Indexed OCR Text
Pages 281-300
أَمَّا في أولِ سنةٍ ، فِعْنا الأثاثَ والعَقَار، وفي الثانية بِعنا الضَِّاعِ، وفي الثالثة نَزَحنا وأتيناكَ ، قال : كذبتَ ، بل هو محمودٌ ، وعرفتُ سُخطكُم على العُمّال . قال : صدقتَ يا أميرَ المُؤمنين ، وكذبتُ ، قد خصَصْتَنا به مدةً دونَ باقي البلاد ، فاستعمِلْهُ على بلدٍ آخر ليشمَلَهُم مِن عدلِه وإنصافِه ما شمِلنا . فقلتُ : قُمْ في غيرِ حفظِ الله، قد عزلتُه(١) . أولُ قدومِ المأمونِ من خُراسان سنةً أربع ومئتين ، فدخلَ بغداد في مَحْمِلٍ لم يُسمع بمثله . قال إبراهيم نِفْطَويه : حكى داودُ بنُ علي ، عن يحيى بنٍ أكثم قال : كنتُ عندَ المأمون وعنده قُوّادُ خُراسان ، وقد دعا إلى القولِ بخلقِ القُرآن ، فقال لهم : ما تقولونَ في القُرآن ؟ فقالوا : كان شيوخُنا يقولون : ما كان فيه من ذكرِ الحميرِ والجمالِ والبقرِ فهو مخلوق ، فأمّا إذ قال أميرُ المؤمنين : هو مخلوقٌ ، فنحن نقولُ: كُلُّه مخلوقٌ . فقلتُ للمأمون : أتفرَحُ بموافقةٍ هؤلاء(٢) ؟ قلتُ : وكان شِيعياً . قال نِفطويه : بعثَ المأمون مُنادياً ، فنادى في الناس ببراءَةِ الذِّمَّةِ مَمِّن ترجَّم على مُعاوية ، أو ذكرَه بخير . وكان كلامُه في القُرآن سنةً اثنتي عشرة ومئتين ، فأنكرَ الناسُ ذلك ، واضطربوا ، ولم ينلْ مقصودَه ، ففتَر إلى وقت(٣). وعن المأمون قال : الناسُ ثلاثةٌ : رجلٌ منهم مثلُ الغِذاءِ لا بدَّ منه ، (١) ((مروج الذهب)) ٣٥/٧ - ٣٨. (٢) ((فوات الوفيات)) ٢٣٧/٢، ٢٣٨. (٣) ((فوات الوفيات)) ٢٣٨/٢. ٢٨١ ومنهم كالدواءِ يُحتاجُ إليه في حالِ المرض ، ومنهم كالدّاءِ مكروهٌ على كلِّ حال(١) . وعنه قال : لا نُزهةَ الدُّ من النظرِ في عُقُولِ الرِّجال . وعنه : غَلَبةُ الحُجَّةِ أحبُّ إليَّ من غَلَبةِ القُدرة(٢). وعنه : الملِكُ يغتَفِرُ كلَّ شيءٍ إلا القَدْحَ فِي المُلك، وإفشاءَ السُّرِّ ، والتعرُّضَ لِلحُرَم(٣). وعنه : أَعْيت الحيلةُ في الأمرِ إذا أقبلَ أن يُدبِر، وإذا أدَبَر أن يُقبِل (٤). وقيل له : أيُّ المجالسِ أحسنُ ؟ قال : ما نُظِرِ فيه إلى الناسِ ، فلا منظَرَ أحسنُ من الناس(٥) . أبو داود المصاحِفي(٦): حدثنا النَّضْرُ بن شُميل قال : دخلتُ على المأمون ، فقلتُ : إني قلتُ اليومَ هذا : وَلَسْتُ منهُ الغَدَاةَ مُعَتَذِرا أَصْبَح ديني الذي أَدِينُ بهِ أَشتِمُ صِدِّيقَهُ ولا عُمَرا حُبُّ عليّ بعدَ النَّبِيِّ ولا أَبْرارِ ذاكَ القتيلُ مُصْطَبِرا وابنُ عقَّانَ في الجِنَانِ مَع الـ مَن يَفْتَرِيها فَنَحنُ منهُ بَرَا(٧) وعائِشُ الأُمُّ لستُ أَشْتِمُها (١) ((شذرات الذهب)) ٤٢/٢. (٢) ((تاريخ بغداد)) ١٨٦/١٠. (٣) ((مروج الذهب)) ٧/٧ . (٤) ((مروج الذهب)) ٨/٧، و((تاريخ الخلفاء)): ٣٢٨. (٥) ((تاريخ الخلفاء)»: ٣٢٨ . (٦) هو سليمان بن سليم المصاحفي البلخي ، كان يكتب المصاحف فنسب إليها . انظر ((اللباب)) ٢١٨/٣. (٧) الأبيات في ((فوات الوفيات)) ٢٣٨/٢. ٢٨٢ قيل : إنّ المأمونَ لتشيُّعه أمرَ بالنداءِ بإباحة المُتعة - مُتعةِ النّساءِ - فدخَل عليه يحيى بنُ أكثم ، فذكرَ له حديثَ عليّ رضي اللهُ عنه بتحرِيمها ، فلما عَلِمَ بصحةِ الحديثِ ، رجع إلى الحقِّ ، وأمرَ بالنّداءِ بتحريمها (١) . أمّا مسألةُ القُرآنِ ، فما رجعَ عنها، وصمَّمَ على امتحانِ العُلماءِ في سنةٍ ثماني عشرة ، وشدَّدَ عليهم، فأخذَهُ الله(٢). وكان كثيرَ الغزوِ، وفي ثاني سنةٍ من خلافتِه خرجَ عليه بالكوفة محمدُ ابن طَبَاطَبَا العَلَويُّ، يدعو إلى الرِّضى من آلٍ مُحمد، والعملِ بالسُّنّة، وكان مديرَ دولته أبو السَّرايا الشَّيباني، ويُسرِعُ الناسُ إليه ، وبادر إليه الأعرابُ ، فالتقاه عسكرُ المأمون ، عليهم زُهير بن المُسيَّب ، فانهزموا ، وقويَ أمُرُ العلويِّ، ثم أصبح ميتاً فجأةً ، فقيل: سمِّه أبو السَّرايا ، وأقامَ في الحالِ مكانَه أمردَ علوياً، ثم تجهّز لحربهم جيشٌ، فَكُسِرُوا ، وقُتِلَ مُقدَّمُهم عَبْدُوس المَرْورُوذِي ، وقويَ الطَّالبيون، وأخذوا واسطاً والبصرة ، . وعَظُم الخَطْبُ ، ثم حشد الجيش عليهم هَرْثَمة ، وجرت فصولٌ طويلة ، والتقوا غيرَ مرةٍ ، ثم هرب أبو السرايا والطالبيون من الكوفة ، ثم قُتِلَ أبو السرايا سنةً مئتين ، وهاجت العلويَّةُ بمكّة ، وحاربُوا، وعظُم ◌َرْثَمَةُ بن أَعْيَن، وأعطي إمرةَ الشام، فلم يرضَ بها، وذهب إلى مَرْو، فقتلُوه(٣). (١) ((فوات الوفيات)) ٢٣٨/٢، وحديث علي رضي الله عنه في تحريم المتعة مخرّج في البخاري ٣٦٩/٧، ومسلم (١٤٠٧)، وانظر لزاماً ((زاد المعاد)) ٣٤٣/٣ و ٤٥٩، ٤٦٤ و ١١٢،١١١/٥، ((طبع مؤسسة الرسالة). (٢) (( فوات الوفيات)) ٢٣٨/٢. (٣) انظر تفصيل ذلك في ((تاريخ الطبري)) ٥٢٨/٨ - ٥٣١، و(( الكامل )) لابن الأثير ٣٠٢/٦ - ٣٠٧ . ٢٨٣ ثم في سنة إحدى ومئتين : جعل المأمونُ وليَّ عهدهِ عليّاً الرِّضى وَبِسَ الخُضْرَةِ وثارت العباسيةُ، فَخلَعُوُهُ(١) ، وفيها تحرّك بَابَكُ الخُرِّمِيُّ بأَذْرَ بيجان(٢)، وقَتلَ وسَبَى، وذكرَ الرِّضى للمأمونِ ما الناسُ فيه من الحربِ والفِتَنِ منذُ قتل الأمين ، وبما كان الفضلُ بن سهلٍ يُخفيه عنهُ من الأخبار، وأنَّ أهلَ بيتِه قد خَرجوا، ونَقَمُوا أشياءَ ، ويقولون : هو مسحورٌ، هو مجنونٌ . قال : ومَن يعرِفُ هذا؟ قال : عِدَّةٌ من أُمرائِكَ ، فاسألْهم ، فأَبَوا أن يَنطِقُوا إلا بأمانٍ من الفضلِ، فضَمِنَ ذلك، فبَّنوا له ، وأنَّ طاهِرَ بنَ الحُسين ، قد أبلى في طاعتِكَ، وفَتَح الأمصارَ ، وقادَ إلى أميرِ المؤمنين الخِلافَةَ ، ثم أُخرِجَ من ذلك كُلُّه، وصُيِّر في الرَّقة ، ولو كانَ على العِراقِ حاكماً لضبطَهَا بخلافِ الحسنِ بنِ سهل ، وقالوا له : فسر إلى العراق ، فلو رآكَ القُوَادُ ، لأذعنُوا بالطاعةِ ، فقال : سِيرُوا . فلما علم الفضلُ ، ضربَ بعضَهم ، وحبسَ آخرين ، وما أمكن المأمونَ مبادرتُه ، فسار من مَرو الى سَرْخَس، فشدَّ قومٌ على الفضلِ ، فقتَلُوه في حمَّامٍ في شعبان سنةً اثنتين ومئتين عن سِتِّين سنةً ، فجعل المأمونُ لمن جاء بقاتليهِ عشرة آلافٍ دينار - وكانوا أربعةً من مماليك المأمون - فقالوا : أنتَ أمرتَنا بقتلِهِ، فأنكر، وضربَ أعناقَهُم(٣). وضعُفَ أمرُ إبراهيم بنِ المهدي بعد محاربةٍ وبلاء . وفي سنة ٢٠٣ : مات الرضى فجأة (٤). (١) انظر الصفحة (٢٧٤)، التعليق رقم (٤)، (٥). (٢) انظر ((الكامل)) لابن الأثير ٣٢٨/٦. (٣) ((الكامل)) لابن الأثير ٣٤٦/٦ - ٣٤٨، و (( تاريخ الطبري)) ٨/ ٥٦٤، ٥٦٥. (٤) انظر خبر وفاته في ((تاريخ الطبري)) ٥٦٨/٨، و((الكامل)) لابن الأثير ٣٥١/٦. ٢٨٤ وفي سنة أربعٍ : وصلَ المأمونُ ، فتلقَّهُ إِلى النَّهْرُوان بنو العبّاس، وبنُو أبي طالب ، وعَتِبُوا عليه في لُبسِ الخُضرة ، فتوقّف ، ثم أعاد السواد(١) . وفيها التقى يحيى بنُ مُعاذٍ أميرُ الجزيرة بابَكَ الخُرَّمي (٢)، ووليَ طاهرٌ جميعَ خُراسان ، وأُمِرَ له بعشرةِ آلافٍ ألف درهم . وفيها - أعني سنة ٢٠٥ - نُصِرَ المُسلمون على بَابك، وبَيِّتوه . وفي سنة سبعٍ : خرج باليمن عَلَوي (٣)، فَأَمَّنه المأمونُ وقدم . ومات طاهِرٌ ، ويُقال : إنَّه كان قد قَطَعَ دَعوَةَ المأمون قبل مَوتِه ، وخَرِجَ ، فقام بعده ابنُه طلحةُ ، فولاه المأمونُ خُراسان، فبقيَ سبعةً أعوامٍ ، وماتَ ، فَوليَها أخوه عبدُ الله بنُ طاهر (٤) . وكانت الحروبُ شديدةً بين عسكرِ الإِسلامِ وبين بابَك، وظَهَرَ باليمنِ الصَّناديقيُّ، وقَتَلَ ، وسَبى، وادَّعى النّبُوَّةِ، ثُم هلكَ بالطاعون . وخرج حسنٌ أخو طاهِر بن الحُسين بكَرْمان ، فَظَفِرَ به المأمونُ ، وعفا عنه . وكان المأمونُ يُجِلُّ أهلَ الكلام ، ويتناظَرون في مجلسِه ، وسارَ صدَقَةُ بنُ علي لحرب ((بابَك))، فأسرَهُ ((بابَك)) وتمرَّد وعتَا . (١) ((تاريخ الطبري)) ٥٧٤/٨، و((الكامل)) لابن الأثير ٣٥٧/٦. (٢) ((الكامل)) لابن الأثير ٣٥٨/٦. (٣) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله العلوي. انظر خبر خروجه في ((تاريخ الطبري)) ٥٩٣/٨، و((الكامل)) ٣٨١/٦. (٤) ((الكامل)) لابن الأثير ٣٨٢/٦ - ٣٨٣. ٢٨٥ وفي سنةٍ عشر: دخل المأمونُ بُوران بنتِ الحسنِ بنِ سهل بواسطٍ، وأقام عندها بجيشِهِ سبعَةً عشر يوماً ، فكانت نفقةُ الحسنٍ على العُرس وتوابعِهِ خمسينَ ألفَ ألفِ درهم ، فملَّكه المأمونُ مدينةً ، وأعطاهُ من المال خمسَ مئة ألف دينار(١) . وفي سنة إحدى عشرةً : قهرَ ابنُ طاهرِ المُتَغْلَّين على مصر ، وأسر جماعة (٢) . وفي سنة اثنتي عشرة : سار محمدُ بنُ حُميد الطوسي لمحاربة بابَك ، وأظهر المأمونُ تفضيل عليٍّ على الشَّيخين، وأنَّ القرآن مخلوقٌ ، واستعملَ على مصرَ والشامِ أخاه المُعْتَصِمَ ، فقتل طائفةٌ ، وَهَذَّبَ مصرَ ، ووقع المصافُّ مع بابَك مرات(٣) . وفي سنة خمسَ عشرةَ : سار المأمونُ لغزوٍ الرومِ ، ومن غزوتِهِ عَطَفَ إلى دمشق (٤) . وفي سنةٍ ستَّ عشرةَ : كَرَّ غازياً في الروم ، وجَهَّزَ أخاه المُعْتَصِم ، ففتَحَ حُصُوناً ، ودخل سنة سبعَ عشرةَ مصرَ ، وقتل المتغلُّب عليها عَبْدُوساً الفِهريَّ، ثم كَرَّ إلى أَذَنَّة، وسارَ، فنازل ((لُؤْلُؤة))(٥) وحاصرها مئةً يومٍ ، وَتَرَحَّل(٦) . (١) انظر خبر بناء المأمون ببوران في ((تاريخ الطبري)) ٦٠٦/٨، و((الكامل)) لابن الأثير ٣٩٥/٦، و(«البداية والنهاية)) ٢٦٥/١٠. (٢) ((تاريخ الطبري)) ٦١٣/٨، و((الكامل)) ٣٩٦/٦ وفيهما في حوادث سنة عشر ومئتين . (٣) ((تاريخ الطبري)) ٦١٩/٨، و((الكامل)) ٤٠٧/٦ - ٤٠٨. .(٤) ((تاريخ الطبري)) ٦٢٣/٨، و((الكامل)) ٤١٧/٦. (٥) هي قلعة بالقرب من طرسوس . ، (٦) ((تاريخ الطبري)) ٦٢٥/٨ - ٦٢٨، و((الكامل)) ٤١٩/٦ - ٤٢١. ٢٨٦ .٠ وأقبل توفيلُ طاغيةُ الرومِ(١)، ثم وقعت الهدنةُ بعد أن كتب تُوفيلُ، فبدأ بنفسِهِ ، وأغلظَ في المُكاتبةِ ، فغضبَ المأمونُ ، وعزم على المسِيرِ إلى قُسْطَنْطِينَيَّة ، فَهِجَمَ الشتاءِ(٢) . وفيها وقعَ حريقٌ عظيمٌ بالبصرةِ أذهبَ أكثَرَها . وفي سنة ((٢١٨ )): اهتمَّ المأمونُ ببناء طُوَانَةً ، وحشدَ لها الصُّنَّاعِ، وبناها مِيلاً في ميلٍ، وهي وراء ((طَرَسُوس))، وافتَتَح عدَّةَ حُصُون(٣)، وبالَغ في محنَةِ القُرآن ، وحبسَ إمامَ الدمشقيين أبا مُسهِرٍ، بعد أن وضَعَهُ في النِّطْعِ للقَتْلِ ، فتلفّظ مُكرَهاً(٤) . وكتّبَ المأمونُ إلى نائِهِ على العِراقِ إسحاقَ بنِ إبراهيم الخُزاعيِّ كتاباً يمتَحِنُ العُلِمَاءَ، يقولُ فيه: ((وقد عرفنا أنَّ الجمهورَ الأعظَمَ والسوادَ من حشوِ الرعيّةِ وَسَفِلَةِ العامَّةِ ، ممَّن لا نَظَر لهم ولا رَويَّة ، أهل جهالة وعمىً عن أن يعرِفُوا اللّه كُنْهَ معرفَتِهِ ، ويقدُروه حقَّ قَدرِهِ، ويُفرِّقوا بينه وبين خَلقِه ، فساوَوْا بينَ الله وبين خَلْقِهِ ، وأطبَقُوا على أنَّ القُرآنَ قديمٌ، لم يَخْتَرِعْهُ الله، وقد قال: ﴿ إِنّا جعلناهُ قُرآناً ﴾ فكلُّ ما جعلَه فقد خلقهُ، كما قال: ﴿وجعلَ الظُّلِماتِ والنُّور﴾، وقال : ﴿ نَقُصُ عليكَ مِن أنباءِ ما قد سَبَقَ ﴾، فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها . (١) وهو الذي ذكره أبو تمام في قصيدته البائية التي قالها في فتح عمورية في البيت الخمسين ، وهو : والحربُ مشتقّةُ المعنى من الحَرَبِ لما رأى الحربَ رأي العينِ توفلسٌ ٣ (٢) ((تاريخ الطبري) ٦٢٩/٨ - ٦٣٠. (٣) (تاريخ الطبري)) ٦٣١/٨، و(( الكامل )» لابن الأثير ٤٤٠/٦ - ٤٤١ . (٤) ((تاريخ الطبري)) ٦٤٣/٨. ٢٨٧ وقال : ﴿أحكمت آياتُه ثم فُصِّلت﴾ والله مُحكمٌ له ، فهو خالقُه ومُبدعه» إلى أن قال: ((فمالَ قومٌ من أهلِ السَّمْتِ الكاذب والتخشَّع لغيرِ الله إلى موافقَتهم، فرأى أميرُ المؤمنين أنَّهم شرُّ الأُمّة ولعَمرو أمير المؤمنين ، إنَّ أكذَبَ الناسِ مَن كَذَب على الله ووحيهِ ، ولم يعرِف الله حقَّ معرفَتِهِ . فاجمع القُضاةَ ، وامتحنهم ، فيما يقولون ، وأعلِمْهُم أنّي غير مُستَعينٍ في عملٍ ، ولا واثقٍ بمن لا يُوثَّقُ بدينه ، فإنْ وافقوا فُمُرهم بنَصِّ مَنْ بحضرَتِهِم من الشُّهود، ومسألتهم عن علمِهِم في القُرآن ، ورَدِّ شهادة مَن لم يُقِرَّ أنَّه مخلوق ))(١) وكتب المأمونُ أيضاً في أشخاصٍ سبعةٍ ، محمدِ بنِ سعد ، وابنٍ مَعِين، وأبي خيثمة، وأبي مُسلمٍ المستملي، وإسماعيل بنِ داود، وأحمد الدَّورقي ، فامتُحنوا فأجابوا(٢) - قال ابنُ مَعِين: جَبُّنًا خوفاً من السَّيف(٣) - وكتبَ بإحضارِ مَن امتنعَ منهم : أحمد بن حنبل ، وبشرِ بنِ الوليد ، وأبي حسَّان الزِّيادي ، والقواريري ، وسجَّادة ، وعليِّ بنِ الجَعد ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وعليّ بن أبي مُقاتل ، وذيّال بنِ الهيثم ، وقُتيبةً بن سعيد ، وسعدُويه ، في عدّة ، فتلكّأ طائفةٌ، وصمِّم أحمدُ وابنُ نوحٍ ، فقُيِّدا ، وبُعِثَ بهما ، فلما بلغا الرَّقَّة ، تلقَّاهم موتُ المأمونِ ، وكان مَرِضَ بأرضِ الثَّغْرِ، فلما احتُضِر، طلب ابنَه العبّاس ليقدَمَ ، فوافاهُ بآخر رمَقٍ ، وقد نُفِّذت الكتبُ إلى البُلدان، فيها: (( من المأمونِ وأخيهِ أبي إسحاق الخليفةِ ٠ (١) ((تاريخ الطبري)) ٦٣٢/٨ - ٦٣٣، و((عيون التواريخ)) ٨/ لوحة ١ - ٢، و ((تاريخ الخلفاء ): ٣٠٨ - ٣٠٩ . (٢) ((تاريخ الطبري)) ٦٣٤/٨، و((الكامل)) لابن الأثير ٤٢٣/٦، و((تاريخ الخلفاء)) ٣٠٩ - ٣١٠. (٣) ((تاريخ الخلفاء)): ٣١٠. ٢٨٨ مِن بعده )) فقيل : وقع ذلك بغيرِ أمرِ المأمون ، وقيل : بل بأمرِهِ(١). وأشهَدَ على نفسِهِ عند الموتِ أنَّ عبدَ الله بنَ هارون أشهدَ عليه أنَّ الله وحده لا شريكَ له ، وأنَّه خالقٌ ، وما سِواه مخلوقٌ ، ولا يخلو القرآنُ من أن يكون شَيئاً له مثلٌ، والله لا مِثْلَ له، والبعث حق، وإني مُذنِبٌ، أرجو وأخافُ ، وليُصَلِّ عليَّ أقربكم، وليُكَبِّرِ خمساً، فرحم الله عبداً اتَّعظَ وفكّر فيما حَتَمَ الله على جميع خلقه من الفَناء ، فالحمدُ لله الذي توحّد بالبقاء ، ثم لينظُر امرُؤٌ ما كنتُ فيه من عِزِّ الخلافةِ ، هل أغنى عني شيئاً إذ نَزَلَ أمُرُ الله بي؟ لا والله، لكن أُضعِف به على الحساب، فيا لَيتني لم أَكُ شيئاً ، يا أخي ، اذْنُ مني ، واتَّعِظْ بما ترى ، وخُذ بسيرةٍ أخيكَ في القُرآنِ، واعْمِلْ في الخِلافة إذ طَوّقكها الله عَمَلَ المُريدِ لله ، الخائِفِ من عِقَابِهِ ، ولا تغتر فكأن قد نزل بك الموت ، ولا تُغفل أمر الرعية ، الرعيَّةَ الرعيَّةَ ، فإِنَّ المُلْكَ بهم ، اللَ اللهَ فيهم وفي غيرهم، يا أبا إسحاق ، عليك عهد الله ، لَتَقُومَنَّ بحقِّهِ في عباده، ولتُؤثرنَّ طاعَتَه على مَعصيتِه ، فقال: اللَّهُمَّ نَعَم. هؤلاءِ بُنُو عمِّك من ذُرِّيَّة علٍّ رضي الله عنه، أحْسِنْ صُحْبَتهم ، وتجاوز عن مُسيئهم . (٢) ثم ماتَ في رجب ، في ثاني عَشَرِهِ ، سنةً ثمان عشرة ومئتين ، وله ثمان وأربعون سنة، تُوفِّي بالبَذَنْدُون(٣)، فَنَقَلَه ابنُهُ العبّاسُ ، ودفنه بطَرَسُوس في دارِ خاقان خادم أبيه(٤). (١) ((تاريخ الخلفاء)) ٣١٠ - ٣١٣. (٢) ((تاريخ الطبري)) ٦٤٧/٨ - ٦٥٠، و((عيون التواريخ)) ٨/ لوحة ٢٦، ٢٧، و ((الكامل)) لابن الأثير ٤٢٩/٦ - ٤٣١. (٣) قرية من قرى الثغر بينها وبين طرسوس مسيرة يوم . (٤) انظر ((تاريخ الطبري)) ٦٥٠/٨، و((الكامل)) لابن الأثير ٤٣١/٦، ٤٣٢. ٢٨٩ سير ١٩/١٠ قال الأصمعيُّ : كان نَقَشَ خاتمه : عبدُ الله بن عبيد الله (١). وله من الأولاد : محمدٌ الكبير ، والعبّاسُ ، وعليّ، ومحمدٌ ، وعُبيد الله، والحسنُ ، وأحمدُ ، وعيسى، وإسماعيلُ ، والفضلُ ، وموسى ، وإبراهيمُ ، ويعقوبُ، وحسنٌ ، وسليمانُ ، وهارونُ ، وجعفر، وإسحاقُ ، وعِدة بَنات(٢). ٧٣ - المُعْتَصِم * الخليفةُ أبو إسحاق محمدُ بنُ الرشيد هارون بنٍ محمد المهدي بن المنصور العباسي . ولد سنةً ثمانين ومئة، وأمُّه ماردة أُمُّ ولد(٣). روى عن : أبيه ، وأخيه المأمون يسيراً . روى عنه : إسحاقُ المَوْصليُّ ، وحَمدونُ بنُ إسماعيل . بُويع بعهدٍ من المأمون في رابع عشر رجب، سنة ثمان عشرة (٤). (١) ((تاريخ الخلفاء)) ٣١٥. (٢) في عيون التواريخ)) ٨/ لوحة ٢٨ : قال الصولي: كان للمأمون تسعة عشر ذكراً، وتسع بنات . * المعارف لابن قتيبة: ٣٩٢، الأخبار الطوال: ٤٠١، تاريخ اليعقوبي ١٩٧/٣، تاريخ الطبري ١١٨/٩ - ١٢٣، مروج الذهب للمسعودي ١٠٢/٧، البدء والتاريخ ١١٤/٦، تاريخ بغداد ٣٤٢/٣، الكامل لابن الأثير ٤٣٩/٦ و٥٢٣ - ٥٢٨، العبر ٤٠٠/١ - ٤٠٢، عيون التواريخ ٨/لوحة ١١٨ - ١٢١، فوات الوفيات ٤٨/٤، الوافي بالوفيات ١٣٩/٥، البداية والنهاية ٢٩٥/١٠ - ٢٩٧، الذهب المسبوك للمقريزي: ٢٢١، النجوم الزاهرة ٢٥٠/٢، تاريخ الخلفاء : ٣٣٣ - ٣٤٠، تاريخ الخميس ٣٣٦/٢، شذرات الذهب ٦٣/٢، ٦٤. (٣) انظر ((تاريخ الطبري)) ١٢٣/٩، و((الكامل)) ٥٢٥/٦، و((تاريخ بغداد)» ٣٤٢/٣، و((فوات الوفيات)) ٤٨/٤ . (٤) ((تاريخ الطبري)) ٦٦٧/٨، و((الكامل)) ٤٣٩/٦، و((فوات الوفيات)) ٨٤/٤. ٢٩٠ وكان أبيض ، أصهب اللحية طويلها ، ربعَ القامة ، مُشْرَبَ اللون ، ذا قوةٍ وبطشٍ وشجاعةٍ وهيبةٍ، لكنّه نَزْرُ العِلم(١). قيل : كان معه غلامٌ في المَكتَبِ ، فماتَ الغلامُ ، فقال له أبوه : یا محمدُ ، مات غلامُك ، قال : نعم يا سيِّدي واستراحَ من الكُتّاب ، فقال: أوَ إِنَّ الكتَّابِ ليبلُغُ منكَ هذا! دَعُوه، فكانت قراءتُه ضعيفةً (٢). + قال خليفةُ : حجَّ بالناسِ سنةً مئتين(٣) . قال الرِّياشي: كتب طاغيةُ الروم إلى المُعتصم يتَهَدَّدُه ، فأمر بجوابِهِ ، فلما عُرِضَ عليه رماهُ، وقال للكاتب: اكتُبْ: (( أمّا بعد ، فقد قرأتُ كتابَك ، وسمعتُ خطابَك ، والجوابُ ما تَرَىُ لا ما تسمعُ ﴿وَسَيَعْلَمُ الكافرُ لمن عُقْبِى الدّار﴾ (٤) . قلتُ : وامتَحَنَ الناسَ بِخَلقِ القُرآن ، وكتبَ بذلك إلى الأمصارِ ، وأخَذَ بذلك المُؤذِّنين وفُقهاءَ المَكاتب ، ودامَ ذلك حتى أزاله المُتَوَكَّلُ بعد أربعةً عشّرَ عاماً . وكان في سنة ٢١٨ الوباءُ المُفْرِطُ والقحطُ بمصر ، وماتَ أكثرُهُم ، وأمر المُعتَصِمُ بهذّ ((طُوانَة )) التي بذَّر المأمونُ في بِنائها من عامين بيوتَ (١) ((فوات الوفيات)) ٤٨/٤. (٢) ((تاريخ بغداد)) ٣٤٣/٣، و((فوات الوفيات)) ٤٩/٤، و((البداية والنهاية)) ٢٩٥/١٠، و((تاريخ الخلفاء)) ٣٣٤. (٣) ((تاريخ خليفة)» : ٤٧٠ . (٤) ((تاريخ بغداد)) ٣٤٤/٣، و((البداية والنهاية)) ٢٩٦/١٠. وقوله: ( وسيعلم الكافر ) هي قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو، وقرأ الباقون : ( وسيعلم الكفار) . (((النشر)) ٢٩٨/٢. ٢٩١ الأموال(١)، واشتدَّ البلاءُ بِبابَك، وهزمَ الجُيوشَ ، ودخَلَ في دينِهِ خلائقُ من العَجَم ، وعَسكر بهَمَذَان ، فَبَرَزَ لقتالِهِ إسحاقُ المُصْعَبي ، فكانت ملحمةٌ عظمى ، فيُقال : قُتِل منهم سِتُّون ألفاً، وهَرَبَ باقيهم إلى الروم (٢). وظهر سنة ٢١٩ محمدُ بنُ القاسم العَلَويُّ ، يدعو إلى الرضى من آل محمد ، وتَمَّت له حروبٌ إلى أن قيَّده ابنُ طاهر ، ثم هَرَبَ من السجن ، وأَضمرته البلاد(٣) . وفي سنة عشرين : عقد المعتصمُ لِلْأَفْشين (٤) في جيشٍ لجبٍ لقتالِ بابَك ، فتمَّت ملحمةٌ انهزم فيها بابَك إلى مُوغان ، ومنها إلى مدينةٍ له تُسمّى البَذّ (٥). وفي رمضان كانت محنةُ الإِمامِ أحمدَ في القرآن ، وضُرِبَ بالسّياط حتى زال عقله، ولم يُجِبْ، فأطلقوه(٦)، وأمرَ المُعتّصِمُ بإنشاء مدينةٍ (١) ((تاريخ الطبري)) ٨/ ٦٦٧. (٢) ((تاريخ الطبري)) ٦٦٧/٨، ٦٦٨، و((الكامل)) لابن الأثير ٤٤١/٦. (٣) انظر ((مروج الذهب)) للمسعودي ١١٦/٧، ١١٧، و((تاريخ الطبري)) ٧/٩، و ((الكامل)) لابن الأثير ٤٤٢/٦، ٤٤٣، و((البداية والنهاية)) ٢٨٢/١٠. (٤) اسمه حيدر بن كاوس ، عقد له المعتصم في قتال بابك الخرّمي ، وكان من الأمراء الشجعان ، واتهم بالكفر وعبادة الأصنام ، فسجنه المعتصم حتى مات سنة (٢٢٦) هـ انظر ((العبر)) ٣٩٥/١. (٥) انظر خبر هذه الوقعة في ((مروج الذهب)) ١٢٣/٧ - ١٢٧، و ((تاريخ الطبري)) ١٣/٩، ١٤، و((الكامل)» ٤٤٩/٦ - ٤٥١. وموغان - ويقال لها : موقان - : ولاية بأذربيجان فيها قرى ومروج كثيرة. معجم البلدان٥/ ٢٢٥، والبدُّ: كورة بين أذر بيجان وأرّان، بها كان مخرج بابك الخرّمي. انظر ((معجم البلدان)» ٣٦١/١، وانظر الصفحة ٢٩٤ تعليق (٢) من هذا الجزء . (٦) سترد ترجمة الإِمام أحمد ومحنته مفصّلة في الجزء الحادي عشر من هذا الكتاب برقم ( ٧٨ ) . ٢٩٢ . سامرًا(١)، اشترى أرضَها من رُهبانٍ بالقاطُول(٢)، وغضبَ على وزيرِهِ الفضلِ بنِ مروان ، وأخذَ منه نحواً من عشرةِ آلاف ألفٍ دينار ، ونفاه(٣) واستوزَرَ محمّدَ بنَ الزيّات ، واعتنى باقتناء المماليك التُّرك، وبعثَ إلى النواحي في شِرائهم ، وألبسَهم الحريرَ والذَّهب (٤). وفي سنة ٢٢١ : كانت وقعةٌ بين العسكر وبابَك(٥) . وحجَّ فيها حنبلٌ ، فقال : رأيتُ كسوةَ الكَعبةِ ، وقد كُتِبَ فيها في الدارات : ليس كمثله شيء وهو اللطيفُ الخبير (٦)، فحَدَّثتُ به أبا عبد الله، فقال: قاتل الله الخبيثَ، عَمَدَ إلى كلامِ الله ، فغيِّره ــ عَنى ابنَ أبي ءُ دُواد . وفي سنة اثنتين وعشرين : كان المصافُّ بين بابَك الْخُرَّمي وبين الأفشين ، فطحنه الأفشينُ ، واستباحَ عسكره ، وهربَ . ثم إنه أَسِرَ بعد فصولٍ طويلة(٧)، وكان أحد الأبطال ، أخافَ الإِسلامَ وأهلَه ، وهزَم الجُيوشَ (١) انظر خبر بناء هذه المدينة في ((مروج الذهب)) للمسعودي ١٢٠/٧، ١٢١، و ((الكامل)) لابن الأثير ٤٥١/٦، ٤٥٢. (٢) القاطول : نهر معروف يأخذ من دجلة على خمسة فراسخ من سامراء ، وقد ذكره البحتري في قصيدته التي يرثي بها المتوكل في ((ديوانه)) ١٠٤٥/٢ : محلٌّ على القاطول أخلق دائره وعادت صروفُ الدهر جيشاً تُغاوره وانظر ((مروج الذهب)) ١٢٧/٧، و((الروض المعطار)) ٣٠٠، ٣٠١ و ٤٤٩، ٤٥٠. (٣) انظر ((تاريخ الطبري)) ١٨/٩ - ٢٢، و((الكامل)) ٤٥٣/٦، ٤٥٤. (٤) ((مروج الذهب)) للمسعودي ١١٨/٧. (٥) ((تاريخ الطبري)) ٢٣/٩ - ٢٧، و(( الكامل)) ٤٥٦/٦. (٦) التلاوة: ( وهو السميع البصير) ، فغيّر ما في التلاوة ليسلم له مذهبه ، وهذا من أبين الأدلة على فساد رأي المعتزلة ومجافاته للنصوص القطعية التي لا يرقى إليها شك . (٧) ذكرها ابن جرير الطبري في ((تاريخه)) ٢٩/٩ - ٥١. ٢٩٣ عشرينَ سنةً، وغلب على أُذْرَبيجان وغيرها، وأراد أن يُقيم المِلَّةَ المجوسيّة ، وظهر في أيَّامه المازيار أيضاً بالمجوسية بطَبَرِسْتان(١)، وعظُم البلاءُ . وكان المعتصمُ والمأمونُ قد أنفقوا على حرب بَابَك قناطيرَ مُقنطرةً من الذَّهبِ والفضةِ ، ففي هذه السنة ، بعثَ المعتصمُ نفقاتٍ إلى جيشِه مع الأفشين فكانت ثلاثينَ ألف ألف درهم، وأُخِذَتِ البَذُّ مدينةُ بابَك اللعين (٢)، واختفى في غَيْضَةٍ، وأُسِرَ أهلُه وأولادُه، وقُطِعَ دابرُ الخُرَّمِيَّة . ثم وردَ أمان من المعتصم لبابَك ، فبعثَ به الأفشينُ إليه مع اثنين ، وكتب ابنُه إليه يُشِيرُ عليه بقَبُول الأمان ، فلما دخلا إلى الشَّعْراء(٣) التي فيها بابَك ، قَتَل أحَدَهما، وقال للآخر : امضِ إلى ابنِ الفاعلة ابني ، فقُل : لو كان ابني لَلَحِقَ بِي. ثم مزَّقَ الأمانَ، وفارقَ الغَيضَة، وصَعِدَ الجبلَ في (١) من بلاد خراسان بفتح أوله وثانيه ، سميت بذلك لأن الشجر كان حولها شيئاً كثيراً ، فلم يصل إليها جنود كسرى حتى قطعوه بالفأس . والطبر بالفارسية : الفأس ، واستان : الشجر . انظر ((الروض المعطار)) ص ٣٨٣. (٢) انظر تفصيل ذلك في ((تاريخ الطبري)) ٣١/٩ - ٤٥، و(( الكامل )) ٤٦٢/٦ وما بعدها ، وللبحتري من قصيدة يمدح بها أبا سعيد بن يوسف الثغري - وكان من قواد حميد الطوسي في حربه مع بابك الخرّمي - في ((ديوانه)) ١٢٥٦/٢ : بطلًاً لأبواب الحتوف قروعاً الله دُرُّكَ يوم بابَكَ فارساً. للُّلِّ جانبُه وكان منيعاً حتى ظفرتَ ببذِّهم فتركته وله فيه أيضاً في ((ديوانه)) ٩/١ : وتزورهُ في غارةٍ شعواءِ ما زلتَ تقرعُ بابَ بابَكَ بالقنا منه الذي أعيا على الخلفاءِ حتى أخذت بنصلِ سيفكَ عنوةٌ ونصبتَه علماً بسامَرَاءِ أخليتَ منه البذّ وهي قرارهُ وانظر (( ديوان أبي تمام)) ١٨/٢ و٢٤ و٣٤ . (٣) الشّعْرَاء : الأرضُ الكثيرة الشجر . ٢٩٤ طُرُقٍ يَعْرِفُها، لا تُسلَكُ (١). وكان الأفشين قد رتَّبَ الكُمناءَ في المضايق ، فنجا بابَك، ولجأ إلى جبالِ أَرْمينية ، فلقِيَهُ سهلٌ البطريقُ ، فقال : الطلبُ وراءَك ، فانزلْ عندي ، فنزلَ ، وركنَ إليه ، فبعثَ البطريقُ إلى الأفشين بذلك، فجاء فرسانٌ، فأحاطوا به وأخذُوه ، وكان المُعتصِمُ قد جعَلَ لمن جاءَ به حيّاً ألفي ألف درهم ، ولمن جاء برأسه ألف ألف ، فأعطي البطريقُ ألف ألف ، وأُطلِقٍ له خَراجُه عشرين سنة (٢). وقال المسعوديُّ : هربَ بابَكُ بأخيه وأهله وخواصِّه في زي التّجار ، فنزلَ بأرضِ أَرْمينية بعمل سهلِ بنِ سنباط ، فابتاعوا شاةً من راع، فَنَكِرَهم ، فأتى سَهلاً ، فأعلمَه ، فقال : هذا بابَكُ بلا شكّ ، فركبَ في أجنادِه حتى أتى بابَك ، فترجَّل وسلَّم عليه بالمُلكِ ، وقال : قُمْ إلى قصرِك، فأنا عبدُك، فمضى معه ، ومدَّ السِّماطَ له ، وأكلَ معه ، فقال بابَكُ : أمثلُك يأكُلُ معي ! فوقَف واعتذر، ثم أحضَر حدّاداً لِيُقَيِّدَه ، فقال: أغَدْراً يا سهل؟!قال: يا ابنَ الفاعلة، إنما أنتَ راعي بقر، ثم قيّد أتباعه ، وكاتّبَ الأَفشين، فجهّز أربعةَ آلاف، فتسلَّموه ، وجاء سهلٌ ، فَخَلَعَ عليه الأفشينُ ، وبُعثت بطاقةٌ بذلك إلى بغداد ، فضجَّ الناسُ بالتكبير والشُّكرِ لله، ثم قَدِمُوا ببابَك في صَفَر سنةً ثلاث(٣). وكان المُعتَصِمُ يبعثُ كلَّ يوم بِخَلْعَةٍ وفَرَسٍ للَّأَفشين ، ومن سروره بذلك رتَّبَ البريدَ منه إلى الأفشين ، فكان يَجيئهُ الخبرُ في أربعة أيام وذلك (١) انظر ((تاريخ الطبري)) ٤٥/٩ - ٤٧، و((الكامل)) ٤٧١/٦، ٤٧٢. .(٢) انظر ((تاريخ الطبري)) ٤٧/٩ - ٥١ و٥٤، و((الكامل)) لابن الأثير ٤٧٢/٦ - ٤٧٣، و («البداية والنهاية)) ٢٨٣/١٠، ٢٨٤. (٣) ((مروج الذهب)) ١٢٤/٧ - ١٣٢. ٢٩٥ مسيرة شهر ، ثم أتى أحمدُ بن أبي دُواد مُتنكّراً في الليل ، فشاهدَ بابَك ، . ثم أعلمَ المُعتَصِمَ، فما صبرَ، وأتاهُ مُتَنَكَّراً، فتأمُّلَه(١). وكان هذا الشقيُّ ثنوياً(٢) على دين ماني ومَزْدَك، يقولُ بتناسُخِ الأرواحِ ، ويَستحلُّ البنتَ وَأُمَّها (٣) . وقيل : كان ولد زنى ، وكانت أمُّه عوراءَ ، يُقالُ لها : رومية العلجة ، وكان عليّ بن مَزْدَكان يدَّعي أنَّه زنى بها ، وبابَك منه . وقيل : كانت صُعلوكةٌ مِن قُرى أَذْرَبيجان ، فَزَنى بها نبَطَيِّ ، فحملتْ منه ببابَك ، فُرُبِّي بابَكُ أجيراً في القرية ، وكان هناك قومٌ من الخُرَّمِيَّة لهم كبيران : جاوَنْدان(٤) وعِمران، فتفرَّس جاوندان النجابة(٥) في بابك ، فاكتراه من أُمِّه ، فهويتَهُ زوجةُ جاوَنْدان ، وأطلعتُه على الأسرار ، ثم قُتِلْ زوجُها في محاربةٍ لابنِ عمِّهِ ، فزعمت أنَّ زوجَها استخلَفَ بابك ، فصدَّقها الجميعُ، فأمرهُم أن يقتلوا من وجدوهُ في الليل ، فأصبح عدَّةُ قَتلى ، وانضافَ إليهم كُلُّ شِرِّيرٍ وقاطع طريق ، وصار أمرُ بابَك إلى ما صارَ، وكانت دولتُه عشرينَ سنةً بل أزيد ، وكان معه نحوٌ من عشرين ألف مقاتل فارغين من الدِّين، وبعضُهم زنادقة ، وقَتَلوا ، وَسَبَوْا ، وأخذوا الحصون(٦) . (١) ((تاريخ الطبري)) ٥٢/٩. (٢) انظر ((الملل والنحل)) ٢٤٤/١. (٣) انظر ((الوافي بالوفيات)) ٦٥/١٠، و((الفَرق بين الفِرق)) ص ٢٥١، ٢٥٢، و ((الكامل)) لابن الأثير ٣٢٨/٦، و((الأنساب)) للسمعاني ١٣/٢. (٤) في ((الكامل)) و ((الوافي بالوفيات)): جاويدان . (٥) في الأصل: ((النجائر)) وهو خطأ، وفي ((الوافي بالوفيات)): ((الجلادة)). (٦) ((الوافي بالوفيات)) ١٠/ ٦٢. ٢٩٦ نعم وأمر المُعتَصِمُ ، فأُركِبَ بابَكُ فيلاً، وألبسَهُ الديباجَ وقَلَنْسُوةً كبيرةً من سَمُورٍ ، وطاقُوا به ، ثم قُطِعَتْ أربعتُه وهو ساكت ، ثم ذُبح ، وطيفَ برأسِه بسامَرَّاء ، ثم بُعِثَ بأخيه إلى بغداد، فَعُمِلَ به كذلك(١)، ويُقال : كان أشجعَ من بابَك ، فقال : يا بابَكُ قد عملتَ ما لم يَعْمَلْه أحدٌ ، فاصبِرْ صبراً لم يَصبِرهُ أحدٌ ، قال : سوفَ ترى ، فلما قطعُوا يَدهُ خَضَب صورَتَهُ بالدم ، فقال المُعتَصِمُ : لم فعلتَ ؟ قال : إنَّك أمرتَ بقطعِ أطرافي ، وفي نفسِكَ أن لا تكويها ، فينزِف الدَّمُ ، فيصفَرُّ لوني ، فتظنُّونَه جَزَعاً مني ، فقال : لولا أنَّ أفعالَه لا تُسَوِّغُ الصَّنيعة والعفوَ لاستبقيتُه ، ثم أُحرق(٢). وقيل : إنه أبادَ من الأُمَّ خلائقَ . وبخط الإِمامِ ابنِ الصَّلاح : أَنَّ قتلى بابَك بلغوا ألف ألفٍ وخمس مئة ألف(٣) ، وأُحصِيَ قتلى أبي مسلم الخُراساني ، فبلغوا ألفي ألف . وفيها: التقى طاغيةُ الرومِ والأفشينُ، فهزمَهُ ولكن بعد أيام، وخرَّبَ المُعتصِم أَنقرة ، وأنكى في الرُّوم، وأخذَ عَمُّورِية عَنْوَةً(٤) ، وأوطأ الرومَ خوفاً وذُلاً، وأخذ بثأرِ الإِسلام من الطاغية تُوفيل بن ميخائيل الذي أغارَ على زِبَطْرَة ، ومَلَطْيَة . فدخل المعتصمُ الرومَ في مئتي ألف مُقاتل وأزيد ، حتى لقِيل : كان في خمس مئة ألف ، وصمّم على محاصرةٍ قُسْطنطينيّة ، (١) ((تاريخ الطبري)) ٥٢/٩، ٥٣، و(( الكامل)) لابن الأثير ٤٧٧/٦، ٤٧٨، و ((الوافي بالوفيات)) ١٠/ ٦٢، ٦٣. (٢) ((الوافي بالوفيات)) ٦٣/١٠ - ٦٤. (٣) ((الوافي بالوفيات)) ١٠/ ٦٤. (٤) انظر خبر فتح عمورية في ((تاريخ الطبري)) ٥٧/٩ - ٧٠، و(«البداية والنهاية)) ٢٨٦/١٠ - ٢٨٨، و((الكامل)) لابن الأثير ٦ /٤٨٠ - ٤٨٨ . ٢٩٧ فأتاهُ ما أزعجه من خروجِ العبّاس بنِ المأمون عليه ، فظَفَرَ بالعبّاسِ ، وكان العَبَّاسُ بديعَ الحُسن ، وكان بليداً، غزا في أيامِ أبيه الرومَ ، وولي الجزيرةَ، وذهبت منه الخلافةُ بغَيبته ، ثم نَخَّه عُجيف ، وشجّعه على الخُروج، ووافقه عدَّةُ أُمراء ، وعَرَف المُعتصمُ ، فأخذَ العَبَّاسَ ، فقيل : غَمَّهُ بِكساءٍ حتى تَلِفَ بَمَنْجِ(١) . - وقيل : إنَّ يحيى بنَ أكثم، نظَرَ إليه ، فتبسَّم المأمونُ ، فروی یحیی حديثاً في النَّظَرِ إلى الوجهِ الحَسَن ، فقال المأمونُ : اتقِ اللَّهَ، فهذا الحدیثُ گذِبُ ۔ . ولما عَظُم الأفشينُ باستئصاله لبابَك ، طلب نيابة خُراسان ، وبلغه خروجُ المازيار ومحاربته لابنٍ طاهر ، فدسَّ من استماله له ، وقوَّى عزمَه ، وخَرَّب المازيارُ البلادُ، وقتلَ وَعَسَفَ . ثم جهز المعتصمُ في سنة أربع وعشرين الأفشينَ لحربه ، وبعثَ ابنُ طاهر جيشاً عليهم عمُّهُ لحربِه أيضاً ، وجرت حروبٌ يطولُ بسطُها ، وقُتَّلَ المازيار(٢). وفي سنة خمس : قبضَ المعتصمُ على الأفشين ، وكان عدوّاً لابنٍ طاهر ، وابنٍ أبي دُواد ، فعقراهُ ، وألقيا في ذِهنِ المُعتَصِمِ أنه يُريدُ قتلَك ،. فتهدَّدَ كاتِبَهُ ، فاعترفَ ، وقال : أمرني أن أكتُبَ إلى المازيار: إنَّه لم يبقَ غيري وغيرُك ، وجيشُ الخليفة عند ابنٍ طاهر ، وما عند الخليفةِ سواي ، فإن هزَمتَ ابنَ طاهر كفيتُك المُعتَصِمَ ، ويخلُصُ لنا الدينُ الأبيضُ - يعني (١) ((تاريخ الطبري)) ٧١/٩ - ٧٧، و((الكامل)) لابن الأثير ٤٨٩/٦ - ٤٩٣. (٢) انظر خبره في ((تاريخ الطبري)) ٨٠/٩ - ٨٤، و((الكامل)) لابن الأثير ٤٩٥/٦. ٢٩٨ المجوسيّة - وكان يُتَّهَمُ بها ، فوهب المغتصمُ للكاتبِ ذهباً، وقال : إن نطقتَ ، قتلتُك(١) . وعن ابنِ أبي دواد ، قال : دخلتُ عليه وهو يبكي ، ويقلَقُ ، وقال لي : رجلٌ أنفقتُ عليه ألفي ألف دينار ، ويُريدُ قتلي ! قد تصدقت بعشرة آلافٍ ألف درهم ، فخُذها ففرِّقها (٢) . وكان الأفشينُ قد بعثَ أموالاً له إلى أُشْرُوسَنَةِ(٣) وهمَّ بالهربِ إليها ، ثم هيَّأْ دعوةٌ لِيَسُمُّ فيها المعتصمَ وَقُوّادَه ، فإِن لم يَجِىءُ سمَّ القُوّاد ، ويذهبُ إلى أرمينية ، ومنها إلى أُشْرُوسَنَة ، فما تهيّأ [له ] ذلك ، وقبَضَ عليه المعتصمُ، وعلى ابنه حسنٍ ، وأُتي بالمازيار أسيراً (٤). فقيل: أُحضِرَ هو ، والأفشينُ، ومُوبِذ مَلكُ السُّغْد، ومَرْزُبان عند المعتَصِم ، فأُحضِرَ اثنان ، فَعُرِّيا ، فإذا أجنابُهما عَرِيَّةٌ من اللحم ، فقال ابنُ الزَّات للَّفشين : يا حيدر، تعرفُهما؟ قال : نعم ، هذا مُؤَذِّنٌ ، وهذا إِمامٌ ، بَنيا مسجداً بأُشْرُو سَنَة ، ضَربتُهما ألفَ سوط ، لَأَنَّ بيني وبين ملوك السُّغْدِ عهداً أن أَتْرُكَ كُلُّ قومٍ على دينهم ، فوثَب هذان على بيتِ أصنام أُشْرُوسَنَةٍ ، فرميا الأصنام ، وعَملاه مَسجداً ، فضربتُهما . قال ابنُ الزيَّات : فما كتابٌ قد زيَّنْتَه بالذَّهبِ والجواهرِ فيه الكُفرُ ؟ قال : كتابٌ ورثتُه من أبي ، فيه آدابٌ وحِكَمٌ للأكاسِرَة ، فَآَخُذُ منه الأدبَ ، (١) ((عيون التواريخ)) ٨ / لوحة ١٠٣ . (٢) ((عيون التواريخ)) ٨ / لوحة ١٠٣. (٣) هي بلدة كبيرة بما وراء النهر بين سيحون وسمرقند انظر ((معجم البلدان)) ١٩٧/١. (٤) انظر خبر غضب المعتصم على الأفشين في ((تاريخ الطبري)) ١٠٤/٩ - ١١٠، و ((الكامل)) ٦ /٥١٠ - ٥١٦. ٢٩٩ وأدع ما سواه، مثل كتاب ((كليلة ودمنة)). فقال ابنُ الزِيَّات لِلمُوبِذ: ما تقولُ؟ قال: إنَّه يأكُلُ المخنوقَة، ويحمِلُني على أكلها ، ويقولُ : لحمُها أرطَبُ . وقال لي : إني دخلتُ لهؤلاء في كلِّ ما أكرهُ حتى أكلتُ الزيتَ ، وركبتُ الجملَ ، ولبستُ النَّعَلَ، غيرَ أنِّي ما حلقتُ عانتي قطُّ ، ولم يختَتِن - وكان المُوبِذُ مجوسِيّاً ، وأسلمَ بعدُ - قال الأفشين : خبِّروني عن هذا المتكلِّم ، أَثِقةٌ هو في دينه ؟ قالوا : لا . قال : فكيف تُصدِّقُونه ؟ فقام المَرْزُبان ، فقال : يا أَفشين ، كيف يكتُبُ إليك أهلُ مملكتِكَ ؟ قال : كما يكتُبون إلى آبائي : إلى الإِله مِن عَبْدِه . قال ابنُ أبي دواد: فما أبقيتَ لفرعون ؟ قال : خِفْتُ فسادَهم بتغيير العادة . قال له إسحاقُ بنُ إبراهيم المُصْعَبي : كيف تَحْلِفُ فنصدِّقك ، وأنت تدَّعي ما يدَّعي فرعون ؟ قال : يا إسحاقُ ، هذه سورةٌ قرأها عُجيف على عليٍّ بن هشام ، وأنت تقرؤها عليَّ ، فانظر من يقرؤها عَليك . ثم تقدَّم مازيارُ، فقيل: أتعرفه ؟ قال: نعم . قالوا : هل كاتبته ؟ قال : لا . فقالوا للمازيار : أكتبَ إليكَ؟ قال: كتب إليَّ أخوهُ على لسانه: إنه لم يكن ينْصُرُ هذا الدينَ الأبيضَ غيري وغيرُك وغيرُ بابَك، فأما بابَك، فبحُمقه قتلَ نَفْسَه ، فإن خالفتَ ، لم يكنُ للخليفةِ من يرى لقتالك غيري، ومعي الفرسانُ وأهلُ النَّجدةِ والبأسِ ، فإن وُجِّهْتُ إليكَ ، لم يبقَ أحدٌ يُحارِبُنا إلا العربُ والمَغارِبةُ والأتراك ، فأما العربيُّ ، فمنزلتُه كَكلبِ أَطرحُ له كِسرةً ، ثم أضرِبُ رأسَهُ بالدَّبُّوسِ ، وهؤلاءٍ الذِّئابُ - يعني المغاربة - فَأَكْلةُ رأسٍ ، وأما التركي ، فإنما هي ساعةٌ ، وتنفَذُ سهامُهم ، ثم تجولُ عليهم الخيلُ جولةً ، ويعودُ الدينُ إلى ما كان . ٣٠٠