Indexed OCR Text

Pages 181-200

الأَكفاني ، أخبرنا سَهْل بنُ بشر ، سمعتُ عليَّ بنَ عمر الحَرّاني ، سمعتُ
حمزَةَ بنَ محمد الحافظ، وجاءه غريب، فقال: إن عسكر أبي تميمٍ - يعني
المغاربة - قد وَصَلُوا إلى الإِسكندرية ، فقال: اللهمَّ لا تُحْيني حتَّى تُرِيَنِي
الراياتِ الصُّفر . فماتَ حمزة ، ودخَلَ عسكرُهُم بعدَ موتِهِ بثلاثة أيام .
قلتُ : هؤلاءِ عسكرُ المعزِّ الْعُبيدي الإِسماعيليَّة ، تملَّكوا مصر في هذا
الوقت ، وبنوا في الحال مدينةَ القاهرة المعزيّة ، فأَماتوا السُّنَّة ، وأظهروا
الرّفْضَ، ودامتْ دولتُهُم أَزْيدَ من مئتي عام، حتَّى أبادَهُمُ السُّلطان صلاحُ
الدين ، ونسبُهُمْ إلى علي رضي اللّهُ عنه غيرُ صَحيح .
مات حمزةُ في ذي الحجَّة سنةً سبعٍ وخمسين وثلاث مئة ، عن بضعٍ
وثمانينَ سنة ، قاله المحدِّثُ يَحَْى بنُ عليٍّ بن الطّحان.
وفيها مات الحافظ أبو سعيد أحمدُ بنُ محمد بن رُمَّيْحِ النَّسَويُّ
النخعي ، وأبو العبَّاس عبدُ اللّهِ بنُ الحسين النَّضْرِيُّ المَروي، وعبدُ الرحمن
ابنُ العبّاس المخلّص، وعمرُ بنُ جعفر البَصْري ، وأبو عبد الله بن مُحْرِمٍ .
أخبرنا إسماعيلُ بنُ عبد الرحمن ، وعليُّ بنُ محمد قالا : أخبرنا الحسنُ
ابنُ صباح، أخبرنا ابنُ رفاعة، أخبرنا أبو الحسن الخِلَعي، أخبرنا عبدُ الرحمن
ابنُ عمر، حدثنا حمزةُ بنُ محمد الحافظ ، سمعتُ الصَّيْدَلانِيَّ عبّاساً
الدُّوري ، سمعتُ يَحْيِى بنَ معين يقول : إذا رأيتَ الرجلَ يخرجُ من مَنْزِلِهِ بلا
مِحْبَرَة ولا قَلَم يطلبُ الحديث ، فقد عَزَمَ على الكِذبة .
١٢٩ - المغفَّلي *
الإِمامُ العالم ، القدوةُ الحافظ ، ذو الفنون ، أبو محمد ، أحمدُ بنُ
* طبقات العبادي: ٨٧، الأنساب: (خ) ٥٢٧/ب، العبر: ٣٠٤/٢، طبقات =
١٨١

عبد الله بن محمد بن عبدِ اللهِ بن بشر بن مغفل بن حسّان ابن صاحبِ رسولِ
الله ◌َ﴿ عبدِ الله بنِ مغفِّل المُؤَنِيّ المغفَّليّ الهَرَوِيّ، الملقَّب بالباز الأبيض.
ولدَ بَعدَ السَّبعينَ ومئتين .
وسمعَ أحمدَ بنَ نَجْدَة ، وعليٍّ بن محمد الجَكَّاني ، وإبراهيمَ بن أبي
طالب الحافظ، وعمرانَ بن موسى بن مُجاشع ، وأبا خليفةَ الجُمحي ،
ويوسفَ القاضي ، ومحمدَ بنَ عبد الله الحَضْرمي ، وعُبيدَ بنَ غنام ، وإبراهيم
ابنَ يوسف الهِسِنْجاني، والحسنَ بنَ سُفيان ، وعَبْدان الأهوازي ، وعليٍّ بنَ
أحمد علّان المصري، وطبقَتَهُم بمصر، والحَرَمين ، والشام ، والعراق ،
والعجم .
وجمعَ وصنَّف ، وتقدَّم في معرفة الحديثِ والعُلوم .
حدَّث عنه: أبو العبّاس بنُ عُقْدة شيخُه، وعَمْرُو بن الرّبيع بن سليمانَ
شيخُه، وأبو بكر بنُ إسحاق الصُّبْغي ، والحاكم ، وأبو بكر القَفَّال ، وأبو عبدٍ
اللّهِ الخازن ، وجماعةٌ سواهم .
قال الحاكم : كان إمامَ أهلِ خُراسان بلا مُدافعة ، وقد حج بالنَّاس ،
وخطب بمكّة ، وقدمَ إليه المقام وهو قاعدٌ في جوف الكعبة . ولقد سمعتُهم
بمكّة يذكرونَ أنَّ هذه الولايةَ لم تكنْ قطُّ لغيرِهِ، ومن عَظَمتِه أن كان فوقَ
الوزراء ، وأنَّھم کانوا یَصْدُرون عن رأيه ، وجاور مرّة بمگّة، وکنتُ ببخاری
أستملي له، فذكر أنَّه حصل وَجْدٌ وشيءٌ من غشي بسبب إملاء حكاية
وأبيات ، وتوفي بعد جمعة ، فسمعتُ ابنَّه بشراً يقول : آخرُ كلمةٍ تكلُّم بها أن
قَبَضَ على لحيته ، ورفع يده اليُمنى إلى السّماء ، وقال: ارحم شيبةً شيخٍ
= السبكي: ١٧/٣ - ١٩، العقد الثمين: ٧٢/٣، شذرات الذهب: ١٨/٣.
١٨٢

جاءك بتوفيقكَ على الفِطْرة .
قال أبو النَّضر الفامي في ((تاريخ هراة )): أبو محمد المغفَّلي ، كان
إمامَ عَصرِهِ بلا مدافعة في أنواع العلوم ، مع رُتبةِ الوزارة ، وعلوِّ القدر عند
السُّلطان .
ومن شعره(١) :
نَزَلْنا مُكْرَمِينَ بِهَا فَلَمَّا أَلِفْنَاهَا خَرَجْنَا كَارِمِينًا
وَمَا حبُّ الدِّيارِ بِنَا وَلكِنْ أَمرُّ العَيْشِ فِرِقَةُ مَنْ هَوِينًا
قال الحاكم : توفي في سابع عشرَ رمضان سنةً ستّ وخمسين وثلاث
مئة . ورأيتُ الوزير أبا عليَّ الْبَلْعَمي وقد حملَ في تابوته ، وأحضرَ إلى بابٍ
السُّلطان يعني ببخارى لِلصَّلاة عليه، ثمَّ حُمل تابوتُه إلى هَرَاة ، فدُفِنَ بها .
قال الحاكم : وسمعتُ أبا الفضل السُّلَيْماني - وكان صالحاً - يقول :
رأيتُ أبا محمد المُزَنِيَّ في المنام بعد وفاتِهِ بَلَيْلَتَيْن، وهو يَتْبَخْتَرُ فِي مِشْيَتِه
ويقول بصوتٍ عال: ﴿وَمَا عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىْ﴾ [القصص: ٦٠].
قال الحاكم: وردَ كتابٌ من مصر بأنْ يحجَّ أبو محمد المغفِّلي بالنَّاس،
ويخطب بعَرَفَّةَ ومِنَى . فصلّى بعرفَةً وأتمَّ الصَّلاة ، فعجَّ النّاس ، فصعِدَ
المنبر ، فقال : أيُّها النَّاس، أنا مُقيم وأنتم(٢) على سفر، فلذلك أتممتُ.
وتوفي في عام ستة: مقرىءُ مصر أَبو جعفر أحمدُ بنُ أسامةَ بنِ أحمد
النُّجيبي. أَرْخِه يَخْتَى الطّحان، وصاحبُ العِراقِ معزُّ الدَّولة أحمدُ بنُ بُوَيْه
الدَّيْلَمِي، والمحدِّثُ التالف أبو بكر أحمدُ بنُ عبد الرحمن بنِ محمدٍ بن
(١) البيتان في ((طبقات السبكي)): ١٩/٣.
(٢) في الاصل : وأنت .
١٨٣

الجارود الرَّقِّي ، والعلَّمة أبو علي إسماعيلُ بنُ القاسم القالي بالأندلس،
ومسندُ هَرَاة أبو عليٍّ حامدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الله الرفَّاء الواعظ ، والمحدِّثُ أبو
الفضل العبَّاسُ بنُ محمد بن نصر الرَّافِقي، والشيخُ عبدُ الخالقِ بنُ الحسن
ابن محمد بن أبي روبا السَّقَطي، وأبو عَمْرو عثمانُ بن محمد بن بشر سنَقَة
السَّقَطيُّ البغداديّ ، والعلَّمةُ أبو الفرج عليّ بنُ الحسين الأمويُّ الأَصْبهاني
ثم البغداديّ صَاحب الأغاني ، وأبو الفتح عَمرو بنُ جعفر الخُتُّلي ، وصاحب
مصر الطَّاشي أبو المسك كافورُ الإِخشِيدي ، وصاحبُ الشَّام سيفُ الدَّولة أبو
الحسن عليُّ بن عبدِ اللهِ بن حَمْدان التّغْلِيّ.
أبو حَامِد *
القاضي العلَّمة، أبو حامد ، أحمدُ بنُ بشرِ بنِ عامر المَرْوَرُونيّ،
تلميذ أبي إسحاق المَرْوَزي. له ((الجامع)) في المذهب، و((شرح
المزني )).
وكان إماماً لا يُشَقُّ غبارُه ، أخذ عنه فُقهاء البصرة .
توفي سنة اثنتينٍ وستِّين وثلاث مئة .
١٣٠ - ابنُ الصَّوّاف **
الشيخُ الإِمامُ ، المحدِّث الثَّقةُ الحجّة ، أبو علي ، محمدُ بنُ أحمدَ بنِ
الحسن بن إسحاقَ البغداديّ ، ابن الصَّاف .
* تقدمت ترجمته في هذا الجزء برقم (١٢١) .
* * تاريخ بغداد: ٢٨٩/١، الأنساب: ٩٩/٨، المنتظم: ٥٢/٧ -٥٣، العبر:
٣١٤/٢، البداية والنهاية: ٢٦٩/١١، الوافي بالوفيات: ٤٤/٢، شذرات الذهب :
٢٨/٣ .
١٨٤

· مولدُه في سنةٍ سبعينَ ومئتين .
سمع محمدَ بنَ إسماعيلَ التُّرمذي، وإسحاقَ بنَ الحسنِ الحَرْبِي ،
وبشرَ بنَ موسى ، وعبدَ اللّهِ بنَ أحمد بن حنبل، ومحمدَ بنَ أحمد بن النَّضر
الأزدي، ومحمدَ بنَ عثمان بن أبي شَيْبَة ، والحسنَ بنَ عليٍّ بن الوليد
الفارسي صاحب أبي عمر الحَوْضي، وإبراهيم بنَ هاشم البغوي، وأحمد بن
يَحْنَى الحلواني، وعليّ بنَ محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب ، وحمزةَ
ابنَ محمد الكاتب، وأحمدَ بنَ محمد بن الجَعْد الوشّاء ، وأحمدَ بنَ عبد
الرحمن بن مرزوق ، وأبا جعفر محمد بنَ نصر ، وإدريسَ بنَ عبد الكريم
المُقرىء ، وجعفراً الفِرْيابي وعدَّة .
حدَّث عنه : أبو الحسن بن رزقويه ، وأبو الفتح بنُ أبي الفوارس ، وأبو
الحسين بن بشران، وأخو عبد الملك الواعظ ، وأبو بكر البَرْقاني ، وأبو نعيم
الأَصْبَهاني ، وعدَّة .
قال الدَّارقطني : ما رأتْ عينايَ مثلَ أبي عليٍّ بن الصَّوَّاف ، وفلان
بمصر .
وقال ابنُ أبي الفوارس : كان أبو عليٍّ ثقة مأموناً ، ما رأيتُ مثلَه في
التحرّز .
توفي في شعبان سنةً تسعٍ وخمسينَ وثلاث مئة ، وله تسعٌ وثمانونَ
سَنَّة .
أنبأنا جماعةٌ عن عفيفةً بنتِ محمد الفَارْقانيَّة ، وعبد الواحد بن أبي
المُطَهّر ، قالا : أخبرنا عبدُ الواحد بنُ محمد الصَّناع، أخبرنا أبو نُعيم ،
أخبرنا أبو عليّ بنُ الصوّاف ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا يَحْنَى بنُ عبد
١٨٥

اللّهِ مولى بني هاشم، حدثنا شعبة ، عن عَمْرو بن دِینار ، عن أبي هاشِم ،
عن أبي سعيد، قال: قال النبيُّ﴿ لعمَّار: ((تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الْبَاغِيَة))(١).
١٣١ - ناصِرُ الدَّوْلَةِ »
صاحبُ المَوْصل ، الملك ناصِرُ الدَّوْلة ، الحسنُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
حَمْدَانَ بنِ حَمْدونَ بنِ الحارث بنٍ لُقْمانَ التَّغْلِيّ ، أخو الملك سَيفٍ
الدَّوْلة ، ابنا الأمير أبي الهَيْجاء .
وكان أكبرَ من أَخيه سِنّاً وقَدْراً، وهو الذي قَتَّلَ محمدٌ بنَ رائق الذي
تملّك .
ولما ماتَ أخوه(٢) تأسَّفَ عليه، وساء مزاجُه، وتَسَوْدَن ، فَحَجَر عليه
بنوه، وتملّك ابنُهُ أبو تغلب الْغَضَنْفِر، وجعلَهُ في قلعة(٣) مُرَفّهاً مُعَزّزاً، وله
حروبٌ ومواقف مشهودة .
(١) وأخرجه أحمد ٢٨/٣ من طريق سليمان بن داود، عن شعبة بهذا الإسناد ، وأخرجه
أحمد ٥/٣ من طريق ابن أبي عدي ، عن داود ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، وأخرجه مسلم
(٢٩١٥) في الفتن من طريقين ، عن محمد بن جعفر، عن شعبة ، عن أبي مسلمة ، عن أبي
نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : أخبرني من هو خير مني ( هو أبو قتادة ) أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، وجعل يمسح رأسه، ويقول: (( بُؤسَ ابن
سمية ، تقتلك فئة باغية)) .
وأخرجه أحمد ٢٢/٣ و٩٠، ٩١ من طريقين، عن خالد، عن عكرمة، عن أبي سعيد.
وهو حديث مشهور أو متواتر رواه جماعة من الصحابة. انظر ((فتح الباري)) ٤٥٢/١ .
* الكامل لابن الأثير: ٥٩٣/٨، وفيات الأعيان: ١١٤/٢ - ١١٧، العبر: ٣١١/٢،
الوافي بالوفيات: ٨٩/١٢ - ٩٠، أمراء دمشق: ٢٦، النجوم الزاهرة: ٢٧/٤، شذرات
الذهب : ٢٧/٣، أعيان الشيعة : ٩٧/٢٢.
(٢) يعني : سيف الدولة ، صاحب الترجمة التالية .
(٣) قال ابن خلكان: وسيّره ولده إلى قلعة ((أردمَشْت)) في حصن السلامة . ثم نقل عن
ابن الأثير: أن هذه القلعة هي التي تسمى قلعة ((كواشي)). انظر ((الوفيات)): ١١٦/٢.
١٨٦

قال ابنُ خلّكان : مات في سنةٍ ثمانٍ وخمسين .
وأمّا عليُّ بنُ محمد الشِّمشاطي، فقال: مات يومَ الجمعةِ ثاني عشر
ربيع الأول سنةَ سَبع، ماتَ بالقُولَّنْج ثمَّ بذَرَب(١) . وكان أخوه يتأدُّب معه
فکتب اليه :
وقُلْت لَهُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَخِي فَرْقُ
رَضِيْتُ لَكَ العَلْيَا وَقَدْ كُنْتَ أَهْلَهَا
تَجَافَيْتُ عَنْ حَقِّي فَتَمَّ لَكَ الحَقُّ
وَلَمْ يَكُ بِي عَنْها نُكُولٌ وإِنَّما
إِذا كُنْتُ أَرْضَى أَنْ يكونَ لَكَ السَّبْقُ (٢)
وَلَ بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أَكُونَ مُصَلِّياً
وكانت دولةُ ناصرِ الدَّولة بضعاً وعشرينَ سَنة . وكان يُداري بني بُوَيْه .
وفي سنةٍ تسعٍ وستِين التقىَ الغَضَنْفَرُ وعسكرُ المصريّين بالرَّملة ،
فانكسرَ جمعهُ، وأَسِرَ ، وذُبِحَ صَبْراً .
١٣٢ - سَيْفُ الدَّوْلَة *
أبو الحسن عليُّ بنُ عبدِ اللّهِ بنِ حَمْدان، صاحب حلب، مقصدُ
الوفود ، وكعبةُ الجود ، وفارسُ الإِسْلام ، وحاملُ لواء الجهاد .
كان أديباً مليحَ النَّظم ، فيه تشيُّع .
(١) قال صاحب ((اللسان)): الذرب: هو بالتحريك، الداء الذي يعرض للمعدة فلا
تهضم الطعام ، ويفسد فيها ولا تمسكه .
(٢) الأبيات في ((يتيمة الدهر)): ٣٣/١، و((وفيات الأعيان)): ١١٦/٢، و«البداية
والنهاية)) : ٢٦٣/١١ -٢٦٤.
* يتيمة الدهر: ١٥/١ - ٣٤، المنتظم: ٤١/٧، الكامل لابن الأثير: ٣٩٦/٨ -
٣٩٩، ٤٥٧، ٤٥٨، ٥٣١، ٥٣٩، ٥٤٤ - ٥٥٢، ٦٠٧ وأماكن أخرى، زبدة الحلب:
١١١/١ - ١٥٢، وفيات الأعيان: ٤٠١/٣ - ٤٠٦، المختصر في أخبار البشر: ١٠٧/٢ -
١٠٨، العبر: ٣٠٥/٢ - ٣٠٦، دول الإسلام: ٢٢١/١، البداية والنهاية: ٢٦٣/١١ -
٢٦٤، النجوم الزاهرة: ١٦/٤ - ١٨، شذرات الذهب: ٢٠/٣ - ٢١.
١٨٧

ويقالُ : ما اجتمع ببابِ ملكٍ من الشُّعراءِ ما اجتمعَ ببابِهِ .
وكان يقول : عطاءُ الشُّعراءِ من فرائض الأمراء .
وقد جُمْع له من المدائح مُجلَّدان .
أخذَ حلبَ من الكلابي نائب الإِخشيذ في سنةٍ ثلاثٍ وثلاثين ، وقبلها
أخذَ واسط ، وتنقلت به الأحوال ، وتملَّك دمشقَ مدة ، ثمَّ عادت إلى
الإِخشيذيّة، وهَزَمَ العدوَّ مَرَّاتٍ كثيرة .
يُقال: تمَّ له من الرُّومِ أربعون وقعةً، أكثرُها ينصُرُهُ اللّهُ عَلَيهم .
وقيل : إنَّه في عيد نفَّذ إلى الناس ضحايا لا تُعَدُّ كثرةً ، فبعثَ إلى
اثني عشر ألف إنسان ، فكان أكثر ما يبعثُ إلى الكثير منهم مئةَ رأس .
وتوفيتْ أُختُهُ ، فخلَّفَتْ له خمس مئة ألف دينار ، فافتكَّ بجميعِها
:":
٥٤
أُسْرَى .
التقاه كافور ، فنصر سيف الدَّولة بظاهر حمص ، ونازل دمشق ، ثمَّ
التقاه الإِخشيذ ، فهزم سيف الدولة ، وأدرك الإِخشيذ الأجل بدمشق ،
فوثبَ سيفُ الدَّولة عليها ، ولم يُنْصِف أَهلَها ، واستولى على بعض أرضِهِم ،
فكاتب العقيقي والكُبراء بعد سنةٍ صاحب مصر، فجاء إليهم كافور .
مولدُهُ في سنةِ إحدى وثلاث مئة . وله غزوٌ ما اتَّفَقَ لملكٍ غيره، وكان
يُضرب بشجاعَتِهِ المثل ، وله وقعٌ في النّفوس ، فاللهُ يرحمُه .
مات بالفالج ، وقيل : بعسر البَوْل ، في صفر سنةً ستُّ وخمسين .
ولما احتُضر أخذ على الأمراء العهدَ لابنه أبي المَعَالي. مات يومَ جمعةٍ قبل
الصَّلاة ، وغُسِّل ، ثم عمل بِصَبٍ، ومُرِّ، ومَنوين كافور، ومئة مثقال غالية، وكُفِّنَ
١٨٨
٠

في أثواب قيمتُها ألفُ دينار . وكَبَّر عليه القاضي العَلَويُّ خَمْساً . ولما بلغ معزّ
الدَّولةِ بالعراق موتُه ، جزِعَ عليه وقال: أَيّامي لا تطول بعدَه ، وكذا وقع . ثمَّ
نقلُوهُ إلى مَيّافَارِقِين فدُفِنَ عند أُمِّه . وكان قد جمع من الغُبار الذي يقع عليه
وقت المصافات ما جُبل في قدر الكفّ ، وأوصى أن يُوضعَ على خدِّه .
وكانت دولتُهُ نَيِّفاً وعشرينَ سَنَة ، وبقي بعده ابنهُ سعد الدولة في ولاية
حلب خمساً وعشرين سنة .
وقد أُسر ابنُ عَمِّهم الأميرُ ، شاعرُ زمانِه ، أبو فِراس(١) الحارثُ بنُ
سعيدِ بنِ حَمْدان ، فَبَقِيَ في قسطنطينية سَنَوات ، ثمَّ فداهُ سيفُ الدَّولة ،
وكان بديعَ الحُسْن ، وكان صاحبَ مَنْبج، ثمَّ تملَّكَ حمص ، فقُتل عن سبعٍ
وثلاثينَ سنة ، سنةَ سبعٍ وخمسين .
١٣٣ - مُعزّ الدَّوْلَة*
السُّلطان ، أبو الحسين ، أحمدُ بنُ بُوَيْه بن فنَّا خسرُوبٍ تَمام بن كُوهي
الدَّيْلَميُّ الفارسيّ. قد ساقَ نسبَهُ ابنُ خَلِّكان إلی کِسْری بهرام جُور(٢) . فالله
أعلم .
كان أبوه سَمَّاكاً، وهذا ربَّما احتَطَب . تملَّك العراقَ نَّيِّفاً وعشرينَ
سَنَة، وكان الخليفة مقهوراً معه، وماتَ مَبْطُوناً ، فعهد إلى ابنِهِ عزِّ الدَّولة
(١) تأتي ترجمته في هذا الجزء برقم (١٣٦).
* تجارب الأمم: ١٤٦/٦، ٢٣١ وغيرها، المنتظم: ٣٨/٧ - ٣٩، الكامل لابن
الأثير: ٥٧٣/٨ - ٥٨٠، وفيات الأعيان: ١٧٤/١ - ١٧٧، المختصر في أخبار البشر :
١٠٦/٢، العبر: ٣٠٣/٢، الوافي بالوفيات: ٢٧٨/٦ - ٢٧٩، البداية والنهاية: ٢٦٣/١١،
النجوم الزاهرة: ١٤/٤ - ١٥، شذرات الذهب: ١٨/٣.
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)): ١٧٤/١ - ١٧٥.
١٨٩

بَخْتِيَار، وكان يتشيّع، فقيل: تابَ في مَرَضِه، وترضَّى عن الصّحابة ،
وتصدَّق ، وأَعتَق ، وأراق الخمور، ونَدم على ما ظَلَم ، وردّ المواريث إلى
ذوي الأرحام . وكان يُقال له : الأَقطع . طَارَتْ يَسَارُه في حرب ، وطارَتْ
بعضُ اليُمنى، وسقط بينَ القَتْلى ثمّ نجا ، وتملُّكَ بغداد بلا كلفة ، ودانتْ له
الأمم ، وكان في الابتداء تبعاً لَأخيه الملك عماد الدَّوْلَة .
مات في ربيع الآخر سنةً ستُّ وخمسينَ وثلاث مئة ، وله ثلاثٌ
وخمسونَ سنة .
وقد أنشأَ داراً غرم عليها أربعين ألف ألف درهم فبقيتْ إلى بعد الأربع
مئة ونقضت ، فاشتّرَوا جرد مافي سُقوفها من الذَّهب بثمانية آلاف دينار .
١٣٤ - كَانُور *
صاحبُ مصر، الخادم الأستاذ ، أبو المسك ، كافورُ الإِخشِيذيُّ
الأسود .
تَقَدَّم عند مولاه الإِخشِیذ ، وسادَ لرأيِهِ وحَزْمِه وشجاعته ، فصيّرهُ من
كبار قوّاده ، ثم حاربَ سيفَ الدَّوْلة، ثمَّ صار أتابكَ أَنُّوجُور ابن أستاذه
وتمكن .
قال وكيلُه : خدمتُ كافوراً ، وراتِبُه في اليوم ثلاثَ عشرةَ جراية ، وقد
بلغت على يدي ثلاثة عشر ألف جراية(١) .
* المنتظم: ٥٠/٧ - ٥١، الكامل لابن الأثير: ٤٤٥/٨، ٤٥٧، ٥٨٠ - ٥٨٤،
٥٩٠ ١٦٨/٩٫، المغرب في حلى المغرب ( الجزء الأول من القسم الخاص بمصر) ١٩٩،
وفيات الأعيان: ٩٩/٤ - ١٠٥، المختصر في أخبار البشر: ١٠٧/٢، العبر: ٣٠٦/٢، دول
الإسلام: ٢٢١/١، البداية والنهاية: ٢٦٤/١١ و٢٦٦، ابن خلدون: ٣١٤/٤، النجوم
الزاهرة: ١/٤ - ١٠، حسن المحاضرة: ٥٩٧/١ -٥٩٨، شذرات الذهب: ٢١/٣ -٢٢.
(١) انظر ((الوفيات)): ٩٩/٤.
١٩٠

ماتَ الملك أنوجور شاباً في سنةٍ تسعٍ وأربعين وثلاث مئة ، فأقام
كافورٌ أخاه عليّاً في السَّلطنة ، فبقي ستُّ سنين ، وأَزَمَّةُ الأمور إلى كافور ،
وبعده تسلطن وركب الأسود بالخِلْعة السوداء الخليفتية ، فأشار عليه الكبار
بنصب ابن لعلي صورةً في اسم الملك ، فاعتلَّ بصغره ، وما التفتّ على
أحد ، وأظهرَ أنَّ التقليد والأهبة جاءَتْه من المُطيع، وذلك في صفر سنةً
خمسٍ وخمسين ، ولم ينتِحْ فيها عَنْزان .
وكان مَهيباً ، سائساً ، حليماً، جواداً، وقوراً، لا يشبه عقلُه عقولَ
الخدَّام ، وفيه يقول المُتَنِي(١):
ومَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلّ السَّواقِيَا
قَواصد كافورٍ تَوارِك غَيْره
وخَلَّتْ بَيَاضاً خَلْفَهَا ومَآقِيا
فَجَاءَتْ بِنَا إنسانَ عَيْنِ زَمانِهِ
فأقام عنده أربعَ سنين، ونالَه مالٌ جزيل، ثمَّ هجاه لامَةٌ وكُفْراً
لِنْمتِه ، وهربَ على الْبَرِيَّة ، يقول(٢):
أَقْوَامُهُ البِيْضُ أَمْ آبَاؤُهُ الصَّيْدُ
مَنْ عَلَّمَ الأُسْوَدَ المَخْصِيِّ مَكْرُمَةٌ
عَنِ الجَمِيلِ فَكَيْفَ الخِصْيَةُ السُّودُ
وَذَاكَ أَنَّ الفُحولَ البِيْضَ عاجِزَةٌ
ودَعيَ لكافور على منابر الشَّام ومصر والحرمين والثغور .
وقيل : كان شديدَ اليد ، ولا يكاد أحدٌ يمدُّ قوسَه فُيُعطي الفارس
قوسّه ، فإن عجَز ضحكَ واستخدَمَه ، وإنْ مدّه قطّب .
(١) الأبيات في ((ديوانه)»: ٤٢٣/٤ - ٤٢٤ من قصيدته المشهورة التي مطلعها :
وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا
کفی بك داءً أن تری الموت شافيا
(٢) الأبيات في ((ديوانه)): ١٤٧/٢-١٤٨ من قصيدته التي مطلعها:
عيدٌ بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديد
١٩١

وكان مُلازماً لمصَالحِ الرَّعيَّة .
وكانَ يتعبَّدُ ويَتَهَجَّد، ويمرِّغُ وَجْهَه ، ويقول : اللهمَّ لا تُسلِّط عليَّ
مَخْلوقاً .
وكان يقرأ عندَهُ السير والدول .
وله نُدماءُ وجوارٍ مغنِّيات ، ومن المماليك ألوفٌ مؤلَّفة ، وكان فَطِناً ،
يَقِظَأَ ذَكِيّاً، يُهادي المعزَّ إلى الغَرْب، ويُداري ويخضع للمُطِيع، ويخدع
هؤلاء وهؤلاء .
وله نظرٌ في الفِقْهِ والنَّحو .
توفيَ في جُمادى الآخرة سنةَ سبعٍ وخمسين وثلاث مئة ، ومات في
عشر السبعين .
وقيل : مشتراه على الإِخشيذ ثمانيةَ عشرَ ديناراً .
وقد سُقتُ من أخباره في ((التاريخ » نُكتاً .
وللمتنبِّي يهجوه ويَهْجُو ابنَ حِنْزابَة الوزير :
وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالِبُكًا
وَمَاذا بِمِصْرَ مِنَ المُضْحِكَاتِ
يُدرِّسُ أَنسابَ أهلِ الفَلا
بِهَا نَبَطِيُّ مِنَ أهْلِ السَّوَادِ
يُقالُ لَهُ أَنْتَ بَدْرُ الدُّجَا
وأَسْوَدُ مِشفَرُهُ نصفُه
بَيْنَ القَرِيضِ وَبَيْنَ الرُّقا
وشعرٍ مَدَحْتُ بِهِ الكَرْكَدَنَّ
ولكنَّه كَانَ هَجْوَ الوَرِى(١)
فَمَا كَانَ ذُلِكَ مَدْحاً له
وقد كان في كافور حلمٌ زائد ، وكفّ عن الدماء ، وجودة تَذْبير .
(١) الأبيات في ((ديوان المتنبي)): ١٦٧/١ -١٦٨.
١٩٢

وفي آخر أيامه سنةَ ستُّ وخمسينَ كانَ القَحْط ، فَنَقَص النِّيل ، فوقَفَ
على أقلّ من ثلاثة عشر ذراعاً بأصابع ، وذلك نقصٌ مُفرط ، وبِيعَ الخبزُ كلُّ
رِطْلَيْنِ بِدِرْهَم .
وقيل : كان في كافور ظلمٌ ومصادرة ، فصبَرَ زمنَ القَخْط ، كفن خلائق
من الموتى ، كان يصبح في السّقاية نحو خمس مئة ميت .
ولكافور أخبارٌ في الدُّول المُنْقَطعة وغير مَوْضع .
١٣٥ - ابنُّ حَمْدَان *
محمدُ بنُ أحمدَ بنِ حَمْدانَ بنِ عليٍّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سنان ، الإِمامُ
الحافظ ، أبو العبَّاس، أخو الزَّاهد أبي عمر، ابنا الحافظ أبي جَعْفٍَ
الحيري النَّيْسَابُوريّ محدِّث خُوارزم .
ولد سنةً ثلاثٍ وسبعينَ ومئتين .
سمعَ محمدَ بنَ أَيّوب الرّازي ، ومحمدَ بنَ إبراهيم البُوشَنْجي ،
ومحمدَ بنَ عَمْرو قشمرد، ومحمدَ بنَ نُعيم ، والحسنَ بنَ عليٍّ بن زياد
السُّرِّي ، وموسى بنَ إسحاق الأنصاري ، والقاضي عبدَ اللّهِ بنَ أُبيّ
الخوارزمي ، وإبراهيمَ بنَ عليّ الذُّهلي ، وتميم بنَ محمد الطّوسي ،
والحُسينَ بنَ محمد القباني ، ومحمدَ بنَ النَّضر بنِ سَلمة الجارودي ، وأبا
عَمرو أحمدَ بنَ نصر الخفَّف ، وعمرانَ بنَ موسى بن مُجاشع، وأبا الفضل
أحمدَ بنَ سلمة النَّيْسابوري ، وعليّ بن الحسين بن الجُنيد ، وإبراهيمَ بنَ
أبي طالب ، وابنَ خُزَيْمة ، والسَّراج ، وخلقاً سواهم .
العبر: ٣٢٢/٢، شذرات الذهب: ٣٨/٣.
١٩٣
سير ١٣/١٦

روى عنه : أبو بكر البَرْقاني ، وأحمدُ بنُ محمدِ بنِ عيسى ، وأحمدُ بنُ
محمد بن إبراهيم بن قَطَن ، وأبو سعيد أحمدُ بنُ محمدٍ بنٍ يوسف الكرابيسيّ
الحافظ ، وأحمدُ بنُ أبي إسحاق ، وغيرُهُم .
طوَّلَ ترجمتَه ابنُ أرسلان محدِّثُ خُوارزم في ((تاريخه)) فقال : سكنَ
خُوارزم ، فسُمي بها أبا العبّاس الزاهد من وَرَعِهِ واجتهادِه .
رحل به أبوه إلى الرّي للسَّماع من ابن الضُّريس ، وإلى طوس إلى
تميم .
حدَّث وهو حدث في مجلس ابنِ الضُّريس ، فقرأتُ بخطٌّ أبي سعيد
الکراپيسي ، فقال : حدثنا أبو العبّاس ،حدثنا أحمدُ بنُ سلمة ،حدثنا
سلمةُ بن شبيب ، قال : كنت مع أحمدَ بنِ حنبل في مسجده ، وهو يقرأ عليه
كتاب ((الأشربة )) إذ دخلَ رجلٌ ، فسلِّم ثمَّ قال : مَنْ فيكم أحمدُ بن حنبل ؟
فقال : أنا أحمد ، فقال : أتيتُك من أربع مئة فَرسخٍ براً وبحراً . كنتُ بينا أنا
نائم إذ أتاني آتٍ فقال: إني أنا الخَضِر، فُرُحْ إلى بغداد وسَلْ عن أحمد بن
حنبل ، وقل له : إنَّ ساكنَ العرشِ والملائكةَ الذين حولَ العرشِ راضُون
عنك بما صبرت به نفسك ، فقام أحمدُ وذهب إلى منزله ، فقال للرجل :
ألكَ حاجة ؟ قال: لا . إنَّما جئتُك لهذا، فودَّعَهُ وانصرف .
دخل أبو العبّاس خُوارزم للتِّجارة سنةَ إحدى وتسعينَ ومثتين ، فحكى
أنَّ محمدَ بنَ إسماعيلَ رئيس أصحاب الحديث بخُوارزمَ، جاء إليه إلى الخان
زائراً، ثمّ جئتُ مجلسَه، فسألني عن أحاديث ، فذكرتُها على وَجْهِها ،
فعظّمَنِي .
وحجّ من خُوارزم مَرّتين، وبوركَ له في التجارة ، وأدرك سنةً من حياة
عبد الله بن أبيّ ، فلازمه .
١٩٤

قال: وكان مُؤتمناً عند الأمراء والكُبَراء ، يقوم بالأمور الخطيرة ،
وكانت الأمتعةُ النفيسة تأتيه من كلِّ جانب ، وكان وَرِعاً في معاملاته ، كبيرٌ
القدر، جُعل ناظراً للجامع ، فعمره .
وكان حافظاً للقُرآن ، عارفاً بالحديث، والتاريخ ، والرجال ،
والفقه ، كافاً عن الفَتْوى . حضره رجلٌ فقال : حلفتُ إن تزوجتُ فلانة فهي
طالقٌ ثلاثاً ، فقال : قولُ مالك وأبي حنيفةَ تطلُق . وقال الشافعي : لا تطلُق
فقال السائل : فما تقول أنت ؟ فقال : هذا إلى أبي بكر الفراتي ، ولم يُفتِه .
وقد سمع بمنصورة - وهي أمّ بلاد خُوارزم - بعضَ صحيحِ البخاري
من الفِرَبْري ، فوجدَهُ نازلاً ، فصنَّف على مثاله مستخرجاً له . وصنَّف كتاباً
في الأحاديث التي في مختصر المُزَّني .
وكان إذا صحَّ عنده حديثٌ عملَ به ولم يلتفتْ إلى مَذْهب .
وکان يحفظُ حديثَه ويَدْريه .
وكان محبّباً إلى الناس ، متبرَّكاً به، نافِذَ الكلمة ، قَدَّموه للاسْتِسْقاء
بهم .
وكان له مجلسٌ للإملاء في كلِّ اثنين وخميس ، فكان يحضُرُه الأئمّة
والكُبَراء ، وكان يَرَى الجَهْرَ بِالبَسْمَلة .
أخبرنا إسماعيلُ بنُ عبد الرحمن المعدل، أنبأنا أبو محمد بن قُدامة،
أخبرنا أبو الفتح بن البَطِّي، أخبرنا أبو الفضل بن خَيْرون، أخبرنا أبو بكر أحمدُ بنُ
محمد البَرْقاني قال : قُرىء على أبي العباس بن حمدان، - وأنا أسمع - في
جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة ، حدَّثكم محمدُ بنُ أيوب ،
أخبرنا أبو الوليد ، حدثنا إسحاقُ بن سعيد بن عَمْرو بن سعيد ، حدَّثني أبي ،
١٩٥

عن أبيه ، قال : كنتُ عند عثمانَ رضي الله عنه، فدعا بطَهور ، فقال :
سمعتُ رسولَ اللّهِ وَ﴿ه يقول: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ تحضُرُهُ الصَّلاةُ المكتوبَة ،
فُيُحسِنُ وضُوءَها وخُشُوعَها ورُكُوعَها إلاّ كانَتْ كَفَّارَةً لما فيها ، أو قال : قبلَها
من الذُّنوب ما لَمْ يأتٍ كبيرةً ، وذلك الدَّهر كله)).
أخرجه مسلم (١) عن عبْد وابن الشاعر ، عن أبي الوليد .
قال ابنُ أرسلان في ((تاريخه)): قرأتُ بخطُّ الحافظ أبي سعيد قال :
لمَّا مرضَ أبو العبَّاس مرضَهُ الذي ماتَ فيه، اغتمَّ المسلمون ، فرأى صهرُهُ
أبو العبّاس الأزهري في المنام : أنَّ أبا العبّاس لاحقٌ بنا ، ومَن استغفرَ له غفرَ
له . فشاعَ الخبرُ في البلد ، فحضَرَه أهلُ البلد أفواجاً ، فكان يستغفرُ لهم .
ومرضَ خمسةَ عشرَ يوماً ، ثم اعتقلَ لسانه ليلةَ الجمعة إلَّ من الهَمْس
بقول : لا إلهَ إلَّ الله . وتوفي ليلةَ السَّبت حادي عشر صفر سنةً ستٍّ وخمسينَ
وثلاث مئة . فعظمت المُصيبة ، واجتمعَ الكلُّ لجنازته ، وأقاموا رسم
التعزيةِ سنَّةً أيّام تعزيةً عامرة بالفُقهاء ، والأكابر ووجوه الدَّهاقِين(٢) ، وحضر
خوارزم شاه أبو سعيد أحمدُ بنُ محمد بن عراق تعزيته مع أمرائه ، وكثرت فيه
المراثي. ومات عن ثلاثة بنين . رحمَهُ اللهُ تعالى .
١٣٦ - أبو فِرَاس *
الأميرُ أبو فراس ، الحارثُ بنُ سعيدٍ بنٍ حَمْدَانَ التَّغْلبيُّ الشاعر
(١) رقم (٢٢٨) في الطهارة : باب فضل الوضوء والصلاة عقبه.
وأخرجه من حديث عثمان بنحوه : البخاري (١٥٩ ) في الوضوء : باب الوضوء ثلاثاً
ثلاثاً، و (١٩٣٤) في الصوم : باب السواك الرطب واليابس للصائم ، و( ٦٤٣٣ ) في الرقاق :
باب قول الله تعالى: ( يا أيها الناس إن وعد الله حق)، وأخرجه مسلم (٢٨٢)، ومالك
٣٠/١، ٣١ في الطهارة: باب جامع الوضوء، والنسائي ٩١/١ .
(٢) الدهاقين : جمع دهقان ، ومعناه : التاجر . واللفظ فارسي معرب .
* يتيمة الدهر: ٣٥/١ -٨٨، المنتظم: ٧ /٦٨ - ٧١، زبدة الحلب: ١٥٧/١، =
١٩٦

الْمُفْلِقِ . وكان رأساً في الفروسيَّة ، والجُود ، وبراعة الأدب .
كان الصَّاحبُ ابنُ عبّاد يقول : بُدىءَ الشعرُ بمَلكٍ وهو امُرُؤُ القَيْس ،
وخُتم بملكٍ وهو أبو فراس .
أسرَتْهُ الرُّومُ جريحاً، فبقيَ بقسطنطينية أعواماً، ثمَّ فداهُ سيفُ الدَّولةِ
منهم بأموال ، وأعطاهُ أَموالاً جزيلةً وخيلاً ومماليك .
وكانتْ له مَنْبج، ثمَّ تملَّكَ حمص ، ثم قُتل بناحية تَذْمر . وكان سارّ
ليتملَّكَ حلب .
ودیوانُه مشهور .
قُتل سنةَ سبعٍ وخمسين وثلاث مئة . وكلُّ عمرِه سبعٌ وثلاثونَ سَنَة .
١٣٧ - المُهَلَّبي *
الوزيرُ الكبير ، أبو محمد ، الحسنُ بنُ محمد بنِ عبدِ اللهِ بن هارون
الأَزْديّ، من ولد المُهَلَّب بن أبي صُفرة .
وزر لمعزِّ الدَّولة ، وكان سَرِيّاً، جواداً ، ممدَّحاً، كامل السُّؤدد،
مقرِّباً للعُلَماء، أصابَتْهُ فاقٌ في شَبِيبته، وتغرَّب ، واشتهى مرَّة بدرهمٍ لحماً ،
= وفيات الأعيان: ٥٨/٢ - ٦٤، المختصر في أخبار البشر: ١٠٨/٢ -١٠٩، الوافي بالوفيات:
٢٦١/١١ - ٢٦٥، البداية والنهاية: ٢٧٨/١١ - ٢٧٩، النجوم الزاهرة: ١٩/٤ - ٢٠،
شذرات الذهب : ٢٤/٣ - ٢٥، تهذيب ابن عساكر: ٤٤٢/٣ - ٤٤٥.
* تجارب الأمم: ١٢٣، يتيمة الدهر: ٢٢٣/٢ - ٢٤٠، الفهرست : ١٩٤،
المنتظم: ٩/٧ - ١٠، معجم الأدباء: ٩ /١١٨ - ١٥٢، وفيات الأعيان: ١٢٤/٢ - ١٢٧،
المختصر في أخبار البشر: ١٠٤/٢، العبر: ٢٩٤/٢ - ٢٩٥، دول الإسلام: ٢١٩/١،
المستفاد من ذيل تاريخ بغداد: ١٠٣ - ١٠٦، الوافي بالوفيات: ٢٢٣/١٢ - ٢٢٧، فوات
الوفيات: ٣٥٣/١، ٣٥٧، البداية والنهاية: ٢٤١/١١، النجوم الزاهرة: ٣٣٣/٣، شذرات
الذهب : ٩/٣ - ١١.
١٩٧

فاشترى رفيقُه له بدرهم ، ثمَّ تنقلت به الأحوال ، ووَزَر، فتعرَّض له ذاك
الرجل ، فخلعَ عليه ، ووَلّه عملًا .
وكان الوزيرُ أَديباً مترسِّلاً، بليغاً ، شاعراً ، سائساً ، له أخبارٌ في الكرم
والمُروءة .
نال أولاً في الوزارة ، عن أبي جعفر الصَّيْمري ، فمات الصَّيْمريّ ،
فولّاه مكانَه معزُّ الدَّولة سنةَ تسعٍ وثلاثين، ثمَّ وَزَرَ للمُطيع. ولقَّبوه ذا
الوزارَتَيْن. وقد استوفَى ابنُ النَّجار أخبارَه .
قال هلالُ بنُ المحسن : كان المُهَلَّبيُّ نهاية في سَعَةِ الصَّدر، وبُعْد
الهمَّة، وكمال المُرُوءة ، والإِقبال على أهل الأدب . وله نظمٌ مَليح ، وكان
يَمِلَّ العيونَ منظرُه، والمسامعَ منطقُه، والصدورَ هَيْتُه، وتقبل النفوسُ
تفصيلَه وجملته .
ومن نظمه(١) :
صَبَاحاً للتَّيْمُنِ وَالسُّرورِ
أَرَانِي اللّهُ وَجْهَكَ كُلَّ يَوْمٍ
لِأَّقْرَا الحُسْنَ مِنْ تِلْكَ السُّطُورِ
وأَمتعَ ناظريَّ بِصَفْحَتَيْهِ
عاش المُهَلَّبِيُّ نَيِّفاً وستِّينَ سَنَة ، ومات في شعبانَ سَنَّةً اثنتين وخمسينَ
وثلاث مئة بَبَغْداد .
١٣٨ - المهلبي *
شيخُ الحَنَفيَّة ، العلَّمة الأوحد، مُفتي ما وراءَ النَّهر ، أبو منصور.
(١) البيتان في ((يتيمة الدهر)) : ٢٣٦/٢.
* اللباب: ٢٧٦/٣، الجواهر المضيّة: الترجمة ( ٥٦٦).
١٩٨

نصرُ بنُ جعفر بنٍ عليٍّ الأَزْدِيُّ المهلِيُّ السَّمَرْقَنْدِيّ .
انتهت إلَيهِ الإِمامَة في المَذْهب .
روى عن أحمدَ بن يَحْیَى، وفارس بنِ محمد ، وأحمدَ بنِ حَمّ ، وأهلِ
بَلْخ .
روى عنه الفقيهُ عبدُ الكريمِ بنُ محمد ، وغيرُه .
قال شهابُ الدِّين ابن قاضي الحِصْن: تُوفيَ في سنةٍ ثلاثٍ وخمسينَ
وثلاث مئة .
١٣٩ - المُتَنِي *
شاعرُ الزمان ، أبو الطَّيِّب ، أحمدُ بنُ حسين بن حسن الجُعْفيُّ الكوفيُّ
الأديب ، الشهير بالمُتَنِي .
ولد سنةً ثلاثٍ وثلاث مئة ، وأَقامَ بالبادية ، يَقْتِسُ اللُّغَةَ والأخبار ،
وكان من أذكياء عَصْره .
بلغ الذّروةَ في النَّظم، وأَربى على المُتقدِّمين، وسار ديوانُه في
الآفاق . ومدحَ سيف الدَّولةِ ملكَ الشّام ، والخادمَ كافوراً صاحبَ مصر ،
يتيمة الدهر: ١١٠/١ - ٢٢٤، تاريخ بغداد: ١٠٢/٤ - ١٠٥، نزهة الألباء :
٢٩٤ - ٢٩٩، المنتظم: ٢٤/٧ - ٣٠، اللباب: ١٦٢/٣، الكامل لابن الأثير: ٥٦٦/٨،
تهذيب الأسماء واللغات: ٢٨٥/٢، وفيات الأعيان: ١٢٠/١ - ١٢٥، المختصر في أخبار
البشر: ١٠٥/٢، العبر: ٣٠٠/٢، دول الإسلام: ٢٢٠/١، ابن الوردي: ٢٩٠/١،
الوافي بالوفيات: ٢٣٦/٦ - ٢٤٦، البداية والنهاية: ٢٥٦/١١ - ٢٥٩، لسان الميزان :
١٥٩/١ - ١٦١، النجوم الزاهرة: ٣٤٠/٣ - ٣٤٢، حسن المحاضرة: ٥٦٠/١، معاهد
التنصيص: ٢٧/١ -٣٣، شذرات الذهب: ١٣/٣ - ١٥، روضات الجنات: ٤١، هدية
العارفين: ٦٤/١، أعيان الشيعة: ٦١/٨ - ٢٧٨.
١٩٩

وعضدَ الدَّولةِ ملكَ فارس والعراق .
وكان يركب الخيلَ بزي العرب ، وله شارة وغلمان وهَيْئة .
وكان أبوه سقَّاءً بالكوفة ، يُعرف بعَبْدان .
روى عنه أبو الحُسَين محمدُ بنُ أحمد المحاملي ، وعليُّ بنُ أيوب
القُمِّي ، وأبو عبد الله بنُ باكويه ، وأبو القاسم بنُ حبيش، وكامل العزائمي ،
والحسنُ بنُ عليِّ العلويُّ من نظمه .
قيل: إنَّه جلسَ عند كتبي ، فطوّل المطالعة في كتاب للأصْمَعَيّ ،
فقال صاحبُه : يا هذا أتريدُ أن تحفظَه ؟ فقال : فإنْ كنتُ قد حفظتهُ ؟ قال :
أَهَبُهُ لكَ، قال: فأَخذ يقرؤُهُ حتَّى فرغه، وكان ثلاثينَ ورقة(١) .
قال التَّنوخي : خرجَ المُتَنِّي إلى بني كَلب ، وأقامَ فيهم ، وزعَمَ أنّه
علويّ، ثمَّ تنبًّا ، فاقتُضحَ وحبسَ دهراً، وأشرفَ على القتل ، ثمّ تاب .
وقيل : تَنَبَّ بباديَة السَّمَاوَة، فَأَسَرَهُ لؤلؤٌ أميرُ حمص بعدَ أن
حارب(٢) .
وقد نالَ بالشِّعر مالاً جليلاً، يُقالُ : وصلّ إليه من ابنِ العَميد ثلاثونَ
ألف دينار . ونالَهُ من عَضُدِ الدَّولة مثلُها .
أخذ عند النُّعمانية(٣)، فقاتل، فقُتلَ هو وولدُه محسَّد(٤). وفتاه في
(١) انظر ((تاريخ بغداد)): ١٠٣/٤.
(٢) انظر حول مقتل المتنبي: ((تاريخ بغداد)): ١٠٤/٤، و((وفيات الأعيان)): ١٠٣/١،
و((العمدة)) ٤٥/١ .
(٣) النعمانية : بليدة بين واسط وبغداد في نصف الطريق على ضفة دجلة ، معدودة من
أعمال الزاب الأعلى، وأهلها شيعة غالية كلهم. ((معجم البلدان)»: ٢٩٤/٥.
(٤) محسَّد : بضم الميم ، وفتح الحاء المهملة والسين المهملة المشددة ، وبعدها دال =
٢٠٠