Indexed OCR Text

Pages 401-420

وكنتُ أختلِفُ إلى الفقهاء بمَرو وأنا صبيٍّ ، فإذا جئتُ أستحبي أن
أُسَلُّم عليهم ، فقال لي مُؤَدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليومَ ؟ فقلتُ: اثنين،
وأردتُ بذلك حديثين، فضحك مَنْ حَضر المجلسَ . فقال شيخٌ منهم : لا
تضحكوا ،فلعلَّه يضحكُ منكم يوماً !!
وسمعته يقول: دخلتُ على الحُميدي وأنا ابنُ ثمان عشرة سنة، وبينَه
وبين آخَرَ اختلافٌ في حديث، فلما بَصُر بي الحميديُّ قال: قد جاء من
يفصِلُ بيننا، فعرضا عليَّ، فقضيتُ للحُميدي على من يُخالِفُه، ولو أنَّ
مخالِفَهُ أصرَّ على خلافه، ثم مات على دعواهُ، لمات كافراً .
أخبرنا أبو علي بنُ الخلال، أخبرنا أبو الفضل الهَمْداني، أخبرنا
السِّلَفيُّ، أخبرنا أبو على البَرداني، وابنُ الطَّيُرِي، قالا: أخبرنا هَنَّدُ بنُ
إبراهيم، أخبرنا محمدُ بن أحمد غُنجار، أخبرنا خَلَفُ بنُ محمد الخَيَّامِ،
سمعتُ الفضلَ بن إسحاق البَزَّاز، حدثنا أحمدُ بن منهال العابد، حدثنا أبو
بكر الأَعْيَن قال: كتبنا عن البُخاري على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي،
وما في وجهه شَعْرَةٌ . فقلنا: ابنُ كَمْ أنتَ؟ قال: ابن سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَّةً(١).
وقال خَلَفْ الخيّامِ : سمعتُ إبراهيمَ بنَ مَعْقِل ، سمعتُ أبا عبد الله
يقول: كنتُ عند إسحاق بن راهَوَيْهِ، فقال بعضُ أصحابنا: لو جمعتُم كتاباً
مختصِراً لسُنَّنِ النبيِّ ◌َ﴿، فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمعٍ هذا
الكتاب(٢) .
(١) ((طبقات السبكي)) ٢١٧/٢.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٩/٢، و(تهذيب الكمال)): ١١٦٩، و(طبقات السبكي))
٢٢١/٢.
٤٠١

وعن ..... (١) أنَّ البخاريَّ قال: أخرجتُ هذا الكتابَ من زُهاء
ستِّ مئة الف حديث .
أنبأنا المُؤَملُ بن محمد وغيره، أنبأنا أبو اليُمْنِ الكِنْدِيُّ، أخبرنا أبو
منصور القَزَّاز، أخبرنا أبو بكر الخطيب، حدثني عليُّ بن محمد العطّر
بالرِّي، سمعتُ أبا الهيثم الكُشْمِيهَنِيِّ، سمعتُ الفِرَبْرِيُّ يقولُ: قال لي
محمدُ بن إسماعيل: ما وضعتُ في كتابي (( الصحيح )) حديثاً إلا اغتسلت
قبل ذلك، وصلَّيتُ ركعتين(٢) .
أخبرنا ابنُ الخلال، أخبرنا الهَمْدانيُّ، أخبرنا السِّلفيُّ، أخبرنا أبو عبد
الله الرازي، حدثنا عبدُ الله بن الوليد، أخبرنا أحمدُ بن الحسن بن بُنْدار،
أخبرنا أبو احمد بنُ عَدِي، سمعتُ الحسنُ بن الحُسين البَزَّاز، سمعتُ
إبراهيم بن مَعْقِل، سمعتُ البخاريَّ يقولُ: ما أدخلتُ في هذا الكتاب إلا ما
صحَّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب(٣).
وقال أبو جعفر محمدُ بنُ أبي حاتِم، قلتُ لأبي عبد الله : تَحَفَظُ
(١) بياض في الأصل. وكذا في نسخة أحمد الثالث. وجاء في ((طبقات الحنابلة))
٢٧٤/١، ٢٧٥: أخبرنا أبو بكر أحمد بن ثابت المحدث ، قال : كتب إلي علي بن أبي حامد ،
محمد الأصفهاني يذكر أن أبا أحمد محمد بن أحمد بن مكي الجرجاني حدثهم ، قال : سمعت
السعداني يقول : سمعت بعض أصحابنا يقول : قال محمد بن إسماعيل : أخرجت هذا
الكتاب - يعني: ((الصحيح)) - من زهاء ست مئة ألف حديث. وكذا هو في ((تاريخ بغداد))
٨/٢، و(تهذيب الكمال)): ١١٦٩.
(٢) ((طبقات الحنابلة)) ٢٧٤/١، و(تاريخ بغداد)) ٩/٢، و((تهذيب الأسماء
واللغات)) ١/٧٤/١، و((وفيات الأعيان)) ١٩٠/٤، و(تهذيب الكمال)): ١١٦٩؛
و((طبقات السبكي)) ٢٢٠/٢، و((مقدمة الفتح)): ٤٩٠.
(٣) ((طبقات الحنابلة)) ٢٧٥/١، و((تاريخ بغداد)) ٩/٢، و(تهذيب الأسماء
واللغات)) ١/٧٤/١، و(تهذيب الكمال)): ١١٦٩، و((طبقات السبكي)) ٢٢١/٢.
٤٠٢

جميعَ ما أَدْخَلْتَ في المُصنَّفِ ؟ فقال: لا يخفى عليَّ جميعُ ما فيه(١) .
وسمعته يقول: صنفتُ جميع كُتبي ثلاث مرات . وسمعتُه يقول: لو
نُشِرَ بعضُ أُسْتاذِي(٢) هؤلاء لم يفهموا كيف صنَّفْتُ ((التاريخ)) ، ولا
عرفوه، ثم قال: صنَّفْتُه ثلاث مرات(٣) .
وسمعتُه يقولُ: أخذ إسحاقُ بن راهويه كتاب ((التاريخ)) الذي
صنّفْتُ، فأدخلَهُ على عبدِ الله بن طاهر، فقال: أيُّها الأمير، ألا أُريك
سِحراً؟ قال: فنظر فيه عبدُ الله، فتعجَّب، منه ، وقال لستُ أفهم
تصنيفه (٤) .
وقال خَلَفُ الخيّامِ : سمعتُ إسحاق بن أحمد بن خلف: يقولُ:
دخل محمدُ بن إسماعيل إلى العراق في آخر سنةٍ عشرٍ ومئتين .
وقال محمدُ بن أبي حاتم : سمعتُ البخاريِّ يقولُ: دخلتُ بغداد
آخر ثمان مرَّات ، في كل ذلك أجالِس أحمدَ بن حنبل، فقال لي في آخر ما
وَدَّعْتُه: يا أبا عبد الله، تدعُ العلمَ والناسَ، وَتَصِيرُ إلى خراسان ؟! قال: فأنا
الآن أذكر قوله(٥) .
(١) ((تاريخ بغداد)) ٩/٢، و(تهذيب الكمال)): ١١٦٩، و((طبقات السبكي))
٢٢١/٢ .
(٢) تصحفت في ((تاريخ بغداد)) ٧/٢، و((طبقات السبكي)) ٢٢١/٢ إلى:
((إسنادي)). كما تصحفت في ((مقدمة الفتح)): ٤٨٨ إلى: ((استاري)).
(٣) ((تاريخ بغداد)) ٧/٢، و((طبقات السبكي)) ٢٢١/٢، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٨.
(٤) (تاريخ بغداد)) ٧/٢، و((تهذيب الكمال)): ١١٦٩، و((طبقات السبكي))
٢٢١/٢، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٤.
(٥) ((طبقات الحنابلة)) ٢٧٧/١، و((تاريخ بغداد)) ٢٢/٢، ٢٣، و((طبقات السبكي))
٢١٧/٢ .
٤٠٣

وقال أبو عبد الحاکم أول ما ورد البخاريُّ نيسابور سنةً تسعٍ ومئتين،
ووردّها في الأخيرِ سنةً خمسين ومئتين، فأقام بها خمس سنين يُحدِّث على
الدوام .
أخبرنا أبو حفص بن القواس، أخبرنا أبو القاسم بنُ الحَرَسْتاني قراءةً
عليه سنة تسعٍ وست مئة وأنا حاضر، أخبرنا أبو الحسن عليُّ بن المُسَلّم
الفقيهُ، أخبرنا الحسينُ بن محمد الخطيب، أخبرنا محمدُ بن أحمد
الغساني، حدثني أحمدُ بن محمد بن آدم، حدثنا محمدُ بن يوسف
البخاري، قال: كنتُ مع محمدِ بن إسماعيل بمنزِلِهِ ذاتَ ليلةٍ ، فأحصيتُ
عليه أنه قام وأسْرَجَ يستذكر أشياءَ يُعَلَّقها في ليلةٍ ثمان عشرة مرة(١).
وقال محمدُ بن أبي حاتم الورّاقُ: كان أبو عبد الله، إذا کنتُ معه في
سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظِ أحياناً، فكنتُ أراه يقومُ في ليلةٍ
واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة ، في كلُّ ذلك يأخذ القداحة ،
فيُوري ناراً، ويُسْرِج، ثم يُخرج أحاديث ، فيُعلِّم عليها(٢).
وقال ابنُ عدي: سمعتُ عبد القُدوس بن هَمّامٍ يقول: سمعتُ عِدَّةً
من المشايخ ، يقولون : حَوَّلَ محمدُ بن إسماعيل تراجمَ جامِعِهِ بين قبر
رسولِ الله وَ﴿ومنبره، وكان يُصلّي لكل ترجمةٍ ركعتين(٣).
(١) ((تهذيب الكمال)): ١١٧٠، و((طبقات السبكي)) ٢٢٠/٢.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ١٣/٢، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٧٥/١، و((تهذيب
الكمال)»: ١١٧٠، و((طبقات السبكي)) ٢٢٠/٢، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٢.
(٣) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٧٤/١، وقال النووي: وقال آخرون منهم أبو
الفضل محمد بن طاهر المقدسي صنفه ببخارى ، وقيل : بمكة ، وقيل بالبصرة . وكل هذا
صحيح ، ومعناه أنه كان يصنف فيه في كل بلدة من هذه البلدان ، فإنه بقي في تصنيفه ست
عشرة سنة، والخبر في (تهذيب الكمال)): ١١٦٩، و((مقدمة الفتح)): ٤٩٠ وقال ابن =
٤٠٤
٠

.(١) سمعتُ البخاريَّ يقولُ: صنفتُ ((الصحيح))
...
وقال :
في ستّ عشرةَ سنةً، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى .
وقال محمدُ بنُ أبي حاتم : سمعتُ هانىء بن النضر يقول: كنا عند
محمدٍ بن يوسف يعني : الفِرْيابي - بالشام، وكنا نَتَتَزَّ فِعْلَ الشباب في أكل
الفِرْصادِ (٢) ونحوه، وكان محمدُ بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في
شيءٍ مما نحنُ فيه، ويُكِبُّ على العلم .
وقال محمدُ : سمعتُ النَّجْمَ بن الفُضَيْل يقول: رأيتُ النبيِّ وَّ فِي
النَّومِ، كأنه يمشي، ومحمدُ بن إسماعيل يمشي خلفه، فكلما رَفَع النبيُّ
وَلَقَدَمه، وضع محمدُ بن إسماعيل قدمه في المكان الذي رفع النبي ◌َّ-
قدمه(٣) .
= حجر: ولا ينافي هذا ما تقدم ، لأنه يحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة ، وهنا حوله من
المسودة إلى المبيضة .
(١) بياض في الأصل. وكذا في نسخة أحمد الثالث. وجاء في ((طبقات الحنابلة))
٢٧٦/١: أخبرنا أحمد المؤرخ ، حدثنا أبو الوليد الدربندي ، سمعت محمد بن الفضل ،
سمعت أبا إسحاق الزنجاني ، سمعت عبد الرحمن بن رساس البخاري يقول : سمعت محمد
ابن إسماعيل البخاري يقول: صنفت كتابي ((الصحيح)) لست عشرة سنة ، خرجته من ست مئة
ألف حديث ، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى. وفي ((تاريخ بغداد)) ١٤/٢ بالسند نفسه
ولكن فيه ((الريحاني)) و((رساين)) بدل: ((الزنجاني)) و((رساس)). وفي ((تهذيب الأسماء
واللغات)) ١/٧٤/١: وروينا من جهات عن البخاري رحمه الله قال: صنفت ... والخبر في
((وفيات الأعيان)) ١٩٠/٤. و(تهذيب لكمال)): ١١٧٠. وقال السبكي في ((طبقات
الشافعية)) ٢٢١/٢: ((قال شيخنا أبو عبد الله الحافظ: رُوي من وجهين ثابتين عن
البخاري أنه قال : أخرجت هذا الكتاب من نحو ست مئة ألف حديث ، وصنفته في ست عشرة
سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله. وانظر ((مقدمة الفتح)): ٤٩٠ .
(٢) أي عَجْمُ الزبيب والعنب . والفرصاد : التوت، وقيل حَمْلُه ، وهو الأحمر منه .
(٣) ((تاريخ بغداد)) ١٠/٢، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٦٨/١، و((تهذيب
الكمال)): ١١٧٠، و((طبقات السبكي)) ٢٢١/٢، و((مقدمة الفتح)): ٤٩٠.
٤٠٥

وقال سمعتُ أبا عبد الله يقول: كان شيخٌ يمرُّ بنا في مجلسٍ
الداخلي، فَأَخْبِرُهُ بالأحاديثِ الصحيحة مما يُعرِضُ علي، وأُخِبرُه بقولهِم،
فإذا هو يقول لي يوماً: يا أبا عبد الله، رئيسُنا في أبو جاد، وقال بلغني أنَّ أبا
عبد الله شربَ دواءَ الحفظِ يُقال له: بَلاذُر، فقلتُ له يوماً خلوةً : هل من
دواءٍ يشربُه الرجلُ، فينتفعُ به للحفظ ؟ فقال: لا أعلمُ، ثم أقبل عليَّ، وقال
لا أعلم شيئاً أَنْفَعَ للحفظِ من نَهْمَةِ الرجل، ومُداومةِ النظر (١).
قال: وذاكَ أَنّي كنتُ بنيسابور مُقيماً، فكان تَرِدُ إليَّ من بخارى
كُبٌ، وكُنَّ قَراباتٌ لي يُقرئن سلامهنَّ في الكُتُب، فكنتُ اكتب كتاباً الى
بخارى ، وأردتُ أنْ أُقرئَهنَّ سلامي، فذهب عليَّ أساميهن حين كتبتُ
كتابي، ولم أُقرِئهنَّ سلامي، وما أقلَّ ما يذهبُ عني من العلم ، وقال:
سمعتُه يقول: لم تكن كتابتي للحديثِ كما كَتَبَ هؤلاء . كنتُ إذا كتبتُ
عن رجلٍ سألتُه عن اسمِه وَكُنْيَتِه ونِسْبَته وحَمْلِه الحديثَ، إنْ كان الرجل
فهماً . فإن لم يكن سألتُهُ أن يُخرِج إليَّ أصلَه ونُسخته . فأمّا الآخرون لا
یُبالون ما يكتبون، وکیف یکتبون .
وقال سمعتُ العبّاس الدُّوريَّ يقولُ: ما رأيتُ أحداً يُحسِنُ طلب
الحديث مثل محمدٍ بن إسماعيل، كان لا يدعُ أصلاً ولا فرعاً إلا قَلَعَهُ. ثم
قال لنا: لا تَدَعُوا من كلامِه شيئاً إلا كتبتُموه .
وقال: كتب إلى أبي عبد الله بعضُ السلاطين في حاجةٍ له ، ودعا له
دعاءً كثيراً. فكتب إليه أبو عبد الله: سلامٌ عليك، فإنِّي أحمدُ إليك اللَّهَ
الذي لا إله إلا هو، أما بعد: وَصَلَ إليَّ كتابُك وفهمتُه، وفي بيتِه يُؤْتَی
(١) ((مقدمة الفتح)): ٤٨٨ .
٤٠٦

الحَكَمُ والسلام .
وقال: سمعتُ إبراهيم الخَوَّاص ، مُستملي صَدَقَةً ، يقول [ رأيتُ ]
أبا زُرعة كالصبيِّ جالساً بين يدي محمدٍ بن إسماعيل، يسأله عن عِلَل
الحديث(١) .
ذِكْرُ حِفْظِهِ وسَعَةٍ علمه وذكائِه
قال محمدُ بن أحمد غُنْجار في ((تاريخ بخارى)) : سمعتُ أبا عمرو
أحمد بن محمد المقرىء، سمعتُ مَهِيب بن سُلَيم، سمعتُ جعفر بن محمد
القَطَّان إمام كرمينية يقولُ : سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول : كتبتُ عن
ألفٍ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرةُ آلاف وأكثر(٢)، ما عندي
حديثٌ إلا أذكُرُ إِسناده(٣) .
قال غُنْجار : وحدثنا محمدُ بن عِمران الجُرجاني ، سمعتُ عبد
الرحمن بن محمد البخاري ، سمعتُ محمدَ بن إسماعيل يقولُ : لقيتُ
أكثر من ألفِ رجلٍ أهلِ الحجاز والعراق والشام ومصر ، لَقِيتُهم كَرَّاتٍ ،
أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين ، وأهل البصرة أربع مرات ، وبالحجاز
ستة أعوام ، ولا أُحْصي كم دخلتُ الكوفةَ وبغداد مع مُحدِّثي خراسان ،
منهم : المكي بن إبراهيم ، ويحيى بن يحيى ، وابن شَقِيق ، وقُتيبة ،
وشهاب بن معمر ، وبالشام : الفِريابي وأبا مُسْهِر، وأبا المغيرة ، وأبا
الْيَمَّان ، وسمَّى خلقاً . ثم قال : فما رأيتُ واحداً منهم يختلف في هذه
(١) ((طبقات السبكي)) ٢٢٢/٢.
(٢) ((طبقات السبكي)) ٢٢٢/٢.
(٣) ((طبقات الحنابلة)) ٢٧٥/١، و((تاريخ بغداد)) ١٠/٢، و((تهذيب الكمال)):
١١٧٠ .
٤٠٧

الأشياء ، أنَّ الدينَ قولٌ وعملٌ، وأَنَّ القرآن كلامُ الله.
وقال محمدُ بن أبي حاتم الورَّاق : سمعتُ حاشِدَ بن إسماعيل وآخر
يقولان : كان أبو عبد الله البخاري يختلِفُ معنا إلى مشايخ البصرة وهو
غلامٌ ، فلا يكتُب ، حتى أَتَّى على ذلك أيام ، فكنا نقولُ له : إنك تختلِفُ
معنا ولا تكتب ، فما تصنَعُ ؟ فقال لنا يوماً بعد ستة عشر يوماً : إنكما قد
أكثرْتُما عليَّ وأَلْححتُما، فاعْرِضا عليَّ ما كَتَبْتُما . فَأَخْرْجنا إليه ما كان
عندنا ، فزاد على خمسةَ عشرَ ألفِ حديث ، فقرأها كُلُّها عن ظهرِ القلب ،
حتى جعلنا نُحْكِم(١) كُتُبنا من حفظه. ثم قال: أَتَرَوْن أَنِّي أَخْتلِفُ
هَذْراً (٢)، وأَضَيِّعُ أيامي؟! فعرفنا أنَّه لا يتقدمُه أحد(٣) .
قال : وسمعتُهما يقولان : كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدون
خلفَه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه ، ويُجلسوه في
بعضِ الطريق ، فيجتمع عليه ألوفٌ ، أكثرهم ممن يكتُب عنه . وكان شاباً
لم يَخْرُجْ وجهه (٤) .
وقال أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ : سمعتُ عدةَ مشايخ
يحكون أنَّ محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحابُ
الحديث ، فاجتمعوا وعَمَدوا إلى مئةٍ حديثٍ ، فقلَبُوا مُتونها وأسانيدها ،
وجعلوا مَتْنَ هذا الإِسناد هذا، وإسنادَ هذا المتن هذا، ودفعوا إلى كُلِّ
(١) يقال حَكْمَ الشيءَ وأحكمه : استثبته ومنعه من الفساد والخطأ .
(٢) هذّر يهدِر، بالكسر، ويهدُرُ، بالضم ، هذْراً وهَدَراً، أي بطل .
(٣) ((طبقات الحنابلة)) ٢٧٦/١، ٢٧٧، و((تاريخ بغداد)) ١٤/٢، ١٥، و((طبقات
السبكي)) ٢١٧/٢، و((مقدمة الفتح)) : ٤٧٩.
(٤) أي لم ينبت شعر وجهه. والخبر في ((طبقات الحنابلة)) ٢٧٧/١، و((تهذيب
الأسماء واللغات)) ١/٧٠/١، و((طبقات السبكي)) ٢١٧/٢.
٤٠٨
:

واحدٍ عشرةَ أحاديثَ ليُلْقوها على البخاري في المجلس ، فاجتمع الناسُ ،
وانتَدب أحدُهم ، فسأل البخاريَّ عن حديثٍ من عَشَرتِهِ ، فقال : لا
أعرفُه. وسأله عن آخر ، فقال : لا أعرِفُه . وكذلك حتى فرغ من عشرته .
فكان الفقهاءُ يلتفتُ بعضُهم إلى بعض ، ويقولون : الرجلَ فَهِمَ . ومَن كان
لا يدري قضى على البخاريِّ بالعجز، ثم انتدب آخرُ ، ففعل كما فعل
الأولُ . والبخاريُّ يقول: لا أعرفه . ثم الثالث وإلى تمام العشرة أنفس ،
وهو لا يَزِيدُهم على: لا أعرفُه . فلما علم أنهم قد فرغوا، التفتَ إلى
الأول منهم ، فقال : أما حديثُك الأول فكذا ، والثاني كذا ، والثالث كذا
إلى العشرة ، فردَّ كُلَّ متنٍ إلى إسناده . وفعلَ بالآخرين مثلَ ذلك . فأقَّر له
الناسُ بالحفظِ . فكان ابنُ صاعد إذا ذكره يقولُ: الكبش النَّطَّحِ (١).
وقال غُنْجار : حدثنا منصورُ بن إسحاق الأَسَدي ، سمعتُ عبد الله
ابن محمد بن إبراهيم الزَّاغوني ، سمعتُ يوسف بن موسى المَرْوَرُودِيَّ
يقول : كنتُ بالبصرةِ في جامعها ، إذْ سمعتُ منادياً يُنادي : يا أهل
العلمِ ، قد قدم محمدُ بن إسماعيل البخاريُّ ، فقاموا في طلبه ، وكنتُ
معهم، فرأينا رَجُلًا شاباً، يُصلِّي خلفَ الأسْطوانة. فلما فرغَ من
الصلاة ، أحدقُوا به ، وسألوُه أن يَعقِدَ لهم مجلسَ الإِملاء ، فأجابهم .
فلما كان الغدُ اجتمع قريب من كذا كذا ألف فجلس للإملاء وقال : يا
أهلَ البصرة ، أنا شابٌّ وقد سألتُموني أن أُحدِّثكم، وسأُحدِّثكم بأحاديثَ
عن أهل بلدِكم تستفيدون الكُلَّ(٢). ثم قال: حدثنا عبدُ الله بنُ عثمان بن جَبَلَة
(١) ((تاريخ بغداد)) ٢٠/٢، ٢١، و((وفيات الأعيان)) ١٩٠/٤، و(تهذيب
الكمال)):١١٧١، و((طبقات السبكي)) ٢١٩،٢١٨/٢، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٦ و٤٨٧.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ١٥/٢، ١٦، و((طبقات السبكي)) ٢١٩/٢. وفي ((مقدمة
الفتح)) : ٤٨٧ : تستفيدونها . [وقال ابن حجر] : يغني ليست عندكم .
٤٠٩

ابن أبي روَّاد بلدِيُّكم، قال : حدثنا أبي ، عن شعبة ، عن منصورٍ وغيره ،
عن سالم بن أبي الجعْد، عن أنسٍ، أنّ أعرابيا جاءَ إلى النبي مع * ،
فقال: يا رسولَ الله، الرَّجُلُ يُحِبُّ القَوْمَ ... ، وذكر الحديث(١) ثم قال:
ليس هذا عندكم ، إن ما عندكم عن غيرِ منصور ، عن سالم . وأملى
مجلساً على هذا النَّسَق يقولُ في كلِّ حديثٍ : روى شعبةُ هذا الحديث
عندكم كذا ، فأما من رواية فلان ، فليس عندكم ، أو كلاماً هذا معناه(٢).
قال يوسفُ : وكان دُخولي البصرَة أيام محمدٍ بن عبد الملك بن أبي
الشوارب .
وقال محمدُ بن أبي حاتِم الورَّاق : قرأ علينا أبو عبد الله كتاب
(((الهِبَة))، فقال: ليس في هِبة وكيعٍ إلا حديثان مُسْنَدان أو ثلاثة . وفي
كتاب عبدِ الله بن المبارك خمسةٌ أو نحوه . وفي كتابي هذا خمسُ مئة
(١) أخرجه البخاري ١٣ / ١١٦ في الأحكام: باب القضاء والفتيا في الطريق، من طريق
عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، حدثنا أنس بن مالك
رضي الله عنه قال: بينما أنا والنبي خارجان من المسجد ، فلقينا رجل عند سدة
المسجد ، فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال النبي 3# : ما أعددت لها ؟ فكان الرجل
استكان، ثم قال: يا رسول الله ما أعددت لها كبير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكن أحب الله
ورسوله، قال: ((أنت مع من أحببت)) وحديث أنس هذا له طرق عنه انظر البخاري ٤٠/٧ في
الفضائل و٤٥٨/١٠ و٤٦٢ في الأدب ، ومسلم ( ٢٦٣٩) في البر والصلة : باب المرء مع من
أحب (١٦١) و(١٦٢) و(١٦٣) و(١٦٤) والترمذي (٢٣٨٥) وأبي داود (٥١٢٧) ولفظ
أبي داود ((قال رجل: يا رسول الله الرجل يحب الرجل على العمل من الخير يعمل به ولا يعمل
بمثله، فقال رسول الله (بحثية)) ((المرء مع من أحب)).
وفي الباب عن ابن مسعود عند البخاري ٤٦١/١٠، ٤٦٢، ومسلم ( ٢٦٤٠) وعن أبي
موسى الأشعري عند البخاري ٤٦٢/١٠، ومسلم (٢٦٤١) وعن صفوان بن عسال المرادي
عند الترمذي (٢٣٨٧ ) وعن أبي ذر عند أبي داود ( ٥١٢٦ ).
(٢) ((تاريخ بغداد)) ١٦/٢.
٤١٠

حديثٍ أو أكثر(١).
وقال : سمعتُ أبا عبد الله يقولُ : تَفَكَّرتُ أصحاب أنس ، فحضرني
في ساعةٍ ثلاثُ مئة .
قال : وسمعتُه يقولُ: ما قَدِمْتُ على أحدٍ إلَّ كان انتفاعهُ بي أكثر من
انتفاعي به(٢) .
قال : وسمعتُ سُلَيم بن مُجاهد، سمعتُ أبا الأزهر يقول : كان
بسمرقند أربعُ مئةٍ ممن يطلُبُون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام ، وأحبُّوا
مُغالطةَ محمدٍ بن إسماعيل ، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق ،
وإسنادَ اليمنِ في إسناد الحرمين ، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطَةٍ لا في الإِسناد ، ولا
في المتن(٣).
وقال الفِرَبْرِيُّ : سمعتُ أبا عبد الله يقولُ : ما استصغرتُ نفسي عند
أحدٍ إلا عند عليٍّ بن المَديني، وربما كنتُ أَغْرِبُ عليه (٤).
وقال أَحْيَد بنُ أبي جعفر والي بخارى : قال محمدُ بن إسماعيل
يوماً : رُبَّ حديثٍ سمعتُه بالبصرة كتبتُه بالشام ، وربَّ حديثٍ سمعتُه بالشام
كتبتُه بمصر . فقلتُ له : يا أبا عبد الله بكْمَالِه؟ قال: فسكَتَ(٥).
(١) الخبر في ((مقدمة الفتح)): ٤٨٩. وهو يُدَلِّل في هذا على سعة حفظه.
(٢) ((مقدمة الفتح)) : ٤٨٩.
(٣) ((مقدمة الفتح)): ٤٨٧.
(٤) ((تاريخ بغداد)) ١٧/٢، ١٨، و(تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٦٩/١، و(تهذيب
الكمال)»: ١١٧٠ و((مقدمة الفتح)): ٤٨٤.
(٥) ويعني هذا ان البخاري يرى جواز الرواية بالمعنى ، وجواز تقطيع الحديث من غير
تنصیص على اختصاره بخلاف مسلم . وسبب ذلك أن البخاري صنف کتابه في طول رحلته،
فكان لأجل هذا ربما كتب الحديث من حفظه ، فلا يسوق ألفاظه برمتها ، بل يتصرف فيه ، =
٤١١

وقال محمدُ بن أبي حاتم : سمعتُ أبا عبد الله يقولُ : ما نمتُ
البارحة حتى عَدَدْتُ كم أَدْخَلتُ مُصَنَّفَاتِي من الحديث . فإذا نحو مئتي ألف
حديث مُسندة .
وسمعتُه يقولُ : ما كتبتُ حكايةً قط ، كنتُ أَتَحفِّظُها .
وسمعته يقول: صنَّفْتُ كتابَ ((الاعتصام)) في ليلةٍ .
وسمعته يقولُ : لا أعلم شيئاً يُحتاجُ اليه إلا وهو في الكتاب والسُّنَّة .
فقلتُ له : يُمكنُ معرفةُ ذلك كله؟ قال : نعم(١).
وسمعتُه يقول : كنتُ بنيسابور أجلسُ في الجامع ، فذهب عمرو بن
زُرارة ، وإسحاق بن راهويه إلى يعقوب بن عبد الله ، والي نيسابور ،
فأخبروه بمكاني ، فاعتذر إليهم ، وقال : مذهبُنا إذا رُفع إلينا غريبٌ لم
نعرفه حبسناه حتى يظهر لنا أمرُه . فقال له بعضُهم : بلغني أنه قال لك : لا
تُحسِنُ تصلي ، فكيف تَجْلِسُ ؟ فقال : لو قيل لي شيءٌ من هذا ما كنتُ
أقومُ من ذلك المجلس حتى أُروي عشرةَ آلاف حديث ، في الصلاة
خاصة .
= ويسوقه بمعناه . أما مسلم فقد صنف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة شيوخه ، وكان
يتحرز في الألفاظ ، ويتحرى في السياق . والبخاري استنبط فقه كتابه من أحاديثه ، فاحتاج أن
يقطع الحديث الواحد إذا اشتمل على عدة أحكام ليورد كل قطعة منه في الباب الذي يستدل به
على ذلك الحكم الذي استنبط منه ، أما مسلم فلم یعتمد ذلك بل یسوق أحاديث الباب کلها
سرداً ، عاطفاً بعضها على بعض في موضع واحد .
والخبر في ((تاريخ بغداد)) ١١/٢، و((تهذيب الكمال)): ١١٧٦، و((مقدمة الفتح)):
٤٨٩.
(١) ومحاولة ابن حزم في ((المُحَلَّى)) تؤيد مقالة محمد بن إسماعيل هذه، فإنه على ما
به من هنات قد استطاع باعتماده على الكتاب والسنة أن يؤلف كتاباً في الفقه يشتمل على جميع
أبواب الفقه .
٤١٢

وسمعتُه يقول : كنتُ في مجلس الفريابي ، فقال : حدثنا سُفيان ،
عن أبي عُروة، عن أبي الخَطَّاب، عن أنسٍ أَنَّ النَّبِيَّ نَ﴿ٍ كان يَطُوفُ
عَلَى نِسِائِهِ في غُسْلٍ واحِدٍ (١) . فلم يعرِف أحدٌ في المجلس أبا عروة ، ولا
أبا الخطّاب . فقلتُ: أما أبو عروة فمَعْمَر، وأبو الخطاب قتادة . قال :
وكان الثوري فَعُولاً لهذا ، يُكَنِّي المشهورين .
قال محمدُ بن أبي حاتم : قدِم رجاءُ الحافظُ ، فصار إلى أبي عبد
الله ، فقال لأبي عبد الله : ما أعددتَ لِقُدُومي حين بَلَغَكَ؟ وفي أيِّ شيء
نظرتَ ؟ فقال: ما أحدثْتُ نَظَراً، ولم أستعِدَّ لذلك، فإن أحببتَ أن تسألَ
عن شيءٍ، فافعل ، فجعل يُناظره في أشياء ، فبقي رجاءُ لا يدري أين
هو. ثم قال له أبو عبد الله : هل لكَ في الزيادة؟ فقال استحياءً منه
وخجلاً: نعم . قال : سَلْ إن شئتَ؟ فأخذ في أسامي أيّوب ، فعد نحواً
من ثلاثةَ عشر، وأبو عبد الله ساكتٌ . فلما فرغ قال له أبو عبد الله : لقد
جمعتَ ، فظنَّ رجاءُ أنه قد صنع شيئاً ، فقال لأبي عبد الله : يا أبا عبد
الله ، فاتك خَيرٌ كثير . فزيَّف أبو عبد الله في أولئك سبعةً أو ثمانية ،
وأغربَ عليه أكثر من ستين . ثم قال له رجاء : كم رويتَ في العِمامة
السوداء ؟ قال : هاتٍ كم رويتَ أنتَ ؟ ثم قال : نروي نحواً من أربعين
(١) إسناده صحيح، وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) برقم (١٠٦١ ) من طريق عبد
الرزاق بهذا الإسناد ، وأخرجه ابن خزيمة (٢٣٠) من طريق عبد الرزاق ، وأخرجه البخاري في
((صحيحه)) ٣٢٤/١ في الغسل : باب إذا جامع ثم عاد ، ومن دار على نسائه في غسل واحد ،
وابن خزيمة (٢٣١) من طريق معاذ بن هشام ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن أنس ، وأخرجه
مسلم ( ٣٠٩) من طريق شعبة ، عن هشام بن زيد، عن أنس ، وأخرجه البخاري ٣٣٤/١
و٩٨/٩ في النكاح : باب كثرة النساء و٢٧٧ من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن
أنس، وأخرجه الترمذي ( ١٤٠ ) من طريق سفيان ، عن معمر، عن قتادة ، عن أنس ،
وأخرجه أبو داود (٢١٨) والنسائي ١٤٣/١ من طريق إسماعيل بن إبراهيم ، عن حميد
الطويل ، عن أنس بن مالك .
٤١٣

حديثاً . فخجل رجاء من ذاك ، ويَبِس ريقُه .
قال محمد : سمعتُ أبا عبد الله يقول: دخلتُ بَلْخ، فسألني
أصحاب الحديث أن أُمْلِي عليهم لكلِّ من كتبت عنه حديثاً . فأمليتُ ألف
حديث لألفٍ رجلٍ ممن كتبت عنهم .
وقال محمدُ بن أبي حاتم : قال أبو عبد الله : سُئل إسحاقُ بن
إبراهيم عمن طَلَّق ناسياً . فسكتّ ساعةً طويلة مُتفكّراً ، والتبس عليه الأمرُ.
فقلتُ أنا: قال النبيُّ ◌َّهَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ
أَنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّم))(١) . وإنما يُراد مباشرةُ هذه الثلاث العمل
والقلب ، أو الكلام والقلب وهذا لم يعتقد بقلبِه . فقال إسحاق : قَوَّيْتَني ،
وأفتى به(٢) .
وقال محمد : سمعتُ محمدَ بن إسماعيل يقول : كان إسماعيلُ بنُ
أبي أُويس إذا انتخبتُ من كتابه نَسَخَ تلك الأحاديث . وقال : هذه
الأحاديثُ انْتَخَبَها محمدُ بن إسماعيل من حديثي (٣).
وقال محمدٌ : سمعتُ الفِرَبْرِيَّ ، يقول : رأيت عبد الله بن مُنير
يكتب عن البخاري (٤) .
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري ٣٤٥/٩ في الطلاق: باب الطلاق في
الإغلاق والكره والسكران والمجنون، و٤٧٨/١١ في الأيمان والنذور : باب إذا حنث ناسياً في
الأيمان ، ومسلم (١٢٧ ) في الإِيمان : باب تجاوز الله عن حديث النفس أو الخواطر ، وأبو
داود ( ٢٢٠٩) والترمذي (١١٨٣) والنسائي ١٥٦/٦، ١٥٧، وابن ماجة (٢٥٤٠).
(٢)( مقدمة الفتح)) : ٤٨٤ .
(٣)« مقدمة الفتح)) ٣٠٢.
(٤)(( تاريخ بغداد)) ١٩/٢، و(تهذيب الكمال)): ١١٧١، و((مقدمة الفتح)):
٤٨٢ .
٤١٤

وسمعته يقولُ: أنا من تلاميذ محمدٍ بن إسماعيل، وهو مُعَلِّم(١).
قلتُ : وقد روى البخاريُّ أحاديثَ في ((صحيحه)) عن عبدِ الله بن
مُنير، عن يزيد بن هارون ، وجماعةٍ . وكان زاهداً عابداً حتى قال
البخاريُّ : لم أر مثله .
قلتُ : وتُوفي هو والإِمامُ أحمدُ في سنةٍ .
قال محمدٌ : وسمعتُ أبا بكر المديني بالشاشِ زَمَن عبدِ الله بن أبي
عَرَابة يقول : كنا بنيسابور عند إسحاق ابن راهويه ، وأبو عبد الله في
المجلس ، فمر إسحاق بحديثٍ كان دون الصحابي عطاء الكَيْخَاراني (٢)،
فقال إسحاق : يا أبا عبد الله ، أيش كَيْخاران ؟ فقال : قريةٌ باليمن ، كان
معاويةُ بن أبي سفيان بعث هذا الرجل ، وكان يُسَمِّيه أبو بكر ، فَأَنْسِيتُه إلى
اليمن ، فمر بكْخاران ، فسمع منه عطاء حديثين ، فقال له إسحاق : يا أبا
عبد الله ، كأنك شَهِدْتَ القوم(٣).
وقال ابنُ عدي : حدثني محمدُ بن أحمد القُومسي، سمعتُ محمد
ابن خميرویه ، سمعتُ محمد بن إسماعيل يقولُ : أحفَظُ مئة ألفٍ حديث
صحيح ، وأحفظ مئتي ألف حديث غير صحيح (٤) .
(١)( مقدمة الفتح)»: ٤٨٥، وسيرد الخبر في الصفحة: ٤٢٤.
(٢) بفتح الكاف ، وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين، وفتح الخاء المنقوطة ،
والراء بين الألفين ، وفي آخرها النون : هذه النسبة الى كيخاران ، وهي قرية من قرى اليمن ،
وقد تصحفت في ((مقدمة الفتح)) إلى : الكنجاراني.
(٣)((تاريخ بغداد)) ٨/٢، و((تهذيب الكمال)): ١١٦٩، و((مقدمة الفتح)):
٤٨٤ .
(٤)(( طبقات الحنابلة)) ٢٧٥/١، و«تاريخ بغداد ٢٥/٢٢، و(تهذيب الأسماء
واللغات)) ١/٦٨/١، و((تهذيب الكمال)): ١١٧٢، و((طبقات السبكي)) ٢١٨/٢،
و ((مقدمة الفتح)): ٤٨٨ .
٤١٥

قال : وسمعتُ أبا بكر الكلواذاني يقول : ما رأيتُ مثل محمد بن
إسماعيل ، كان يأخذُ الكتابَ من العُلماء ، فيطَّعُ عليه اطّلاعةً ، فيحفَظُ
عامَّةَ أطراف الأحاديث بَمرَّةٍ(١) .
قال محمدُ بن يوسف الفِرَبْرِيُّ : سمعتُ أبا جعفر محمد بن أبي
حاتم الورّاق يقولُ في الزيادات المذيلةِ على شمائل أبي عبد الله - قلتُ:
وليست هي داخلةً في رواية ابنٍ خَلَف الشِّيرازي - قال : سمعتُ محمدٌ بن
إسماعيل البخاري يقولُ : ما جلستُ للحديث حتى عرفتُ الصحيح من
السَّقيم ، وحتى نظرتُ في عامةِ كُتُب الرأي ، وحتى دخلتُ البصرة خمسَ
مرات أو نحوها . فما تركتُ بها حديثاً صحيحاً إلا كتبتُه ، إلا ما لم يَظهر
لي .
وقال غُنْجار في ((تاريخه)): حدثنا أبو عمرو أحمدُ بن محمد
المُقرىء ، حدثنا أبو بكر محمدُ بن يعقوب بن يوسف البِيْكَنْدِي ، سمعتُ
عليَّ بن الحُسين بن عاصم البِيكَنْدي يقول : قدِم علينا محمدُ بن
إسماعيل ، قال : فاجتمعنا عنده . فقال بعضُنا : سمعتُ إسحاق بن راهويه
يقول: كأنّي أنظر إلى سبعين ألف حديث من كتابي . فقال محمدُ بن
إسماعيل : أَو تَعْجَبُ من هذا؟! لعلَّ في هذا الزمان من ينظُر إلى مثتي
ألف حديث من كتابه . وإنما عَنى به نفسه(٢) .
ذِكْرُ ثَناءِ الأئمةِ عليه
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم : سمعتُ بعض أصحابي يقولُ :
(١) ((مقدمة الفتح)) : ٤٨٧ .
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٢٥/٢، و(تهذيب الكمال)): ١١٧٢، و((طبقات السبكي))
٢١٨/٢ و((مقدمة الفتح)): ٤٨٨ .
٤١٦

كنتُ عند محمد بن سَلام ، فدخل عليه محمدُ بن إسماعيل ، فلما خرج
قال محمدُ بن سَلَام: كلما دخل عليَّ هذا الصبيُّ تحيّرْتُ ، وألبَس عليّ
أمرُ الحديث وغيرِه . ولا أزال خائفاً ما لم يخرج(١).
قال أبو جعفر : سمعتُ أبا عُمر سُلَيم بن مجاهد يقول : كنتُ عند
محمد بن سَلَام البِيْكَنْدي ، فقال : لو جئتَ قبلُ لرأيتَ صبياً يحفَظُ سبعين
ألف حديث . قال : فخرجتَ في طَلَبِهِ حتى لحِقْتُه . قال : أنت الذي
يقول : إني أحفظُ سبعين ألفٍ حديث؟ قال: نعم، وأَكْثَر . ولا أَجِيتُك
بحديثٍ من الصحابة والتابعين إلا عَرَّقْتُكَ مولد أكثرهم ووفاتَهم ومساكنَهم ،
ولستُ أروي حديثاً من حديثِ الصحابة أو التابعين إلا ولي من ذلك أصلٌ
أحفظه حفظاً عن كتاب الله، وسنة رسولِ الله وليٍ(٢).
وقال أبو جعفر : حدثني بعضُ أصحابي : إنّ أبا عبد الله البخاري
صار إلى أبي إسحاق السُّرْمَاريِّ(٣) عائداً، فلما خرج من عنده قال أبو
إسحاق : من أراد أن ينظُر إلى فقيهٍ بحقٌّه وصدقه ، فلينظُر إلى محمدٍ بن
إسماعيل وأجلسه على حِجْرِهِ (٤).
وقال أبو جعفر : قال لي بعضُ أصحابي : كنتُ عند محمد بن
(١) ((طبقات السبكي)) ٢٢٢/٢، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٤.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٢٤/٢، ٢٥ و(تهذيب الكمال)): ١١٧٢، و«طبقات
السبكي)) ٢١٨/٢ و٢٢٢، و((مقدمة الفتح)) : ٤٨٤.
(٣) بضم السين المهملة ، والميم المفتوحة ، والألف بين الراءين: هذه النسبة إلى قرية
من بخارى يقال لها : سرْمارى . وأبو إسحاق هو الإمام الشجاع البطل أحمد بن إسحاق بن
الحسن المطوعي الزاهد الذي فاق أهل زمانه في الشجاعة وقتل الكفار ، حتى قيل : لم يكن
في الإسلام له نظير في هذا المعنى . وسترد ترجمته .
(٤) ((مقدمة الفتح)» : ٤٨٥ .
٤١٧

سَلام ، فدخل عليه محمدُ بن إسماعيل حين قدم من العراقٍ ، فأخبره
بمحنةِ الناس ، وما صنع ابنُ حنبل وغيره من الأمور . فلما خرج من عنده
قال محمدُ بن سَلَام لمن حضره : أترونَ البِكْرَ أشدَّ حياءً من هذا؟
وقال أبو جعفر : سمعتُ يحيى بن جعفر يقولُ : لو قَدْرْتُ أن أُزيد
في عُمر محمد بن إسماعيل من عمري لفعلتُ ، فإنَّ موتي يكون موتَ
رجلٍ واحد ، وموتُه ذهابُ العلم(١) .
قال : وسمعتُ يحيى بن جعفر - وهو الپێکندِيُّ۔ یقول لمحمدِ بنِ
إسماعيل : لولا أنتَ ما استطبتُ العَيَش ببخارى .
وقال : سمعتُ محمدَ بن يوسف يقول : كنا عند أبي رجاء ، هو
قتيبة ، فسُئل عن طلاق السكران ، فقال: هذا أحمد بن حنبل وابنُ
المديني وابنُ راهويه قد ساقهم الله إليكَ ، وأشار إلى محمدٍ بن إسماعيل .
وكان مذهبُ محمدٍ أنَّه إذا كان مغلوبَ العقلِ حتى لا یذکر ما يُحدِثُ في
سكره ، أنه لا يجوزُ عليه من أمره شيءٌ(٢) .
قال محمد : وسمعتُ عبد الله بن سعيد بن جعفر يقول : لما ماتَ
أحمدُ بن حرب النيسابوري ركب محمدٌ وإسحاقُ يُشَيِّعان جِنازَتَه . فكنتُ
أسمعُ أهل المعرفة بنيسابور ينظُرون ، ويقولون: محمدٌ أفقهُ من
إسحاق(٣).
(١) ((تاريخ بغداد)) ٢٤/٢، و((تهذيب الكمال)): ١١٧٢، و((مقدمة الفتح)):
٤٨٥ .
(٢) انظر المسألة بالتفصيل ورأي أهل العلم فيها في البخاري ٣٤٠/٩، ٣٤٣ بشرح
الفتح في الطلاق ؛ باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران ...
(٣) ((طبقات السبكي)) ٢٢٣/٢، و((مقدمة الفتح)»: ٤٨٥.
٤١٨

وقال : سمعتُ عُمر بن حفص الأشقر، سمعتُ عَبدان يقول : ما
رأيتُ بعيني شاباً أبصرَ من هذا، وأشارَ بيده إلى محمدٍ بن إسماعيل(١).
وقال : سمعتُ صالح بن مِسْمار المروزي يقولُ : سمعتُ نُعَيْم بن
حماد يقول : محمدُ بن إسماعيل فقيهُ هذه الأمة(٢).
وقال : سمعتُ إبراهيم بن خالد المروزي ، يقول : قال مُسَدَّد :
لاتختاروا على محمدٍ بن إسماعيل ، يا أهل خراسان .
وقال : سمعتُ موسى بن قُريش يقولُ : قال عبدُ الله بن يوسف
للبخاري : يا أبا عبد الله ، انظُر في كتبي ، وأخبِرْني بما فيه من السَّقْط ،
قال : نعم .
وقال محمدُ : حدثني محمدُ بن إسماعيل ، قال : كنتُ إذا دخلتُ
على سُليمان بن حرب يقول: بَيِّنْ لنا غَلَطَ شُعْبَةَ(٣).
قال : وسمعته يقولُ : اجتمع أصحاب الحديث ، فسألوني أن أُكلِّم
إسماعيلَ بن أبي أويس ليزيدهم في القراءة ، ففعلتُ ، فدعا إسماعيلُ
الجاريةَ ، وأمرها أن تُخرج صرةَ دنانير، وقال : يا أبا عبد الله ، فرقْها
عليهم(٤) .
قلتُ : إنما أرادوا الحديثَ . قال : قد أجَبتُك إلى ما طلبتَ من
الزيادة ، غير أنِّي أُحِبُّ أن يُضَم هذا إلى ذاكَ ليظهر أثركَ فيهم .
(١) ((تاريخ بغداد)) ٢٤/٢، و((تهذيب الكمال)): ١١٧١، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٣.
(٢) (تاريخ بغداد)) ٢٢/٢، و((تهذيب الكمال)): ١١٧١، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٣.
وسيرد في الصفحة : ٤٢٤ منسوباً ليعقوب بن إبراهيم الدورقي.
(٣) ((مقدمة الفتح)): ٤٨٢.
(٤) ((مقدمة الفتح)) : ٤٨٣.
٤١٩

وقال : حدثَني حاشدُ بن إسماعيل قال : لما قدم محمدُ بن إسماعيل
على سليمان بن حرب نظر إليه سليمانُ ، فقال : هذا يكون له يوماً
صوتٌ(١) .
وقال خَلَفُ الخَيَّام : حدثنا إسحاقُ بن أحمد بن خلف ، سمعتُ
أحمد بن عبد السلام : قال : ذَكرْنا قولَ البخاريِّ لعليّ بن المديني -
يعني : ما استصغرتُ نفسي إلا بين يدي عليٍّ بن المديني - فقال علي :
دعوا هذا، فإن محمد بن إسماعيل لم يَرَ مِثْلَ نفسه(٢).
وقال محمدُ بنْ أبي حاتم : سمعتُ أبا عبد الله يقول : ذاكرني
أصحاب عمرو بن علي الفَلّس بحديثٍ ، فقلتُ : لا أعرفُه، فَسُرُّوا
بذلك ، وصاروا إلى عمرو، فأخبروه ، فقال : حديثٌ لا يعرفه محمدُ بن
إسماعيل ليس بحديث(٣) .
وقال محمدُ بن أبي حاتم : سمعتُ حاشدَ بن عبد الله يقول : قال
لي أبو مُصعبٍ الزهريُّ : محمدُ بن إسماعيل أفقهُ عندنا وأبصرُ
[ بالحديث ](٤) من أحمد بن حنبل. فقيل له : جاوزتَ الحدَّ. فقال
للرجل : لو أدركتَ مالِكاً، ونظرت إلى وجهه ووجهِ محمد بن إسماعيل ،
لقلت : كلاهما واحدٌ في الفقه والحديث(٥) .
(١) ((مقدمة الفتح)) ٤٨٢ بلفظ: ((صٍيت)).
(٢) ((تهذيب الكمال)): ١١٧٠، و((مقدمة الفتح)): ٤٨٤، و(تهذيب الأسماء
واللغات)) ١/٦٩/١.
(٣) ((تاريخ بغداد)) ١٨/٢، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٦٩/١، و(تهذيب
الكمال )) ١١٧١ .
(٤) ما بين حاصرتين من ((مقدمة الفتح)).
(٥) يغلب على ظني أن أبا مُصعب الزهري لم يقف على كلام أحمد في الفقه حتى جعل =
٤٢٠