Indexed OCR Text
Pages 341-360
الوزير؟ قال : محمدُ بنُ عبد الصَّمد . قال : ذهبنا والله . وأُخرج ، فأُركبَ بَغْلًا، واختلط بجملة السَّاسَّةِ ، وركب غِلمانُ حامد حولَه حتى أوصلوه ، فبات عندَ ابنِ عبد الصَّمد، ورجاله حول المجلس . فلمَّا أصبح ، أُخرجَ الحلَّج إلى رَحْبة المجلس ، وأمر الجلاد بضَرْبه، واجتمع خلائق ، فضُرِبَ تمام ألف سَوْط وما تأوَّه، بَلَى لمَّا بلغَ ستَّ مئة سَوْط ، قال لابن عبد الصَّمد : ادعُ بي اليك ، فإنَّ عندي نصيحةً تعدِلُ فتح قُسْطَنْطِينَيَّة . فقال [ له محمد ] : قد قيل لي : إنَّك ستقول ما هو أكبرُ من هذا ، ولیس إلى رفع الضَّرب سبيل . ثمَّ قُطعتْ يدُه ، ثمَّ رجلُه، ثمَّ حُزَّ رأسُه ، وأُحرقَتْ جُثَتْه . وحضرتُ في هذا الوقت راكباً والجُثَّةُ تقلَّب على الجَمْر، ونُصب الرأسُ يومَّيْن ببغداد ، ثم حُمِلَ إلى خُراسان وطِيف به . وأقبَلَ أَصحابُه يعِدون أُنفسَهم برجوعه بعد أربعين يوماً . واتَّفق زيادةُ دِجْلة تلك السَّنة زيادةً فيها فَضْل ، فادَّعى أصحابُه أنَّ ذلك بسببه ، لأنَّ رمادَهُ خالط الماء . وزعَمَ بعضُهُم : أنَّ المقتول عدوٌ للحلّج ألقي عليه شبهُه . وادَّعى بعضُهُم أنَّه - في ذلك اليوم بعد قتله - رآه راكباً حماراً في طريق النَّهْرُوان ، وقال : لعلَّكم مثلُ هؤلاء البقر الذين ظنُّوا أَنِّي أنا المضروبُ المقتول . وزعم بعضُهُم أنَّ دابَّةٌ حوَّلَتْ في صورته . وأُحضرَ جماعةٌ من الورّاقين، فأحلفوا أن لا يبيعوا من كتب الحلَّج شيئاً ولا يشتروها (١). حسـ (١) انظر خبر استدعاء الحلاج وقتله في ((نشوار المحاضرة)) ٨٧/٦ -٩٢، و((تاريخ بغداد)) ١٣٨/٨ - ١٤١ . ٣٤١ : عن فارس البغداديِّ قال : قُطعت أعضاءُ الحلّاج وما تغيَّر لونُه . وعن أبي بكر العَطُوفي قال : قُطْعت يَدا الحلَّج ورِجْلاهُ وما نَطَّق. السُّلميّ : سمعتُ محمدَ بنَ عبد الله بنٍ شَاذان: سمعتُ محمدٌ بنَ علي الكُتَّانِيَّ يقول: سُئِل الحلَّاجِ عن الصَّبر فقال: أن تُقطع يَدا الرجلِ ورجلاه ، ويسمَّرَ ويُصلَب على هذا الجسر . قال : ففُعل به كلّ ذلك . وعن أبي العباس بن عبد العزيز - رجل مجهول - قال : كنتُ أقربَ الناس من الحلاج حين ضُرب، فكان يقول مع كل سَوط: أَحَدٌ أَحَد . السُّلميّ : سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عليّ ، سمعتُ عيسى القصَّار يقول : آخر كلمةٍ تكلُّم بها الحسين بنُ منصور عند قتله : حسبُ الواحد إفرادُ الواحد له. فما سمعَ بهذه الكلمةِ فقيرٌ إلَّ رَقَّ له واسْتَحِسَنَها منه. قال السُّلمي : وحُكي عنه أنَّه رُؤْيَ واقفاً في الموقف ، والناسُ في الدُّعاء ، وهو يقول: أنزِّهك عمَّا قَرَفَكَ به عبادُك، وأبرأ إليكَ ممّا وحَّدك به الموحّدون . قلت : هذا عينُ الزَّنْدَقَة ، فإنَّهُ تبرَّأ ممَّا وحَّد الله به الموحّدون الذين هم الصَّحابةُ والتابعونَ وسائرُ الأمَّة، فهل وحَّدوه تعالى إلَّ بكلمة الإِخلاص التي قال رسولُ اللهِ وَهَ: ((مَنْ قَالَها مِنْ قَلْبِهِ، فَقَدْ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُه))(١) (١) حديث متواتر ، روي عن عبد الله بن عمر ، وأبي هريرة ، وجابر ، وأنس ، والنعمان ابن بشير ، وأوس بن حذيفة ، وطارق بن أشيم الأشجعي . فأما حديث ابن عمر، فأخرجه البخاري: ٧٠/١-٧١، ومسلم (٢٢) كلاهما في الإِيمان وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري: ٢١١/٣ في أول الزكاة، ومسلم (٢١) في الإِيمان، وأبو داود (٢٦٤٠) والنسائي: ١٤/٥، وأما حديث جابر، فأخرجه مسلم (٢١) (٣٥) والترمذي (٣٣٣٨). وأما حديث أنس ، فأخرجه البخاري: ١ / ٤١٧ في الصلاة : باب فضل استقبال= ٣٤٢ وهي : شهادةُ أنْ لا إلَهَ إلّ اللهُ وأنَّ محمداً رسولُ الله . فإذا برىء الصُّوفيُّ منها ، فهو ملعونٌ زِنديق، وهو صُوفيُّ الزِّيِّ، والظَّاهر، مُتسترٌ بالنسب إلى العارفين ، وفي الباطن فهو من صُوفيَّة الفلاسفة أعداء الرُّسُل ، كما كان جماعة في أيَّام النَّبِيّ ◌َِله منتسبون إلى صُحَيَتِهِ وإلى ملَّتِه، وهم في الباطن من مَرَدَةِ المنافقين، قد لا يعرفُهُم نبيُّ الله وَلي، ولا يعلم بهم . قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ المَدِيْنَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْن﴾ [ التوبة: ١٠١] فإذا جاز على سيِّد البشر أن لا يعلمَ ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات ، فبالأولى أن يخفى حال جماعةٍ من المنافقين الفارغين عن دين الإِسلام بعده عليه السَّلام على العلماء من أمّته ، فما ينبغي لكَ يا فقيهُ أن تُبادر إلى تكفير المسلم إلَّ بُرْهان قَطْعِيّ ، كما لا يسوغ لك أن تعتقد العِرْفان والوِلَايَة فيمن قد تبرهن زَغَلُه، وانهتك باطنُهُ وزَنْدقته ، فلا هذا ولا هذا ، بل العدلُ أنَّ مَنْ رآه المسلمون صالحاً محسِناً ، فهو كذلك، لأنَّهم شهداء الله في أرضه(١)، إذ الأمَّةُ لا تجتمع على =القبلة، وأبو داود (٢٦٤١) والنسائي: ١٠٩/٨، والترمذي (٢٦٠٩). وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه النسائي: ٧٩/٧ - ٨٠. وأما حديث أوس بن حذيفة، فأخرجه النسائي: ٧ /٨٠ - ٨١، وأما حديث طارق بن أشيم الأشجعي، فأخرجه أحمد: ٤٧٢/٣، ومسلم (٢٣) ولفظه بتمامه : ((مَن قال: لا إله إلّ اللّه، وكفر بما يُعبد من دون الله، حرم مالُه ودمُه، وحسابُهُ على الله)) . (١) أخرج البخاري: ١٨١/٣ في الجنائز: باب ثناء الناس على الميت ، ومسلم (٩٤٩) في الجنائز : باب فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى ، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مُرَّ بجنازة، فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي وَ﴿ ((وجَبَتْ)) ثم مروا بأخرى ، فأثنوا عليها شراً، فقال: ((وجَبَتْ)) فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجَبَتْ؟ قال: ((هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة ، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض)). وأخرجه البخاري أيضاً : ١٨٥/٥ في الشهادات : باب تعديل كم يجوز ، بلفظ : ((المؤمنون شهداء الله في الأرض)) وانظر ((المسند)) ١٧٩/٣ و١٨٦ و١٩٧ و٢١١٠ و٢٤٥ و ٢٨١، والترمذي (١٠٥٨) والنسائي: ٤٩/٤ - ٥٠، و((المستدرك)) ٣٧٧/١، ومسند الطيالسي= ٣٤٣ ضَلَالَةٍ(٢)، وأنَّ مَنْ رآه المسلمون فاجراً أو مُنافقاً أو مُبْطِلاً، فهو كذلك، وأنَّ مَنْ كان طائفةٌ من الأمَّة تُضَلِّلُه ، وطائفةٌ من الأمّةِ تُشْني عليه وتبجِّلُه ، وطائفةٌ ثالثةً تقِفُ فيه وتتورَّع من الحطِّ عليه ، فهو ممَّن ينبغي أن يُعْرَض عنه ، وأن يُفوّض أمرُه إلى الله، وأن يُستَغفَرَ له في الجملة، لأنَّ إسلامَهُ أصليٌّ بَيَقِين ، وضلاله مشكوكٌ فيه ، فبهذا تستريحُ ويصفو قلبُكَ من الغِلِّ للمؤمنين . ثم اعلم أنَّ أهل القِبْلة كلَّهم ، مؤمنَهم وفاسقَهم ، وسُنِّيَهُم ومُبْتدِعَهُم - سوى الصَّحابة - لم يُجمعوا على مسلم بأنَّه سعيدٌ ناجٍ ، ولم يُجمعوا على مسلم بأنَّه شقيٍّ هالك، فهذا الصِّدِّيق فرد الأمَّة ، قد علمتَ تفرُّقَهُم فيه ، وكذلك عُمَر ، وكذلك عثمان ، وكذلك عليّ ، وكذلك ابنُ الزّبير، وكذلك الحجّاج ، وكذلك المأمون ، وكذلك بشر المَرِيسي ، وكذلك أحمدُ بنُ حنبل ، والشَّافعيّ ، والبُخاري ، والنَّسائي ، وهلمَّ جراً من الأعيان في الخير والشَّر إلى يومك هذا ، فما من إمامٍ كامل في الخير إلَّ وثمّ أناسٌ مِن جهلة المسلمين ومبتدعيهم يذمُّونه ويحطّون عليه ، وما مِن رأس في (٢٠٦٢) وابن ماجه (١٤٩١). = وأخرج البخاري: ١٨٢/٣ و١٨٥/٥، والترمذي (١٠٥٩) والنسائي: ٥١/٤ من طريق أبي الأسود الديلي قال : أتيت المدينة وقد وقع بها مرض ، وهم يموتون موتاً ذريعاً ، فجلست إلى عمر رضي الله عنه ، فمرت جنازة ، فأُثني على صاحبها خيراً ، فقال عمر رضي الله عنه : وجبت . ثم مرّ بأخرى ، فأُثني على صاحبها خيراً ، فقال عمر رضي الله عنه: وجبت ، ثم مرّ بالثالثة ، فأُثني على صاحبها شراً ، فقال : وجبت . فقال أبو الأسود : فقلت : وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال : قلت كما قال النبي ◌َّة ((أيّما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة))، فقلنا: وثلاثة؟ قال: ((وثلاثة)). فقلنا: واثنان؟ قال: ((واثنان)). ثم لم نسأله عن الواحد . (٢) حديث ((لا تجتمع أمتي على ضلاله)) رواه الترمذي (٢١٦٧) والحاكم: ١١٥/١ من حديث ابن عمر ، ورواه أبو داود (٤٢٥٣) وأحمد في ((مسنده)) ٣٩٧/٦ من حديث أبي بصرة الغفاري ، ورواه ابن ماجه (٣٩٥٠) والحاكم : ١١٦/١ - ١١٧ من حديث أنس ، ورواه أحمد : ١٤٥/٥ من حديث أبي ذر، ورواه الحاكم: ١١٦/١ من حديث ابن عباس ، وفي كلها مقال ، لكنْ يحدث منها قوة للحديث . انظر ((المقاصد الحسنة)) ص - ٤٦٠. ٣٤٤ البدعة والتجهُم والرَّفض إلَّ وله أناسٌ ينتصِرون له ، ويَذُبُّون عنه ، ويَدینون بقوله بهوىٍّ وجهل ، وإنَّما العِبْرة بقول جمهور الأمَّة الخالين(١) من الهوى والجهل ، المتصفين(٢) بالورع والعلم، فتدبر - يا عبدَ الله - نحْلَة الحلَّج الذي هو من رؤوس القرامِطَة ، ودعاة الزَّنْدَقة، وأنصِفْ وتورِّعْ واتَّقِ ذلك ، وحاسِبْ نفسَك، فإنْ تبرهَنَ لك أنَّ شمائل هذا المرء شمائلُ عدوٍ للإِسلام، محبٍ للرئاسة ، حريصٍ على الظهور بباطل وبحق ، فتبرَّأ من نِحْلته ، وإن تبرهن لك والعِيَاذُ بالله، أنَّه كان- والحالة هذه محقاً هادياً مهدياً(٣)، فجدِّدْ إسلامَك واستغِثْ بربِّك أن يوفِّقَكَ للحقِّ ، وأن يثَبِّتَ قلبَكَ على دينه ، فإِنَّما الهُدى نورٌ يقذِفُه اللهُ في قلب عبده المسلم ، ولا قوةَ إلاّ بالله ، وإن شككتَ ولم تعرفْ حقيقته ، وتبرَّأتَ ممَّا رُمِيَ به ، أرحتَ نفسك ، ولم يسألكَ اللهَ عنه أصلاً . السُّلمي : سمعتُ محمد بنَ أحمدَ بنِ الحسن الورَّاق : سمعتُ إبراهيمَ بنَ عبد الله القلانسيَّ الرَّازي يقول: لمّا صُلب الحلاج - يعني في النَّوبة الأولى - وقفتُ عليه، فقال : إلَهي ! أصبحتُ في دار الرغائب أنظر إلى العجائب ، إلَهي ! إِنَّكَ تتودِّدُ إلى مَن يؤذيك ، فكيف لا تتودَّدُ إلى مَنْ يُؤدی فیك . السُّلمي : سمعتُ أبا العبّاس الرَّزي يقول : كان أخي خادماً للحلَّج ، فلمَّا كانت الليلةُ التي يُقتل فيها من الغد قلت : أوصني ياسيّدي . فقال : عليك نفسَكَ ، إن لم تشغلها شَغَلَتْكَ . فلمّا أُخرج كان يتبختر في قيده ويقول : (١) في الأصل: ((الخالون)). (٣) في الأصل: ((محقُّ هادٍ مهديّ)) . (٢) في الأصل: ((المتصفون)). ٣٤٥ الى شَيْءٍ مِنَ الحَيْفِ نَدِيمِي غَيْرُ مَنْسُوب بُ فِعْلَ الضَّيْفِ بالضَّيْفِ سَقَانِي مِثْلَ ما يَشْرَ دعا بالنِّطْعِ والسَّيْفِ فَلَّمَّا دَارَتِ الكَأُسُ مَعَ التّنْين في الصَّيْفِ(١) كَذَا مَنْ يَشْرَبُ الكأسَ ثمَّ قال: ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ، والذين آمنوا مُشفقون منها ، ويعلمون أنَّها الحقّ ﴾ [ الشورى: ١٨ ] ثم ما نطق بعد . وله أيضاً(٢) . لم يَزِدْنِي الورْدُ إلَّ عَطَشَا يا نَسِيمَ الرِّيْحِ قُولي(٣) للرَّشَا رُوحُهُ رُوحِي وَرُوحِي فَلَهُ إِنْ يَشَا شِئْتُ وإِنْ شِئْتُ يَشَا وقال أبو عمر بن حَيّوية : لمّا أُخرجَ الحلّجِ لِيُقتل، مَضَيتُ وزاحمتُ حتى رأيته ، فقال لأصحابه : لا يَهُولنَّكم ، فإِنِّي عائدٌ إليكم بعد ثلاثين يوماً. فهذه حكايةٌ صحيحة توضِّح لك أنَّ الحلَّجِ مُمَخْرِقٌ كذّاب ، حتى عند قتله . وقيل : إنَّه لمّا أُخرج للقتل أنشدَ : فَلَمْ أَرَ لي بأرضٍ مُسْتَقَرًا طَلَبْتُ المُسْتَقَرَّ بِكُلِّ أرضٍ ولو أنِّي قَنَعْتُ لِكُنْتَ حُرّاً(٤) أَطَعْتُ مَطَامِعِي فَاسْتَعْبَدَتْني قال أبو الفرج بنُ الجَوزي: جمعتُ كتاباً سمَّيْتُه: (( القاطع بمحال (١) الأبيات في ((ديوان الحلاج)) ص - ٧٣، وانظر الخبر أيضاً في ((تاريخ بغداد) ١٣١/٨ - ١٣٢، و((المنتظم)) ١٦٣/٦ - ١٦٤، و((أخبار الحلاج)) ص - ٣٤ - ٣٥. (٢) والبيتان في ((ديوانه)) ص - ٦٨ - ٦٩. (٣) في الأصل ((قولا)) وما أثبتناه من الديوان . (٤) الخبر والبيتان في ((تاريخ بغداد)) ١٣٠/٨، و((المنتظم)) ١٦٤/٦، و((وفيات الأعيان)) ١٤٤/٢ . 1 ٠ ٣٤٦ المُحاج بحال الحلّج )). وبلغ من أمره أنَّهم قالوا: إنَّه لَهُ، وإنَّه يُحْيِي المَوْتَی .. قال الصُّولي : أوَّل من أوقع بالحَلَّجِ الأميرُ أبو الحسين عليّ بنُ أحمد الرَّاسِبِيّ ، وأدخله بغداد وغلاماً له على جمَلَين قد شهرهما في سنة إحدى وثلاث مئة ، وكتبَ مَعَهُما كتاباً : إنَّ البيّنة قامت عندي أنَّ الحلَّاجِ يدَّعي الرُّبوبيَّة، ويقول بالحلول . فحُبس مدَّة . قال الصُّولي : قيل : إنَّه كان في أوَّل أمره يدعو إلى الرِّضى مِن آل محمد، وكان يُري الجاهل أشياء من شَعْبَذَته، فإذا وثِق منه دعاه الى أنَّه إلّه. وقيل : إنَّ الوزير حامداً وجد في كتبه : إذا صام الإِنسانُ وواصل ثلاث: أيامٍ وأفطرَ في رابع يومٍ على ورقات مِنْدَبا أغناه عن صوم رمضان ، وإذا صلَّى في ليلةٍ ركعتينٍ من أوَّل اللَّيل إلى الغداة أغنته عن الصَّلاة بعد ذلك ، وإذا تصدَّق بكذا وكذا أغناه عن الزكاة . ذكر ابنُ حَوقل قال : ظهر من فارس الحلَّجِ ينتحلُ النُّسكَ والتَّصُوُف، فما زال يترقّى طَبَقاً عن طَبَقٍ حتى آل به الحالُ إلى أَن زعم : أنَّه مَنْ هذَّبَ في الطّاعة جسمَه ، وشغل بالأعمال قلبَه، وصَبَر عن اللَّذّات ، وامتنع من الشَّهَوات يترقَّ في درج المصافاة ، حتى يَصفو عن البشريَّةِ طبعُه ، فإذا صفا حلَّ فيه روحُ الله الذي كان منه إلى عيسى، فيصير مُطاعاً، يقول للشَّيء: كن ، فيكون ، فكان الحلاج يتعاطى ذلك ويدعو إلى نفسه حتى استمال جماعةً من الأمراء والوزراء ، وملوك الجزيرة والجبال والعامَّة ، ويقال : إنَّ يدَهُ لمَّا قُطعت كتب الدمُ على الأرض : الله الله . قلت : ما صحَّ هذا ، ويمكنُ أن يكونَ هذا من فعلِه بحركة زَنْده . قال محمدُ بن عليِّ الصُّوريُّ الحافظ : سمعتُ إبراهيمَ بنّ محمد بنٍ ٣٤٧ جعفر البزَّاز يقول : سمعتُ أبا محمد الياقوتي يقول: رأيتُ الحلَّج عند الجسر على بقرةٍ ووجهُهُ إلى ذنبها، فسمعتُهُ يقول: ما أنا الحلَّج، ألقى الحلَّج شبهَهُ عليَّ وغاب. فلمّا أدنيَ من الخشبة التي يُصلب عليها ، سمعتُه يقول : يا مُعِيْنَ الضَّنَا عليّ أَعِنِّي عَلَى الضَّنَا قال أبو الحسين بنُ سالم : جاء رجلٌ إلى سهل بن عبد الله ، وبيده محبرةٌ وكتاب ، فقال لسهل : أحببتُ أن أَكتبَ شيئاً ينفعُني اللهُ به . فقال : اكتب : إن استطعتَ أنْ تلقَى اللهَ وبيدك المحبرةُ فافعل . فقال : يا أبا محمد ! فائدة . فقال : الدُّنيا كلُّها جهلٌ إلَّ ما كان علماً، والعِلمُ كلُّه حجّةٌ إلا ما كان عمَلاً، والعملُ موقوفٌ إلّ ما كان على السُّنَّة، وتقوم السُّنّة على التَّقوى . وعن أبي محمد المُرْتَعِش قال : مَنْ رأيتَه يدَّعي حالاً مع الله باطنةً ، لا يدلُّ عليها أو يشهدُ لها حفظٌ ظاهر ، فاتَّهِمْهُ على دينه . قيل : إنَّ الحلََّجِ كتب مرَّة إلى أبي العبّاس بنِ عطاء: كَتَّبْتُ الى رُوْجِي بِغَيْرِ كِتَابٍ كَتَبْتُ وَلَمْ أَكْتُبْ إِلَيْكَ وإنَّما وبَيْنَ محبِّيَّها بفصلِ خِطابٍ وذاكَ لَأَنَّ الرُّوحَ لا فَرْقَ بَيْنَها إِلَيْكَ بلا رَدِّ الجوابِ جَوَابِي(١) فَكُلُّ كتابٍ صادرٍ منكَ وارد وقد ذكر الحلاج أبو سعيد النَّقَاش في ((طبقات الصُّوفيَّة)) له ، فقال : منهم من نَسَبَه إلى الزَّنْدَقة، ومنهم من نَسَبه إلى السِّحْر والشَّعْوذة . (١) ((ديوان الحلاج)) ص - ٤٢، و((تاريخ بغداد)) ١١٥/٨، و((أخبار الحلاج)) ص - ١١٩ - ١٢٠ . ٣٤٨ وقفت على تأليف أبي عبد الله بن باكويه الشِّيرازيٍّ في حال الحلاج فقال : حدَّثني حمدُ بنُ الحلَّاجِ: أنَّ نصراً القُشُوريَّ لمِّا اعتُقِل أبي استأذنَ المقتدر أن يبني له بيتاً في الحبس ، فبنى له داراً صغيرة بجنب الحبس ، وسدُّوا باب الدار، وعملوا حواليه سُوراً، وفَتحوا بابَه إلى الحبس ، وكان الناسُ يَدْخُلون عليه سنة، ثمَّ مُنِعوا ، فبقيَ خمسةً أشهرٍ لا يَدخُل عليه أحد إلاّا مرَّةً رأيتُ أبا العبّاس بن عطاء دخل عليه بالحِيْلة ، ورأيتُ مرةً أبا عبد الله بن خَفيف وأنا برًّا عند والدي ، ثمَّ حَبَسُوني معه شهرينٍ ولي يومئذٍ ثمانيةَ عشرَ عاماً ، فلمَّا كانتِ الليلةُ التي أُخرج من صَبِيْحتها ، قام فصلَّى ركعات ، ثمَّ لم يزل يقول: مَكرٌ مَكر، إلى أن مضى أكثرُ الليل، ثمَّ سكتَ طويلاً ، ثم قال : حَقٌ حَقّ ، ثم قام قائماً وتغطّى بإزار، واتّزر بمئزر ، ومدَّ يَدْيِه نحو القِبلة ، وأخذ في المناجاة يقول : نحنُ شواهدُك نلوذ بسَنَا عِزَّتك لتبديَ ما شئتَ من مشيئتك ، أنتَ الذي في السماء إلّهُ وفي الأرض إلَه ، يا مُدهِّر الدُّهور، ومصوِّرَ الصُّوَر، يا مَنْ ذَلَّت له الجواهر ، وسجدتْ له الأعراض ، وانعقدتْ بأمره الأجسام ، وتصوَّرتْ عنده الأحكام ، يا مَنْ تجلّى لما شاء كما شاء كيف شاء ، مثل التجلِّي في المشيئة لأحسن الصُّورة . وفي نسخة : مثل تجلِّيك في مشيئتك كأَحسن الصُّورة . والصُّورة هي الرّوح الناطقة التي أفردته بالعِلم والبيان والقُدرة . ثمَّ أوعزتَ إليَّ شاهدَكَ [لأني] في ذاتِكَ الهُويّ لمَّا أَردتَ بدايتي ، وأَبديتَ حقائقَ علومي ومُعجزاتي ، صاعداً في مَعارجي إلى عروش أُوْليائي عند القول من برياتي . إنِّي أحتضرُ وأَقتل وأُصلَبُ وأُحرق ، وأُحمل على السَّافيات الذَّاريات ، وإن الذَّرة من ينجوج مظانِّ هيكل متجلّياتي لَأَّعظم من الرَّاسِيات . ثمَّ أنشأ يقول : أَنْعِى إِلَيْكَ نُفُوساً طاحَ شاهِدُها فِيما ورا الغَيْبِ أو في شاهِدِ القِدَمِ ٣٤٩ .. ' == أَنْعِى إِلَيْكَ عُلوماً طالَمَا هَطَلَتْ أَنْعِى إِلَيْكَ لِسَانَ الحقِّمُذْ زَمَنِ أُنعى إِلَيْكَ بَياناً تَسْتَسِرُّ لهُ أَنْعِى إِلَيْكَ إشاراتِ العُقولِ معاً أَنعى- وحقّك- أَخْلاماً لِطائِفَةٍ مَضَى الجميعُ فلا عَيْنٌ ولا أَثَرٌ وخلَّقُوا مَعْشَراً يَجْدُونَ لِيَسَتَهُم سحائِبُ الوَحْيِ فيها أبحُرَ الحِكَمِ أَوْدِى وَتَذْكَارُهُ كالوَهْمِ فِي العَدَمِ أقوالُ كلِّ فَصيحٍ مِقْوَلٍ فَهِمِ لم يَبْقِ مِنْهُنَّ إلَّ دارسُ العَلَم كانَتْ مَطاياهُمُ مِنْ مَكْمَدِ الكِظَمِ مُضِيَّ عادٍ وفِقدانَ الأُولى إرَمِ أعمى من البَهم بلْ أَعْمى مِنَ النَّعَمِ (١) ثم سكت ، فقال له خادمُهُ أحمدُ بنُ فاتك: أوصِني . قال : هي نفسُك ، إنْ لم تشغلْهَا شَغَلَتْك . ثمَّ أُخرج وقُطعت يداه ورِجْلاه بعد أن ضُرب خمس مئة سَوط، ثمَّ صُلب، فسمعتُهُ وهو على الجِذع يُناجي ويقول : أصبحتُ في دارِ الرَّغائبِ أنظر إلى العجائب . فهكذا هذا السّياق أنّه صُلب قبل قطع رأسِه . فلعلّ ذلك فُعل بعضَ نهار . قال : ثمَّ رأيتُ الشِّبليَّ وقد تقدَّم تحت الجذع وصاح بأعلى صوته يقول : أَولم نَنْهَكَ عن العالمين . ثم قال له : ما التصوُّف ؟ قال : أهوَنُ مرقاةٍ فيه ما ترى . قال: فما أعلاه ؟ قال : ليس لك إليه سبيل ، ولكنْ سترى غداً ما يجري ، فإنَّ في الغيب ما شهدتَه وغاب عنك . فلمَّا كان العشيُّ جاء الإِذن من الخليفة أنْ تُضربَ رقبته، فقالوا: قد أمسَيْنا ويُؤْخَّر إلى الغداة . فلمَّا أَصْبَحْنَا أُنزِلَ وقُدِّم لتضربَ عُنُقه ، فسمعتُهُ يصيح بأعلى صوته : حسبُ الواحِدِ إفرادُ الواحِد له. ثمَّ تلا: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذِيْنَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا، والذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها﴾ (١) الأبيات في ((ديوانه)) ص - ٢٤ - ٢٥، وانظر أيضاً ((تاريخ بغداد)) ١٣٠/٨، و((أخبار الحلاج)) ص - ١٢، و((البداية والنهاية)) ١٤٢/١١. وقد وردت في الديوان كلمة ((الرمم)) بدل ((العلم)) في البيت الخامس . ٣٥٠ [الشورى: ١٨] فهذا آخرُ كلامه ، ثمَّ ضُربتْ رقبتُه ، ولُفَّ في باريّة، وصُبَّ عليه النَّقْط ، وأحرق، وحُمل رمادُه إلى رأس المنارة لتسفيه الرِّياح. فسمعتُ أحمدَ بنَّ فاتك تلميذ والدي يقول بعد ثلاث : قال : رأيتُ كأنِّي واقفٌ بينَ يَدي ربِّ العِزَّة ، فقلتُ : يا ربّ ما فعل الحسّينُ بنُ منصور؟ فقال : كاشفتُهُ بمعنَّى ، فدعا الخلقَ إلى نفسه ، فأنزلتُ به ما رأيت . قال ابنُ باكويه : سمعتُ ابنَ خفيف يسأل : ما تعتقدُ في الحلَّج؟ قال : أعتقد أنَّه رجلٌ مِن المسلمينَ فقط . فقيل له : قد كفَّرهُ المشايخ وأكثرُ المسلمين . فقال : إنْ كانَ الذي رأيتُه منه في الحَبْس لم يكن توحيداً . فليس في الدُّنيا توحید . قلت : هذا غلطٌّ من ابن خفيف ، فإنَّ الحلاج عند قتله ما زال يوحِّدُ اللهَ ويصيح : الله الله في دمي ، فأنا على الإِسلام . وتبرّأ مما سوى الإِسلام. والزّنديقُ فيوحِّد الله علانية، ولكن الزَّندقة في سِرَّه. والمنافقون فقد كانوا يوحِّدون ويصومون ويُصلُّون علانية ، والنِّفاقُ في قلوبهم ، والحلََّج فما كان حماراً حتى يُظهر الزَّندقةَ بإزاء ابن خفيف وأمثاله ، بل كان يبوحُ بذلك لمن استوثق من رباطه ، ويمكن أن يكون تزندق في وقت ، ومَرَق وادّعى الإلهية ، وعمل السِّحر والمخاريق الباطلة مدَّة ، ثمّ لما نزل به البلاء ورأى الموتَ الأحمر أسلمَ ورجع إلى الحقّ ، والله أعلمُ بسرِّه، ولكن مقالته نبرأُ إلى الله منها، فإنَّها محضُ الكفر ، نسأل الله العفو والعافية ، فإنَّه يعتقدُ حلول البارىء - عزَّ وجلَّ - في بعض الأشراف ، تعالى الله عن ذلك . كان مقتل الحلّج في سنة تسعٍ وثلاث مئة لستُّ بَقينَ من ذي القَعْدة . قرأتُ بخطٌّ العلَّمة تاج الدين الفَزاري قال : رأيتُ في سنةٍ سبعٍ وستينَ وستِّ مئة كتاباً فيه قصَّة الحلاج ، منه: عن إبراهيم الحُلواني قال : دخلتُ ٣٥١ على الحسينِ بنِ مَنْصور بين المَغربِ والعَتّمَة ، فوجدتُهُ يصلِّي ، فجلستُ كأنَّه لم يحسّ بي، فسمعتُهُ يقرأ سورة البقرة، فلمَّا ختمها ، ركع وقام في الرُّكوع طويلاً، ثمّ قام إلى الثانية ، قرأ الفاتحة وآل عِمْران ، فلمَّا سلَّم تكلّم بأشياء لم أَسمعها ، ثمَّ أخذ في الدُّعاء ، ورفع صوتَه كأنَّه مأخوذٌ من نفسه وقال : يا إلّه الآلهة ! وربَّ الأَرباب! ويا مَنْ لا تأخذه سِنَة! رُدَّ إليَّ نفسي لئلا يُفْتتن بي عبادُك، يا مَن هو أنا وأَنا هو! ولا فرقَ بين إِنَّتِي وَهُويتك إلّ الحدَثَ والقِدَم . ثمَّ رفع رأسَه ونظر إليَّ وضِكَ في وجهي ضحكات ، ثمَّ قال لي: یا أبا إسحاق ! أما تری إلی رِّي ضرب قدمهُ في حدثي حتی استهلك حدثي في قِدَمه ، فلم تبقَ لي صفةٌ إلَّ صفة القِدَم ، ونُطقي من تلك الصِّفة، فالخلقُ كلُّهم أحداثٌ ينطقون عن حَدَثَ ، ثمَّ إذا نطقتُ عن القِدم ينكرون عليَّ ويَشهدون بكفري ، وسيسعَوْنَ إلى قتلي ، وهم في ذلك معذورون ، وبكلِّ ما يفعلونَ مأجورون . وعن عثمان بنِ معاويةَ - قيِّم جامع الدِّيْنَور - قال: باتَ الحسينُ بنُ منصور في هذا الجامع ومعه جماعة ، فسأله واحدٌ منهم فقال : يا شيخ ! ما تقول فيما قال فرعون ؟ قال : كلمة حق . قال : فما تقول فيما قال موسى عليه السَّلام ؟ قال : كلمة حق ، لأنَّهُما كلمتانٍ جرتا في الأبد كما أجرِيَتا في الأزل . وعن الحسين قال : الكفرُ والإِيمان يفترقانٍ من حيثُ الاسم ، فأمَّا من حيثُ الحقيقة ، فلا فرقَ بينَهُما . عن جندب بن زاذان تلميذِ الحسينِ قال : كتبَ الحسينُ إليّ : بسم الله المتجلِّي عن كل شيء لمن يشاء، والسَّلام عليكَ يا ولدي ، ستر الله عنك ظاهر الشَّريعة ، وكشفَ لكَ حقيقةً الكفر ، فإنَّ ظاهر الشريعة كفر ، وحقيقة ٣٥٢ الكفر معرفةٌ جليَّة ، وإِنِّي أُوصِيك أن لا تغترَّ بالله ، ولا تأیسْ منه ، ولا ترغب في محبَّته ، ولا ترضى أن تكون غيرَ مُحب ، ولا تقل بإثباته ، ولا تمِل إلى نفيه ، وإياكَ والتَّوْحيد ، والسَّلام . وعنه قال : مَنْ فرَّق بين الإِيمان والكفر ، فقد كفر ، ومَنْ لم يفرِّق بينَ المؤمن والكافر ، فقد كفر . وعنه قال : ما وحَّد الله غيرُ الله . آخر ما نقلته من خط الشيخ تاج الدين . ذكرَ محمدُ بنُ إسحاقَ النَّديم(١) الحسَينَ الحلَّجَ وحطّ عليه ، ثمَّ سرَدَ أسماء كتبه: كتاب ((طاسين الأول))، كتاب ((الأحرف المحدثة والأزليَّة))، كتاب ((ظل ممدود))، كتاب ((حمل النور والحياة والأرواح))، كتاب ((الصهور))، كتاب ((تفسير: قل هو الله أحد))، كتاب ((الأبد والمأبود))، كتاب ((خلق الإِنسان والبيان))، كتاب ((كيد الشَّيطان))، كتاب (( سر العالم والمبعوث))، كتاب ((العدل والتوحيد))، كتاب (( السِّياسة))، كتاب (( علم الفناء والبقاء))، كتاب ((شخص الظلمات))، كتاب ((نور النُّور)) ، كتاب ((الهياكل والعالم))، كتاب ((المثل الأعلى)) كتاب ((النقطة وبدو الخلق)) كتاب ((القيامات)). كتاب ((الكبر والعظمة))، كتاب ((خزائن الخيرات))، كتاب ((موائد العارفين))، كتاب ((خلق خلائق القرآن))، كتاب (( الصدق والإِخلاص))، كتاب ((التوحيد))، كتاب ((النجم إذا هوى))، كتاب ((الذاريات ذرواً)) ، کتاب « هوهو )) كتاب (( کیف کان وکیف یکون )» ، کتاب ((الوجود الأول))، كتاب ((لا كيف))، كتاب (( الكبريت الأحمر))، كتاب (١) في الفهرست ص - ٢٦٩ - ٢٧٢ . ٣٥٣ ((الوجود الثاني))، كتاب ((الكيفيَّة والحقيقة))، وأشياء غير ذلك. ٢٠٦ - محمَّدُ بنُ زَكَرِيًا * الأستاذ الفيلسوف ، أبو بكر ، محمد بن زكريا الرازي الطّبيب ، صاحب التَّصانيف ، من أذكياء أهل زمانه ، وكان كثيرَ الأسفار ، وافِرَ الحرمة ، صاحب مروءةٍ وإيثارٍ ورأفةٍ بالمرضى ، وكان واسعَ المعرفة ، مكبّاً على الاشتغال ، مليحَ التّليف ، وكان في بصره رطوبة لكثرة أكله الباقِلِى ، ثمَّ عَمي . أخذ عن البلخيِّ الفيلسوف ، وكان إلیه تدبیر بیمارستان الرَّي ، ثمَّ کان على بيمارستان بغداد في دولة المكتفي ، بلغ الغاية في علوم الأوائل . نسأل الله العافية . وله كتاب: ((الحاوي)) ثلاثون مجدّداً في الطَّب، وكتاب ((الجامع)) ، وکتاب (( الأعصاب )). وکتاب « المنصوري )) صنّفَهُ للملك منصور بن نوح السَّاماني(١) . وقيل : إنّ أول اشتغاله كان بعد مضيٍّ أربعينَ سنةً من عمره ، ثمَّ اشتغل على الطبيب أبي الحسن عليٍّ بن رَبَّن الطَّبَريّ(٢) ، الذي كان مسيحياً ، فأسلم ، وصنَّف . فهرست ابن النديم: ٥٠٤، تاريخ الحكماء : ٢٧١ - ٢٧٧، عيون الأنباء : ٤١٤ - ٤٢٧، وفيات الأعيان: ١٥٧/٥ -١٦١، العبر: ١٥٠/٢، دول الإسلام: ١٨٨/١، الوافي بالوفيات: ٧٥/٣٠ -٧٧، نكت الهميان: ٢٤٩ - ٢٥٠، مرآة الجنان: ٢٦٣/٢ - ٢٦٤، البداية والنهاية: ١٤٩/١١، النجوم الزاهرة: ٢٠٩/٣، مفتاح السعادة: ٢٦٨/١ - ٢٦٩، شذرات الذهب: ٢٦٣/٢، روضات الجنات: ١٦٥ - ١٦٦. (١) أخبار الملك منصور مبثوثة في الجزء الثامن من ((الكامل في التاريخ)). انظر: ص - ٥٧٧، ٦٢٦، ٦٧٣ ٠٠٠ (٢) انظر ترجمته في ((عيون الأنباء)) ص - ٤١٤. والرَّبن: المتقدم في شريعة اليهود . ٣٥٤ : وكان لابن زكريّا عدة تلامذة، ومن تأليفه كتاب: ((الطُّب الرُّوحاني))، وكتاب: ((إن للعبد خالقاً))، وكتاب: ((المدخل إلى المنطق))، وكتاب : ((هيئة العالم))، ومقالة في اللَّذة، وكتاب: ((طبقات الأبصار))، وكتاب : ((الكيمياء وأنها إلى الصِّحة أقرب)) وأشياء كثيرة . وقد كان في صباه مغنِّياً يُجيد ضربَ العُود . توفي ببغداد سنةً إحدى عشرةً وثلاث مئة . ٢٠٧ - ابنُ المَغْلُوب * القاضي المعمَّر، أبو عمر ، ميمون بن عمر بن المغلوب المغربيُّ الإِفريقيّ، خاتمة تلامذة سُحنون، وقد حجَّ وسمع ((الموطّأ)) من أبي مصعب الزهري . ذكره القاضي عياض في المالكية . قال ابنُ حارث : أدركتُهُ شيخاً كبيراً مُقعداً ، وليَ قضاء القَيْروان ، وقضاء صِقَلِّيَة . وقال عبدُ اللهِ بنُ محمد المالكي في ((تاريخه)): كان صالحاً ، دَيِّناً ، فاضلاً ، معدوداً في أصحاب سُحنُون . وليَ مظالم القَيْروان ، ثم قضاء صقلَّة، فأتاها بِفَروةٍ وَجُبَّةٍ وخُرْجٍ فيه كُتُبِه ، وسوداء تخدُمُه ، فكانت تغزل وتُنْفِقِ عليه من ذلك ، ثمَّ خرج من صقلِّية كما دخل إليها . * معالم الإيمان: ٣٥٦/٢ -٣٥٧، العبر: ١٨٤/٢، الديباج المذهب: ٣٢٨/٢، شذرات الذهب : ٢٨٧/٢ . ٣٥٥ توفيَ سنة عشرٍ وثلاث مئة ، وكان أسندَ شيخٍ بالمغرب . ٢٠٨ - حَامدُ بنُ العَبَّاسِ * الوزير الكبير ، أبو الفضل الخراسانيُّ ثمَّ العراقيّ ، كان من رجال العالم ، ذا شجاعة وإقدام ، ونقض وإبرام . قال الصُّولي : تقلَّد أعمالاً جليلةً من طساسيج(١) السّواد ، ثمَّ ضمن خراج البَصرة وكور دِجْلة مع إشراف كَسْكَر(٢) مدَّةً في دولة ابن القُرات ، فكان يعمرُ ويُحسِن إلى الأكّارين ، ويرفع المؤن حتّى صار لهم كالأب ، وكثرت صدقاتُه ، ثمَّ وَزَرَ وقد شاخ . قلت : وكان قبلُ على نظر فارس ، وكان كثير الأموال والحَشَم ، بحيث صار له أربع مئة مملوك في السِّلاح ، تأمر منهم جماعة، فعزل المقتدر ابنَ الفُرات بحامد في سنة ستُّ وثلاث مئة ، فقدم في أُبْهَةٍ عظيمة ، ودبَر الأمور ، فظهر منه نقصٌ في قوانين الوِزَارة وحِدَّة ، فضَمُّوا إليه عليّ بن عيسى الوزير ، فمشى الحال . ولحامد أثرٌ صالح في إهلاك حسين الحلّج يدلُّ على إسلام وخيْر . يقال : مولده في سنة ثلاثٍ وعشرين ، وسمع من عثمان بن أبي شَيْبة . وما حدَّث . ذيول تاريخ الطبري: ٢١٣ - ٢١٥، نشوار المحاضرة: ٢٢/١ -٢٤ وغيرها ، ٠ المنتظم: ١٨٠/٦ - ١٨٤، الكامل في التاريخ: ١٠/٨-١٢ و١٣٩ - ١٤١، العبر: ١٥١/٢ - ١٥٢، البداية والنهاية: ١٤٩/١١، النجوم الزاهرة: ٢٠٨/٣ -٢٠٩، شذرات الذهب : ٢٦٣/٢. (١) الطساسيج: جمع طُّوج، وهو الناحية. واللفظ معرّب، انظر ((تاج العروس)) مادة: طسج . (٢) انظر ((معجم البلدان)) ٤ /٤٦١ . ٣٥٦ وفي سنة ثمان ضمن حامد سائر السَّواد ، وعَسَفَ ، وغَلَت الأسعار ، فثارت الغوغاء وهُمُّوا به ، فشدَّ عليهم مماليكه ، فثبتوا لهم ، وعظم الخطب ، وقتل جماعة فاستضرّت الغوغاء ، وأحرقوا الجسر، ورجموا حامداً في الطَيَّارِ(١)، وكان مع جبروته جواداً مِعطاءاً . قال هاشمي (٢) : كان من أوسع من رأيناه نفساً ، وأحسنهم مروءة ، وأكثرهم نعمة ، يَنصِبُ في داره عدَّة موائد ، ويُطعم حتّى العامةُ والخَدَم ، يكون نحو أربعين مائدة. رأى في دِهْليزه قِشر باقِلَّى، فقال لوكيله : ماهذا ؟ قال : فعل البَوَّابين . فسُئِلوا، فقالوا : لنا جِرَايةٌ ولحم نؤدّيه إلى بيوتنا؟ فرتَّب لهم . ثمّ رأى بعدُ قشوراً فشاط ، وكان يَسفُه ، ثم رتَّب لهم مائدةً وقال : لئن رأيتُ بعدها قِشْراً لأضربنَّك بالمقارع . وقيل : وُجد في مرحاضٍ له أکیاس فيها أربع مئة ألف دینار . كانيدخل للحاجة في كمِّه كيسٌ فيلقيه ، فأخذوا في نكبته(٣) . ولمّا ◌ُزل حامد وابنُ عيسى وأُعيد ابن الفُرات عذَّب حامداً . قال المسعودي : كان في حامد طيش ، كلَّمه إنسان ، فقلب حامد ثيابَه على كتفه وصاح : ويلكم ! عليَّ به . قال : ودخلتْ عليه أُمُّ موسى القَهْرمانة ، وكانت عظيمة المحل ، فخاطبته في طلب المال ، فقال : اضرِطي والتّقطي ، واحسُبي لا تَغلطي . (١) الخبر في ((النجوم الزاهرة)) ١٩٨/٣، والطيار: زورق فخم لركوب العظماء، يدل اسمه على أنه سريع الجريان . (٢) هو القاضي أبو الحسن ، محمد بن عبد الواحد الهاشمي ، والخبر في ((نشوار المحاضرة)) ٢٢/١ - ٢٣. (٣) ((نشوار المحاضرة)) ٢٤/١. ٣٥٧ فخجَّلها ، وسمع المقتدر فضحك ، وأمَرَ قيانَه فغنّين بذلك . ولقد تجلَّد حامد على العذاب ، ثمَّ نفّذ إلى واسط، فسُمَّ في بيض ، فتلف بالإسهال . وقيل : تكلُّم الملا بما فيه من الحِدَّة وقلَّة الخبرة ، فعاتب المقتدرُ أبا القاسم الحُوّاري ، وكان أشارَ به . وقيل : أقبل حامد على مصادرة ابن الفُرات ، ووقع بينَهُ وبين شريكه ابنِ عيسى مشاجراتٌ في الأموال حتى قيل : أَعْجَبُ مِنْ مَا تَرَاهُ أَنَّ وَزِيْرَيْنٍ في بلاد هذا سَوادٌ بِلا وَزِير ◌َذَا وَزِيرٌ بِلا سَواد ثم عذَّب حامدٌ المحسّنَ - ولدَ ابن الفُرات، وأخذ منه ألف ألفدينار ، ثمَّ صار أعباء الوزارة إلى ابن عيسى ، وبقي حامد كالبطّال إلَّ من الاسم وركوب الموكب ، وبانللمقتدرذلك ، فأفردابنَ عیسی بالأمر ، واستأذن حامد في ضمان أصبهان وغيرها ، فأذن له ، وقيل : صَارَ الوَزِيْرُ عَامِلاً لِكَاتِهِ يَأْمُلُ أَنْ يَرْفُقَ فِي مَطَالِهِ لِيَسْتَدِرَّ النَّفْعَ مِنْ مَكَاسِبِهِ قال التَّنوخي : حدَّثني أبو عبد الله الصَّيْرفي، حدَّثني أبو عليِّ التاجر قال: ركب حامد بواسط إلى بستانه ، فرأى شيخاً يُوَلْوِلُ وحوله عائلة ، قد احترق بيتُه ، فرقَّ له ، وقال لوكيله : أريد منك أن لا أرجع العشيَّة إلَّ ودارُهُ جديدة بآلاتها ، وقماشها فبادر وطلب الصُنّاع وصب الدراهم ، ففرغت العصر ، فرد ٣٥٨ العتمةَ فوجدها مفروغة ، وضجُّوا له بالدُّعاء ، وزاد رأس مال صاحبها خمسة آلاف درهم . وقيل : إنَّ تاجراً أخذ خبزاً بدرهم ليتصدَّق به بواسط ، فما رأى فقيراً يعطيه ، فقال له الخباز : لا تجدُ أحداً ، لأن جميع الضُّعفاء في چِراية حامد . قال الصُّولي : وكان كثيرَ المُزاح ، سَخِيّاً ، وكان لا يرغب في استماع الشِّعر، وكان إذا خولف في أمر يصيح ويَحْرَد، فَمَن داراه انتفع به . قال نفطويه : سمعتُه يقول : قيل لبعض المجانين : في كم يتجنْن الرّجل ؟ فقال : ذاك إلى صبيان المحلَّة . وكان ثالث يوم من وزارته قد ناظر ابن الفرات ، وجبهه ، وأفحش له ، وجذب بلحيته ، وعذَّب أصحابه ، فلما انعكس الدَّسْتُ ، وعُزِلَ بابن الفرات ، تنمّر له ابنُ الفرات ، وويَّخَه على فعاله ، فقال: إن كان ما استعملتُهُ فيكم أَثْمَرَلي خيراً فزيدوا منه ، وإن كان قبيحاً وصيَّرني إلى التحكّم فيَّ ، فالسعيدُ مَن وُعظ بغيره . قال الصُّولي: فسُلِّم حامد إلى المحسّن ، فعذَّبه بألوان العذاب ، وكان إذا شرب أخرجَهُ وألبسَهُ جلد قِرد ، ويُرقِّصُ فُيُصفَع ، وفُعل به ما يُستحیی من ذكره ، ثم أُحدر إلى واسط ، فسُقي، وصلَّى الناس على قبره أياماً . قال أحمد بن كامل : توفيَ بواسط ، ثم بعد أيَّام ابن الفرات نُقل فدُفِن ببغداد . وسمعته يقول : ولدتُ سنة ثلاثٍ وعشرين ، وأبي من الشهاردة . قلت : موتُهُ كان في رمضان سنّةَ إحدى عشرةَ وثلاث مئة . ٣٥٩ ٢٠٩ - الزَّجَّاج * الإِمامُ ، نحويُّ زمانه ، أبو إسحاق ، إبراهيم بن محمد بن السَّريِّ الَّجاج البغدادي، مصنف كتاب: ((معاني القرآن))، وله تآليف جمّة . لزم المبرِّد، فكان يعطيه من عمل الزُّجاج كلَّ يوم درهماً، فنصَحّه وعلَّمه . ثمَّ أَدَّب القاسم بن عبيد الله الوزير ، فكان سبب غناه، ثمَّ كان من نُدماء المعتضد . مات سنة إحدى عشرةً وثلاث مئة ، وقيل : مات في تاسع عشر جُمادى الآخرة سنة عشرة . وله كتاب: ((الإِنسان وأعضائه))، وكتاب: ((الفرس))، وكتاب: ((العَروض))، وكتاب: ((الاشتقاق))، وكتاب: ((النَّوادر))، وكتاب: ((فعلت وأفعلت)). وكان عزيزاً على المعتضد ، له رزق في الفُقَهاء ، ورزق في العُلَماء، ورزق في النُّدَماء ، نحو ثلاث مئة دينار . ويقال : توفي سنة ست عشرة . أخذ عنه العربية أبو عليَّ الفارسيّ ، وجماعة . : طبقات النحويين واللغويين: ١١١ - ١١٢، فهرست ابن النديم : ٩٠ - ٩١، تاريخ بغداد: ٨٩/٦ -٩٣، الأنساب: ٢٧٢/أ، نزهة الألباء: ٢٤٤ - ٢٤٦، المنتظم: ١٧٦/٦ - ١٨٠، معجم الأدباء: ١٣٠/١ -١٥١، الكامل في التاريخ: ١٤٥/٨، إنياه الرواة: ١٥٩/١ - ١٦٦، تهذيب الأسماء واللغات: ١٧٠/٢ - ١٧١، وفيات الأعيان: ٤٩/١ - ٥٠، العبر: ١٤٨/٢، دول الإسلام: ١٨٨/١، الوافي بالوفيات: ٣٤٥/٥ - ٣٥٠، مرآة الجنان: ٢٦٢/٢، البلغة في تاريخ أئمة اللغة: ٥ - ٦، النجوم الزاهرة: ٢٠٨/٣، بغية الوعاة: ٤١١/١ -٤١٣، مفتاح السعادة: ١٣٤/١ - ١٣٥، شذرات الذهب : ٢٥٩/٢ - ٢٦٠. ٣٦٠