Indexed OCR Text

Pages 201-220

يُقصونه عن قُربهم، ويُسيِّرونه عن بلادهم إلى أن انتهوا به مُنقطعَ أثرِهِ: بلدة(١)
من بادية لَبْلَة ، وهو في ذلك غیرُ مُرتدِعِ ولا راجع ، یُبُثُّ علمه فیمن ينتابه من
بادية بلده ، من عامة المقتبسين من أصاغر الطلبة ، الذين لا يخشون فيه
الملامة ، يُحدثهم ، ويفقههم ، ويُدارسهم ، حتى كَمَل(٢) من مصنفاته وِقْرُ
بعير، لم يَعْدُ أكثرُها باديَتَه لزهد الفقهاء فيها ، حتى لُأَحْرِقَ بعضُها بإشبيلية ،
ومُزَّقتْ علانيةً ، وأَكثُرُ معايبه(٣) - زعموا عند المنصف - جَهلُه بسياسة العلم
التي هي أعوصُ ... (٤)، وتَخلُّفه عن ذلك على قوةٍ سَبْحه في غماره(٥)،
وعلى ذلك فلم یکن بالسلیم من اضطراب رأيه ، ومغیبٍ شاهد علمه عنه عند
لقائه ، إلى أن يُحرِّكَ بالسؤال، فيتفجّر منه بحرُ علمٍ لا تُكذِّره الدلاء ، وكان
مما يزيد في شنآنه(٦) تَشُّعه لأمراءِ بني أمية ماضِيهم وباقيهم، واعتقادُه لصحة
إمامتهم ، حتى لُنُسب إلى النَّصْب(٧).
قلت: ومن تواليفه: كتاب ((تبديل اليهود والنصارى للتوراة
والإِنجيل))(٨)، وقد أخذ المنطق - أبعدَه الله من عِلمٍ - عن: محمد بن
الحسن المَذْحِجي ، وأمعن فيه ، فزلزله في أشياء ، ولي أنامَيْلٌ إلى أبي محمد
(١) في ((الذخيرة)) و((معجم الأدباء)): بتربة بلده. وفي ((تذكرة الحفاظ)): وهي بلدة .
(٢) في الأصل: كل بدل كمل، وهو خطأ، والتصويب من ((الذخيرة)) ١٦٩/١/١،
و ((معجم الأدباء)) ٢٤٩/١٢ .
(٣) تحرفت في الأصل إلى معاتبه .
(٤) كذا في الأصل غير واضحة، وفي ((الذخيرة)): أعرض من إيعابه. وفي ((معجم
الأدباء)): أعوص من إتقانه، وفي ((تذكرة الحفاظ)): أعوص إيعابه .
(٥) تحرفت في ((معجم الأدباء)) ٢٤٩/١٢ إلى: شيخه عمارة .
(٦) في الأصل: ((شأنه)) والمثبت من ((تذكرة الحفاظ)) و((الذخيرة)) و((معجم الأدباء)).
(٧) انظر ((الذخيرة)) ١٦٨/١/١ -١٦٩، و((معجم الأدباء))٢٤٧/١٢ -٢٤٩، و((تذكرة
الحفاظ)) ٣/ ١١٥١ -١١٥٢. والنصب هو: بغض علي رضي الله عنه، وموالاة معاوية.
(٨) هو ضمن كتابه ((الفصل)) ١١٦/١ و٩١/٢.
٢٠١

لمحبته في الحديث الصحيح ، ومعرفتِه به ، وإن كنتُ لا أُوافِقُه في كثيرٍ مما
يقولُه في الرجال والعلل ، والمسائل البَشِعَةِ في الأصول والفروع، وأقطعُ
بخطئه في غير ما مسألةٍ، ولكن لا أُكَفِّره، ولا أُضلِّلُه ، وأرجو له العفوَ
والمسامحة وللمسلمين . وأخضعُ لَفَرْط ذکائِه وَسَعة علومه ، ورأيتُه قد ذكر قولَ
من يقول: أَجَلُّ المصنفاتِ ((الموطأ)). فقال: بل أَولى الكُتب بالتعظيم
« صحیحا)) البخاري ومسلم، و(( صحيح )) ابن السّكّن، و((مُنتقى )) ابن
الجارود ، و (( المنتقی )» لقاسم بن أَصْبغ ، ثم بعدها كتاب أبي داود ، وكتاب
النسائي، و((المصنف)) لقاسم بن أصبغ(١)، ((مصنف)) أبي جعفر
الطحاوي .
قلتُ: ما ذكر ((سُنن)) ابن ماجة، ولا ((جامع)) أبي عيسى؛ فإنه ما
رآهما ، ولا أُدخلا إلى الأندلس إلا بعد موته .
ثم قال: و((مُسند)) البزار، و((مسند)) ابني (٢) أبي شيبة،
و((مسند)) أحمد بن حنبل، و((مسند)) إسحاق، و((مسند)) الطّيالِسي،
و((مسند)) الحسن بن سفيان، و((مسند)) ابن سنجر، و((مسند)) عبد الله
ابن محمد المُسْنَدِي، و((مسند)) يعقوب بن شيبة، و((مسند)) علي بن
المَديني، و((مسند)) ابن أبي غَرَزَة(٣) ، وما جرى مجرى هذه الكتب التي
أَقْرِدَتْ لكلامِ رسول الله وَّهِ صِرْفاً، ثم الكتب التي فيها كلامُهُ وكلامُ غيره
(١) من قوله: (( ثم بعدها كتاب أبي داود ... )) إلى هنا سقط من طبعة المجمع.
(٢) في ((تذكرة الحفاظ)) وطبعة المجمع: ((مَستدابن)) بالإفراد فيهما، وهو خطأ. وابنا أبي
شيبة هما أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة وأبو الحسن عثمان بن محمد بن أبي شيبة ، وقد مرت
ترجمتهما في الجزء الحادي عشر من ((السير)). الأول برقم (٤٤) والثاني برقم (٥٨).
(٣) هو الحافظ أبو عمرو أحمد بن حازم بن أبي غرزة الغفاري محدث الكوفة المتوفى سنة
ر
(٢٧٦ ) .
٢٠٢

مثل ((مصنف)) عبد الرزاق، و((مصنف)) أبي بكر بن أبي شيبة،
و (( مصنف)» بقي بن مَخْلَد ، وكتاب محمد بن نصر المروزي ، وکتاب ابن
المنذر الأكبر والأصغر، ثم ((مصنّف)) حماد بن سلمة، و((مُوطّأ)) مالك بن
أنس، و((مُوطّأ)) ابن أبي ذئب، و((مُوَطَّأ)) ابن وهب، و((مصنف))
وكيع، و((مصنف)) محمد بن يوسف الفِرْيابي، و((مصنف)) سعيد بن
منصور، و((مسائل)) أحمد بن حنبل ، وفقه أبي عُبيد ، وفقه أبي ثور .
قلتُ: ما أُنْصَفَ ابنُ حزم؛ بل رُتبة ((الموطأ)) أن يُذكر تِلْوَ
((الصحيحين)) مع ((سنن)) أبي داود والنسائي، لكنه تأدَّب ، وقدم
المُسندات النبوية الصِّرْف ، وإن للموطأ لَوَقعاً (١) في النفوس ، ومَهَابَةً في
القلوب لا يُوازِنها شيءٌ .
كتب إلينا المُعَمَّر العالم أبو محمد عبدُ الله بن محمد بن هارون(٢) من
مدينة تُونس عام سبعِ مئة ، عن أبي القاسم أحمدَ بنِ يزيد القاضي ، عن
شُريح بن محمد الرُّعَيني ، أن أبا محمد بن حزم كتب إليه قال : أخبرنا
يحيى بنُ عبد الرحمن بن مسعود ، أخبرنا قاسمُ بنُ أصبغ ، حدثنا إبراهيمُ
(١) طبعة المجمع : لموقعاً .
(٢) ترجمه الذهبي في ((مشيخته)) الورقة ٦٩، فقال : عبد الله بن محمد بن هارون بن محمد بن
عبد العزيز العلامة المعمَّر أبو محمد الطائي القرطبي المالكي الكاتب البليغ . ولد بقرطبة سنة ثلاث
وست مئة، وسمع ((الموطأ)) كله من القاضي أبي القاسم بن بقي في سنة عشرين وست مئة، وسمع
الموطأ، وقرأ كامل المبرد على ابن بقي وتلا بالسبع على أبي العلى إدريس بن محمد الأنصاري صاحب
أبي جعفر أحمد بن خلصة . روى عنه أبو حيان النحوي ، وأبو عبد الله الوادي آشي ، وأبو العباس
الخشاب، وأبو مروان، وكتب إلينا بمروياته في سنة سبع مئة، وتوفي في ذي القعدة سنة اثنتين
وسبع مئة، وعلى هذا فقد تغير قبل موته تغير الهرم. وقال الوادي آشي في ((برنامجه )) ص ٥١ : قرأتُ
عليه وسمعت ، وأجازني إجازة عامة، وكتب خطه بها ، وعُمِّرَ حتى ألحق الأصاغر بالأكابر ، واختلط
عليه في آخر عمره . .
٢٠٣

ابنُ عبد الله، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هُريرة
قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((الصَّوْمُ جُنّة)).
أخرجه مسلم(١) ، عن أبي سعيد الأشج ، عن وكيع .
وبه : قال ابنْ حزم : حدثنا أحمدُ بنُ محمد الجسوري(٢) ، حدثنا
محمدُ بنُ عبد الله بن أبي دُليم ، حدثنا محمدُ بنُ وضاح ، حدثنا أبو بكر بنُ
أبي شيبة ، حدثنا يزيدُ بنُ هارون ، أخبرنا حُميدٌ ، عن بكرٍ بن عبد الله
المُزَني، عن ابنِ عُمر قال: إنما أُهلَّ رسولُ اللهِوَ بالحج ، وأَهْلَلْنا به
معه ، فلما قَدِمَ قال: ((مَنْ لَمْ يَكُن مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ)). فَأَحَلَّ الناسُ إلا مَنْ
كان معه هَذْيٌ، وكان مع رسول الله وَِّ هَدي، ولم يَجِلَّ (٣).
وبه : قال ابنُ حزم : حدثني أحمدُ بنُ عمر العُذري ، حدثنا عبدُ الله
ابنُ الحسين بن عِقال(٤)، حدثنا عبيدُ الله بنُ محمد السَّقَطِي ، حدثنا أحمدُ
ابنُ جعفر بن سلم، حدثنا عمرُ بن محمد الجوهري ، حدثنا أحمدُ بنُ محمد
الْأَثْرَم ، حدثنا أحمدُ بنُ حنبل ، حدثنا هُشيم ، أخبرنا حُميد ، حدثنا بكرُ بنُ
عبد الله، سمعتُ أنس بن مالك، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َّهِ يُلِّي بالحج
(١) رقم (١١٥١) (١٦٤) في الصيام: باب فضل الصيام، وأخرجه مالك ٣١٠/١، ومن
طريقه البخاري (١٨٩٤) عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، وأخرجه البخاري (١٩٠٤)
ومسلم (١١٥١)(١٦٣) والنسائي ١٦٣/٤، وأحمد ٢٧٣/٢ من طريق ابن جريج ، عن عطاء، عن
أبي صالح ، عن أبي هريرة ، وأخرجه البخاري (٧٤٩٢) والدارمي ٢٥/٢ من طريق أبي نعيم عن
الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة .
(٢) طبعة المجمع: ((الجسور)).
(٣) إسناده صحيح ، وأخرجه أحمد ٢٨/٢ بمعناه من طريقين عن حماد بن سلمة ، عن حميد
بهذا الإسناد، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٣٣/٣، ونسبه لأحمد، وقال: رجاله رجال
الصحيح .
(٤) طبعة المجمع: ((عقاب)).
٢٠٤

والعمرة جميعاً . قال بكر : فحدثتُ بذلك ابنّ عمر ، فقال: لَبِّ بالحجِّ
وحدّه(١) .
وقع لنا هذا في ((مسند)) أحمد ، فأنا وابنُ حزم فيه سَواء .
وبه : إلى (٢) ابن حزم فيما أُحرق له المُعتضِدُ بن عَبَّاد(٣) من الكُتُب
يقولُ :
تَضَمَّنِهِ القِرْطَاسُ بَلْ هُوَ فِي صَدْرِي
فإن تَحْرِقُوا القِرْطَاسَ لا تَحْرِقُوا الَّذِي
وَيَنْزِلُ إِن أَنْزِلْ وَيُدْفَنُ فِي قَبْرِى
يَسِيرُ مَعِي حَيْثُ استَقَلْتْ رَكّائِي
وَقُولُوا بِعِلْمِ كَيْ يَرَى النَّاسُ مَنْ يَدري
دَعُونِيَ مِنْ إِحْرَاقٍ رَقِّ وَكَافَدٍ
فَكَمْ دُونَ ما تَبْغُونَ لِلّهِمن ◌ِئْرٍ
أكفّهم القُرآنَ في مُدُنِ الثَّغْرِ (٤)
وإلا فَعُودُوا فِي المَكْاتِبِ بَدْأَةٌ
كَذَاكَ النَّصَارَى يَحرِقُونَ إِذا عَلَتْ
وبه(٥) لابن حزم :
لا أرى الرَّأَيَ وَالمَقَايِيسَ دِينًا
أُشْهِدُ اللَّهَ والمَلَائِكَ أنّي
(١) هو في («المسند » ٩٩/٣، ١٠٠، وأخرجه مسلم (١٢٣٢) من طريق سريج بن يونس ،
والنسائي ١٥٠/٥ من طريق يعقوب بن إبراهيم ، كلاهما عن هشيم بهذا الإسناد ، وأخرجه النسائي
١٥٠/٥، وأحمد ٩٩/٣ من طريق هشيم ، عن يحيى بن أبي إسحاق ، وعبد العزيز بن صهيب ،
وحميد الطويل، ثلاثتهم عن أنس. وهو في («المسند » ١١١/٣ من طريق سفيان ، عن حميد ، عن
أنس و١٦٤/٣ من طريق عبد الرزاق ، عن معمر، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس و١٨٢/٣ عن
يحيى ، عن حميد ، عن أنس ، و١٨٣/٣ عن وكيع ، عن ابن أبي ليلى، عن ثابت ، عن أنس .
(٢) طبعة المجمع: ((قال)) بدل ((إلى )).
(٣) سترد ترجمته برقم (١٢٩).
(٤) الأبيات ما عدا الأخير منها في ((الذخيرة)) ١٧١/١/١ و((معجم الأدباء)) ٢٥٢/١٢ -
٢٥٣. والأبيات الثلاثة الأولى منها - على اختلاف في ترتيبها عن هنا - في ((نفح الطيب)) ٨٢/٢،
والبيت الأول منها في ((لسان الميزان)) ٢٠٠/٤.
(٥) طبعة المجمع: ((ولابن)) بدون لفظ: ((به)).
٢٠٥

حاشَ لِلّهِ أنْ أقولَ سِوى ما جَاءَ في النَّصِّ والهُدى مُستَبِينا
وَهو كالشَّمْسِ شُهرةً ويَقينا
كَيْفَ يَخفى على البَصَائِرِ هذَا
فقلتُ مُجيباً له :
لو سَلِمْتُمْ مِنَ العُمُومِ الَّذي
وَتَرَطَبْتُمُ فَكَمْ قَدْ يَبِسْتُمْ(١)
نَعْلَمُ قَطعاً تخصِيصَه ويَقِينًا
لَرَأَيْنا لكم شُفُوفَاً مُبينا
ولا بن حزم :
مُنَايَ(٢) من الدنيا عُلُومٌ أَبُّها
دُعاءٌ إلى القُرآن والسُّننِ التي
وَأَلزمُ أطرافَ الثُّغورِ مُجَاهِدَاً
لِأَلْقَىْ حِمامي مُقْبِلًا غيرَ مُدْبِرٍ
كفاحاً مع الكفار في خَوْمَةِ الرَغِىْ
فَيَا رَبِّ لا تجعل (٤) حِمامي بغَيْرِهَا
وَأَنْشُرُها فِي كُلِّ بَادٍ وَحَاضِرٍ
تَنَاسَى رِجَالٌ ذِكَرَها فِي المَحَاضِرِ(٣)
إِذَا هَيْعَةٌ ثَارَتْ فَأَوَّلُ نافِرٍ
بِسُمْرِ العَوالي والرِّقاق البَوَاتِرِ
وَأَكْرَمُ مَوْتٍ للفتى قَتْلُ كَافٍِ
ولا تَجَعَلَنِّي من قَطينِ المَقَابِرِ
ومن شعره(٥) :
هَلِ الدُّهْرُ إلا ما عَرَفْنَا(٦) وَأَدْرَكْنا
فَجَائِعُهُ تَبْقَىْ وَلَذَّاتُه تَقْنَى
تولَّت کَمَرِّ الْطَرْفِ واسْتخْلَفَتْ حُزْنا
إِذا أَمْكَنَتْ فِيهِ مَسَرَّةُ سَاعةٍ
(١) طبعة المجمع : فكنتم يبتسم . وأشار المحقق إلى أنها غير مستقيمة .
(٢) تحرفت في ((الجذوة)): ٣١٠ إلى منابي.
(٣) البيتان في ((الجذوة)): ٣١٠، و((الصلة)) ٤١٧/٢، و((البغية)): ٤١٧.
(٤) طبعة المجمع: ((تعجل)) ورجح محققه أن تكون الصواب: ((تجعل)) كما هنا.
(٥) والأبيات في ((جذوة المقتبس)): ٣٠٩، و((مطمح الأنفس)): القسم الثاني / ٣٥٦
نشرة مجلة المورد و((الذخيرة ١٧٢/١/١ -١٧٣، و((الصلة)) ٤١٦/٢ -٤١٧، و((البغية)):
٤١٦، و((معجم الأدباء)) ٢٤٤/١٢ - ٢٤٥.
(٦) في ((الذخيرة)): ((رأينا)) بدل ((عرفنا)).
٢٠٦

نَوَدُّ لَدَيْهِ أَنَّنَا لَمْ نَكُنْ كُنَّا
إِلَىْ تِبِعَاتٍ فِي المَعَادِ وَمَوْقِفٍ
وَهَمُّ لِمَا نَخْشِىْ(١) فَعَيْشُكَ لا يَهْنا
حَنِينٌ لما وَلَّىْ وَشُغْلٌ بما أَتَىْ
وَفَاتَ الذي كُنّا نَلَذُّ بِهِ عَنا (٢)
حَصَلْنا على هَمٍّ وإِثْمٍ وَحَسْرَةٍ
إذا حَقِّقَتْهُ النَّفْسُ لَفْظُ بلا مَعْنَى
كَأَنَّ الذي كُنَّا نُسَرُّ بِكَوْنِه
وله على سبيل الدُّعابة - وهو يماشي أبا عمر بن عبد البر - وقد رأى شابّاً
مليحاً ، فأعجبَ ابنَ حزم ، فقال أبو عمر : لَعَلَّ ما تحتَ الثياب ليسَ هناك ،
فقال :
يُطِيلُ مَلامي في الهَوَى ويَقُولُ
وَذِي عَذَلٍ فيمن سَبَانِيَ حُسنُهُ(٣)
ولم تَدْر كَيْفَ الجِسْمُ أَنْتَ قَبِيلُ؟(٦)
أَمِنْ (٤) حُسْنٍ وَجْهٍ لاحَ لم تَرَ غَيرَهُ(٥)
فَعِنْدِيَ رَدِّ(٨) لو أشاءُ طَوِيلٌ(٩)
فَقُلْتُ له: أَسْرَفْتَ في اللَّومِ فَأَّئِدْ(٧)
على ما بَدا حَتّى يَقُومَ دليلُ
أَلَمْ تَرَ أَنّي ظَاهِرِيٍّ وأنّني
(١) في ((الذخيرة)) و((الجذوة)) و((معجم الأدباء)) و((الصلة)) و((البغية)): وغم لما
يرجى . وقد ورد هذا البيت في هذه المصادر قبل البيت الأخير .
(٢) في ((الصلة)): عيناً، وفي ((معجم الأدباء)): منا .
(٣) في الأصل ((حبه)) وفي جميع المصادر: ((حسنه)).
(٤) في ((الذخيرة)) و((وفيات الأعيان)): ((أفي)) بدل ((أمن))، وفي ((نفح الطيب))
و ((المغرب)) : أمن أجل .
(٥) في ((الذخيرة)) : غيبه .
(٦) في ((المغرب)) و((نفح الطيب)): أنت عليل .
(٧) في ((الذخيرة)) و((وفيات الأعيان)): ((ظالماً)) بدل ((فاتئد))، والشطر الثاني من البيت
فيهما :
وعندي رد لو أردت طويل
(٨) تحرف في ((مطمح الأنفس )) إلى ((ود)).
(٩) الأبيات في ((مطمح الأنفس)): القسم الثاني / ٣٥٥ - ٣٥٦ ((نشرة مجلة المورد)»،
و((الذخيرة)) ١٧٥/١/١، و((معجم الأدباء)) ٢٤٣/١٢ -٢٤٤، و((المغرب في حُلي المغرب)»
٣٥٦/١، و((وفيات الأعيان)) ٣٢٧/٣، و((نفح الطيب)) ٨٢/٢.
٢٠٧

أنشدنا أبو الفهم بنُ أحمد السُّلَمي، أنشدنا ابنُ قُدامة، أنشدنا ابنُ البَطِّي،
أنشدنا أبو عبد الله الحُميدي، أنشدنا أبو محمد عليُّ بنُ أحمد لنفسه(١):
فَالدَّهْرُ لَيْسَ على حَال بِمُتّركٍ
لَا تَشْمَتَنْ(٢) حاسِدي إِنْ نَكْبَةٌ عَرَضَتْ
وَتَارَةً في ذُرى تاجٍ على مَلِكَ(٤)
ذو الفَضل كالتِّبْرِ طَوْراً تَحْتَ مَيْفَعَةٍ (٣).
وشِعُرُهُ فَحلٌ كما ترى ، وكان يُنظِمُ على البَدِيه ، ومن شعره :
وَلَكِنَّ عَيْبِي أن مَطْلَعِيَ الغَرْبُ
أنا الشَّمْسُ فِي جَوِّ العُلومِ(٥) مُنِيرَةً
لَجَدَّ على ماضَاعِ مِنْ ذِكْرِيَ النَّهْبُ(٦)
ولو أنّني مِنْ جانِبِ الشَّرْقِ طَالِعٌ
وَلَا غَرْوَ أن يَستوحِشَ الكَلِفُ الصَّبُّ
ولِي نَحْوَ أَكْنَافٍ (٧) العِراقِ صَبَابَةٌ
فَحِينَئِذٍ يَبْدُو التَّأَسُّفُ والكَرْبُ(٨)
فَإِن يُنزِلِ الرَّحَمْنُ رَحْلِيَ بَيْنَهُمْ
(١) البيتان في ((جذوة المقتبس)): ٣١٠، و((مطمح الأنفس)): القسم الثاني / ٣٥٧
( نشرة مجلة المورد)، و((الذخيرة)) ١٧٤/١/١، و((معجم الأدباء)) ٢٤٥/١٢، و((نفح
الطيب) ٨٢/٢
(٢) في ((المطمح)) و((الذخيرة)) و((نفح الطيب)): لا يشمتن .
(٣) المَيْفَعَة : الشرف من الأرض ، وقد ضبط في الأصل : بكسر الميم ، وهو خطأ ، وقد
تصحفت في ((الجذوة)) و((الأخيرة)) الر مسقعة، وفي ((المطمح)) إلى ((مبقعة)).
(٤) رواية هذا البيت في المطمح :
وتارة قد يرى تاجاً على ملك
ذو الفضل طوراً تراه تحت مبقعة
وورد الشطر الثاني من البيت في ((معجم الأدباء ) موافقً لرواية ((المطمح)) أمافي ((نفح الطيب))
فورد البيت هكذا :
طوراً ، وطوراً يرى تساجاً على ملك
ذو الفضل كالتبر يلقى تحت متربة
(٥) في ((معجم الأدباء)) ٢٥٤/١٢: ((السماء)) بدل (( العلوم)).
(٦) في ((المغرب)): أَجَدَّ على ما ضاع من علمي النهب .
(٧) في ((نفح الطيب)): آفاق، وتصحفت ((أكناف)) في ((الجذوة)) إلى ((أكتاف)).
(٨) بعد هذا البيت في ((الجذوة)) و((الذخيرة)) و((البغية)) و((نفح الطيب)) و((معجم
الأدباء )) ٢٥٥/١٢:
وأطلب ما عنه تجيء به الكتب
فكم قائل أغفلتُه وهو حاضر
٢٠٨

هُنالِكَ يُدْرَىْ(١) أَنَّ لِلْبُعْدِ قِصَّةً (٢) وَأَنَّ كَسَادَ العِلْمِ آَفْتُه القُرْبُ (٣)
وله :
أَنَائِمٌ أنتَ عَن كتبِ الحديث وما أَتَى عَنِ المُصطَفى فيها مِنَ الدِّينِ
شَدَّا عُرَى الدينِ فِي نَقْلٍ وَتَبْبِنِ
كُمُسْلِمٍ والبُخاريِّ الَّذَيْنِ هُمَا
مِنْ كُلِّ قَوْلٍ أَتَى مِن رَأي سُحنون
أَوْلَى بأجرٍ وتَعْظِيمٍ وَمَحْمَدَةٍ
فِي نَصْرِ دِينِكَ مَحضاً غَيرَ مَفْتونٍ
يَا مَنْ هَدَى بِهِمَا اجْعَلْني كَمِثْلِهِما
قال ابنُ حزم في تراجم أبواب ((صحيح)) البخاري : منها ما هو
مقصورٌ على آية ، إذ لا يَصِحُّ في البابِ شَيءٌ غيرُها ، ومنها ما يُنَبِّه بتبويبه عَلَى
أَن في الباب حديثاً يَجِبُ الوقوفُ عليه، لكنه ليس من شرط ما أُلَّف عليه
كتابَه ، ومنها ما يُبَوِّب عليه، ويذكر نُبذةً من حديث قد سَطَرَه في موضعٍ
آخر ، ومنها أبواب تقعُ بلفظ حديث ليس من شرطه ، ويذكر في الباب ما هو
في معناه .
وقال في أول ((الإِحكام))(٤): أما بعد ... فإنَّ اللّهَ رَكَّبَ في النفس
الإِنسانية قُوىٍ مختلفة، فمنها عَدْلٌ يُزَيِّن لها الإِنصاف ، ويُحَبِّب إليها مُوافقةً
الحق، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بالْعَدْلِ﴾ [ النحل: ٩٠]. وقال:
(١) في ((الذخيرة)) و((نفح الطيب)): يدري، وفي ((معجم الأدباء)): تدري.
(٢) في ((معجم الأدباء)) ٢٥٥/١٢: غصة.
(٣) الأبيات في ((الجذوة)): ٣١٠، و((البغية)): ٤١٧، و((الأخيرة)) ١٧٣/١/١،
و((معجم الأدباء)) ٢٥٤/١٢ - ٢٥٥، و((نفح الطيب)) ٨١/٢، والأولان منها في ((المغرب))
٣٥٦/١، والثلاثة الأخيرة منها في: ((معجم الأدباء)) ٢٤٥/١٢، و((مطمح الأنفس)): القسم
الثاني / ٣٥٦ ( نشرة مجلة المورد ) .
(٤) (( الاحكام في أصول الأحكام) ٤/١ - ٥.
٢٠٩
سير ١٤/١٨

﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] [وَمنها غضبٌ وشهوةٌ يُزَيّنان
لها الجور؛ ويَعميانها عن طريق الرشد](١) قال تعالى: ﴿وَإِذا قِيْلَ لَهُ
اتَّقِ اللّه أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. وقال: ﴿ كل حِزْبٍ بِمَا
لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: ٣٢] فالفاضل يُسَرُّ بمعرفته، والجاهل يُسَرُّ بما لا
يَدري حقيقةً وجهِهِ وبما فيه وبَالُهُ، وَمِنها فَهْمٌ يُليح لها (٢) الحقَّ من قريب ،
وينير [ لها في ](٣) ظلمات المشكلات ، فترى به (٤) الصوابَ ظاهراً جلياً ،
ومنها جَهْلٌ يَطْمِسُ عليها الطريق ، ويُساوي عندها بين السُّبُل ، فتبقى النفسُ
في حَيْرَةٍ تتردد ، وفي ريب تَتْلَّدَّد(٥)، ويَهْجُمُ بها على أحد الطرق المُجَانِبَة
للحق تَهُوَّراً وإقداماً، قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ
يَعْلَمُونَ﴾ [ الزمر: ٩] ومنها قُوةُ التمييز التي سماها الأوائلُ المنطقَ ،
فجعل لها خَالِقُها بهذه القوة سبيلاً إلى فهم خِطَابِهِ ، وإلى معرفة الأشياء على
ما هي عليه ، وإلى إمكان التفهم ، فبها تكون معرفة الحق من الباطل ، ومنها
قُوةُ العقلِ التي تُعينُ النفس المُمَيِّزة على نُصرة العَدل ، فَمَنِ اتبع ما أناره(٦)
له العقلُ الصحيح ، نَجًا وفاز، ومن عاج عنه هلك ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ في
ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: ٣٧].
فأراد بذلك العقلَ ، أمّا مُضغةُ القلب ، فهي لِكُلِّ أحد ، فَغَيْرُ العاقل هو كَمَنْ
لا قَلْبَ لَه .
(١) ما بين معكوفين استدراك من كتابه ((الإِحكام)).
(٢) في الأصل: ((له)) والتصويب من ((الإحكام)).
(٣) ما بين معكوفين مستدرك من ((الإحكام)).
(٤) في الأصل: ((بها)) والتصويب من ((الإحكام )).
(٥) في ((القاموس)) تلدَّد: تلفت يميناً وشمالاً، وتحير متبلداً وتلبث .
(٦) في الأصل: ((أثاره))، والمثبت من ((الأحكام)) ٥/١ .
٢١٠

وكلامُ ابنٍ حزم كثيرٌ، ولو أخذتُ في إيراد طُرَفِهِ وما شَذَّ به ، لطال
الأمر .
قال أبو القاسم بن بَشْكُوال الحافظ في (( الصلة))(١) له: قال القاضي
صاعدُ بنُ أحمد : كتب إليّ ابنُ حزم بخطه يقول : وُلِدْتُ بقُرْطبة في الجانب
الشرقي في رَبَضِ مُنية المغيرة ، قبل طلوع الشمس آخِرَ ليلة الأربعاء ، آخرَ
يومٍ من رمضان سنة أربعٍ وثمانين وثلاث مئة ، بطالع العقرب ، وهو اليوم
السابع من نُوَثِيرٌ(٢) .
قال صاعد : وَنَقلتُ من خط ابنِهِ أبي رافع ، أن أباه تُوفي عشية يوم
الأحد لليلتين بَقِيتا من شعبان ، سنة ستُّ وخمسين وأربعٍ مئة ، فكان عمره
إحدى وسبعين سنةً وأشهراً(٣)، رحمه الله .
ومن نَظُمِ أبي محمد بن حزم :
وَلَ شَعَرْتُ مَدَىْ دَهْرِي بسُلوانٍ
لَمْ أَشْكُ صَدّاً ولم أُذْعِنْ بِهِجْرَانِ
يَوماً عَلَيَّ ولا جَالَتْ بِمَيْدَاني
أسماءُ لم أَدْرِ مَعناها ولا خَطَرَتْ
عَلَيَّ أَرْوَاحُهُ قِدْماً فَأَعْيَاني
لَكِنَّمَا دَائِيَ الأَّدوا الَّذِي عَصَفَتْ
إلى مَجَامِعِ أحبابي وخِلَاني
تَفَرُّقْ لم تَزَلْ تَسْرِي طَوَارِقُهُ
كَأَنَّما البَيْنُ بي یَأْتُمُّ حیثُ رأی.
لِي مَذْهباً فهو يَتَلُونِي وَيَغْشَاني
دَاءً عَنَا(٤) في فؤادي شجوها العاني
وكُنْتُ أَحسبُ عندي للنوى جَلّداً
فَقَابَلَتْنِي بِألوانٍ غَدَوْتُ بِهَا
مقابَلا من صَباباتي بأَلوانٍ
(١) ٤١٧/٢ .
(٢) في ((الصلة)): نوفمبر.
(٣) في ((الصلة)): إحدى وسبعين سنة وعشرة أشهر وتسعة وعشرين يوماً.
(٤) في طبعة المجمع : إذاعتا .
٢١١

وممن مات مع ابنٍ حزم في السنة : الحافظ أبو الوليد الحسنُ بن محمد
الدَّرْبَنْدِي (١)، والفقيه أبو القاسم سِرَاج بنُ عبد الله بن محمد بن سِراج، قاضي
الجماعة بقرطبة(٢) ، والحافظ عبدُ العزيز بن محمد بن محمد بن عاصم
النَّخْشَبِي (٣) ، وشيخُ العربية أبو القاسم عبدُ الواحد بنُ علي بن بَرْهان(٤)
ببغداد ، ومُسنِد الوقت أبو الحسين محمدُ بنُ أحمد بن محمد بن حَسْنون
النَّرْسي(٥)، والمُحَدّث أبو سعيد محمدُ بنُ علي بن محمد الخَشَّاب
النيسابوري(٦)، والوزير عَميدُ المُلك محمدُ بنُ منصور الكُنْدُري(٧).
ولا بن حزم :
أَقوالُهُم وأَقَاويلُ الوَرَى مِحَنُ
قالوا تَحَفّظْ فِإِنَّ الناسِ قَد کَثُرَتْ
أَقولُ بالرأي إِذْ فِي رَأْيِهِم فِتَنُ
فَقُلْتُ : هَلْ عَيْيُهِم لِيْ غَيْرَ أَنِّي لا
سِوَاهُ أَنْحُو ولا في نَصْرِهِ أَمِنُ
وَأَنَّنِي مُولَعْ بالنَّصِّ لَسْتُ إلى
فِي الدِّينِ بَلْ حَسْبِيَ القُرآن والسُّنَنُ
لا أَنْثَنِي لمقاييس يُقال بها
ويا سُروري به لو أنَّهم فَطِنُوا
یا برْدَ ذَا القول في قلبي وفي کېدي
من مَاتَ مِنْ قوله عندي لَهُ كَفَنُ
دَعْهُمْ يَعَضُّوا على صُمِّ الحَصَى كَمَداً
١٠٠ - القاضي أبو تَمَّام *
قاضي واسط ، المُعمَّر المسند ، أبو تَمّام ، عليُّ بنُ محمد بن الحسن
(١) سترد ترجمته برقم (١٣٨).
(٢) تقدمت ترجمته برقم (٩٥) .
(٣) سترد ترجمته برقم (١٣٥) وفيها أنه توفي سنة (٤٥٧).
(٤) سبقت ترجمته برقم (٦٤).
(٥) تقدمت ترجمته برقم (٣٧).
(٦) سبقت ترجمته برقم (٨٣).
(٧) تقدمت ترجمته برقم (٥٥).
(*) تاريخ بغداد ١٠٣/١٢، الإكمال ٢٩١/٢، سؤالات الحافظ السلفي: ١٠ - ١٣، =
٢١٢

ابن يزداد البغداديُّ ، الواسطي ، المُعتزلي .
حدث عن : محمدِ بنِ المُظفّر الحافظ ، وأبي الفضل الزُّهري ،
وغيرِهِما . وتفرد في وَقْتِه .
ومات في شوال سنة تسعٍ وخمسين وأربعٍ مئة .
قال أبو بكر الخطيب(١): تَقَلَّد قضاء واسط مدة وكان مُعتزلياً .
قلت : آخرُ من روى عنه بالإِجازة أبو القاسم إسماعيلُ بن
السَّمرقندي ، وبالسماع أبو الكرم نصرُ الله بن محمد بن الجَلَخْت الأزدي .
١٠١ - السُّيُوري *
٦٠
شَيْخُ المالكية ، وخاتَمُ الأئمة بالقَيْرَوان ، أبو القاسم ، عبدُ الخالق بنُ
عبد الوارث المغربي ، السُّيوريُّ، أحدٌ من يُضْرَبُ بحفظِهِ المثلُ في الفقه مع
الزُّهد والتَّالُّه .
له تَعليقةٌ على (( المُدوَّنة))، وتخرَّج به أئمة .
مات سنةً ستين وأربعِ مئة ، عن سِنَّ عالية . ذكره عياض .
١٠٢ - ابن المُسْلِمَة * *
الشَّيخ الإِمامُ ، الثُّقةُ ، الجَليلُ ، الصالح ، مُسنِد الوقتِ ، أبو جعفر
= ميزان الاعتدال ١٥٥/٣ - ١٥٦، لسان الميزان ٢٦١/٤.
(١) ((تاريخ بغداد)) ١٠٣/١٢.
(*) ترتيب المدارك ٧٧٠/٤ - ٧٧١، الديباج المذهب ٢٢/٢، شجرة النور ١١٦/١.
والسيوري : بضم السين المهملة والياء وبعد الواوراء ، هذه النسبة إلى عمل السيور ، وهو أن يقطع
الجلد سيوراً دقاقاً ، ويخرز بها السروج .
( ** ) تاريخ بغداد ٣٥٦/١ -٣٥٧، الإكمال ١٢/٧، الأنساب: ((المسلمي))، المنتظم =
٢١٣

محمدُ بنُ أحمدَ بنِ محمد بن عمر بن حسن بن عبيد بن عمرو بن خالد بن
الرّفَيل السُّلَميُّ ، البغدادي ، ابن المُسْلِمة . أسلم الرُّفيلُ المذكور على يد
عُمر رضي الله عنه(١) .
ومَولِد أبي جعفر في ربيعٍ الأول سنة خمس وسبعينَ وثلاث مئة .
وسمع أبا الفضل عُبيد الله بنَ عبد الرحمن الزهري ، فكان خاتمةً
أصحابه .
والقاضي أبا محمد بنَ معروف ، وإسماعيلَ بنَ سُويد ، ومحمدَ بن
أخي ميمي ، وعيسى بنَ الوزير ، وأبا طاهر المُخلِّص .
حدّث عنه: أبو بكر الخطيب ، وأبو علي البَرَداني ، وتمرتاشُ بنُ
بختِكِين ، والقاسم بنُ طاهر المَعْقِلي ، ومحمدُ بنُ مطر العباسي ، وأبو سعد
المباركُ بن علي المُخَرِّمي الفقيه ، وأبو الحسن بنُ الزاغوني ، وأبو عبد الله
الحُميدي ، وأبو الغنائم النَّرسي، وأبو بكر قاضي المرستان ، وأبو الفتح عبدُ
الله بنُ البيضاوي ، ومحمدُ بنُ الفرج المُعلم ، وهبةُ الله بن محمد الرُّفَيلي،
ومحمدُ بنُ محمد السَّلَال ، وأبو منصور عبدُ الرحمن بن محمد القزاز ، وأبو
منصور محمدُ بنُ عبد الملك بن خيرون ، وأبو الفضل محمدُ بنُ عمر
الأَرْمَوي ، ومحمدُ بنُ أحمد الطرائفي ، ومحمدُ بنُ علي بن الدايَة ، وأبو
تمام أحمدُ بنُ محمد بن المختار الهاشمي ؛ نزيل نيسابور ، وخلقٌ كثير .
وكان صَحيحَ الأصول ، كثيرَ السماعِ ، جميلَ الطريقة .
= ٢٨٢/٨، اللباب ٢١١/٣، العبر ٢٥٩/٣ - ٢٦٠، دول الإسلام ٢٧٤/١، الوافي بالوفيات
٨٣/٢، تبصير المنتبه ١٢٨٥/٤، النجوم الزاهرة ٩٤/٥، شذرات الذهب ٣٢٣/٣.
(١) ((تاريخ بغداد)) ٣٥٧/١، و((المنتظم)) ٢٨٢/٨، و((الوافي٤ ٨٣/٢.
٢١٤

قال أبو الفضل بنُ خيرون : كان ثقة صالحاً .
وقال أبو سعد السَّمعاني : سمعتُ إسماعيلَ بن الفضل الحافظ يقول :
أبو جعفر ثقة مُحتشِم .
:
قلتُ : توفي في تاسعِ جُمادى الأولى سنة خمسٍ وستين وأربعٍ مئة .
وأبوه :
١٠٣ - [ ابن المسلمة ]*
هو الإِمام العابد ، الصَّدوق ، أبو الفَرَج ؛ أحمدُ بنُ محمد بنٍ عمر
المعدل .
سمع أبا بكر النجاد ، وأحمدَ بنَ كامل القاضي ، وابن علم(١)،
ودَعْلَجأ .
قال الخطيب(٢) : كان ثِقةً يُملي في السنة مجلساً واحداً ، وكان موصوفاً
بالعَقل والفضل والبِر، ودارُه مَأْلَفْ لأهل العلم ، وكان صَوّاماً ، كثيرَ التلاوة .
مات في ذي القعدة ، سنة خمسَ عشرةَ وأربعٍ مئة ، عن ثمانٍ وسبعين
سنة .
قلت : حدّث عنه الخطيب ، وطِرَاد الزَّينبي ، وغيرهما .
وتَفقَّه على شيخِ الحنفية أبي بكر الرازي .
وسَرَدَ الصومَ وكان يتهجدُ بسُبُع القرآن .
(*) تقدمت ترجمته في الجزء السابع عشر برقم (٢١٠)، وذكرت مصادر ترجمته هناك.
(١) هو محمد بن عبد الله بن علم الصفار، كما في ((تاريخ بغداد)) ٦٧/٥.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٦٧/٥.
٢١٥

قال رئيسُ الرؤساء : كان جَدي يَختلِفُ إلى أبي بكر الرازي ، ورُئي له
أنه من أهل الجنة .
وابن أخيه :
١٠٤ - [ رئيس الرؤساء ]*
هو وزير القائم بأمر الله (١)، الصَّدْرُ المُعظّم، رَئيسُ الرؤساء ، أبو
القاسم ؛ عليُّ بنُ الحسن بن الشيخ أبي الفرج بن المُسلمة .
اسْتکتّه القائم ، ثم اسْتوزّره ، وکان عزیزاً علیه جداً ، وکان من خیار
الوزراء العادلين .
وُلد سنة ٣٩٧ .
وسمع من جده ، وابن أبي مسلم الفَرَضي ، وإسماعيل الصَّرْصَرِي .
حدّث عنه: الخطيب، وكان خِصِّيصاً به ، ووَثّقه ، وقال(٢): اجتمع
فيه من الآلات ما لم يجتمع في أحد قبله ، مع سَداد مَذهب ، ووُفور عَقلٍ ،
وأصالة رأي .
قال ابنُ الجَوزي : وزر أبو القاسم في سنة ثلاث وأربعين ، ولُقِّبَ جمالَ
(*) تاريخ بغداد ٣٩١/١١ -٣٩٢، المنتظم ١٩٦/٨ -١٩٧، و٢٠٠ -٢٠١، الكامل في
التاريخ ٥٣٠/٩ و ٦٤٠ -٦٤٤، المختصر ١٧٧/٢ -١٧٨، الفخري: ٢٩٥، العبر ٢٢١/٣،
دول الإسلام ٢٦٤/١، تتمة المختصر ٥٤٧/١، البداية والنهاية ٧٨/١٢ - ٨٠، تاريخ ابن خلدون
٤٥٧/٣ - ٤٥٩، النجوم الزاهرة ٦/٥ -٧، ٦٤، دائرة المعارف الإسلامية ٢٧٨/١، معجم
الأنساب والأسرات الحاكمة : ٩، ٢٠ .
(١) سترد ترجمة القائم بأمر الله برقم (١٤٦).
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٣٩١/١١.
٢١٦

الورى ، شرف الوزراء(١) . ولم يبق له ضدٍّ إلا البساسيري؛ الأمير المُظفَّر أبو
الحارث التركي (٢)، فإن أبا الحارث عظُم جداً، ولم يَبْقَ للملك الرحيم بن
بُويه(٣) معه سوى الاسم، ثم إنه خلع القائم ، وتَملَّك بغداد، وخَطب بها
لصاحب مصر المُستنصر ، فقَتَل رئيسَ الرؤساء أبا القاسم بن المُسلمة(٤).
وقال مُحمد بن عبد الملك الهمذاني : أُخرج رئيسُ الرؤساء وعليه عباءة
وطُرْطُور ، وفي رقبتِهِ مِخْتَقَةُ جُلُود وهو يَقرأ: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ ... ﴾
[ آل عمران: ٢٦ ] ويُردِّدها ، فَطِيفَ به على جمل ، ثم خيط علیه جلد ثَور
بِقَرْنين ، وعُلِّق وفي فكيه كَلُّوبان(٥) ، وتَلِفَ في آخر النهار في ذي الحجة سنةً
خمسينَ وأربعٍ مئة(٦) .
قلتُ : كان من عُلماء الكُبَراء ونُبَلائِهم .
أَخبرنا أبو المعالي أحمدُ بنُ إسحاق ، أخبرنا الفتحُ بنُ عبد السلام ،
أخبرنا محمدُ بنُ عمر ، ومحمدُ بن أحمد الطرائفي ، ومحمدُ بن علي قالوا :
أخبرنا أبو جعفر محمدُ بنُ أحمد المعدل ، أخبرنا عبيدُ الله بنُ عبد الرحمن ،
سنة ثمانين وثلاث مئة ، أخبرنا جعفرُ بنُ محمد الفِرْيابي ، حدثنا قتيبةُ بن
سعيد ، حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس ، عن أبي موسى الأشعري : أن
(١) انظر ((المنتظم)) ٢٠٠/٨.
(٢) تقدمت ترجمته برقم (٧٠) .
(٣) تقدمت ترجمته برقم (٥٩) .
(٤) انظر ((الكامل)) ٦٤٠/٩ وما بعدها .
(٥) مثنى كُلُّوب، قال في ((القاموس)): ((والكلوب: المهماز، كالكُلَّب)).
وفي ((المنتظم )) ١٩٧/٨: وعلق بكلابين من حديد في كتفيه، وفي ((المختصر)) ١٧٨/٢:
وجعل في کفه كلابان من حديد .
(٦) الخبر بنحوه في ((المنتظم)) ١٩٦/٨ -١٩٧، و((الكامل)) ٦٤٤/٩، و((الفخري)):
٢٩٥، و((المختصر)) ١٧٨/٢.
٢١٧
:

رسول الله وَل﴿ قال: ((مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرآن كَمَثَلِ الأَتْرُجَّة ؛ رِيحُها
طَيِّب وطَعْمُها طَيِّب)) .
وبه : إلى الفِريابي : حدثنا هُذْبَة ، حدثنا هَمَّام ، حدثنا قتادة ، عن
أنس بن مالك، عن أبي موسى: أن رسول الله ﴿ قال: ((مَثَلُ المُؤمِنِ الذي
يقرأ القرآن كمثل الأَتْرُجَّة)). متفق عليه(١).
مات مع ابن المسلمة(٢) السلطانُ ألب أرسلان السلجوقي(٣) ، وعائشةُ
ابنة أبي عمر البِسْطامي (٤)، وأبو الغنائم بنُ المأمون(٥) ، وأبو القاسم بنُ
القشيري(٦) ، وصُردرّ شاعرُ وقته أبو منصور عليُّ بن الحسن(٧)، والحافظ أبو
سعد السُّكري(٨)، وكريمةُ المروزية(٩)، وأبو عثمان محمدُ بنُ أحمد بن
محمد بن وَرْقاء، وأبو الحسين بنُ المهتدي بالله(١٠)، وأبو المظفر هنّاد
النسفي .
(١) أخرجه البخاري (٥٠٢٠) في فضائل القرآن: باب فضل القرآن على سائر الكلام ،
و (٥٠٥٩ ): باب من راءى بالقرآن أو تأكل به أو فخربه، و ( ٥٤٢٧) في الأطعمة ، و (٧٥٦٠) في
التوحيد ، ومسلم (٧٩٧) في صلاة المسافرين: باب فضيلة حافظ القرآن ، وأخرجه أبوداود (٤٨٣٠)
والترمذي (٢٨٦٥) والنسائي ١٢٤/٨، وابن ماجة (٢١٤ ) .
(٢) يقصد : أبا جعفر محمد بن أحمد بن محمد البغدادي المتوفى سنة (٤٦٥) هـ .
(٣) سترد ترجمته برقم (٢١٠) .
(٤) سترد ترجمتها برقم (٢١٥).
(٥) سترد ترجمته برقم (١٠٧).
(٦) سترد ترجمته برقم (١٠٩).
(٧) سترد ترجمته برقم (١٤٣) .
(٨) سترد ترجمته برقم (٢١٣) .
(٩) سترد ترجمتها برقم (١١٠) وصحح المؤلف هناك أن تكون وفاتها سنة (٤٦٣).
(١٠) سترد ترجمته برقم (١١٧).
٢١٨

١٠٥ - الزَّهْرَاوي *
الإِمام ، العالم ، الحافظُ، المُجوِّد، مُحدِّث الأندلس مع ابن عبد
البر، أبو حفص ؛ عُمرُ بنُ عبيد الله بن يوسف بن حامد الذُّهلي (١)،
القرطبي ، الزَّهراوي . ومدينة الزهراء : بَعضُ نهار عن قرطبة ، أنشأها النَّاصر
الأموي(٢) .
وُلد سنة إحدى وستين وثلاث مئة .
وحَدّث عن : أبي محمد بن أسد ، وعبدِ الوارث بن سفيان ، والقاضي
أبي المطرف بنِ فُطَيس ، وأبي عبد الله بنِ أبي زَمَنِيْن ، وسلمةَ بنِ سعيد ،
وأبي المُطرف القَنازِعي ، وعبدِ السلام بن سَمْح، وأبي القاسم بن عصفور ،
وأبي الوليد بن الفَرَضي ، وطَبقتِهم من أهل قرطبة والزهراء وإشْبيلية . وكتب
إليه بالإِجازة أبو الحسن القابسي ، وطائفة .
وكان مُعتنياً بنقل الحديث وجَمعِه وسماعِه(٣) .
حدّث عنه : أبو عبد الله بن عَتَّاب ، وابنُه عبدُ الرحمن ، وابنه الآخر أبو
القاسم ، وأبو مروان الطَّبْني (٤)، وأبو عمر بنُ مَهدي المُقرىء، وقال : وكان
(*) الصلة ٣٩٩/٢ -٤٠١، بغية الملتمس: ٤٠٨، تذكرة الحفاظ ١١٢٧/٣ -١١٢٨،
العبر ٢٣٣/٣، طبقات الحفاظ: ٤٣٢، شذرات الذهب: ٢٩٣/٣.
(١) في ((الصلة)) ٣٩٩/٢، ابن يوسف بن عبد الله بن يحيى بن حامد الذهلي، ثم قال: كذا
قرأت نسبه بخطه .
(٢) هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله أبو المطرف الأموي المرواني ، سلطان الأندلس ،
المتوفى سنة (٣٥٠)، وقد مرت ترجمته في الجزء الثامن برقم (٦٢) .
(٣) انظر ((الصلة)) ٢ /٤٠٠ .
(٤) ضبطت في الأصل بضم الطاء وسكون الباء ، وضبطها السمعاني كذلك ، وضبطها أيضاً
بضم الباء وكسر النون المشددة ، وهي نسبة إلى الطبن : بلدة بالمغرب من أرض الزاب ، والزاب في =
٢١٩

خَيِراً ثقة ، مُتصاوناً ، قَديمَ الطلب . حدّث عنه أبو علي الغساني ، وذكر أنه
اختُلِطَ في آخر عمره(١) .
قال ابن بَشْكُوال(٢): أخبرنا عنه أبو محمد بن عّاب وقال لي: لحق أبا
حَفصٍ في آخر عُمره خَصاصةٌ ، فكان يَتكفَّفُ الناس . قال : وَقرأتُ بخط أبي
مروان الطُّبْني : أخبرني أبو حفص الزهراوي قال : شددت ثمانية احمال گُتبٍ
لأنقلها إلى مكان ، فما تَمَّ حتى انْتَهَبَها البَربر .
تُوفي في صفر ، سنة أربعٍ وخمسين وأربع مئة ، عن اثنتين وتسعين
سنة .
١٠٦ - المأمون *
ملك ◌ُلَيْطُلة ، أبو زكريا ؛ يحيى بن صاحب طُلَيْطُلَة الأميرِ إسماعيل بنِ
عبد الرحمن بن عامر بن ذي النون الهَوَّاريُّ ، الأندلسي .
استولى أبوه على البلد بعد العشرينَ وأربعٍ مئة ، ونزعوا طاعة
المَروانيّة، وتَملّك المأمون بعد أبيه سنة خمسٍ وثلاثين(٣)، فامتدَّتْ أيامُه
خمساً وعشرين سنة ، عاكفاً على اللذات والخلاعة ، وصادر الرعيةً ، وهادن
= عدوة بلاد المغرب ، وقيل : طبنة ، ساكنة الباء المخففة ، كما ذكره عبد الغني بن سعيد : انظر
((الأنساب ))٢١٢/٨.
(١) ((الصلة)) ٤٠٠/٢، و((تذكرة الحفاظ)) ١١٢٧/٣.
(٢) في ((الصلة)) ٢ /٤٠٠.
(*) الذخيرة ق ٤ / ١٢ / ١٤٧ - ١٤٩، الكامل ٢٨٨/٩ - ٢٨٩، المغرب في حلي المغرب
١٢/٢، تاريخ ابن خلدون ١٦١/٤، أزهار الرياض ٢٠٨/٢، نفح الطيب ٥٢٩/١، ٦٤٣،
٦٤٥، أعمال الأعلام ٢٠٥/٢ - ٢٠٦، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة : ٨٩، الأعلام
١٣٨/٨.
(٣) انظر ((الكامل)) ٢٨٨/٩.
٢٢٠