Indexed OCR Text
Pages 501-520
٨٩ - خُبَيْب بن يساف * ابن عِنَبةُ بن عمرو بن خديج بن عامر بن جُشم بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي . وكان له أولاد: أَبو كثير عبد الله، وعبدُ الرحمن، وأُنيسة، وكانت تحتّه جميلةُ ابنة عبد الله بن أُبّ ابن(٢) سلول، وقد انقرض عَقِبُه. ابن سعد: أُنبأنا يزيد بن هارون، أَنبأَنا مُسْتَلِمٌ) بن سعيد، حدثنا خُبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف، عن أبيه، عن جدِّه قال: أتيتُ رسول الله وَلَّه وهو يُريد غزواً، أنا ورجل من قومي لم نسلم، فقلنا: إِنا نستحبي أن يشهد قومُنا مشهداً لا نشهده، قال: ((أَسلمتُما؟ قلنا: لا، قال: إنا (٤) لا نستَعِينُ بالمُشركِينَ على المُشْركِينَ)) قال: فأسلمنا، وشهدنا معه. فقتلتُ رجلًا، وضربني ضربة، وتزوجتُ ابنتَه بعد ذلك، فكانت تقول لي : لا عَدِمتُ رجلاً وشَّحكَ هذا الوشاح، فأقول لها: لا عدمتِ رجلاً عجَّل أَباك إِلى النار(٥). معن: حدثنا مالك، عن الفُضيل بن أبي عبد الله، عن عبد الله بن نِيار، عن عروة، عن عائشة قالت: خرج رسول الله، وَّة، إِلى بدر، فلما كان بحرَّة الوبرة أُدركه رجل كان يُذكر منه جرأةٌ ونجدة، ففرحوا به، قالت : فقال: جئت (*) طبقات ابن سعد: ٨٥/٢/٣، التاريخ الكبير: ٢٠٩/٣، الجرح والتعديل: ٣٨٧/٣، حلية الأولياء: ٣٦٤/١، الاستيعاب: ١٨٨/٣، أسد الغابة: ١١٨/٢، الإصابة: ٧٩/٣. (١) في الأصل ((عتبة)) وهو تصحيف والتصويب من ((مشتبه)) المؤلف وغيره. (٢) سقطت لفظة ((بن)) من المطبوع. (٣) تحرفت في المطبوع إلى ((مسلم)). (٤) تحرفت في المطبوع إلى ((ألا)). (٥) أخرجه ابن سعد ٥٨/٢/٣ وأحمد ٤٥٤/٣. ٥٠١ لأتبعك وأصيب معك، فقال له النبيُّ، وَلَه: (أَتُؤمن بالله ورسوله))؟ قال: لا، قال: ((فارجع، فَلَنْ نستعينَ بمُشرك)) ثم أُدركه بالشجرة، فقال مثلَ مقالته، ثم أدركه بالبيداء فقال: ((أَتُوُّمن بالله ورسوله؟)) قال: نعم، قال: ((انطلق))(١). قال الواقدي: هو خُبيب بن يساف تأخر إسلامُه حتى خرج رسول اللّه وَّة إلى بدر، فلحِقه، فأسلم، وشهد بدراً، وأُحُداً، قال: وتوفي في خلافة عثمان، وقد انقرض ولده (٢). ويقال في أبيه: إِساف بن عدي، كذا سماه ابن أبي حاتم. وقال شيخنا الدِّمياطي (٣): هو الذي قتل أبا عقبة الحارث بن عامر. كذا قال شيخنا، وخطَّأ ما في صحيح البخاري في مصرع خُبيب بن عدي الشهيد من أنه قتل الحارث يوم بدر، فقتله آلُ الحارث لما أُسروه به، وهو خبيب بن عدي بن مالك من الأوس، ولم أجده مذكوراً في البدريين رضي الله عنه. (١) أخرجه أحمد ٦٧/٦، ١٤٩، ومسلم (١٨١٧) في الجهاد: باب كراهية الاستعانة في الغزو بكافر، وأبو داود (٢٧٣٢) في الجهاد: باب في المشرك يسهم له، والترمذي (١٨٥٨) في السير: باب في أهل الذمة يغزون مع المسلمين هل يُسهم لهم؟، وابن ماجه (٢٨٣٢) في الجهاد: باب: الاستعانة بالمشركين، والدارمي ٢٣٣/٢: باب قوله *: إِنا لا نستعين بمشرك. (٢) أخرجه ابن سعد ٨٦/٢/٣. (٣) ترجمه المؤلف في مشيخته، ورقة ٨٧ فقال: عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرف. العلامة، الحجة، شرف الدين أبو محمد الدمياطي، الشافعي، أحد الأئمة الأعلام، وبقية نقاد الحديث. ولد سنة (٦١٣) واشتغل بدمياط، وأتقن الفقه، ثم طلب الحديث، ورحل وسمع من عدة أشياخ بدمشق، وبحران، والموصل، والحرمين. وله تصانيف متقنة في الحديث والعوالي، والفقه، توفي سنة (٧٠٥) بالقاهرة. ٥٠٢ ٩٠ - عُوَيم بن ساعدة * ابن عائش بن قيس بن النعمان بن زيد بن أمية أبو عبد الرحمن الأنصاري من بني عمرو بن عوف. بدريٌ كبير، شهد العقبتين في قول الواقدي، وشهد الثانية بلا نزاع، وآخی رسولُ اللهِ، وَلّ، بينَه وبينَ عمر بن الخطاب، وقال ابن إسحاق: بل بينَه وبينَ حاطب بن أبي بَلْتَعة(١). موسى بن يعقوب الزَّمْعي: عن السري بن عبد الرحمن، عن عباد بن حمزة سمع جابراً سمع النبي، وَّرَ، يقول: ((نِعْمَ العَبْدُ مِنْ عِبَادِ الله والرَّجُلُ مِنْ أَهْل الجَنَّةِ عُوَيْمُ بنُ سَاعِدَةَ))(٢). وقيل: كان أُولَ من استنجى بالماء. صالح بن كيسان: عن ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: إِن الرجلين الصالحين اللذيْن لقيا أبا بكر وعمر وهما يُريدان سقيفة (*) مسند أحمد: ٤٢٢/٣، طبقات ابن سعد: ٣٠/٢/٣، التاريخ الصغير: ٤٤/١، ٧٤، مشاهير علماء الأمصار: ت: ١٠٧، حلية الأولياء: ١١/٢، الاستيعاب: ٩٥٨٩، أسد الغابة: ٣١٥/٤، تهذيب الأسماء واللغات: ٤١/٢، تهذيب الكمال: ١٠٦٨، تهذيب التهذيب: ١٧٤/٨ الإصابة: ١٨١٨، خلاصة تذهيب الكمال: ٣٠٦. (١) أخرجه ابن سعد ٣١/٢/٣. (٢) إِسناده ضعيف لضعف موسى بن يعقوب، وجهالة السري بن عبد الرحمن وأخرجه ابن سعد ٣١/٢/٣. ٥٠٣ بني ساعدة، فذكرا ما تمالأ عليه القومُ، وقالا : أين تريدان؟ قالا : نريد إِخواننا مِن الأنصار. فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة أنهما: عُوَيم بن ساعدة ومعن بن عدي(١). وقيل: عويم ممن نزلت فيه ﴿ فِيْهِ رجالٌ يُحبُّون أن يتطهَّروا ﴾(٢) [التوبة : ١٠٨]. قال ابن سعد: توفي عُوَيم بن ساعدة في خلافة عمر، وهو ابنُ خمس وستين سنة(٣). قلتُ: وقيل أصله بَلَوي . (١) إِسناده صحيح، وأخرجه ابن سعد ٣١/٢/٣. (٢) أخرج أحمد ٤٢٢/٣ من طريق حسين بن محمد، عن أبي أويس، عن شرحبيل، عن عويم ابن ساعدة أنه حدثه، أن النبي، ﴿، أتاهم في مسجد قباء، فقال: ((إن الله تبارك وتعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، في قصة مَسْجدكم، فما الطهور الذي تطهرون به؟ قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا))، وصححه، ابن خزيمة ٤٥/١، مع العلم أن شرحبيل بن سعد قد ضعفه مالك، وابن معين، وأبو زرعة، ولم يوثقه غير ابن حبان. وأخرج الحاكم ١٥٥/١ من طريق محمد بن شعيب بن شابور، عن عتبة بن أبي حكيم، عن طلحة بن نافع، أنه حدث قال: حدثني أبو أيوب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك الأنصاريون عن رسول الله، بَّ، في هذه الآية ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ فقال رسول الله، وَّ،((يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطهور. فما طهوركم هذا؟ قالوا يا رسول الله، نتوضأ للصلاة، والغسل من الجنابة. فقال رسول الله، وَّ: هل مع ذلك غيره قالوا: لا. غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء. قال: ((هو ذاك)). وصححه، ووافقه الذهبي، وهو شاهد لما قبله. وانظر ((الدر المنثور)) ٢٧٨/٣، وابن سعد ٣١/٢/٣ و((مجمع الزوائد» ٢١٢/١. (٣) ابن سعد ٣١/٢/٣. ٥٠٤ ٩١ - قصة سلمان الفارسي * (ع) قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: هو سلمان ابنُ الإِسلام، أَبو عبد الله الفارسيّ سابقُ الفرس إلى الإِسلام، صحب النبيَّ، وَّ وخدمه وحدَّث عنه. وروى عنه ابنُ عباس ، وأنس بن مالك، وأبو الطّفيل، وأبو عثمان النَّهديُّ، وشُرَحْبِيل بنُ السمط، وأبو قُرَّة سلمة بن معاوية الكنديُّ، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وأَبو عُمر زاذان، وأبو ظبيان حُصين بن جُندب الجِنْبِيَ ، وَقَرْثَع الضبيُّ الكوفيون. له في مسند بقيّ ستون حديثاً، وأخرج له البخاري أربعةً أحاديث، ومسلم ثلاثة أحاديث. وكان لبيباً حازماً، مِن عقلاء الرجال وعُبادهم ونبلائهم. قال يحيى بن حمزة القاضي: عن عُروة بن رُويم، عن القاسم أبي عبد الرحمن حدَّثه قال: زارنا سلمان الفارسيُّ فصلى الإِمامُ الظهر، ثم خرج وخرج الناس، يتلقونَه كما يُتلقى الخليفة، فلقيناه وقد صلى بأصحابه العصرَ، وهو يمشي، فوقفنا نُسلم عليه، فلم يبق فينا شريفٌ إِلا عرض عليه أَن يَنْزِلَ به، فقال: جعلتُ على نفسي مَرّتي هذه أَن أَنزل على بشير بن سعد. فلما قدم، سأل عن أبي الدرداء، فقالوا: هو مرابط، فقال: أين مُرَابَطُكم؟ قالوا: بيروت. فتوجه قِبَله، قال: فقال سلمان: يا أُهلَ بيروت! أَلا أُحدثكم حديثاً يذهب الله به عنكم عرض الرِّباط. سمعتُ رسول الله، وََّ، يقول: ((ربَاطُ يَوْمٍ (*) مسند أحمد: ٤٣٧/٥ - ٤٤٤، طبقات ابن سعد: ٥٤/٤، طبقات خليفة: ١٨٩٧، تاريخ خليفة: ٩٠، التاريخ الكبير: ١٣٥/٤- ١٣٦، المعارف: ٢٧٠ -٢٧١، الجرح والتعديل: ٢٩٦/٤ - ٢٩٧، مشاهير علماء الأمصار: ت: ٢٧٤، حلية الأولياء: ١٨٥/١ -٢٠٨، تاريخ أصبهان: ٤٨/١- ٥٧، الاستيعاب: ٢٢١/٤، تاريخ بغداد: ١٦٣/١ - ١٧١، ابن عساكر: ١/١٩٤٨، أسد الغابة: ٤١٧/٢، تهذيب الأسماء واللغات: ٢٢٦/١ - ٢٢٨، تهذيب الكمال: ٥٢٣، دول الإسلام: ٣١/١، مجمع الزوائد: ٣٣٢/٩ - ٣٤٤، تهذيب التهذيب: ١٣٧/٤، الإصابة: ٢٢٣/٤، و٣٣/٥، خلاصة تذهيب الكمال: ١٤٧، كنز العمال: ٤٢١/١٣، شذرات الذهب: ٤٤/١، تهذيب تاريخ ابن عساكر: ١٩٠٨٦ - ٢١١. ٥٠٥ وَلَيْلَةٍ كَصِيامِ شَهْرِ وَقِيامِهِ، ومَنْ مَاتَ مُرَابِطَاً أُجِيرَ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وَجَرَى لَهُ صَالِحُ عَمَلِهِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ))(١). - أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إِسحاق، أنبأنا عبد القوي بن عبد العزيز الأغلبي، أنبأنا عبد الله بن رفاعة، أنبأنا أبو الحسن الخِلَعي، أنبأنا أبو محمد . ابن النحاس، أنبأنا أبو محمد بن الورد، أنبأنا أبو سعيد بن عبد الرحيم، أنبأنا عبد الملك بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق (ح). وأنبأنا أبو محمد بن قدامة، وأبو الغنائم بن علان، إِجازة، أن حنبل بن عبد الله أخبرهم: أنبأنا أبو القاسم الشيباني، أنبأنا أبو علي الواعظ، أنبأنا أبو بكر المالكي، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي (ح) ومحمد بن عبد الله بن نُمير وغيره، عن يونس بن بُكير (ج) وسهل بن عثمان، حدثنا يحيى بن أبي زائدة (ح) وعن يحيى بن آدم، عن عبد الله بن إدريس (ح) وحجاج بن قتيبة، حدثنا زفر بن قرة، جميعهم عن ابن إِسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس قال: حدثني سلمانُ الفارسيُّ قال: كنتُ رجلاً فارسياً من أَهل أَصبِهَانَ، مِنّ أهل قرية منها يقال لها جيّ (٢). وكان أَبي دِهْقَانَها. وكنت أحبَّ خلقِ الله إِليه، فلم يزل بي حبُّه إِياي حتى حبسني في بيته كما تُحبسُ الجارية، فاجتهدت في المجوسية حتى كنتُ قاطِنّ النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. وكانت (١) إِسناده حسن، ولكنه مرسل، وأخرجه مسلم (١٩١٣) في الإمارة: باب فضل الرباط في سبيل الله، والنسائي ٣٩/٦ في الجهاد: باب فضل الرباط كلاهما من طريق أيوب بن موسى، عن مكحول، عن شرحبيل بن السمط، عن سلمان. وأخرجاه من طريق آخر عن سلمان، وأخرجه الترمذي (١٦٦٥) في الجهاد: باب ما جاء في فضل الرباط، من طريق سفيان بن عيينةٍ، عن محمد بن المنكدر، عن سلمان. (٢) بالفتح وبالتشديد، مدينة ناحية أصبهان القديمة ((معجم البلدان)) ٢٠٢/٢. ٥٠٦ ز لأبي ضيعةٌ عظيمة، فشُغِلَ في بنيان له يوماً، فقال لي: يا بني! إِني قد شُغِلْتُ في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها، وأمرني ببعض ما يُريد. فخرجت، ثم قال: لا تحتبس عليّ، فإنك إن احتبست عليَّ كنت أُهمَّ إلي من ضيعتي، وشغلتني عن كل شيء من أمري. فخرجت أريد ضيعته، فمررتُ بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتَهم فيها وهم يُصلون، وكنتُ لا أدري ما أَمرُ الناسِ بحبس أَبي إِياي في بيته، فلما مررتُ بهم، وسمعتُ أصواتهم، دخلتُ إِليهم أَنظر ما يصنعون، فلما رأيتُهم أعجبتني صلواتُهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خيرٌ من الدين الذي نحن عليه؛ فوالله ما تركتُهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعةً أبي ولم آتها، فقلت لهم: أين أَصْلُ هذا الدين؟ قالوا: بالشام. قال: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلتُه عن عمله كله، فلما جئتُه قال: أَيْ بُنَّي! أين كنت؟ أَلم أكن عهدتُ إِليك ما عهدت؟ قلت: يا أَبةِ! مررتُ بناس يُصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيتُ مِن دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمسُ. قال: أَيْ(١) بني !ليس في ذلك الدين خير، دينُك ودين آبائك خيرٌ منه. قلت: كلا والله! إنه لخير من ديننا. قال: فخافني، فجعل في رجلي قيداً، ثم حبسني في بيته . قال: وبعثتُ إِلى النصارى فقلت : إِذا قَدِمَ عليكم ركب من الشام تجار مِن النصارى، فأخبروني بهم. فقدم عليهم ركب من الشام. قال: فأخبروني بهم، فقلت: إِذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة، فأخبروني. قال: ففعلوا. فألقيتُ الحديد مِن رجلي، ثم خرجتُ معهم حتى قُدمتُ الشام. فلما قدمتُها، قلت: مَنْ أَفضلُ أَهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. فجئتُه، فقلت: إِني قد رغبتُ في هذا الدين، وأحببتُ أَن أكون معك أخدمك (١) تحرفت في المطبوع إِلى ((أبي)). ٥٠٧ في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك. قال: فادخل، فدخلتُ معه، فكان رجلَ سوءٍ يأمُرهم بالصدقة ويُرغبهم فيها، فإذا جمعُوا إليه منها شيئاً، اكتنزه لِنفسه، ولم يُعطه المساكين حتى جمع سبعَ قِلال مِن ذهب ووَرِقٍ، فأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع . ثم مات، فاجتمعت إِليه النصارى ليدفنوه، فقلتُ لهم: إِن هذا رجل سوءِ، يأمركم بالصدقة، ويُرغبكم فيها، فإِذا جئتم بها، كنزها لنفسه، ولم يُعط المساكين، وأريتهم موضع كنزه سبع قلال مملوءة، فلما رأوها قالوا: والله لا ندفِنُه أبداً. فصلبُوه ثم رموه بالحجارة. ثم جاؤوا برجل جعلوه مكانه، فما رأيتُ رجلاً- يعني لا يصلي الخمس - أرى أنه أَفضلَ منه، أَزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أُدُب ليلاً ونهاراً، ما أعلمني أحببتُ شيئاً قطُّ قبله حُبَّه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة، فقلت: يا فلان! قد حضرك ما ترى مِن أمر الله، وإِني والله ما أحببت شيئاً قط حُبَّك، فماذا تأمرني وإِلى مَنْ توصيني؟ قال لي: يا بني والله ما أُعدمه إِلا رجلاً بالمَوْصِلِ ، فائته، فإِنك ستجده على مثل حالي . فلما مات وغيِّبَ، لحقت بالموصل، فأتيتُ صاحبها، فوجدتُه على مثل حاله من الاجتهاد والزهد. فقلت له: إِن فلاناً أوصاني إِليك أَن آتيَك وأَكونَ معك . قال: فأقم أَيْ بنيّ. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة . فقلت له: إِن فلاناً أوصى بي إِليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإِلى من تُوصي بي؟ وما تأمرني به؟ قال: والله ما أعلم، أي بني، إلا رجلًا بنصيبين. فلما دفناه، لحقت بالآخر، فأَقمتُ عنده على مثل حالهم حتى حضره ٥٠٨ الموت، فأوصى بي إِلى رجل من أهل عمورية بالروم، فأتيتُه فوجدته على مثل حالهم، واكتسبتُ حتى كان لي غنيمة وبُقيرات. ثم احتضر فكلمته إِلى من يوصي بي؟ قال: أَيْ بُنَي! والله ما أعلمُه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكن قد أظلّك زمان نبي يُبعث من الحرم، مهاجرهُ بين حرَّتين إلى أرض سبخة ذاتِ نخل، وإِنَّ فيه علامات لا تخفى، بينَ كتفيه خاتمُ النبوة، يأكل الهدية ولا يأكلُ الصدقة، فإِن استطعت أَن تخلُصَ إِلى تلك البلاد فافعل، فإِنه قد أَظلك زمانُه. فلما واريناه، أَقمتُ حتى مرَّ بي رجالٌ من تجار العرب من كلب، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم غنيمتي وبقراتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتُهم إياها وحملوني ، حتى إذا جاؤوا بي وادي القرى، ظلموني، فباعوني عبداً من رجل يهودي بوادي القرى. فوالله لقد رأيتُ النخل، وطمعتُ أن يكون البلد الذي نَعَت لي صاحبي. وما حقَّت عندي حتى قَدِمَ رجل من بني قريظة وادي القرى، فابتاعني مِن صاحبي، فخرج بي حتى قَدِمنَا المدينةَ. فوالله ما هو إِلا أَن رأيتُها، فعرفت نعتها . فأقمتُ في رقي، وبعث الله نبيه، وَلَ، بمكة لا يذكر لي شيء من أمره مع ما أنا فيه من الرِّق، حتى قَدِمَ رسولُ اللهِ وَ قُباء، وأنا أعمل لِصاحبي في نخلة له، فوالله إني لفيها إِذ جاءه ابنُ عم له، فقال يا فلان! قاتل الله بني قَيْلة، والله إنهم الآن لفي قُباء مجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي . فوالله ما هو إلا أن سمعتُها فأخذتني العُرَواء - يقول الرِّعدة - حتى ظننتُ لأسقطن على صاحبي. ونزلتُ أقول: ما هذا الخبر؟. ٥٠٩ فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة، وقال: مالك ولهذا، أقْبلْ على عملك. فقلتُ: لا شيء، إِنما سمعتُ خبراً، فأحببتُ أَن أَعلمه . فلما أمسيتُ، وكان عندي شيء من طعام، فحملتُه وذهبت إِلى رسول الله 1: وهو بقُباء، فقلتُ له: بلغني أنك رجل صالح، وأن معك أصحاباً لك غرباء، وقد كان عندي شيء من الصدقة فرأيتُكم أَحقَّ مَنْ بهذه البلاد، فهاك هذا، فَكُلْ منه. قال: فأمسك، وقال لأصحابه: كُلُوا. فقلت في نفسي: هذه خَلَّةٌ مما وَصَفَ لي صاحبي . ثم رجعتُ، وتحوَّل رسول الله إِلى المدينة، فجمعتُ شيئاً كان عندي ثم جثّتُهُ به فقلتُ: إِني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية. فأكل رسول الله وَيَّ وأكل أصحابُه، فقلت: هذه خلتان. ثم جئتُ رسول الله وَّر وهو يتبع جنازة وعلّي شملتانٍ لي وهو في أصحابه، فاستدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف. فلما رآني استدبرتُه عرف أني أَستثبت في شيء وصف لي، فألقى رداءهِ عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببتُ عليه أُقبله وأبكي . ٩ فقال لي: تحول. فتحولت، فقصصتُ عليه حديثي كما حدثتُك يا ابنَ عباس، فأعجب رسول الله وَ﴿ل أن يسمعَ ذلك أصحابُه. ثم شغل سلمان الرِّق حتى فاته مع رسول الله وَّه بدرٌ وأُحُد. ثم قال رسول الله: كاتِبْ يا سلمان. فكاتبت صاحبي على ثلاث مئة نخلة ٥١٠ ء أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية. فقال رسول الله وَير لأصحابه: ((أعينوا أخاكم))، فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين وَدِيَّة (١)، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، حتى اجتمعت ثلاث مئة وديَّة. فقال: ((اذهب يا سلمان ففقّرْ لها، فإِذا فرغتَ فائتني أَكون أَنا أضعُها بيدي)) ففقَّرت لها وأعانني أصحابي، حتى إِذا فرغت منها، جئتُه وأخبرته، فخرج معي إِليها نقرب له الوديّ، ويضعه بيده. فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة. فأديت النخل، وبقي عليَّ المال. فأُتي رسول الله وَّل بمثل بيضة دجاجة مِن ذهب من بعض المغازي. فقال: ((ما فعل الفارسي المكاتب))؟ فدُعيت له، فقال: ((خُذها فأدِّ بها ما عليك)) قلت: وأين تقع هذه يا رسولَ الله مما عليّ؟ قال: خذها فإِن الله سيؤدي بها عنك. فأخذتُها فوزنتُ لهم منها أربعين أوقية، وأوفيتُهم حقهم وعتقت، فشهدتُ مع رسول الله وَّرُ الخندقَ حرًّا، ثم لم يفتني معه مشهد(٢). زاد إِبراهيم بن سعد، عن ابن إِسحاق، فقال عن يزيد بن أبي حبيب، عن رجل من عبد القيس، عن سلمان: قال: لما قلتُ له: وأين تقع هذه من الذي علي؟ أَخذها فقلَّبها على لسانه، ثم قال: ((خُذْها)(٣). وفي رواية ابن إِدريس، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن رجل (١) الودية: جمع ودي : صغار الفسيل. (٢) رجاله ثقات. وإِسناده قوي فقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد وابن هشام وابن سعد، وأخرجه أحمد ٤٤١/٥- ٤٤٤، وابن سعد ٥٣/١/٤ - ٥٧، والجزري في ((أسد الغابة)) ٤١٧/٢- ٤١٩، وابن هشام ٢١٤/١ - ٢٢١ والطبراني في ((الكبير)) برقم (٦٠٦٥) والخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) ١٦٤/١ - ١٦٩، وانظر ((مجمع الزوائد)) ٣٣٦٩. (٣) أخرجه أحمد ٤٤٤/٥، وابن هشام ٢٢١/١، وانظر ((المجمع)) ٣٣٦/٩ وفي سنده جهالة. ٥١١ من عبد القيس أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: حدثني من حدَّثه سلمان، أنه كان في حديثه حين ساقه لرسول الله أن صاحب عمورية قال له: إِذا رأيتَ رجلًا كذا وكذا من أرض الشام بين غيضتين، يخرُج من هذه الغيضة إِلى هذه الغيضة في كل سنة مرَّة، يتعرضه الناسُ، ويُداوي الأسقام، يدعو لهم، فيشفون، فائته، فسله عن الدين الذي يُلتمس. فجئتُ حتى أقمت مع الناس بين تينك الغيضتين. فلما كان الليلة التي يخرج فيها من الغيضة خرج وغلبني الناسُ علیه حتى دخل الغيضة الأخرى، وتوارى مِنِّي إِلا منكبيه، فتناولتُه، فأخذتُ بمنكبيه، فلم يلتفت إليّ، وقال: ما لك؟ قلتُ: أسأل عن دين إِبراهيم الحنيفية. قال: إِنك لتسأل(١) عن شيء ما يسأل الناسُ عنه اليوم. وقد أظلَّك نبيِّ يخرج من عند هذا البيتِ الذي بمكة یأتي بهذا الدين الذي تسأل عنه، فالحق به. ثم انصرف. فقال رسولُ الله ◌َّر: لئن كنت صدقتني لقد لقيتَ وصيَّ عيسى ابن مریم(٢). تفرد به ابن إسحاق. وقاطن النار: ملازمها، وبنو قَيلة، الأنصار، والفقير: الحفرة، والوديّ : النصبة . وقال يونس: عن ابن إسحاق، حدثني عاصم، حدثني من سمع عمر بن عبد العزيز بنحو مما مر، وفيه: وقد أظلَّك نبي يخرُج عند أهل هذا البيت، (١) تَحرفت في المطبوع إِلى ((الّضال)). (٢) أخرجه ابن سعد ٥٧/١/٤، وابن هشام ٢٢١/١، وهذه الرواية كسابقتها فيها جهالة. ٥١٢ ويُبعث بسفك الدم. فلما ذكر ذلك لرسول الله وَ لّر، قال: ((لئن كنت صدقتني يا سلمانُ لقد رأيتَ حواريٍّ عيسى))(١). عُبيد الله بن موسى، وعمرو العَنْقزي قالا: حدثنا إِسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي (٢) قُرة الكِندي، عن سلمان قال: كان أبي من الأساورة، فأسلمني في الكتاب، فكنتُ أختلف وكان معي غلامان، فكانا إِذا رجعا، دخلا على قسِّ أَو راهب، فأدخل معهما، فقال لهما: أَلم أنهكُما أَن تُدخِلا عليَّ أَحداً، أَو تُعلما بي أَحداً؟ فكنتُ أَختلِفُ حتى كنت أحبَّ إِليه منهما. فقال لي: يا سلمان! إِني أُحِبُّ أَن أَخرج من هذه الأرض. قلت: فأَنا معك. فأتى قريةً فنزلها، وكانت امرأة تختلِفُ إِليه، فلما خُضِرَ، قال: احفر عند رأسي، فاستخرجت جرَّة من دراهم، فقال: ضعها على صدري. قال: فجعل يضربُ بيده على صدره، ويقول: ويل للقنائين، قال: ومات فاجتمع القسيسون والرهبان، وهممتُ أن أُحتمل المال، ثم إِن الله عصمني، فقلتُ لهم: إِنه قد ترك مالاً. فوثب شبانٌ من أَهل القرية فقالوا: هذا مالُ أَبينا، كانت سریّته تختلفُ إِلیه. فقلت: يا معشرَ القسيسين والرهبان، دلوني على عالم أكونُ معه. قالوا: ما نعلم أحداً أعلم من راهب بحمص. فأتيتُه فقصصت عليه. فقال: ما جاء بك إِلا طلبُ العلم؟ قلت: نعم. قال: فإني لا أعلم أحداً في الأرض أعلم من رجل يأتي بيت المقدس كل سنة في هذا الشهر، وإِن انطلقتَ وجدتَ حماره واقفاً. فانطلقت فوجدتُ حماره واقفاً على باب بيت المقدس، فجلستُ حتى خرج. فقصصت عليه، فقال: اجلس حتى أرجعَ إليك. (١) انظر ما قبله. (٢) سقطت من المطبوع لفظة ((أبي)). ٥١٣ سير ٤٤/١ فذهب فلم يرجع إلى العام المقبل، فقلتُ: ما صنعت؟ قال: وإنك لها هنا بعد؟ قلت: نعم. قال: فإني لا أعلم أحداً في الأرض(١) أَعلَمَ من رجل يخرج بأرض تيماء، وهو نبيٌّ وهذا زمانُه، وإن انطلقت الآن وافقتَه، وفيه ثلاث: خاتمُ النبوة، ولا يأكلُ الصدقة، ويأكلُ الهدية. خاتم النبوة عند غرضوف كتفه، كأنها بيضةُ حمامة، لونُها لونُ جلده. فانطلقت، فأصابني قومٌ من الأعراب، فاستعبدوني فباعوني، حتى وقعت إلى المدينة، فسمعتُهم يذكرون النبيَّ ◌ََّ، فسألتُ أهلي أَن يهبوا لي يوماً ففعلوا. فخرجتُ، فاحتطبت، فبعتُهُ بشيء يسير، ثم جئتُ بطعام اشتريتُه، فوضعتُهُ بينَ يدي رسول الله وَّرَ. فقال: ما هذا؟ فقلت: صدقة. فأبى أن يأكل، وأمر أصحابَه فأكلوا، وكان العيشُ يومئذ عزيزاً، فقلت: هذه واحدة. ثم أَمكث ما شاء الله أَن أَمكث. ثم قلت لأهلي: هبوا لي يوماً. فوهبوا لي يوماً، فخرجتُ، فاحتطبت فبعتُه بأفضلَ مما كنتُ بعت به، يعني الأول، فاشتريتُ به طعاماً، ثم جئتُ، فوضعته بينَ يدي رسول الله وَّ. فقال: ما هذا؟ قلت: هدية. قال: كُلُوا. وأكل. قلت: هذه أخرى. ثم قمتُ خلفه، فوضع رداءه، فرأيت عند غرضوف كتفه خاتم النبوة. فقلت: أشهد أنك رسول الله. فقال: ما هذا؟ فحدثتُه. وقلتُ: يا رسول الله! هذا الراهب أَفي الجنة هو، وهو يزعم أَنك نبي الله؟ قال: إِنه لن يدخل الجنة إِلا نفسٌ مسلمة)). فقلت: إِنه أخبرني أنك نبيّ. فقال: ((إِنه لَنْ يدخُلَ الجنةَ إِلا نفسٌ مسلمة))(٢) . (١) سقط من المطبوع عبارة ((في الأرض)). (٢) أخرجه بطوله ابن سعد ٥٨/١/٤، وأخرج أحمد ٤٣٨/٥ والطبراني في ((الكبير)) (٦١٥٥) = ٥١٤ رواه الإمام أحمد في ((مسنده)) عن أبي كامل، ورواه أبو قلابة الرقاشي عن عبد الله بن رجاء، كلاهما عن إِسرائيل. سعيد بن أبي مريم: حدثنا ابن لَهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، حدثني السلم بن الصلت العبدي، عن أبي الطفيل البكري أن سلمان الخير حدّثه قال: كنتُ رجلاً من أَهل جيّ، مدينة أَصبهان، فأتيتُ رجلًا يتحرجُ مِن كلام الناس فسألته: أَيُّ الدين أفضل؟ قال: ما أَعلمُ أَحداً غيرَ راهب بالموصِل. فذهبتُ إِليه، فكنت عنده، إِلى أَن قال: فأتيتُ حجازيًّا، فقلت: تحملني إِلى المدينة وأنا لك عبد؟ فلما قدمتُ، جعلني في نخله، فكنت أستقي كما يستقي البعير، حتى دَبر ظهري ولا أجد من يفقه كلامي، حتى جاءت عجوزٌ فارسية تستقي، فكلمتها فقلت: أين هذا الذي خرج؟ قالت: سيُمُرُّ عليك بكرة. فجمعتُ تمراً، ثم جئتُه وقربتُ إِليه التمر. فقال: أصدقة أم هدية؟(١). أبو إسماعيل الترمذي، وإِسحاق بن إبراهيم بن جميل وغيرهما، قالوا: أنبأنا عبد الله بن أبي زياد القَطَواني(٢)، حدثنا سيار بن حاتِم، حدثنا موسى بن سعيد الراسبي، حدثنا أبو معاذ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمان الفارسي، قال: كنتُ مِمن ولد برَا مَهُرْمُزَ وبها نشأتُ، وأَما أبي فمن أصبهان. = الجزء الأخير منه. وانظر ((مجمع الزوائد)) ٣٣٦/٩، والحلية ١٩٥/١، وأبو قرة لا يعرف. وباقي رجاله ثقات. وقوله: الغرضوف: هو لغة في الغضروف. وغضروف الكتف رأس لوحه. (١) ابن لهيعة ضعيف، وسلم وأبو الطفيل لا يعرفان. وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) ٦٠٧٦، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١٩٣/١. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٣٣٩/٩ - ٣٤٠، وقال: رواه الطبراني وفيه من لم أُعرفه. وانظر ابن عساكر ٧/١٩٩٧. (٢) تحرفت في المطبوع إِلى ((العطواني)). ٥١٥ وكانت أمي لها غنى، فأسلمتني إلى الكتاب، وكنتُ أَنطلق مع غلمان مِن أَهل قريتنا إِلى أَن دنا مني فراغ من الكتابة، ولم يكن في الغلمان أكبر مني ولا أَطول ، وكان ثَمَّ جبل فيه كهف في طريقنا، فمررتُ ذات يوم وحدي، فإذا أنا فيه برجل عليه ثیاب شعر، ونعلاه شعر، فأشار إليَّ، فدنوت منه. فقال: يا غلام! أتعرفُ عيسى ابن مريم؟ قلت: لا. قال: هو رسولُ الله. آمن بعيسى وبرسول يأتي من بعده اسمه أحمد، أخرجه الله مِن غم الدنيا إلى روح الآخرة ونعيمها. قلت: ما نعيم الآخرة؟ قال: نعيم لا يفنى. فرأيتُ الحلاوة والنور يخرج من شفتيه، فعلقه فؤادي وفارقت أصحابي، وجعلتُ لا أَذهب ولا أجيء إِلا وحدي. وكانت أمي تُرسلني إِلى الكتاب، فأنقطع دونَه، فعلمني شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن عيسى رسولُ الله، ومحمداً بعدَه رسول الله، والإِيمان بالبعث، وعلمني القيام في الصلاة، وكان يقول لي: إِذا قمتَ في الصلاة فاستقبلتَ القبلة، فاحتوشتك النارُ، فلا تلتفت، وإِن دعتك أمك و أبوك، فلا تلتفت، إلا أن يدعوكَ رسولٌ من رسل الله، وإِن دعاك وأنتَ في فريضة، فاقطعها، فإنه لا يدعوك إلا بوحي. وأمرني بطول القنوت، وزعم أن عيسى عليه السلام قال: طولُ القنوت أَمانٌ على الصراط، وطولُ السجود أَمان من عذاب القبر، وقال: لا تكذبنَّ مازحاً ولا جادًّا حتى يُسلِّمَ عليك ملائكة اللّه، ولا تَعْصِيَنَّ (١) الله في طمع ولا غضب، لا تحجب عن الجنة طرفة عين . ثم قال لي : إن أدركتَ محمد بن عبد الله الذي يخرج من جبال تهامة فآمنْ به، واقرأ عليه السلام مني، فإنه بلغني أن عيسى ابن مريم عليه السلام (١) تصحفت في المطبوع إلى ((ولا تغضبنَّ)). ٥١٦ قال: من سلَّم على محمد رآه أو لم يره، كان له محمدٌ شافعاً ومصافحاً. فدخل حلاوة الإِنجيل في صدري . قال: فأقام في مقامه حولاً، ثم قال: أي بنيّ! إِنك قد أحببتني وأحببتك، وإِنما قدمتُ بلادكم هذه: إنه كان لي قريب، فمات، فأحببتُ أَن أكون قريباً من قبره أصلي عليه وأسلم عليه، لما عظم الله علينا في الإِنجيل من حق القرابة، يقول الله: من وصل قرابته، وصلني، ومن قطع قرابته، فقد قطعني، وإنه قد بدا لي الشخوصُ من هذا المكان، فإن كنت تُريد صحبتي فأنا طوع يديك. قلت: عظمت حق القرابة وهنا أمي وقرابتي. قال: إِن كنت تريد أن تهاجر مهاجر إِبراهيم عليه السلام فدع الوالدة والقرابة، ثم قال: إِن الله يُصلح بينَك وبينهم حتى لا تدعو عليك الوالدة. فخرجتُ معه، فأتينا نصيبين، فاستقبله اثنا عشر من الرهبان يبتدرونه ويبسطون له أرديتهم، وقالوا: مرحباً بسيدنا وواعي كتاب ربنا. فحمد الله، ودمعت عيناه وقال: إِن كنتم تعظموني لتعظيم جلال الله، فأبشروا بالنظر إِلى الله. ثم قال: إِني أريد أن أتعبد في محرابكم هذا شهراً، فاستوْصُوا بهذا الغلام فإني رأيته رقيقاً، سريعَ الإِجابة. فمكث شهراً لا يلتفِتُ إِليَّ ويجتمع الرهبان خلفه يرجون أن ينصرفَ ولا ينصرفُ، فقالوا: لو تعرضتَ له، فقلت: أنتم أَعظمُ عليه حقًّا مني، قالوا: أَنت ضعيفٌ، غريبٌ، ابنُ سبيل، وهو نازل علينا، فلا نقطعُ عليه صلاتَه مخافة أن يرى أَنا نستثقِلُه. فعرضتُ له فارتعد، ثم جثا على ركبتيه، ثم قال: مالك يابني؟ جائعٌ أنت ؟ عطشان أنت؟ مقرور أنت؟ اشتقت إِلى أهلك؟ قلت: بل أَطعتُ هؤلاء العلماء. قال: أتدري ما يقول الإِنجيل؟ قلت: لا، قال: يقول من أطاع العلماء فاسداً كان أو مصلحاً، فمات فهو صدِّيق، وقد بدا لي أن أتوجه إِلى بيت المقدس. فجاء العلماءُ، ٥١٧ فقالوا: يا سيدَنا امكث يومك تحدّثنا وتكلمنا، قال: إِن الإِنجيل حدّثني أنه من همَّ بخير فلا يؤخره. فقام فجعل العلماء يُقبلون كفيه وثيابه، كل ذلك يقول: أوصيكم ألّ تحتقروا معصية الله، ولا تعجبوا بحسنة تعملونها. فمشى ما بين نصيبين والأرض المقدسة شهراً يمشي نهارَه، ويقومُ ليله حتى دخل بيت المقدس، فقام شهراً يُصلي الليل والنهار. فاجتمع إليه علماء بيت المقدس، فطلبوا إِلى أَن أَتعرَّض له. ففعلتُ. فانصرف إِلي، فقال لي كما قال في المرة الأولى. فلما تكلم، اجتمع حولَه علماءُ بيت المقدس، فحالوا بيني وبينه يومَهم وليلتهم حتى أصبحوا، فمُلُّوا وتفرَّقوا، فقال لي: أي بني! إني أريد أن أُضع رأسي قليلاً، فإِذا بلغت الشمس قدميّ فأيقظني. قال: وبينَه وبينَ الشمس ذراعان. فبلغته الشمس، فرحمته لطول عنائه وتعبه في العبادة، فلما بلغت الشمس سرته استيقظ بحرِّها. فقال: مالك لم توقظني؟ قلت: رحمتك لطول عنائك. قال: إِني لا أحب أن تأتي عليَّ ساعة لا أَذكرُ الله فيها ولا أَعبده، أُفلا رحمتني من طول الموقف؟. أَيْ بني! إِني أريدُ الشخوصَ إِلى جبل فيه خمسون ومئة رجل أُشُّهم خيرٌ مني. أُتصحبُني؟ قلت: نعم. فقام فتعلَّق به أعمى على الباب. فقال: يا أَبا الفضل تخرُج ولم أُصب منك خيراً، فمسح يدَه على وجهه، فصار بصيراً. فوثب مُقعد إلى جنب الأعمى ، فتعلق به فقال : مُنَّ عليَّ مَنّ الله عليك بالجنة. فمسح يده عليه. فقام فمضى. يعني الراهب. فقمت أَنظر يميناً وشمالاً لا أرى أحداً. فدخلتُ بيت المقدس فإِذا أُنا برجل في زاوية عليه المسوح، فجلست حتى انصرف. فقلت: يا عبدَ الله ما ٥١٨ اسمك؟ قال: فذكر اسمه، فقلت: أَتعرفُ أَبا الفضل؟ قال: نعم، وودتُ أَني لا أَموت حتى أَراه، أما (١) إِنه هو الذي مَنَّ عليَّ بهذا الدين، فأنا أَنتَظِرُ نبيّ الرحمة الذي وصفه لي يخرج من جبال تهامة، يُقال له: محمد بن عبد الله، يركبُ الجملَ والحمارَ والفرسَ والبغلة، ويكون الحر والمملوك عنده سواءً، وتكون الرحمة في قلبه وجوارحه، لو قسمت بين الدنيا كلها لم يكن لها مكان، بين كتفيه كبيضة الحمامة عليها مكتوب باطنها: الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، وظاهرها: توجه حيث شئت فإنك المنصور، يأكل الهديةَ، ولا يأكل الصدقةَ، ليس بحقود ولا حسود، ولا يظلم معاهداً ولا مسلماً. فقمت من عنده فقلت: لعلّي أقدر على صاحبي، فمشيتُ غير بعيد، فالتفت يميناً وشمالاً لا أرى شيئاً. فمَرّ بِي أَعرابٌ من كلب، فاحتملوني حتى أَتّوْا بي يثربَ، وسموني ميسرة. فجعلت أناشدهم، فلا يفقهون كلامي، فاشترتني امرأة يقال لها: خليسة بثلاث مئة درهم. فقالت: ما تُحسن؟ قلت: أصلي لربي وأعبده، وأسف الخوص. قالت: ومَنْ رِبُّك؟ قلت: ربُّ محمد. قالت: ويحك! ذاك بمكة، ولكن عليك بهذه النخلة، وصَلِّ لربك لا أَمنعُك، وسفّ الخوص، واسْعَ على بناتي، فإِنَّ ربك يعني إِنْ تُناصِحْهُ في العبادة يُعطِكَ سولك. فمكثتُ عندها ستة عشر شهراً حتى قَدِمَ رسول الله وَّر المدينة، فبلغني ذلك وأنا في أقصى المدينة في زمن الخلال(٢). فانتقيت شيئاً من الخلال، فجعلتُه في ثوبي، وأَقبلت أَسأَلُ عنه، حتى دخلتُ عليه وهو في منزل أبي (١) سقطت ((أما)) من المطبوع. (٢) الخلال: عود يخلل به الثوب والأسنان، والحب: الخابية. فارسي معرب ٥١٩ أيوب، وقد وقع حُبُّ لهم فانكسر، وانصب الماء، فقام أبو أيوب وامرأته يلتقطان الماء بقطيفة لهما لا يكِفُ على النبيِّ . فخرج رسول الله فقال: ما تصنعُ يا أَبا أيوب؟ فأخبره. فقال: لك ولزوجتك الجنة. فقلت: هذا والله محمد رسول الرحمة. فسلمتُ عليه، ثم أخذت الخِلال فوضعتُه بين يديه. فقال: ما هذا يا بني؟ قلت: صدقة. قال: إنا لا نأكل الصدقة. فأخذته وتناولت إِزاري وفيه شيء آخر، فقلت: هذه هدية. فأكل وأطعم مَن حوله، ثم نظر إليَّ، فقال: أُحرّ أَنت أم مملوك؟ قلت: مملوك. قال: ولم وصلتني بهذه الهدية؟. قلت: كان لي صاحبٌ من أمره كذا، وصاحبٌ من أمره كذا، فأخبرته بأمرهما. قال: أما إِن صاحِبَيْك مِن الذين قال الله ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُم الكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، وإِذَا يُتْلَى عَلَيْهم ... ) الآية، ما رأيت فيّ ما خبّرك؟ قلت: نعم، إِلا شيئاً(١) بين كتفيك. فأَلقى ثوبَه، فإِذا الخاتم، فقبلتُه، وقلت: أُشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسولُ الله. فقال: يا بني! أَنت سلمان، ودعا عليًّا، فقال: اذهب إِلى خليسة، فقل لها: يقولُ لك محمد إما أن تعتقي هذا، وإما أن أعتقه، فإِن الحكمة تُحرِّم عليك خدمته. قلت: يا رسولَ الله. أشهد أنها لم تُسلم. قال: يا سلمان، أولا تدري ما حدث بعدك؟ دخل عليها ابنُ عمها فعرض عليها الإِسلامَ فأسلمت. فانطلق عليٍّ، وإِذا هي تذكر رسول الله وَّرَ، فأخبرها عليٌّ، (١) تحرفت ((إلا شيئاً)) في المطبوع إلى ((الإنباء)). ٥٢٠