأماكن .
سمعتُ محمود بن هَمَّامِ الأنْصَارِيَّ يقول : سمعتُ الفقيه نجمَ بن عبد
الوَهَّاب الحنبليَّ يقول وقد حضر مجلس الحافظ: يا تقي الدين والله لقد
حَمَلتَ الإِسلام ، ولو أمكنني ما فارقتُ مَجلسك .
أوقاته :
كان لا يُضيِّع شيئاً من زمانه بلا فائدة ، فإِنَّه كانَ يُصَلي الفجرَ ، ويلقِّن
القرآنَ ، وربما أَقرأ شيئاً من الحديث تَلْقِيناً ، ثم يقوم فيتوضأ ، ويصلي ثلاث
مئة رَكعة بالفاتحة والمعوَّذَتَين إلى قبل الظهر ، وينام نَوْمة ثم يصلي الظُّهر ،
ويشتغل إمّا بالتَّسْمِيع أو بالنَّسخ إلى المغرب ، فإن كان صائماً أفطر ، وإلّ
صَلَّى من المغرب إلى العشاء ، ويصلِّي العشاء ، وينام إلى نصف اللّيل أو
بعده ، ثم قام كأنَّ إنساناً يُوقظه ، فيصلِّي لحظةً ثم يتوضأ ويصلِّي إلى قُرب
٤٥٢

الفَجر ، ربما توضأ سبع مرات أو ثمانياً في الليل ، وقال : ما تطيب لي
الصلاة إلّ ما دامت أعضائي رَطْبَة، ثم ينام نَوْمَة يسيرة إلى الفجر، وهذا
دأبه .
أخبرني خالي موفق الدين قال(١) : كانَ الحافظُ عبدُ الغني جامعاً للعلمِ
والعَمَل ، وكان رفيقي في الصِّبا، وفي طلب العِلم ، وما كُنَّا نَسْتَبِقِ إلى خَيْرِ
إلّ سبقني إليه إلّ القليل، وَكَمَّلَ الله فَضِيلته بابتلائه بأذى أهل البِدْعَة
وَعَدَاوتهم ، ورِزْقِ العِلم وتَحْصيل الكُتُب الكثيرة إلّا أنّه لم يُعَمِّر (٢).
قال أخوه الشَّيخ العماد : ما رأيتُ أحداً أشَدّ مُحَافظَة على وَقْته من
أخي
.
قال الضّياء : وكان يَستعمل السّواك كثيراً حتى كأَنَّ أسنانه البَرَدُ .
سمعتُ محمود بن سَلامة التاجر الحَرّانيَّ يقول : كانَ الحافظُ عبد
الغني نازلاً عندي بأصبهان ، وما كان ينام من اللَّيل إِلَّ قليلاً ، بل يصلِّي ويقرأ
ويَبْكي .
وسمعت الحافظ يقول : أضافني رجلٌ بأصبهان ، فلما تَعَشّينا كان
عنده رجل أكلَ معنا، فلما قُمنا إلى الصَّلاة لم يصل، فقلت: ما له؟ قالوا:
هذا رجلٌ شَمْسِيٌّ(٣)، فضاقَ صدري، وقلت للرجل: ما أضفتني إلاَّ مع
كافر! ، قال: إنّه كاتب، ولنا عنده راحة، ثم قمت بالليل أصلّي وذاك
(١) ذكر الحافظ الضياء أنه سأل خاله الموفق عن عبد الغني ، وأنه كتب هذا بخطه وأنه قرأه
عليه ( ذيل ابن رجب : ١١/٢ ) .
(٢) تمام الحكاية: ((حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها)) ( ذيل ابن رجب: ٢ / ١١).
(٣) يعني : يعبد الشمس .
٤٥٣

يستمع ، فلما سمع القرآن تَزَفَّر، ثم أسلم بعد أيام ، وقال : لما سمعتك
تقرأ وَقَعَ الإِسلام في قلبي .
وسمعتُ نصر بن رضوان المقرىء يقول : ما رأيت أحداً على سيرة
الحافظ ، كان مشتغلاً طول زمانه .
قيامه في المنكر :
كان لا يرى مُنكراً إِلا غَيَّرَهُ بيده أو بلسانه ، وكان لا تأخذه في الله لومة
لائم . قد رأيته مرة يهريق خمراً فَجبذَ صاحبُهُ السَّيفَ فلم يَخَفْ منه، وأخذه
من يده ، وكانَ قويّاً في بَدَنه ، وكثيراً ما كان بدمشق ينكر(١) ويكسر الطَّنابير
والشَّبابات .
قال خالي الموفق : كان الحافظ لا يَصبر عن إنكار المنكر إذا رآه ، وكنا
مرّة أَنكرنا على قومٍ وأرقنا خَمْرَهُم وتضاربنا ، فسمع خالي أبو عُمر ، فضاقَ
صَدرُهُ، وخاصَمَنا ، فلمّا جئنا إلى الحافظ طَيِّبَ قُلُوبَنا ، وصَوَّب فِعْلَنا وتلا :
﴿ وأنّهَ عن المُنكرِ واصبر على ما أصابَكَ﴾(٢).
وسمعت أبا بكر بن أحمدَ الطّحان ، قال : كان بعض أولاد صلاح
الدين قد عُمِلت لهم طنابير ، وكانوا في بُستان يشربون ، فلقيَ الحافِظُ
الطَّنابير فكَسَرها . قال : فحدَّثني الحافظُ ، قال : فلما كنت أنا وعبد الهادي
عند حَمّام كافور إذا قومٌ كثير معهم عصيّ فخففت المشي ، وجعلت أقول :
((حسبي الله ونعم الوكيل))، فلما صرت على الجَسْرِ لحقوا صاحبي ،
فقال : أنا ما کسرتُ لکم شيئاً ، هذا هو الذي گسر . قال : فإذا فارس یرکض
(١) يعني : ينكر المنكر .
(٢) لقمان : ١٧ .
٤٥٤

فَتَرَجَّل ، وقَبَّل يَدِيّ ، وقال: الصبيان ما عرفوك. وكانَ قد وضعَ اللَّهُ له هيبةً
في النفوس .
سَمِعتُ فَضائلَ بنَ محمد بن علي بن سُرور المَقْدِسيَّ يقول : سمعتهم
يتحدثون بمصر أن الحافظ كان قد دخل على العادل فقام له ، فلما كان اليوم
الثاني جاء الأمراء إلى الحافظ مثل سركس وأزكش ، فقالوا : آمَنًا بكراماتك يا
حافظ .
وذكروا أن العادل قال : ما خفتُ من أحدٍ ما خفت من هذا ، فقُلنا :
أيها الملك هذا رجل فقيه . قال : لما دخل ما خُيّل إليَّ إلّ أنه سَبعٌ.
قال الضياء : رأيت بخط الحافظ : والملكُ العادل اجتمعت به ، وما
رأيت منه إِلَّ الجَمِيل، فأقبل عليَّ، وقامَ لي، والتزمني ، ودعوتُ له ثم
قلت : عندنا قصور هو الذي يوجب التقصير ، فقال : ما عندك لا تقصير ولا
قصور ، وذكر أَمر السُّنّة فقال : ما عندك شيء تُعاب به لا في الدين ولا
الدُّنيا ، ولا بد للناس من حاسدين .
وبلغني بعدُ عنه أنّه قال : ما رأيت بالشام ولا مصر مثل فلان ، دخلَ
عليَّ فخُيّل إليَّ أنه أسدٌ، وهذا ببركة دعائكم ودعاء الأصحاب.
قال الضياء : كانوا قد وَغَروا عليه صَدر العادل ، وتكلموا فيه ،
وكان بعضهم أرسل إلى العادل يبذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار .
قلت : جرّ هذه الفتنة نَشْر الحافظ أحاديث النزول والصفات فقاموا
عليه ، ورموه بالتَّجسيم ، فما دارى كما كان يداريهم الشيخ المُوَفَّق .
سمعتُ بعض أصحابنا يحكي عن الأمير دِرباس أنه دخل مع الحافظ
٤٥٥

إلى الملك العادل [فلما](١) قضى الملك كلامه مع الحافظ ، جعل(٢) يتكلم
في أمر ماردين وحصارها ، فسمع الحافظ فقال : أيش هذا ، وأنت بعدُ تريد
قتال المسلمين ، ما تشكر الله فيما أعطاك ، أما ... أما (٣)!؟ قال فما أعاد
ولا أبدى . ثمّ قامَ الحافظُ وقُمتُ معه ، فقلت : أيش هذا ؟ نحن كنا نخاف
عليك من هذا ثم تعمل هذا العمل ؟ قال : أنا إذا رأيت شيئاً لا أقدر أصبر ،
أو كما قال .
وسمعت أبا بكر ابن الطحان ، قال : كان في دولة الأفضل جعلوا
الملاهي عند الدَّرَج(٤)، فجاء الحافظ فَكَسَّر شيئاً كثيراً، ثم صعد(٥) يقرأ
الحديث ، فجاء رسول(٦) القاضي يأمره بالمشي إليه ليناظره في الدُّف
والشَّابة فقال : ذاكَ عندي حَرامٌ ولا أمشي إليه ، ثم قرأ الحديث . فعاد
الرسول فقال : لا بُدّ من المشي إليه ، أنت قد بطّلت هذه الأشياء على
السُّلطان ، فقال الحافظ : ضرب الله رقبته ورقبة السُّلطان ، فمضى الرسول
وخفنا ، فما جاء أحدٌ .
ومن شمائله :
قال الضياء : ما أعرفُ أحداً من أهل السُّنّة رآه إلّ أَحَبّه ومَدَحه كثيراً ؛
سمعت محمود بن سلامةَ الحَرّانيَّ بأصبهان قال : كان الحافظ یصطف الناس
(١) إضافة من ((تاريخ الإسلام)) وطبقات ابن رجب: ١٣/٢ والظاهر أن الناسخ قد ذهل
عن إثباتها .
(٢) يعني : العادل .
(٣) تحرفت في الذيل لابن رجب إلى: ((إماماً)).
(٤) يعني : درج جيرون .
(٥) ((صعد المنبر)) كما في الذيل لابن رجب .
(٦) شطح قلم الناسخ فكتب ((رسول الله)).
٤٥٦

في السُّوق ينظرون إليه ، ولو أقام بأصبهان مدة وأراد أن يملكها لملكها .
قال الضياء : ولمّا وصلَ إلى مِصْرَ كُنّا بها ، فكان إذا خرج للجُمعة لا
نقدر نمشي معه من كثرة الخَلْق ، يتبركون به ويجتمعون حوله ، وكُنّا أحداثاً
نكتب الحديث حوله ، فضحكنا من شيء وطال الضحك ، فتبسم ولم
يَحْرَد(١) علينا، وكانَ سَخِيّاً جواداً لا يَدَّخِرِ ديناراً ولا دِرْهماً مهما حَصَّل
أخرجَهُ . لقد سمعت عنه أنه كان يخرج في الليل بِقفاف الدَّقيق إلى بيوتٍ
مُتنكراً في الظّلمة ، فيعطيهم ولا يُعْرَف ، وكان يُفْتَح عليه بالثّياب فيعطي
الناس وثوبُه مُرَقّعٌ .
قال خالي الشيخ موفق الدين : كانَ الحافظ يُؤثِر بما تصل يده إليه سِراً
وعَلانية ، ثم سرد حكايات في إعطائه جملة دراهم لغير واحد .
قال : وسمعت بدر بن محمد الجَزَريَّ يقول : ما رأيتُ أحداً أكرمَ من
الحافظ ؛ كنتُ أستدين يعني لأطعمَ به الفقراء ، فبقي لرجل عندي ثمانية
وتسعون درهماً فلما تَهيّ الوفاءُ أتيت الرَّجلَ فقلتُ : كم لك ؟ قال : ما لي
عندك شيءٌ! ، قلت : من أوفاه ؟ قال : قد أُوفيَ عنك ، فكان وَفّاه الحافظ
وأمرَهُ أن يكتم عليه .
وسمعتُ سُلَيمان الأسعرديَّ يقول : بعث الأفضل ابن صلاح الدين إلى
الحافظ بنفقةٍ وقَمْح كثير ففرَّقه كلَّهُ .
وسمعت أحمد بن عبد الله العِراقيَّ ؛ حدثني منصور الغَضاريُّ(٢)
قال : شاهدتُ الحافظَ في الغَلاء بمصر وهو ثلاث ليال يُؤثر بعشائه ويطوي .
(١) الحرد : الغضب .
(٢) ويقال في نسبته ((الغَضائري))، نسبة إلى الغَضار، وهو الإِناء الذي يؤكل فيه .
٤٥٧

رأيت يوماً قد أُهديَ إلى بيت الحافظ مشمش فكانوا يفرقون ، فقال من حينه :
فرّقوا ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾(١) .
وقد فُتح له بكثير من الذَّهب وغيرِه فما كان يترك شيئاً حتى قال لي ابنه
أبو الفَتْح : والدي يُعطي الناس الكثير ونحن لا يبعث إلينا شيئاً ، وكنا
ببغداد .
ما ابتلي الحافظ به :
قالَ الضّياءُ : سمعتُ أبا محمد عبد الرحمان بن محمد بن عبد الجبار ،
سمعت الحافظ يقول : سألتُ الله أن يرزقني مثلَ حال الإِمام أحمدَ فقد رزقني
صلاتَهُ ، قال : ثم ابتلي بعد ذلك وأوذي .
سمعتُ الإِمامَ عبد الله بن أبي الحسن الجُبَّائِيَّ(٢) بأصبهان يقول: أبو
نُعَيم (٣) قد أخذ على ابن مَنْدة (٤) أشياء في كتاب ((الصحابة)) فكان الحافظ
أبو موسى(٥) يشتهي أن يأخذ على أبي نُعَيم في كتابه الذي في الصحابة فما
كان يجسر ، فلما قَدِم الحافظ عبد الغني أشار إليه بذلك ، قال : فأخذ على
أبي نعيم نحواً من مئتين وتسعين موضعاً، فلما سمع بذلك الصَّدر(٦) الخُجَنْدِيّ
(١) آل عمران : ٩٢ .
(٢) توفي سنة ٦٠٥ بأصبهان، وهو شامي، منسوب إلى ((الجُبّة)) قرية من أعمال طرابلس
الشام، وقال ياقوت في (جُبّة) من ((معجم البلدان)): ((كذا كان ينسب نفسه وهو خطأ ،
والصواب: الجبيّ)) انظر المعجم: ٣٢/٢، والتقييد لابن نقطة، الورقة: ١٣١، وتكملة
المنذري : ٢ / الترجمة : ١٠٥٩ وغيرها .
(٣) صاحب ((تاريخ أصبهان)) و((الحلية)) المتوفى سنة ٤٣٠.
(٤) أبو عبد الله محمد بن إسحاق المتوفى سنة ٣٩٥ .
(٥) المديني الأصبهاني المتوفى سنة ٥٨١ .
(٦) صدر الدين أبو بكر محمد بن عبد اللطيف بن محمد الأزدي الأصبهاني المتوفى
بأصبهان سنة ٥٩٢ ، وبيتهم ممن ينتسب إلى المهلب بن أبي صفرة الأزدي ( انظر الكامل لابن =
٤٥٨

طلب عبد الغني وأراد هلاكَهُ ، فاختفى .
وسمعتُ محمود بن سَلامة يقول : ما أخرجنا الحافظ من أصبهان إلّ
في إزار ، وذلك أن بيت الخُجَنديّ أشاعرة ، كانوا يتعصبون لأبي نُعَيم ،
وكانوا رؤساء البلَد .
وسمعت الحافظ يقول: كنا بالمَوْصل نسمع (( الضعفاء)) للعُقَيليّ ،
فأخذني أهل المَوْصِل وحبسوني ، وأرادوا قتلي من أجل ذكر شيء فيه (١)
فجاءني رجل طويل ومعه سيف ، فقلت يقتلني وأستريح ، قال : فلم يصنع
شيئاً ، ثم أطلقوني ، وكان يسمع معه ابن البَرْنيّ الواعظ (٢) فقلعَ الكراس
الذي فيه ذلك الشيء فأرسلوا ، وفتشوا الكتاب ، فلم يجدوا شيئاً ، فهذا
سبب خلاصه .
وقال : كان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق ، ويجتمع عليه الخَلْق ،
فوقع الحسد ، فشرعوا عملوا لهم وقتاً لقراءة الحديث ، وجمعوا الناس ،
فكان هذا ينام وهذا بلا قلب(٣)، فما اشتفوا ، فأمروا الناصح ابن الحنبلي (٤)
= الأثير: ٥٢/١٢، وتاريخ ابن الدبيثي، الورقة: ٧٢ (شهيد علي)، وتكملة المنذري :
١/ الترجمة : ٣٣٤ والتعليق عليها .
(١) يعني من أجل ذكر الإمام أبي حنيفة فيه .
(٢) إما أن يكون المقصود هو أبو الفرج ذاكر الله بن إبراهيم البغدادي الحربي القارىء
المذكر المتوفى ببغداد سنة ٦٠١ ( التكملة: ٢ / الترجمة: ٨٦٩)، أو هو أخوه أبو منصور
المظفر بن إبراهيم المتوفى ببغداد سنة ٦٠٧ ( التكملة: ٢ / الترجمة : ١١٧٠) وعندي أن الأول
أشبه لأنه كان مذكراً .
(٣) يعني أنهم كانوا يجمعون الناس من غير اختيارهم ، فكان بعضهم ينام ، وكان البعض
يحضر وقلبه غير حاضر .
(٤) أبو الفرج عبد الرحمان بن نجم بن عبد الوهاب الأنصاري الشيرازي الدمشقي المتوفى
سنة ٦٣٤ .
٤٥٩

بأن يعظ تحت النسر (١) يوم الجمعة وقت جلوس الحافظ ، فأول ذلك أن
الناصح والحافظ أرادا أن يختلفا الوقت ، فاتفقا أن الناصح يجلس بعد
الصَّلاة ، وأن يجلسَ الحافظُ العَصْرَ، فدسّوا إلى النَّاصح رجلاً ناقصَ العَقل
من بني عساكر فقال للناصح في المجلس ما معناه : إنك تقول الكذب على
المنبر ، فضُرِبَ وهَرب(٢)، فتمت مكيدتهم ، ومشوا إلى الوالي وقالوا:
هؤلاء الحنابلة قصدهم الفِتنة ، واعتقادُهم يخالف اعتقادنا ، ونحو هذا ، ثم
جمعوا كُبراءهم ومضوا إلى القلعة إلى الوالي، وقالوا : نَشْتَهِي أن تحضر عبد
الغني ، فانحدر إلى المدينة خالي الموفق ، وأخي الشَّمس البُخاريّ ،
وجماعة، وقالوا : نحن نناظرهم، وقالوا للحافظ : لا تجىء فإنك حَدّ(٣)
نحن نكفيك ، فاتفق أنهم أخذوا الحافظ وحده ، ولم يَدْرِ أصحابنا فناظروه ،
واحتٌ وكانوا قد كتبوا شيئاً من الاعتقاد ، وكتبوا خطوطَهُم فيه وقالوا له : اكتب
خطك فأبى ، فقالوا للوالي : الفقهاء كلهم قد اتفقوا على شيء وهو
يخالفهم ، واستأذنوه في رفع منبره(٤) ، فبعث الأسرى(٥) فرفعوا ما في جامع
دمشق من منبر وخزانة ودَرَابزين(٦)، وقالوا : نريد أن لا تجعل في الجامع إلّ
صلاة الشافعية وكسّروا منبر الحافظ ، ومنعونا من الصلاة ففاتتنا صلاة الظهر ،
(١) يعني تحت قُبة النسر من جامع دمشق الأموي .
(٢) نقل ابن رجب عن الضياء أن هذا الرجل قد خُبىء في الكلاسة بعد هروبه .
(٣) يعني حاد ، من الحدة ، وهو ما يعتري الإِنسان من النزق والغضب.
(٤) وكان الوالي لا يفهم شيئاً ، نقل ذلك ابن رجب عن الحافظ الضياء .
(٥) هكذا في الأصل وفي الذيل لابن رجب ، والظاهر أنه اسم لجماعة من أعوان الوالي من
الشرطة أو الجيش .
(٦) الدرابزين : كلمة أصلها يونانية ، وهو حاجز على جانبي السلّم أو غيره يستعين به
الصاعد ويحميه من السقوط ( انظر المحيط ومعجم دوزي: ٣١٣/٤) .
٤٦٠
أ