Indexed OCR Text

Pages 161-180

كاسب . وقال قائل : هو يعقوب الدورقي، وهو بعيد . وما أجزم بأن
الدورقي سمع إبراهيم بن سعد ، ويَحَتمِل . فأما من قال : هو يعقوب بن
إبراهيم بن سعد ، فقد أخطأ ، فإن البخاري لم يدركه . ومنهم من جوز أن
يكون يعقوب بن محمد الزهري المدني أحد الضعفاء .
مات ابن كاسب في آخر سنة إحدى وأربعين ومئتين .
٦٤ - محمَّد بنُ أبي السَّرِيِّ * (د)
الحافظُ العالمُ الصادقُ ، أبو عبد الله بن متوكل العسقلاني .
سمع فضيلاً، ومُعتمِر بن سليمان، ورِشْدِين بن سعد ، وابن عُيَّيْنة ،
وابن وهب ، وزيد بن أبي الزرقاء ، وعبد الرزاق ، وعدةً .
حدث عنه: أبو داود ، وبكر بنُ سهل ، والحسنُ بنُ سفيان ، وعليُّ بن
محمد الحَكَّاني ، ومحمد بن الحسن بن قتيبة ، وجعفرٌ الفريابي ، وخلقٌ .
وكان محدثَ فلسطين . وثقه يحيى بنُ معين .
وقال ابنُ حبان : كان من الحفاظ .
وقال ابن عدي : كان كثير الغلط .
وقال أبو حاتم : لَيِّنُ الحديث .
قلت : كان من أوعية الحديث .
توفي سنة ثمان وثلاثين . وهو أخو الحُسين بن أبي السري .
* تهذيب الكمال، ورقة: ١٢٦٣، تذكرة الحفاظ ٤٧٣/٢، ٤٧٤، العبر ٤٢٩/١، ميزان
الاعتدال ٥٦٠/٣، و٢٣/٤، ٢٤، الوافي بالوفيات ٨٦/٣، البداية والنهاية ٣١٧/١٠، غاية
النهاية في طبقات القراء ٢٣٤/٢، ٢٣٥، تهذيب التهذيب ٤٢٤/٩، ٤٢٥، النجوم الزاهرة
٢٩٢/٢، طبقات الحفاظ: ٢٠٦ ، خلاصة تذهيب الكمال : ٣٥٧ .
١٦١
سير ١١/١١

أخبرنا أحمد بنُ إسحاق ، أخبرنا الفتح بنُ عبد السلام ، أخبرنا محمد
ابنُ أحمد ، ومحمد بنُ عمر ، ومحمد بن علي ، قالوا : حدثنا أبو جعفر بن
المُسْلِمة ، أخبرنا عُبيد الله بن عبد الرحمن ، حدثنا جعفر الفريابي ، أخبرنا
محمد بنُ أبي السَّري ، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء ، عن سفيان قال : خلافُ
ما بيننا وبين المُرجِئة ثلاثٌ : يقولون : الإِيمان قول ولا عمل ، ونقول : قول
وعمل . ونقول : إنه يزيد وينقص ، وهم يقولون : لا يزيد ولا ينقص ،
ونحن نقول : النفاق ، وهم يقولون : لا نفاق .
٦٥ - سالمُ بنُ حامِد "
نائبُ دمشق للمتوكل ، كان ظلوماً عَسُوفً ، شدَّ عليه طائفةٌ من أشراف
العرب فقتلوه بباب دار الإمارة يوم جمعة سنة بضع وثلاثين ومئتين . فبلغ
المتوكل فتنمَّر، وقال : مَن للشام في صولة الحجاج ؟ فندبَ أفريدون
التركي ، فسار في سبعة آلاف فارس . ورخّص له المتوكل في بذل السيف
ضحوتین ، وفي نهْب البلد . فنزل ببیت لِهْیا(١) . فلما أصبح ، قال : یا
دمشق ، أَيش بِحِلُّ بكِ اليوم مني . فقُدمتْ له بغلةٌ دهماء ليركبها ، فضربته
بالزوج على فؤاده فقتلته . فقبره كان معروفاً ببيت لِهيا ، ورُد عسكرُه إلى
العراق . ثم جاء بعدُ المتوكلُ إلى دمشق، وأنشأ قصراً بداريًّا، وصلَح
الحالُ .
٦٦ - عبدُ الحَكَم **
ابن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين الفقيه الأوحد ، أبو عثمان
* تاريخ دمشق ٩/٧/ب.
(١) بكسر اللام، وسكون الهاء، قرية بغوطة دمشق، والنسبة إليها: ((بَتَلْهِيِّ)).
** الجرح والتعديل ٣٦/٦، لسان الميزان ٣٩٣/٣.
١٦٢

المصري ، أخو محمد مفتي مصر ، وعبد الرحمان صاحب التاريخ .
سمع أباه ، وابنَ وهب . وكان ذا علم وعمل .
◌ُذِّب ودُخِّن. عليه حتى مات مظلوماً سنة سبع وثلاثين ومئتين كهلاً ،
اتُّهم بودائع لعلي بن الجَرَويِّ .
قال ابنُ أبي دُلَيم : لم يكن في إخوته أفقهُ منه .
وأُلزِمَ بنو عبد الحكم في كائنةٍ ابن الجَرَوي بأكثر من ألف ألف دينار ،
ونهبت دورهم . وبعد مدة جاء كتاب المتوكل بإطلاقهم ، وردِّ بعض أموالهم
عليهم . وأخذ القاضي الأصم ، وحُلِقت لحيتُه ، وضُرب بالسياط ، وطيف
به على حمار . وكان جهمياً ظلوماً .
قال أبو الطاهر بن أبي عُبيد الله المديني . لم يكن في أصحاب ابن
وهب أتقنُ ولا أجودُ خطّاً من عبد الحكم .
وقال يحيى بنُ عثمان بن صالح : أحضر بنو عبد الحكم شهوداً بأنّ ابنَ
الجرَوي أبرأهم، فأحضرَ وكيلُ ابنِ الجروي مَنْ شهد بخلاف ذلك ، حتى
كاد أَن تَجري فتنةٌ كبيرة . وبعثَ المتوكلُ مستخرجاً للمال ، فحكم على آل
عبد الحكم بألف ألف دينار، وأربع مئة ألف دينار، وأربعة آلاف دينار .
٦٧ - دِيكُ الچِنِّ *
كبيرُ الشعراء ، أبو محمد ، عبدُ السلام بن رَغبان بن عبد السلام بن
حبيب الكلبي الحمصي السَّلَمَاني(١) الشيعي.
* الأغاني ٥١/١٤، ٦٨، وفيات الأعيان ١٨٤/٣، ١٨٦ ،
(١) بفتح السين المشددة ، وفتح اللام والميم أيضاً، وبعد الألف نون ، وهي نسبة الى
سَلَمْيَةَ ، بفتح أوله وثانيه وسكون الميم وياء مثناة من تحت خفيفة ، وهي بليدة في ناحية البرية =
١٦٣

طريف ماجن خِمّير خليع بِطَّال . وله مَرَاثٍ في الحُسين .
مرَّ به أبو نواس بحمص فأضافه ، وقال : فتنتَ الناس(١) بقولك:
مُوَرَّدَةٌ مِنْ كَفِّ ظَبْيٍ كَأَنَّما تَناوَلَها مِنْ خَدِّهِ فَأَدَارَها (٢)
وكان له مملوك مليح وسُرِّية ، فوجدهما في لحاف ، فقتلهما ، ثم تأسف
عليهما ورثاهما (٣) . وكان يصبغ لحيته بزِنجار (٤)
مات سنة خمس أو ست وثلاثين ومئتين .
= من أعمال حماة ، بينهما مسيرة يومين . ولا يعرفها أهل الشام إلا بسلمِيَّة ، بكسر الميم وفتح الياء
المثناة من تحت المشددة .
(١) في ((وفيات الأعيان)): ((فتنت أهل العراق)).
(٢) البيت مع الخبر في ((وفيات الأعيان)) ١٨٥/٣.
(٣) اشتهر ديك الجن بجارية نصرانية من أهل حمص ، أحبها وتمادى به الأمر حتى غلبت
عليه ، وذهبت به . فلما اشتهر بها ، دعاها إلى الإِسلام ليتزوجها ، فأجابته لعلمها برغبته فيها ،
وأسلمت على يده فتزوجها ، وكان اسمها وَرْد . وقد أعسر واختلت حاله ؛ فرحل إلى سلمية
قاصداً أحمد بن علي الهاشمي ، وأقام عنده مدة طويلة ، فأذاع ابنُ عمه ، بسبب هجائه له ، أنها
تهوى غلاماً له ، وقرر ذلك عند جماعة من أهل بيته وجيرانه وإخوانه . وشاع ذلك الخبر حتى أتى
عبدَ السلام ، فاستأذن أحمد بن علي في الرجوع الى حمص . وقدَّر ابن عمه وقت قدومه ، فأرصد
له قوماً یعلمونه بموافاته باب حمص ، وكان ذلك ، فاخترط سيفه حین وصوله ، فضربها به حتى
قتلها . وحينما بلغه الخبر على حقيقته وصحته ، ندم ندماً شديداً ، ومكث شهراً لا يرقاله دمع ولا
يطعم من الطعام إلا ما يقيم رمقه . وقال في ندمه على قتلها :
وجنى لها ثمرَ الردى بيديها
يا طلعةٌ طلع الحِمامُ عليها
روَّى الهوى شفتيَّ من شفتيها
رؤَّيتُ من دمها الثرى ولطالما
ومدامعي تجري على خديها
قد بات سيفي في مجال وشاحها
شيء أعز علي من نعليها
فوحقٌّ نعليها وما وطىء الحصى
أبكي إذا سقط الذبابُ عليها
وأنِفْتُ من نظر الحسود إليها
ما كان قتليها لأني لم أكن
لكن ضَنْتُ على العيون بحسنها
انظر الخبر مفصلاً في ((الأغاني)) ٥٥/١٤، ٥٨ .
(٤) الزنجار: المتولد في معادن النحاس معرب زَنكار، وانظر ((المعتمد)) في الأدوية
المفردة)» ص ٢٠٨، ٢٠٩ .
١٦٤

٦٨ - ابنُ عَمَّار*
الوزیرُ الکامل ، أبو العباس ، أحمد بن عمار بن شادي البصري ، وزيرُ
المعتصم ، وقورٌ رزينٌ مهيب ، ذو عِفَّة وصدق وخير . وكان جدُّه طحاناً .
وَلَّى المعتصمُ أحمد العَرْضَ ، فعرض الکتب علیه أشهراً ، فورد کتاب
بَليغ من الأمير عبد الله بن طاهر. فقال المعتصمُ: أَجِبْه عنهُ سرَّاً لا تُعلمْ به أحداً .
فعجز، واحتاج إلى كاتب . وَعَرَفَ بذلك المعتصمُ فصرفَه ، واستكتب ابنَ
الزيات، وكان أحدَ البلغاء .
الصولي : أخبرنا الباقطاني ، أخبرنا أبي ، قال : كان ابنُ عمار يتصدَّق
في كل يوم بمئة دينار ، فَكُلُّم في كثرةِ ذلك ، فقال: هُو من فضل غَلَّتي ومن
رزقي .
وجاء كتابٌ من الجَبَل بالإِقبالِ وكثرةِ الغِلال والكلأ . فقال له المعتصمُ:
ما الكلأ؟ فما عرف ، فَسَأَلَ ابنَ الزيات ، فقال : ما رطُبَ من الحشيش .
وقيل : كان ابنُ عمار يختم القرآنَ في كل ثلاث ، ثم إنه حج وجاور .
توفي سنة ثمان وثلاثين ومئتين بالبصرة في الكهولة في آخرها .
٦٩ - إِبراهيم بنُ محمَّد ** (ق ، س )
ابن العباس بن عثمان بن شافع الإِمامُ المحدِّثُ ، أبو إسحاق القرشي
الوافي بالوفيات ٢٥٥/٧ .
٠
** الجرح والتعديل ١٢٩/٢، ١٣٠، تهذيب الكمال، ورقة: ٦٣، العبر ٤٢٥/١،
تذهيب التهذيب ٤١/١، طبقات الشافعية ٨٦/٢، ٨١، العقد الثمين ٢٥٦/٣، ٢٥٧،
تهذيب التهذيب ١٥٤/١، خلاصة تذهيب الكمال : ٢١، شذرات الذهب ٨٨/٢.
١٦٥

المُطَّلبي المكي ، ابن عم الإِمام الشافعي .
حدَّثَ عن : الحارث بن عُمير ، وحمادِ بنِ زيد ، وجدِّه لأمِّهِ محمدِ بنِ
علي بن شافع ، والمنكَدِرَ بن محمد ، وسُفيان بن عُيَيْنة ، وداود العطار ،
وجماعة .
روى عنه: ابن ماجة، وأحمدُ بنُ سَيّار، وبَقِيُّ بن مَخْلد، ومُطَيِّن ،
وابنُ أبي عاصم ، ومحمدُ بنُ محمد بن رجاء ، وآخرون ، ومُسلم في غير
(صحیحه))،وروى النسائي عن رجل عنه .
قال النسائيُّ والدارقطني : ثقة .
وقال أبو حاتم : صدوق .
مات سنة ثمان وثلاثين ومئتين . وقيل : سنة سبع .
٧٠ - الخُزاعِيُّ *(٥)
الإِمامُ الكبيرُ الشهيدُ ، أبو عبد الله ، أحمدُ بنُ نصر بنِ مالك بن الهيثم
الخزاعيُّ المَرْوزِيُّ ثم البغدادي . كان جَدُّهُ أَحَدَ نُقباء الدولة العباسية، وكان
أحمد أَمَّاراً بالمعروف ، قوالاً بالحق .
سمع من: مالك ، وحماد بن زيد، وهُشَيم ، وابن عُيَيْنة . وروى
قليلاً .
* المحبر: ٤٩٠، التاريخ الصغير ٣٦١/٢، تاريخ الطبري ١٣٥/٩، ١٣٩، و
١٩٠، الجرح والتعديل ٧٩/٢، تاريخ بغداد ١٧٣/٥، ١٧٦، طبقات الحنابلة ٨٠/١ ،
٨٢، الأنساب ١١٦/٥، ١١٧، الكامل في التاريخ ٢٠/٧، ٢٣، تهذيب الكمال ورقة :
٤٥، ٤٦، العبر ٤٠٨/١، تذهيب التهذيب ٢٨/١، ٢٩، الوافي بالوفيات ٢١١/٨،
٢١٢، طبقات الشافعية ٥١/٢ وما بعدها، البداية والنهاية ٣٠٣/١٠، ٣٠٧، تهذيب
التهذيب ٧٨/١، خلاصة تذهيب الكمال : ١٣، شذرات الذهب ٦٩/٢.
١٦٦

حدّث عنه: عبدُ الله بن الدَّورقي ، ومحمدُ بنُ يوسف بن الطباع،
ومعاويةُ بنُ صالح الأشعري ، وآخرون .
قال ابنُ الجُنيد : سمعتُ يحيى بن معين يَتَرجَّمُ عليه ، وقال : ختمَ الله
له بالشهادة ، قد كتبتُ عنه، وكان عِندَهُ مُصنَّفاتُ هُشيم كلها ، وعن مالك
أَحاديث . وكان يَقولُ عن الخليفة : ما دخل عليه من يَصْدُقُه . ثم قال
يحيى : ما كان يُحدِّث ، ويقول : لستُ هناك .
قال الصُّولي : کان هو وسهل بنُ سلامة حین کان المأمون بخراسان
بايعا الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ثم قدمَ المأمونُ فَبَايَعَهُ
سهل ، ولزمَ ابنُ نصرٍ بيتَه ، ثم تحرك في آخر أيام الواثق ، واجتمع إليه خلقٌ
يأمرون بالمعروف . قال : إِلى أَنْ ملكوا بغداد ، وتعدَّی رَجُلان مُوسران من
أصحابه ، فَبَذَلا مالاً ، وَعَزما على الوثوب في سنة إِحدى وثلاثين ، فنمَّ الخبرُ
إِلى نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم ، فأخذ أحمدَ وصاحبيه وجماعةً ، ووجدَ
في منزل أحدِهما أعلاماً ، وضربَ خادماً لأحمد ، فأقر بأن هؤلاء كانوا
يأتونَ أحمد ليلاً، ويُخبرونَه بما عملوا. فحُمِلوا إلى سَامَراء مُقِيَّدين، فجلسَ
الواثقُ لهم ، وقال لأحمد : دْ ما أُخِذْتَ له ، ما تَقولُ في القرآن ؟ قال :
كلامُ الله . قال : أفمخلوقٌ هو؟ قال: كلامُ الله . قال : فَتَرَىْ ربَّك في
القيامة ؟ قال : كذا جاءت الرواية . قال : وَيْحَكَ يُرى كما يُرى المحدود
المُتَجَسِّم ، ويَحْويهِ مكان ويَحصُره ناظر ؟ أنا كفرت بمن هذه صفته، ما
تَقُولون فيه ؟ فقال قاضي الجانب الغربي: هو حلالُ الدَّم ، ووافَقَهُ فقهاء ،
فأظهر أحمدُ بنُ أبي دُوَاد أَنَّه كارِهٌ لقتله . وقال: شيخ مختل، تَغَيَّرَ عقلهُ،
يُؤخر. قال الواثق : ما أراه إلا مُؤَدِّياً لكفره قائماً بما يعتقده ، ودعا
بالصَّمْصَامَة، وقام. وقال: أَحتسِبُ خُطاي إلى هذا الكافر. فَضَرَبَ عُنقَه
١٦٧

بَعْد أَنْ مدُّوا له رأسَه بحبل وهو مُقَيَّد ، ونُصبَ رأْسُهُ بالجانب الشرقي ، وتتبّع
أصحابُه فسُجنوا .
قال الحسنُ بنُ محمد الحربي : سمعتُ جعفر بن محمد الصائغ ،
يقولُ : رأيتُ أحمدَ بنَ نصر حين قُتل قال رأسُه : لا إله إلا الله.
قال المرّوذي : سمعتُ أحمد ذكر أحمد بن نصر ، فقال : رحمه
الله ، لقد جاد بنفسه .
وعُلِّقَ في أذن أحمد بن نصر ورقة فيها : هذا رأسُ أحمد بن نصْر ،
دعاه الإِمام هارون إلى القول بخلق القرآن ، ونَفْي التشبيه ، فأبى إلَّ
المعاندة ، فعجَّله الله إلى ناره . وكتب محمدُ بنُ عبد الملك .
وقيل : حَيْقِ [عليه] الواثقُ لأنه ذكر للواثق حديثاً ، فقال : تكذبُ .
فقال : بل أنت تكذبُ . وقيل : إنه قال له : يا صَبِي ، ويَقولُ في خلوته عن
الواثق : فَعَلَ هذا الخنزير . ثم إنَّ الواثقَ خاف من خروجه ، فقتله في شعبان
سنة إحدى وثلاثين ، وكان أبيضَ الرأس واللحية .
ونُقل عن المؤكَّل بالرأس أَنَّه سمعهُ في الليل يقرأ : ﴿يس﴾ وصح
أنهم أقعدوا رجلاً بقصبة(١)، فكانت الريحُ تُدِيرُ الرأْسَ إلى القبلة ، فَيُديرُهُ
الرجل .
قال السراج : سمعتُ خَلَفَ بنَ سالم ، يقول بعدما قُتل ابن نصر ،
وقيل له : ألا تَسَمِعُ ما الناس فيه يقولون : إن رأس أحمد بن نصر يقرأ؟ !!
فقال : كان رأسُ يحيى يقرأ . وقيل : رُئي في النوم ، فقيل : ما فعل الله
بك ؟ قال : ما كانتْ إلا غفوةً حتى لقيتُ الله، فضحك إِليَّ. وقيل : إنه
(١) الخبر في ((تاريخ بغداد)) ١٧٩/٥، وفيه: فأقعدوا له رجلاً معه قصبة أو رمح ...
١٦٨

قال : غضبتُ له فأباحني النظر إلى وجهه .
بقي الرأس منصوباً ببغداد ، والبَدَنُ مصلوباً بسامراء سِت سنين إلى أن
أنزل ، وجمع في سنة سبع وثلاثين ، فَدُفِن رحمة الله عليه .
٧١ - أَحْمَدُ بنُ أَبِي دُوَاد*
القاضي الكبير، أبو عبد الله ، أحمدُ بن فرج بن حَرِيز الإِيادي
البصري ثم البغدادي ؛الجهمي، عدوُ أحمد بن حنبل . كان داعيةً إلى خلق
القرآن ، له كرم وسخاء وأدب وافر ومكارم .
قال الصُّولي : أكرمُ الدولة البرامكة ، ثم ابنُ أبي دُوَاد لولا ما وَضع به
نفسه من محبة المحنة .
ولد سنة ستين ومئة بالبصرة ، ولم يُضَف إلى كرمه كرم .
قال حريز بن أحمد بن أبي دُوَاد : كان أبي إذا صلى ، رفع يده إلى
السماء وخاطب ربه ويقول :
مَا أَنْتَ بِالسَّبَبِ الضَّعِيْفِ وإِنَّمَا نُجْحُ الْأُمُورِ بِقُوَّةِ الأَسْبَابِ
فَالْيَوْمَ حَاجَتُنَا إِلَيْكَ، وإنَّما يُدعى الطَِّيْبُ لِسَاعَةِ الأَوْصَابِ(١)
وقال أبو العَيناء : كان ابنُ أبي دُوَاد شاعراً مجيداً فصيحاً بليغاً ، ما رأَيْتُ
رئيساً أفصح منه .
* تاريخ الطبري ١٩٧/٩، الفهرست: ٢١٢، تاريخ بغداد ٤ /١٤١، ١٥٦، وفيات
الأعيان ٨١/١، ٩١، ميزان الاعتدال ٩٧/١، العبر ٤٣١/١، الوافي بالوفيات ٢٨١/٧،
٢٨٥، البداية والنهاية ٣١٩/١٠، النجوم الزاهرة ٣٠٢/٢، لسان الميزان ١٧١/١، شذرات
الذهب : ٩٣/٢.
(١) البيتان في ((وفيات الأعيان)) ٨٧/١، وروايته: ((لشدة)) بدل: ((لساعة))، وفي
((تاريخ بغداد)) ١٤٣/٤، وفي ((البداية والنهاية)) ٣٢٠/١٠.
١٦٩

قال عونُ بنُ محمد الكِندي : لَعَهْدِي بالكرخ ، ولو أَنَّ رجلاً قال : ابنُ أبي
دُوَاد مسلمٌ ، لقُتل . ثم وقَعَ الحريقُ في الكرخ ، فلم يكن مثله قط . فكلم ابنُ
أبي دُوَاد المعتصمَ في الناس ، ورقَّقه إلى أَنْ أطلقَ له خمسةَ آلاف ألف
درهم ، فقسمها على الناس ، وغرم من ماله جملةٌ . فَلَعَهْدِي بالكرخ ، ولو
أَنَّ إنساناً ، قال : زِرُّ أحمد بن أبي دُوَاد وسخ ، لقتل .
ولما مات ، رثته الشعراء ، فمن ذلك :
وَلَيْسَ نَسِيمَ المِسْكِ رِيْحُ حَنُوطِهِ وَلَكِنَّه ذَاكَ الثَّنَاءُ المُخلَّفُ
وَلَيْسَ صَرِيْرَ النَّعْشِ مَا تَسْمَعُونَه وَلكِنَّهُ أَصْلابُ قومٍ تَقَصَّفُ(١)
وقد كان ابن أبي دُوَاد يوم المحنة إِلْباً على الإِمام أحمد ، يَقُول : يا أميرَ
المؤمنين ، اقتلْهُ ، هو ضَالَّ مُضِل .
قال عبد الله بنُ أحمد : سمعتُ أبي ، سمعتُ بِشْر بنَ الوليد ، يقول :
اسْتَبْتُ أحمد بنَ أبي دُوَاد من قوله : القرآنُ مخلوقٌ في ليلة ثلاثَ مرات ، ثم
يُرجِع .
قال الخَلال : حدثنا محمدُ بنُ أبي هارون ، حدثنا إسحاقُ بن إبراهيم بن
هانىء ، قال : حضرتُ العيدَ مع أحمد بن حنبل ، فإذا بقاصٍّ يقول : على ابنٍ
أبي دُوَاد اللعنةُ، وحشا الله قبرَه ناراً. فقال أبو عبد الله: ما أنفعهم للعَامَّة .
وقد كان ابنُ أبي دُوَادِ مُحْسِناً إلى عليّ بنِ المديني بالمال ، لأَنَّه بَلَدِيُّهُ
ولشيء آخر ، وقد شَاخ ورُميَ بالفالج ، وعادَهُ عبدُ العزيز الكِناني(٢) ، وقال: لم
(١) البيتان في ((النجوم الزاهرة)) ٢٠٣/٢، وفي ((تاريخ بغداد)) ١٥١/٤، و((الوافي
بالوفيات)) ٢٨٤/٧، و((وفيات الأعيان)) ٩٠/١. والرواية في المصدرين الأخيرين: ((فتيق
المسك)) بدل (( نسيم المسك ».
•
(٢) هو عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكِناني المكي ، من تلامذة الإِمام الشافعي
المقتبسين منه ، المعترفين بفضله . وكان يلقب بالغول لدمامته . وقدم بغداد في أيام المأمون ،
فجرت بينه وبين بشر المريسي مناظرة في القرآن . له عدة تصانيف ، وهو صاحب كتاب=
١٧٠

آتِّكَ عائداً، بل لَأَحْمَد الله على أن سجنك في جلدك .
قال المغيرةُ بنُ محمد المُهَلَّبي : ماتَ هو وولدُه محمد منكوبَيْن ، الولدُ
أولاً ، ثم ماتَ الأب في المحرم سنة أربعين ومئتين ، ودُفِنَ بدارِه ببغداد .
قلتُ : صادَرَهُ المُتوكل ، وأَخَذَ منه سِتَّةَ عشر ألف ألف درهم ،
وافتقر، وولَّى القضاء يحيى بنَ أَكْثَم ، ثم عزله بعد عامين ، وأُخَذَ منه مئة
ألف دينار وأربعة آلاف جريب كانت له بالبصرة . فالدنيا مِحَنٌ .
٧٢ - إسحاقُ بنُ إبراهيم *
ابن مصعب الخُزاعي أميرُ بغداد ، وَلِيَها نحواً من ثلاثين سنة ، وعلى
يده امتُحن العلماء بأمر المأمون في خلق القرآن .
وكان سائساً صارماً جواداً ممدحاً ، له فَضِيلةٌ ومعرفة ودهاء .
مات سنة خمس وثلاثين ومئتين .
ووليَ بَعده بغدادَ ابنهُ محمد .
٧٣ - الحَسَنُ بن سَهْل **
الوزيرُ الكامل ، أبو محمد ، حَمو المأمون ، وأخو الوزير ذي
الرئاستين الفضل بن سَهل ، من بيت حِشمة من المجوس ، فأسلم سهلٌ
=((الحَيْدَة))، إلا أن المؤلف في ((ميزانه)) ٦٣٩/٢ قال: لا يصح إسناده إليه ، فكأنه وضع عليه .
مترجم في ((التهذيب)). توفي سنة ٢٤٠ هـ .
* تاريخ الطبري ، الجزء ٩، الكامل في التاريخ ، الجزء ٧ ، شذرات الذهب ٨٤/٢ ،
العبر ٤٢٠/١، الوافي بالوفيات ٣٩٦/٨، ٣٩٧.
** تاريخ الطبري ١٨٤/٩، ١٨٥، تاريخ بغداد ٣١٩/٧، ٣٢٣، وفيات الأعيان
١٢٠/٢، ١٢٣، العبر ٤٢٣/١، المحبر: ٤٨٩، البداية والنهاية ٣١٥/١٠، النجوم
الزاهرة ، ٢٨٧/٢، شذرات الذهب ٨٦/٢ .
١٧١

زمن البرامكة ، فكان قَهرماناً ليحيى البرمكي . ونشأ الفضلُ مع المأمون
فَغَلب عليه ، وتمكن جداً إلى أَنْ قُتل . فاستوزر المأمونُ بعده أخاه ، ولم
يَزَلْ فِي تَوقُل(١) إلى أن تَزَوَّجَ المأمونُ ببنتِه بوران سنة عشر ومئتين ، فلا
يُوصَفُ ما غَرم الحسنُ على ◌ُرسِها . ويُقالُ : نابَهُ على مُجرَّدٍ الوليمةِ والنِّثار
أربعةُ آلاف ألف دينار .
وعاشَ بعد المأمون في أوفر عزٍ وحُرمة ، وكان يُدعى بالأمير .
شكى إليه الحسنُ بنُ وهب الكاتب إضافةً فوصله بمئة ألف. ووصل
محمدَ بنَ عبد الملك الزيات مرةً بعشرين ألفاً ، ومرة بخمسة آلاف دينار .
وكان فرداً في الجود ، أراد أَنْ يَكتُبَ لِسِقَّاءٍ مرّةً ألف درهم ، فسبقْهُ
يَدُه ، فكتب أَلْفَ ألفِ درهم ، فروجع في ذلك ، فقال : والله لا أُرجِعُ عن
شيء كتبتْه يدي ، فصولح السَّقَّءُ على جُملةٍ(٢).
مات بسرخس في ذي القعدة سنة ست وثلاثين ومئتين . وعاشت بُورانُ
إلى حدود السبعين ومئتين .
٧٤ - ابنُ الزَّيَّات*
الوزيرُ الأديبُ العلامةُ أبو جعفر محمدُ بنُ عبد الملك بن أبان بن
الزيات . كان والده زياتاً سوقياً ، فساد هذا بالأدب وفنونهِ ، وبراعةِ النظم
(١) أي في صعود وترقٍ .
(٢) الخبر في ((تاريخ بغداد)) ٣٢٣/٧ وفيه: فصُولح السقاء على جملةٍ منها ، ودفعت
إليه .
* تاريخ الطبري ٢٧/١١، تاريخ بغداد ٣٤٢/٢، ٣٤٤، الأنساب ٣٥٦/٦، ٣٥٧،
الكامل لابن الأثير ٣٦/٧، ٣٩، وفيات الأعيان ١٨٢/٤، ١٨٨ و٩٤/٥، ١٠١، العبر
٤١٤/١، الوافي بالوفيات ٣٢/٤، ٣٤، البداية والنهاية ٣٤٦/١٠، النجوم الزاهرة ٢٧١/٢،
٢٧٢٠، شذرات الذهب ٧٨/٢، ٧٩، خزانة الأدب ٢١٥/١، ٢١٦.
١٧٢

والنثر، ووزر المعتصم والواثق ، وكان مُعادياً لابنِ أبي دُوَاد ، فأغرى ابنُ
أبي دُوَاد المتوكلَ ، حتى صادر ابنَ الزيات وعذبه .
وكان يقول بخلق القرآن ، ويقول : ما رحمتُ أحداً قط ، الرحمةُ خوَّرٌ
في الطبع(١). فسُجن في قَفَص حَرِجٍ ، جهاتُه بمسامير كالمسَالِّ ، فكان
يَصيحُ : ارحموني ، فيقولون : الرحمة خَوَرٌ في الطبيعة(٢).
مات في سنة ثلاث وثلاثين ومئتين . وله ترسُّل بديع ، وبلاغة
مشهورة ، وأخبار في (( وفيات الأعيان )).
٧٥ - العَلَّف»
شيخُ الكلام ، ورأسُ الاعتزال ، أبو الهُذيل ، محمد بن الهُذيل بن
عُبيد الله البصري العلاف ، صاحبُ التصانيف ، والذكاء البارع. يقال :
قارب مئة سنة ، وخَرِف ، وعَمِيَ .
مات سنة ست وعشرين ، ويقال : سنة خمس وثلاثين ومئتين .
ومولده سنة خمس وثلاثين ومئة .
(١) في ((وفيات الأعيان)) ١٨٧/٤: ((الطبيعة)).
(٢) انظر الخبر في المصدر السابق ، وفي الصفحة ذاتها . وفيه أنه طلب دواة وبطاقة ،
فأحضرتا إليه ، فكتب :
كأنه ما تريك العين في النوم
هي السبيل فمن يوم إلى يوم.
دنيا تَنقِّلُ من قوم إلى قوم
لا تجزعنَّ ، رويداً ، إنها دول
وسيّرها إلى المتوكل ، ولم يقف عليها المتوكل إلا في الغد . فلما قرأها ، أمر بإخراجه ،
فجاؤوا إليه ، فوجدوه ميتاً ... وكانت مدة إقامته في التنور أربعين يوماً .
* مروج الذهب ٢٩٨/٢، الفهرست: ٢٠٣، ٢٠٤، تاريخ بغداد ٣٦٦/٣، ٣٧٠،
وفيات الأعيان ٢٦٥/٤، ٢٦٧، العبر ٤٢٢/١، الوافي بالوفيات ١٦١/٥، ١٦٣، نكت
الهميان: ٢٧٧، أمالي المرتضى ١٢٤/١، شذرات الذهب ٨٥/٢ .
١٧٣

لم يلق عمرو بن عُبيد ، بل لازم تلميذه عثمان بن خالد الطويل ،
وقيل : وَلاؤُه لعبد القيس .
ماتَ لصالحِ بنِ عبدِ القُدُّوس المتكلُّم وَلَدٌ ، فأتاه العلافُ يُعَزِّيه ، فرآه
جزءاً ، فقال : ما هذا الجزع، وعندك أنَّ المرء كالزرع؟ قال: يا أَبا الهُذَيل
جزِعتُ عليه لكونِهِ ما قَرَأ كتاب ((الشُّكوك)) لي . فمن قرأَه ، يَشُكُّ فيما كان
حتى يَتَوَهِّمُ أَنَّه لم يكن ، وفيما لم يكن حتى يَظُنَّ أَنَّه كان. قال: فشُكَّ أَنْتَ في
موتِ ابنك، وظُنَّ أنه لم يَمُتْ، وشُكَّ أنه قد قرأ كتاب ((الشكوك)).
ولأبي الهذيل كتابٌ في الرد على المجوس ، ورَدّ على اليهود ، ورَدّ
على المُشَبِّهة ، ورَدّ على الملحدين ، وَرَدّ على السوفَسطَائَّة ، وتصانيفه
كثيرة ، ولكنها لا توجد .
٧٦ - ابنُ كُلَّب*
رأسُ المتكلمين بالبصرة في زمانه ، أبو محمد ، عبدُ الله بنُ سعيد بن
كُلَّبِ القَطَّان البصري صاحبُ التصانيف في الرَّد على المعتزلة ، وربما
وافقهم .
أخذ عنه الكلام داودُ الظاهري ، قاله أبو الطاهر الذُّهْلي .
وقيل : إن الحارثَ المُحَاسبي أخذ علمَ النظرِ والجدل عنه أيضاً .
وكان يُلقَّبُ كُلّباً لأنه كان يَجُّ الخَصْمَ إلى نفسه ببيانِهِ وبلاغتِه .
وأصحابهُ هم الكُلَّابِيَّةِ ، لحِق بعضَهم أبو الحسن الأشعريُّ ، وكان يَردُّ على
الجَهْمية .
* الفهرست: ٢٣٠، طبقات الشافعية للسبكي ٢٩٩/٢، ٣٠٠، لسان الميزان
٢٩٠/٣، ٢٩١، مقالات الإسلاميين ٢٤٩/١ وما بعدها و٢٢٥/٢ وما بعدها .
١٧٤

وقال بعضُ من لا يعلم : إنه ابتَدعَ ما ابتدعَه لَيَدُسَّ دينَ النَّصارى في
مِلَّتِنا، وإنَّه أَرْضَى أختَه بذلك ، وهذا باطل ، والرجلُ أقربُ المتكلمين إلى
السُّنةِ ، بل هو في مناظريهم(١) . وكان يقول بأن القرآنَ قائمٌ بالذات بلا
قُدرةٍ ولا مشيئة . وهذا ما سُبق إليه أبداً، قاله في معارضة من يَقولُ بخلق
القرآن .
وصنَّف في التوحيد ، وإثباتِ الصفات ، وأَنَّ عُلُّوَّ الباري على خلقه
مَعْلُومُ بالفطرة والعقل على وفق النص ، وكذلكَ قال المُحاسبي في كتاب
((فهم القرآن )) . ولم أقع بوفاة ابن كُلَّب . وقد كان باقياً قبل الأربعين
ومئتين .
وذكر له ابنُ النَّجَّار ترجمةً فلم يُحررْها ، وذكر أنَّه كان في أيام الجنيد ،
وسمعَ شيئاً من عبارات الصوفية ، وتعجب منه وهابَه .
قال محمدُ بن إسحاق النَّدِيم : وابنُ كُلَّب من نابِتَةِ الحَشْوِيَّة ، له مع
عباد بن سَلْمان مناظرات ، فيقول : كلام الله هو الله ، فيقول عباد : هو
نصرانيٌّ بهذا القول .
وقال أبو العباس البغوي : قال لي فَيْتُون النصراني : رحم الله عبد
الله، كان يجيئني إلى البِيعة ، وأخذ عني ، ولو عاش لنصَّرْنا المسلمين .
فقيل لِفَيْتُون : ما تقول في المسيح ؟ قال : ما يقوله أهلُ سُنَّتِكم في القرآن .
(١) كان إمام أهل السنة في عصره ، وإليه مرجعها، وقد وصفه إمام الحرمين ت ٤٧٨ هـ في
كتابه ((الإِرشاد)) ص: ١١٩: بأنه من أصحابنا. وقال السبكي في ((طبقاته)): أحد أئمة
المتكلمين . وشيخ الإسلام ابن تيمية يمدحه في غير ما موضع في كتابه ((منهاج السنة))، وفي
مجموعة رسائله ومسائله ، ويعده من حذاق المثبتة وأئمتهم ، ويرى أنه شارك الإِمام أحمد وغيره من
أئمة السلف في الرد على مقالات الجهمية . وحين تكلم أبو الحسن الأشعري في كتابه ((مقالات
الإسلاميين)) ١٨٩/١، ٢٩٩ عن أصحابه، ذكر أنهم يقولون بأكثر مما ذكرناه عن أهل السنة .
١٧٥

ولا بن كُلَّب كتاب ((الصفات))،وكتاب ((خلق الأفعال))، و (( كتاب الرد
على المعتزلة )) .
٧٧ - ابنُ بنتِ السُّدِّي* ( د ، ت ، ق)
الشيخُ الإِمام مُحدِّثُ الكوفة ، أبو محمد ، وقيل : أبو إسحاق ،
إبراهيم(١) بن موسى الفزاري الكوفي سِبط إسماعيل السُّدِّي .
سمع عمر بنَ شاكر الراوي عن أنس ، وشريكَ بن عبد الله ، ومالكَ بن
أنس ، وعبد الرحمن بن أبي الزِّناد ، وطبقتَهم .
حدَّث عنه: أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، وابنُ خزيمة ، وأبو
عَرُوبة ، وخلقٌ .
قال أبو حاتم : صدوق . سمعتُه يقولُ : سَمَّتْني أمي باسم إسماعيل
الشُّدِّي ، فسألتُه عن قرابته من السُّدي ، فأنكر أن يكون ابنَ بنته ، وإذا قرابتُه
منه بعيدة . فهذه رواية ثابتة تدفع أنَّه ابنُ ابنةِ السُّدِّي ، لكنه شيء غلب
عليه .
وكان من شيعة الكوفة . وقيل : كان غَالياً .
قال عَبْدانُ الأهوازيُّ : أنكر علينا أبو بكر بنُ أبي شَيْبة ، أو هَنَّادِ مُضِيَّنا
* التاريخ الكبير ٣٧٣/١، التاريخ الصغير ٣٨٢/٢، الجرح والتعديل ١٩٦/٢،
الكامل لابن عدي، ورقة: ٧، ٨، الأنساب ٦٣/٧، اللباب ٤٤٤/١، تهذيب الكمال،
ورقة : ١١٢، تذهيب التهذيب ١/٦٨/١، ميزان الاعتدال ٢٥١/١، البداية والنهاية
٣٤٦/١٠، تهذيب التهذيب ٣٣٥/١، ٣٣٦، خلاصة تذهيب الكمال: ٣٦، شذرات
الذهب ١٠٧/٢ .
(١) هو في كتب التراجم إسماعيل بن موسى الفزاري ، وليس إبراهيم . انظر مصادر
ترجمته . وكذا صرح الذهبي نفسه في الصفحة التالية .
١٧٦

إلى إسماعيل بن موسى ، وقال : أيْش عملتُم عندذاك الفاسقِ الذي يَشْتُم
السَّلَف. رواها ابن عَدِي . ثم قال: أَوْصَلَ عن مالك حديثين ، وتَفَرَّدَ عن
شَرِيك بأحاديثَ ، وإنما أَنْكُرُوا غُلوّه في التشيّع .
وقال عليُّ بنُ جعفر : أخبرنا إسماعيل بنُ بنتِ السُّذِّي ، قال : كنتُ
في مجلس مالك ، فسئل عن فريضة ، فأجاب بقول زيد ، فقلتُ ما قال فيها
علي وابنُ مسعود ، رضي الله عنهما ، فَأَوْمَأَ إلى الحجبة ، فلما هَمُّوا بي
عدوتُ وأعجزتُهم ، فقالوا : ما نَصنَعُ بكتبه ومحبرته ؟ فقال : اطلبوه برفق ،
فجاؤوا إليَّ فجئتُ معهم . فقال مالكٌ : من أين أنت ؟ قلتُ : من الكوفة
قال : فأينَ خلَّفْتَ الأدب ؟ فقلتُ : إنما ذاكرتُك لَستفيد . فقال : إنَّ علياً
وعبد الله لا يُنكر فَضْلُهما، وأهلُ بلدنا على قولِ زيد بن ثابت ، وإذا كنتَ
بين قوم ، فلا تَبدأهم بما لا يعرفون ، فيبدأك منهم ما تكره .
تُوُفِّي إسماعيلُ الفزاري في سنة خمس وأربعين ومئتين . وكان من أبناء
التسعين ، سامحه الله .
ومات معه أحمدُ بن عبدَةَ الضّبِّيُّ، وهشامُ بنُ عمار ، وأبو الحسن أحمدُ
ابنُ محمد النَّّال مقرىء مكة ، وإسحاقُ بنُ أبي إسرائيل ، وأحمد بنُ نصر
النيسابوري ، وذو النون المصريُّ الواعظُ ، وسَوَّار بنُ عبد الله العنبري ،
وعبدُ الله بنُ عمران العابدي ، ودُحَيم ، ومحمدُ بنُ رافع ، وأبو تُراب
النَّخْشَبِيُّ الزاهد .
٧٨ - أحمَد بنُ حَنْبل* (ع)
هو الإِمامُ حقاً، وشيخُ الإِسلام صدقاً ، أبو عبد الله ، أحمدُ بنُ
* طبقات ابن سعد ٣٥٤/٧، ٣٥٥، مقدمة كتابه ((الزهد))، التاريخ الكبير ٥/٢،=
سير ١٢/١١
٠
١٧٧

محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حَيَّان بن عبد الله
ابن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذُهل بن ثعلبة بن عُكابَة بن
صعب بن علي بن بكر بن وائل الذُّهْلي الشيباني المَرْوَزِي ثم البغدادي ،
أحدُ الأئمة الأعلام . هكذا ساق نَسبَه ولدُهُ عبد الله ، واعتمده أبو بكر
الخطيب في (( تاريخه )) وغيره .
وقال الحافظُ أبو محمد بنُ أبي حاتم في كتاب ((مناقب أحمد)) :
حدثنا صالحُ بن أحمد ، قال : وجدتُ في كتاب أبي نسَبَه ، فساقَه إلى
مازن ، كما مرَّ ، ثم قال : ابن هُذيل بن شيبان بن ثعلبة بن عُكابة ، كذا قال :
هُذيل، وهو وَهم(١) ، وزاد بعدَ وائل: ابن قاسط بن هِنْب بن أقْصى بن
دُعْمِيِّ بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بن أدٌّ بن أُدَد بن
الهُمَيْسَع بن نبت بن قَيذار بن إسماعيل بن إبراهيم ، صلوات الله عليه .
وقال أبو القاسم البَغَوي : حدثنا صالح بنُ أحمد فذكرَ النَّسب ، فقال فيه
ذُهْل على الصواب . وهكذا نقلَ إسحاقُ الغَسِيلي عن صالح .
وأما قولُ عباس الدوري ، وأبي (٢) بكر بن أبي داود: إن الإِمام أحمد
=التاريخ الصغير ٣٧٥/٢، تاريخ الفسوي ٢١٢/١، الجرح والتعديل ٢٩٢/١ - ٣١٣
و٦٨/٢، ٧٠، حلية الأولياء ١٦١/٩، ٢٣٣، الفهرست: ٢٨٥، تاريخ بغداد ٤١٢/٤،
٤٢٣، طبقات الحنابلة ٤/١، ٢٠، تهذيب الأسماء واللغات ١١٠/١، ١١٢، وفيات
الأعيان ٦٣/١، ٦٥، تهذيب الكمال، ورقة: ٣٦، تذكرة الحفاظ ٤٣١/٢، العبر ٤٣٥/١،
تذهيب التهذيب ٢٢/١، الوافي بالوفيات ٣٦٣/٦، ٣٦٩، مرآة الجنان ١٣٢/٢، طبقات
الشافعية للسبكي ٢٧/٢، ٣٧، البداية والنهاية ٣٢٥/١٠، ٣٤٣، غاية النهاية في طبقات
القراء١١٢/١، النجوم الزاهرة ٣٠٤/٢، ٣٠٦، طبقات الحفاظ: ١٨٦، مناقب الإمام
أحمد ، خلاصة تذهيب الكمال : ١١، ١٢، طبقات المفسرين ٧٠/١، الرسالة المستطرفة:
١٨، شذرات الذهب ٩٦/٢، ٩٨ .
(١) في ((تاريخ الإِسلام)): وهو غلط .
(٢) في الأصل: ((أبو)).
١٧٨

من بني ذُهْل بن شيبان فَوَهْمٌ ، غَلَّطهما الخطيب وقال : إنما هو من بني شيبان بن
ذهل بن ثعلبة ، ثم قال : وذُهل بن ثعلبة هم (١) عمُّ ذهل بن شيبان بن ثعلبة .
فينبغي أن يقال فيه : أحمد بن حنبل الذهلي على الإطلاق . وقد نسبه أبو عبد الله
البخاري إليهما معاً .
وأما ابنُ ماكولا فمع بصره بهذا الشأن وَهِمَ أيضاً . وقال في نسبه :
مازن بن ذهل بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة ، وما تابعه على هذا أحد .
وكان محمدٌ والد أبي عبد الله من أجناد مَرْو ، ماتَ شاباً له نحو من
ثلاثين سنة . ورُبِّيَ أحمد يتيماً ، وقيل: إن أُمَّه تَحَوَّلتْ من مرو ، وهي حاملٌ
به .
فقال صالح ، قال لي أبي : ولدتُ في ربيع الأول سنة أربع وستين
ومئة . قال صالح : جيء بأبي حَمَلٌ من مرو ، فماتَ أبوه شاباً ، فَوَلِيتْه أمه .
وقال عبد الله بن أحمد ، وأحمد بن أبي خيثمة : وُلد في ربيع الآخر .
قال حنبل : سمعتُ أبا عبد الله ، يقول : طلبتُ الحديث سنةً تسعٍ
وسبعين ، فسمعتُ بموت حمادٍ بن زيد ، وأنا في مجلس هُشيم .
قال صالح : قال أبي : ثَقَبَتْ أُمِّي أُذُنِيَّ فكانت تُصِيِّر فيهما
لؤلؤتين ، فلما تَرَعْرَعْتُ ، نزعتُهما ، فكانت(٢) عندها، ثم دفعتْهما إليَّ،
فبعتُهما بنحو من ثلاثين درهماً .
قال أبو داود : سمعتُ يعقوبَ الدَّوْرقي ، سمعتُ أحمد يقول : ولدتُ
في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين [ ومئة ](٣).
(١) في ((تاريخ الإِسلام)): ((هو)) بدلاً من ((هم)).
(٢) في ((تاريخ الإسلام)): ((فكانتا)).
(٣) ما بين حاصرتين زيادة من ((تاريخ الإِسلام)).
١٧٩

شيوخه :
طلبَ العلمَ وهو ابنُ خمس عشرة سنة ، في العام الذي مات فيه
مالكٌ، وحماد بنُ زيد .
فسمع من إبراهيم بن سعد قليلاً، ومن هُشَيْم بن بشير فأكثر، وجوَّد،ومن
عبَّاد بن عباد المهلبي، ومُعْتَمِر بن سُليمان التَّيمي، وسفيان بن عيينة الهلالي،
وأيوب بنِ النجار ، ويحيى بنِ أبي زائدة ، وعلي بن هاشم بن البَرِيد(١)،
وقُرَّان بنِ تمام ، وعَمَّار بنٍ محمد الثوري ، والقاضي أبي يوسف ، وجابر بن
نوح الحِمَّاني ، وعلي بن غراب القاضي ، وعمر بن عُبيد الطنافسي ، وأخويه
يَعْلَى ، ومحمد ، والمطَّلِب بن زياد ، ويوسف بن الماجشون ، وجريرِ بنِ
عبد الحميد ، وخالد بن الحارث ، وبشر بن المُفَضَّل ، وعباد بن العوام ،
وأبي بكر بن عياش ، ومحمد بن عبد الرحمن الطَّفَاوي ، وعبد العزيز بنِ عبد
الصمد العَمِّي ، وعَبْدَة بنِ سُليمان ، ويحيى بنِ عبد الملك بن أبي غَنِيَّة ،
والنَّضرِ بنِ إسماعيل البَجَلي ، وأبي خالد الأحمر، وعلي بنِ ثابت
الجَزَرِي ، وأبي عُبيدةً الحداد ، وعَبِيدةً بنٍ حُميد الحذاء ، ومحمد بن سلمة
الحَرَّاني ، وأبي معاويةَ الضرير ، وعبدِ الله بنِ إدريس ، ومروانَ بنِ معاوية ،
وغُنْدَر، وابنٍ عُلَيَّةِ ، ومَخْلد بن يزيد الحَراني ، وحفصِ بنِ غياث ، وعبد
الوهّاب الثقفي ، ومحمد بنٍ فُضَيل ، وعبد الرحمن بنٍ مُحمد المحاربي ،
والوليدِ بنِ مُسلم ، ويحيى بن سُليم حديثاً واحداً، ومحمد بنٍ يزيد
الواسطي ، ومحمد بنِ الحسن المُزَني الواسطي ، ويزيد بنٍ هارون ، وعلي
ابنِ عاصم ، وشُعيب بن حرب ، ووكيع فأكثر ، ويحبى القَطَّان فبالغ ،
ومسكين بن بُكَيْر ، وأنس بن عياض الليثي ، وإسحاق الأزرق ، ومعاذ بنٍ
(١)) بفتح الموحدة، وبعد الراء تحتانية ساكنة، كما في ((تقريب التهذيب)) ٤٥/٢.
١٨٠