Indexed OCR Text
Pages 461-480
وروى سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيّوب، قال: حدثني حُمَيْد الطّويل، عن ثابت، حدثه عن أنَس، أنّ النبي ◌َّ صلّى خَلْف أبي بكر في ثوبٍ واحدٍ بُرْدٍ، مخالفاً بين طَرَفَيْهِ، فلمّا أراد أن يقوم قال: ((ادْعُوا لي أُسَامَة بن زيد))، فجاء، فأسند ظهره إلى نَحْرِه، فكانت آخرَ صلاةٍ صلّها. وكذلك رواه سليمان بن بلال بزيادة ثابت البُنَاني فيه . وفي هذا دلالة على أنّ هذه الصّلاة كانت الصُّبْح، فإنّها آخرُ صلاةٍ صلّها، وهي التي دعا أُسَامَة عند فَرَاغِهِ منها، فأوصاه في مسيره بما ذكر أهلُ المغازي. وهذه الصّلاة غير تلك الصّلاة التي ائتمّ فيها أبو بكر به، وتلك كانت صلاة الظُّهْر من يوم السّبت أو يوم الأحد. وعلى هذا يُجْمَع بين الأحاديث، وقد استوفاها الحافظ الإمام الحَبْر أبو بكر البيهقي(١) رحمه الله. وقال موسى بن عُقْبة: اشتكى النبي ◌ََّ في صفر، فَوَعِك أشاً. الوَعْك؛ واجتمع إليه نساؤة يُمَرِّضْنَهُ أيّاماً، وهو في ذلك ينحاز إلى الصَّلَوات حتّى غُلِب، فجاءه المؤذِنّ فَاذَنَه بالصّلاة، فنهض، فلم يستطع من الضَّعْف، فقال للمؤذِّن: ((اذهب إلى أبي بكر فَمُرْهُ فَلْيُصَلِّ)). فقالت عائشة: إنّ أبا بكر رجلٌ رقيقٌ، وإنّ إنْ قام مقامكَ بَكَى، فَأْمُرْ عمرَ فَلْيُصَلِّ بالنّاسِ. فقال: مُرُوا أبا بكر، فأعادتْ عليه، فقال: إنّكن صَوَاحب يوسف. فلم يزل أبو بكر يُصلِّي بالنّاس حتّى كان ليلة الاثنين من ربيع الأول، فأقلع عن رسولِ اللهِ وَّرَ الوَعُ وأصبح مُفيقاً، فغدا إلى صلاة الصُّبْح يتوكأ على الفضل وغلام له يُدْعَى نُوبا ورسول الله وَيه بينهما، وقد سجد النّاس مع أبي بكر من صلاة الصُّبْح، وهو قائم في الأخرى، فتخلّص رسولُ اللهِ وَّرِ الصُّفُوفَ يُفَرِّجُون له، حتّى قام إلى جَنْب أبي بكر فاستأخر أبو بكر، فأخذ رسولُ اللهِ وَّهَ بثوبه فقدَّمه في (١) دلائل النبوة ١٨٦/٧ فما بعد. ٤٦١ مُصَلّه فصفّا جميعاً، ورسول الله وَ له جالسٌ، وأبو بكر قائمٌ يقرأ، فلمّا قضى قراءته قام رسول الله وَّ فركع معه الرَّكْعَةَ الآخرة، ثم جلس أبو بكر يتشهَّدُ والنّاس معه، فلمّا سلَّمَ أتمَّ رسولُ اللهِ وَ ◌ّهِ الرَّكْعَةَ الآخرة، ثم انصرف إلى جِذْع من جُذُوع المسجد، والمسجد يومئذٍ سَقْفُهُ من جرید وخوص، ليس على السَّقْف كبير طِينٍ، إذا كان المطرُ امتلأ المسجدُ طِيناً، إنّما هو كهيئة العريش، وكان أسامة قد تجهّز للغَزْوِ. : ٤٦٢ باب حالُ النَّبِيِّ وََّ لمَّا احتضر قال الزُّهْرِيّ: أخبرني عُبَيْد الله بن عبدالله، أنّ عائشة، وابنَ عبّاس قالا: لما نُزِل برسولِ اللهِ وَّ طَفِقَ يطرحُ خميصةً له على وجهه، فإذا اغْتَمَّ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: ((لعنة الله على اليهود والنَّصَارَى اَنَّخَذُوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ)»، يُحَذِّرُ ما صنعوا. مُتَّقٌ عليه(١) . حدثنا أحمد بن إسحاق بمصر، قال: أخبرنا عمر بن كَرَم ببغداد، قال: أخبرنا عبدالأوّل بن عيسى، قال: أخبرنا عبدالوهاب بن أحمد الثَّقَفي من لفظه سنة سبعين وأربع مئة، قال: حدثنا أبو عبدالرحمن محمد بن حسين السُّلَميّ إملاءً، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبدالجبّار العُطارِدِيّ، قال: حدثنا أبو بكر بن عَيَّاش، عن الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جابر، قال: سمعتُ رسولَ اللهُ بََّل قبل موته بثلاثٍ يقول: ((أَحْسِنُوا الظَّنَّ بالله عزَّ وجلَّ)). هذا حديث صحيح من العوالي. وقال سليمان التَّيْمي، عن قَتَادة، عن أنس، قال: كانت عامّة وصيّة النّبِيِّ وََّ حِين حَضَرَهُ الموتُ: ((الصّلاةَ وما مَلَكَتْ أنْمانُكُم))، حتّى جعل يُغرغرُ بها في صدره، وما يُفيض بها لسانُه. كذا قال سليمان. وقال همّام: حدثنا قَتَادة، عن أبي الخليل، عن سفينة، عن أُمّ (١) البخاري ١١٨/١-١١٩، ومسلم ٦٧/٢. ٤٦٣ سَلَمَة، قالت: كان رسول الله وَّله يقول في مرضه: ((اللهَ اللهَ، الصلاة وما مَلَكَتْ أيْمَانُكُم)). قالت: فجعل يتكلَّمُ به وما يكاد يُفيض. وهذا أصحّ. وقال اللَّيْثُ، عن يزيد بن الهاد، عن موسى بن سَرْجِس، عن القاسم، عن عائشة، قالت: رأيتُ رسولَ الله وَ لَّ يموتُ وعنده قَدَحٌ فيه ماء، يُدْخِل يدَه في القدح ثم يمسح وجْهَهُ بالماء، ثمّ يقول: ((اللَّهُمَّ أعِنِّي على سَكْرَةِ الموت)). وقال سعد بن إبراهيم، عن عُرْوَة، عن عائشة، قالت: كنّا نتحدّث أنّ النبي ◌َّهُ لا يموت حتّى يُخَيَّر بين الدُّنيا والآخرة، فلمّا مرِض عرضت له بُخَّةٌ، فسَمِعْتُهُ يقول: ﴿ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ ﴾﴾ [النساء] فَظَنَنّا أنّه كان وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا يُخَيَّر. مُتَّفقٌ عليه(١) . وقال نحوَه الزُّهْرِيّ، عن ابن المسيِّب وغيره، عن عائشة. وفيه زيادة: قالت عائشة: كانت تلك الكلمة آخر كلمة تَكلَّمَ بها النّبِيُّ وَّه ((الرفيق الأعلى)). البخاري(٢). وقال مُبارَك بن فَضالة، عن ثابت، عن أنَس، قال: لمّا قالت فاطمةٌ عليها السلام: ((واكَرْباه)) قال لها رسول الله وَلّ: ((إنّه قد حضر من أبيك ما ليس بتاركٍ منه أحداً الموافاة يوم القيامة)). وبعضهم يقول: مُبَارك، عن الحَسَن، ويُرْسِلُه. وقال حمّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنس أنّ رسول الله وَّةٍ لما ثَقُلَ جعل يَتَغَشَّاه - يعني الكَرْبُ - فقالت فاطمة: ((واكَرْبَ أَبَتَاه))، فقال رسول اللهِ وَلّ: ((لا كَرْبَ على أبيكِ بعدَ اليوم)). أخرجه البخاريّ(٣). (١) البخاري ٥٨/٦، ومسلم ١٣٧/٧ . (٢) البخاري ١٢/٦ و١٣٣/٨، ومسلم ١٣٧/٧. (٣) البخاري ١٨/٦. ٤٦٤ صلى الله عَلــ وسلم بابُ وفاتِه قال أيّوب، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة، قالت: تُؤُنِّي رسولُ الله وَلَه في بيتي ويومي وبين سَحْرِي ونَحْرِي، وكان جبريل يعوِّذُه بدُعاءٍ إذا مرِضَ، فذهبتُ أدعو به، فرفع بَصَرَه إلى السّماء وقال: ((في الرَّفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى)) ودخل عبدالرحمن بن أبي بكر وبيده جريدةٌ رطْبَة، فنظر إليها، فَظَنَنْتُ أنَّ له بها حاجة، فأخذتُها فنفضتُها ودفعتها إليه، فاسْتَنَّ بها أحسن ما كان مُسْتَنّاً، ثم ذهب يُنَاوِلِها، فسقَطَتْ من يده، فجمع الله بين رِيقي ورِيقِه في آخر يوم من الدُّنْيا. رواه البخاريُّ هكذا(١) . لم يسمعه ابن أبي مُلَيْكَة، من عائشة، لأنَّ عيسى بن يونس قال: عن عمر ابن سعيد بن أبي حسين، قال: أخبرني ابن أبي مُلَيْكَة، أنْ ذَكْوَان مولى عائشة أخبره، أنّ عائشة كانت تقول: إنّ من نعمةِ الله عليَّ أنَّ النبيَّ ◌َّهِ تُوُفِّي في بيتي، وفي يومي وبين سَحْرِي ونَحْرِي، وأنّ الله جمع بين رِيقي ورِيقِه عند الموت، دخل عليَّ أخي بِسِوَاكِ وأنا مُسْنِدَةٌ رسولَ الله ◌َّه إلى صدري، فرأيتُهُ ينظر إليه، وقد عرفت أنّه يحبُّ السِّوَاكَ ويَأْلَفُهُ، فقلت: آخُذُهُ لكَ؟ فأشار برأسه أنْ نعم، فَلَيَّنْتُهُ له، فَأَمَرَّه على فِيْهِ، وبين يديه رَكْوَةٌ - أو عُلْبَةٌ - فيها ماء، فجعل يُدْخِل يده في الماء فيمسح وجهه، ثمّ يقول: ((لا إله إلّ الله، إنَّ للموت سَكَرَاتٍ))، ثمّ نصب إصبعه اليُسرى فجعل يقول: ((في الرفيق الأعلى، في الرفيق (١) البخاري ١٦/٦. ٤٦٥ الأعلى)) حتى قُبِض، ومالت يدُه. رواه البخاريّ(١) . وقال حمّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنَس، قال: قالت فاطمة: لمّا مات النّبيُّ وَّر وهي تبكي: يا أبتاه مِنْ ربِّهِ ما أدناه، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل نَنْعاه، يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه. قال: وقالت: يا أنَس، كيف طابت أنفُسُكُم أنْ تَحْتُوا على رسول الله ◌َِله التُرابَ؟ البخاري(٢) . وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣) : حدثني يحيى بن عَبَّاد، عن أبيه، عن عائشة، قالت: مات رسولُ اللهِ وَّرِ وهو بين سَحْرِي ونَحْري، في بيتي وفي يومي، لم أظْلم فيه أحداً، فمِنْ سفاهة رأيي وحَدَاثة سِنّي أنّ رسول الله ◌َّ مات في حِجْري، فأخذتُ وسادةً فَوَسَّدْتُها رأسَهُ ووضعتُه من حِجْرِي، ثم قمتُ مع النّساءِ أبكي وألْتَدِم. الالتدام: اللَّطْم. وقال مرحوم بن عبدالعزيز العّطار: حدثنا أبو عِمْران الجَوْني، عن يزيد بن بابَنُوس أنّه أتى عائشةَ، فقالت: كان رسولُ اللهِ وَلَ إذا مرّ بحُجْرتي ألقى إليّ الكلمةَ تَقَرُّ بها عيني، فمرَّ ولم يتكلَّمْ، فَعَصَبْتُ رأسي ونمْتُ على فراشي، فمرّ رسولُ اللهِوَّ فقال: ((ما لَكِ))؟ قلت: رأسي، فقال: ((بل أنا وارأساه، أنا الذي أشتكي رأسي)). وذلك حين أخبره جبريلُ أنّه مَقْبوضٌ، فلبثت أيّاماً، ثمّ جيء به يُحمَل في كِساءٍ بين أربعةٍ، فأُدْخِلَ عليَّ، فقال: يا عائشة أرْسِلي إلى النِّسْوَة، فلمّا جئن قال: ((إنّي لا استطيع أنْ أختلِف بينكنّ، فأُذَنَّ لي فأكونُ في بيتِ عائشة. قُلْنَ: نعم، فرأيته يَحْمَرُّ وجهُهُ ويَعْرَق، ولم أكن رأيتُ مَيِّاً قطّ، فقال: ((أفْعِدِيني))، فأسْنَدْتُهُ إليّ، ووضعتُ يدي عليه، فقلب رأسَه، فرفعت (١) البخاري ١٥/٦-١٦. (٢) البخاري ١٨/٦. (٣) ابن هشام ٢/ ٦٥٥ . ٤٦٦ يدي، وظننتُ أنّه يريد أن يصيب من رأسي، فوقعتْ من فِيه نقطةٌ باردة على تَرْقُوَتي أو صَدْري، ثم مال فسقط على الفراش، فَسَجَّيْتُهُ بِثَوبٍ، ولم أكن رأيتُ مَيِّاً قطّ، فأعرفُ الموتَ بغيره، فجاء عمر يستأذن، ومعه المُغِيرة بن شُعبة، فأذِنْتُ لهما، ومَدَدْتُ الحجابَ، فقال عمر: يا عائشة ما لِنَبِيِّ الله؟ قلت: غُشِي عليه منذ ساعة، فكشف عن وجهه فقال: واغَمّاه، إنّ هذا لَهُوَ الغَمُّ، ثمّ غطّاه، ولم يتكلّم المُغِيرة، فلمّا بلغ عَتبةَ البابِ، قال المُغِيرة: مات رسولُ الله ◌ِوَّه يا عمر، فقال: كَذَبْتَ، ما مات رسولُ الله، ولا يموتُ حتّى يأمرَ بقتالِ المنافقين، بل أنت تَحُوسُكَ(١) فِتْنَةٌ. فجاء أبو بكر فقال: ما لِرَسولِ الله؟ قلت: غُشِي عليه، فكشف عن وجهه، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صِدْغَيْه ثم قال: وانَبِيَّاه واصفِيَّاه واخَلِيلاه، صدق الله ورسولُه ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ قَيِّتُونَ [الزمر]، ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلَدِّ أَفَإِيْن ◌ِّتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ ٣٤ [آل عمران]، ثمّ غَطَّاهُ وخرجَ إلى ١٨٥ [الأنبياء]، ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْمَوَّثِ (! النَّاس فقال: أيُّها النّاسُ، هل مع أحدٍ منكم عهدٌ من رسولِ اللهِ وَّ؟ قالوا: لا. قال: مَنْ كان يعبدُ الله فإنّ الله حيٌّ لا يموت، ومَن كان يعبد محمّداً فإنَّ محمداً قد مات، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ قَيِّتُونَ والآيات. فقال عمر: أفِي كتاب الله هذا يا أبا بكر؟ قال: نعم. قال عمر: هذا أبو بكر صاحبُ رسولِ الله وَّر في الغار، وثانيَ اثنين فَبَايِعُوه، فحينئذٍ بايعوه. رواه محمد بن أبي بكر المقدّمي عنه. ورواه أحمد في ((مُسْنَدِه)) (٢) (١) كتب المؤلف على هامش الأصل: ((تخالط قلبك)). (٢) أحمد ٢١٩/٦-٢٢٠، وابن سعد في طبقاته ٢٦١/٢-٢٦٨. . ٤٦٧ بطُوله عن بهز بن أسد، عن حمّاد بن سَلَمَة، قال: أخبرنا أبو عِمران الجَوْني، فذكره بمعناه . وقال عُقَيْل، عن الزُّهْرِي، عن أبي سَلَمَة، قال: أخبرتني عائشة أنّ أبا بكر أقبل على فَرَسٍ من مسكنه بالسُّنح حتى نزل، فدخل المسجدَ فلم يكلّم النّاسَ حتى دخل عليَّ، فتيمَّم(١) رسولَ الله وَله وهو مُغَشَّى بِبُرْد حِبَرَة، فكشف عن وجهه، ثمّ أكَبَّ عليه يُقَبِّلُهُ، ثمّ بكى، ثم قال: بأبي أنتَ وأُمّي يا رسول الله، والله لا يجمع اللهُ عليكَ مَوْتَنَيْن أبداً، أمّا المَوْتَةُ التي كُتِبَتْ عليك فقد مُتَّها . وحدثني(٢) أبو سَلَمَة، عن ابن عبّاس، أنّ أبا بكر خرج وعمر يكلّمُ النّاسَ فقال: اجلِسْ يا عمر، فأبى، فقال: اجْلِس، فأَبَى. فَتَشَهَّد أبو بكر، فأقبل النّاسُ إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أمّا بعدُ، فَمَن كان منكم يعبد محمّداً فإنّه قد مات، ومَن كان يعبدُ اللهَ فإنَّ الله حيٌّ لا يموت، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران] الآية، فكأنّ النّاسَ لم يَعْلَمُوا أَنَّ الله أنزلَ هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقّاها منه النّاسُ كلُّهم، فما أسْمَعُ بَشَراً من النّاس إلّ يَتْلُوها. وأخبرني سعيد بن المسيِّب أنّ عمر قال: والله ما هو إلّ أنْ سمعتُ أبا بكر تلاها فَفَرِقْتُ، أو قال: فَعِقِرْتُ حتّى ما تُقِلُّني رِجْلاي، وحتّى أهْوَيْتُ إلى الأرض، وعرفتُ حين تلاها أنَّ رسولَ الله وَّه قد مات. أخرجه البخاري(٣). وقال يزيد بن الهاد: أخبرني عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن (١) أي: قَصَد. (٢) أي: الزهري. (٣) البخاري ٢ / ٩٠ -٩١. ٤٦٨ عائشة قالت: تُوُفِّي رسولُ اللهِوَلَه بين حاقنتي وذاقنتي(١)، فلا أكره شدّةَ الموت لأحدٍ أبداً، بعد ما رأيتُ من رسول الله وَالر. حديث صحيح. وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، قال: كان أُسامة بن زيد قد تجهّز للغزو وخرج ثَقَله (٢) إلى الجُرف فأقام تلك الأيام لِوَجَع النّبِيِّ ◌َّةِ، وكان قد أمَّره على جيشٍ عامَّتُهُم المهاجرون، وفيهم عمر، وأمره أن يُغِير على أهلِ مُؤتَة، وعلى جانب فلسطين، حيث أُصِيب أبوه زيد، فجلس رسولُ الله ◌َّ﴿ إلى جِذْع في المسجد، يعني صبيحةَ الإثنين، واجتمع المسلمون يسلِّمون عليه ويَدْعُون له بالعافية، فدعا أُسامة فقال: ((اغْدُ على بَرَكَةِ الله والنّصر والعافية)). قال: بأبي أنتَ يا رسولِ الله، قد أصبحتَ مُفِيقاً، وأرجو أنْ يكون الله قد شفاك، فأُذَنْ لي أنْ أمكثَ حتى يَشْفِيَكَ الله، فإنْ أنا خرجتُ على هذه الحال خرجتُ في قلبي قُرْحَةٌ من شأنك، وأكره أن اسأل عنك النّاسَ، فسكتَ رسولُ الله بَّه فلم يُراجِعْه، وقام فدخل بيتَ عائشة، وهو يومها، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة، فقال: قد أصبح رسولُ اللهِ وََّ مُفِيقاً، وأرجو أن يكون الله قد شفاه، ثم ركب أبو بكر فلحِق بأهله بالسُّنح، وهنالك امرأته حبيبة بنت خارجة بن زبد الأنصاريّ، وانقلبت كلّ امرأةٍ من نساء النّبيِّ وَالر إلى بيتها، وذلك يوم الإثنين. ولما استقرّ ◌َ﴿ ببيت عائشة وُعِك أشدَّ الوعْك، واجتمع إليه نساؤه، واشتدّ وَجَعُهُ، فلم يزل بذلك حتّى زاغت الشمسُ، وزعموا أنّه كان يُغْشَى عليه، ثمّ شَخَصَ بَصَرُه إلى السماء فيقول: ((نعم في الرفيق الأعلى))، وذكر الحديث، إلى أنْ قال: فأرسلت عائشة إلى أبي بكر، وأرسلت حَفْصَةُ إلى عمر، وأرسَلَتْ فاطمةُ إلى عليٍّ، فلم يجتمعوا حتّى (١) الحاقة: الوهدة بين الترقوتين من الحَلْق، وتحت الذقن. (٢) الثقل: المتاع أو الشيء النفيس الخطير. ٤٦٩ تُوُفِّي رسولُ اللهِ وَ ﴿ على صدرِ عائشة، وفي يومها يوم الإثنين، وجَزِع النّاسُ، وظنّ عامَّتُهُم أنّه غير مَيِّت، منهم مَن يقول: كيف يكون شهيداً علينا ونحن شهداءُ على النّاس، فيموت، ولم يظهر على النّاس، ولكنّه رُفِع كما فُعِل بعيسى بن مريم، فأوْعَدُوا مَنْ سِمِعُوا يقول: إنّه قد مات، ونادوا على الباب ((لا تدفنوه فإنّه حيٌّ)). وقام عمرُ يخطبُ النّاسَ ويُوعِدُ بالقتل والقطع، ويقول: إنّه لم يَمُتْ وتَوَاعَدَ المنافقين، والنّاسُ قد ملأوا المسجدَ يبكون ويموجون، حتى أقبل أبو بكر من السُّنح. وقال يونس بن بُكَيْر، عن أبي مَعْشَر، عن محمد بن قيس، عن أمّ سَلَمَة قالت: وضعتُ يدي على صَدْرِ رسولِ اللهِ وَّر يوم مات، فمرّ بي جُمَعٌ آكُلُ وأتَوَضَّأُ، ما يذهب رِيحُ المِسْك من يدي. وقال ابن عَوْن، عن إبراهيم بن يزيد - هو التَّيْمَيّ - عن الأسود، قال: قيل لعائشة: إنّهم يقولون إنّ النبي ◌ِّرَ أوصى إلى عليٍّ. وقد رأيته دعا بطَسْتٍ لِيَبُول فيها، وأنا مُسْنِدَتُهُ إلى صدْري، فانْحَنَثَ(١) فمات، ولم أشعر فِيمَ يقول هؤلاء إنّه أوصى إلى عليٍّ. مُتَّفقٌ عليه(٢) . (١) أي: استرخى ومال أحد شِقَّيه. (٢) البخاري ٣/٤ و١٨/٦، ومسلم ٧٥/٥. ٤٧٠ تاريخ وفاته ومقالات قال الثَّوْرِيُّ، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال لي أبو بكر: أيّ يومٍ تُوُفِّي رسولُ الله ◌ِّر؟ قلت: يوم الإثنين، قال: إنّي أرجو أن أموت فيه، فمات فيه. وقال ابن لَهِيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنَش، عن ابن عبّاس، قال: وُلِد نبيُّكُمْ وَّه يوم الإثنين، ونُبِّىء يوم الإثنين، وخرج من مكّة يوم الإثنين، وفتح مكة يوم الإثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الإثنين ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (٣)﴾ [المائدة]. وتؤُفّي يوم الإثنين. قد خُولِفَ في بعضه، فإنّ عمر رضي الله عنه قال: نزلت ﴿ أَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (ْ﴾ يوم عَرَفَة، يوم جُمُعة. وكذلك قال عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عبّاس. وقال موسى بن عُقْبة: تُوُفِّي يوم الإثنين حين زاغت الشمس لهلال شهر ربيع الأول. وقال سليمان التَّيْمي: تُوُفِّي رسول الله وَِّ اليومَ العاشر من مَرَضِه، وذلك يوم الإثنين لليلتين خَلَتا من ربيع الأول. رواه مُعْتَمِر، عن أبيه . وقال الواقديّ(١): حدثنا أبو مَعْشَر، عن محمد بن قيس قال: اشتكى النّبي ◌َّ ثلاثة عشر يوماً وتوفي يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. وذكر الطَّبريّ(٢) ، عن ابن الكَلْبِيّ، وأبي مِخْنَف وفاته في ثاني ربيع (١) طبقات ابن سعد ٢٧٢/٢. (٢) تاريخ الطبري ٣/ ٢٠٠. ٤٧١ الأول. وقال محمد بن إسحاق(١): تُؤُفِّي لاثنتي عشرة ليلة مَضَتْ من ربيع الأول، في اليوم الذي قدِم المدينةَ مُهَاجِراً، فاستكمل في هجرته عشر سنین کوامل. وقال الواقديّ(٢)، عن عبدالله بن محمد بن عمر بن عليّ، عن أبيه، عن جَدّه قال: اشتكى رسول الله وَ له يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر، وتُؤُفِّي يوم الإثنين لائنتي عشرة مَضَتْ من ربيع الأول. ويُرْوَى نحو هذا في وفاته، عن عائشة، وابن عبّاس إنْ صحّ، وعليه اعتمد سعيد بن عُفَيْر، ومحمد بن سعد الكاتب(٣) ، وغيرهما. أَخْبَرَنَا الخَضِر بن عبدالرحمن الأزْدِي، قال: أخبرنا أبو محمد بن البنّ، قال: أخبرنا جدّي، قال أخبرنا عليّ بن محمد الفقيه، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن أبي نصر، قال: أخبرنا عليّ بن أبي العقب، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن عائذ، قال: حدثنا الهَيْثَمُ بن حُمَيْد، قال: أخبرني النُّعمان، عن مكحول، قال: وُلِد رسولُ اللهِ وَلّه يوم الإثنين، وأُوحِي إليه يوم الإثنين، وهاجر يوم الإثنين، وتُؤُفِّي يوم الإثنين لاثنتين وستّين سنة وأشهر، وكان له قبل أنْ يُوحَى إليه اثنتان وأربعون سنة، واستخفى عشر سنين وهو يُوحَى إليه، ثم هاجر إلى المدينة، فمكث يقاتل عشر سنين ونصفاً، وكان الوحي إليه عشرين سنة ونصفاً، وتُؤُفِي، فمكث ثلاثة أيام لا يُدْفَن، يدخل النّاس عليه رَسَلا رَسَلا يصلُّون عليه، والنّساء مثل ذلك. وطهّره الفضل بن العبّاس، وعليّ بن أبي طالب، وكان يناولهم (١) تاريخ الطبري ٢١٥/٣. (٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٢٧٢. (٣) طبقات ابن سعد ٢/ ٢٧٢ -٢٧٤. ٤٧٢ العبّاس الماء، وكُفِّن في ثلاثة رياط (١) بيضٍ يَمَانِيَّة، فلمّا طُهِّرَ وكُفِّنَ دخل عليه النّاسُ في تلك الأيام الثلاثة يصلُّون عليه عُصَباً عُصَباً، تدخل العُصْبَةُ فتصلِّي عليه ويسلِّمُون، لا يُصَفُّون ولا يُصلِّي بين أيديهم مُصَلِّ، حتى فرغ مَنْ يريد ذلك، ثم دُفِن، فأنزله في القبر العبّاس وعليّ والفضل، وقال عند ذلك رجل من الأنصار: أشْرِكونا في موتِ رسولِ الله ◌َلّ فإنّه قد أشْرَكَنَا في حياته، فنزل معهم في القبر وولي ذلك معهم. ورواه محمد بن شُعَيْب بن شابور، عن النُّعْمان. وعن عثمان بن محمد الأخْنَسِيّ قال: تُوُفِّي رسولُ اللهِ وَّهُ يوم الإثنين حين زاغت الشمس، ودُفِن يوم الأربعاء. وعن عُرْوَة أنّه تُوُفّي يوم الإثنين، ودُفِن من آخر ليلة الأربعاء. وعن الحَسَن قال: كان موته في شهر أيلول. قلت: إذا تقرّر أنّ كلّ دَوْرٍ في ثلاثٍ وثلاثين سنة كان في ست مئة وستّين عاماً عشرون دَوْراً، فإلى سنة ثلاثٍ وسبع مئة من وقت موتِه أحد وعشرون دَوْراً في ربيع الأول منها كان وقوع تشرين الأول وبعض أيلول في صفر، وكان آب في المحرَّم، وكان أكثر تمّوز في ذي الحِجّة فحجّة الوداع كانت في تَمُوز. قال أبو اليُمْن ابنُ عساكر وغيره: لا يمكن أن يكون موتُهُ يومَ الإثنين من ربيع الأول إلّ يوم ثاني الشهر أو نحو ذلك، فلا يتهيَّأ أنْ يكون ثاني عشر الشهر للإجماع أنّ عَرَفَةَ في حجّة الوداع كان يوم الجُمُعَة، فالمحرَّم بِيَقِينِ أوّلُهُ الجمعة أو السبت، وصفر أوّلُه على هذا السبت أو الأحد أو الإثنين، فدخل ربيع الأول الأحد، وهو بعيد، إذ يندر وقوع ثلاثة أشهر نواقص، فَتَرَجَّح أنْ يكون أوله الإثنين، وجاز أن (١) الرَّيْطَةُ: الملاءة كلها نسج واحد وقطعة واحدة، وكل ثوب لَيِّن رقيق. ٤٧٣ يكون الثلاثاء، فإنْ كان استهلّ الإثنين فهو ما قال موسى بن عُقْبة من وفاته يوم الإثنين لهلال ربيع الأول، فعلى هذا يكون الإثنين الثاني منه ثامنه، وإنْ جَوَّزْنا أنّ أوّله الثلاثاء فيوم الإثنين سابعه أو رابع عشره، ولكن بقي بحثٌ آخر: كان يوم عَرَفَةَ الجمعة بمكَّة، فيُحْتَمَلِ أنْ يكون كان يوم عَرَفَةَ بالمدينة يوم الخميس مثلاً أو يوم السبت، فيُبْنَى على حساب ذلك. وعن مالك قال: بلغني أنّه تُوُفّي يوم الإثنين، ودُفِن يوم الثلاثاء(١). (١) طبقات ابن سعد ٢ / ٢٧٤. ٤٧٤ باب عُمر النَّبِيِّ وَِّ والخُلْف فيه قال ربيعة، عن أنَس أنّ رسول الله وَّهِ بَعَثَه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشْراً وبالمدينة عشْراً، وتُوُفّي على رأس ستّين سنة. البخاري ومسلم(١) . وقال عثمان بن زائدة، عن الزُّبَيْر بن عَدِيّ، عن أنس قال: قُبِض النَّبِيُّ وَّه وهو ابن ثلاثٍ وستين سنة، وقُبِض أبو بكر وهو ابن ثلاثٍ وستّين، وقُبِض عمر وهو ابن ثلاثٍ وستّين. رواه مسلم (٢). قوله في الأول على رأس ستّين سنة، على سبيل حذف الكسور القليلة، لا على سبيل التحرير، ومثل ذلك موجود في كثيرٍ من كلام العرب . وقال عُقيل، عن ابن شهاب، عن عُرْوَة، عن عائشة أنَّ النّبيَّ بَه تُؤُقِّي وهو ابن ثلاثٍ وستين سنة. قال ابن شهاب: وأخبرني ابن المسيب بذلك. مُتَّفقٌ عليه(٣). وقال زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: تُوُفِّي النبيِنَّهِ وهو ابن ثلاثٍ وستّين سنة. مُتَّفقٌ عليه (٤) . ولمسلم مثله من حديث أبي جَمْرة عن ابن عبّاس (٥) . (١) البخاري ٢٢٧/٤-٢٢٨، ومسلم ٨٧/٧. (٢) مسلم ٧/ ٨٧. (٣) البخاري ٢٢٦/٤ و١٩/٦، ومسلم ٨٧/٧. (٤) البخاري ٤ /٢٢٦ و١٩/٦، ومسلم ٨٧/٧. (٥) مسلم ٧/ ٨٧. ٤٧٥ وللبخاري مثله من حديث عِكْرِمة، عن ابن عبّاس(١) . وأمّا ما رواه هُشَيْم، قال: حدثنا عليّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبّاس، قال: قُبِض النّبيُّ بَله وهو ابن خمس وستيّن سنة. فعليٌّ ضعيف الحديث ولا سيما وقد خالفه غيره. وقد قال شبابة: حدثنا شُعْبَة، عن يونس بن عُبَيْد، عن عمّار مولى بني هاشم، سمع ابن عبّاس يقول: تُوُفِّي وهو ابن خمسٍ وستّين. وهذا حديث غريب لكن تُقَوِّيه روايةُ هشام، عن قَتَادة، عن الحَسَن، عن دَغْفَل بن حَنْظَلة أنَّ النَّبِيَّ بَلَ قُبِض وهو ابن خمس وستین. وهو إسناد صحيح مع أنّ الحَسَن لم يعتمد على ما رُوِي عن دَغْفَل بل قال: تُؤُنِّي وهو ابن ثلاثٍ وستّين. قاله أشعث عنه. وقال هشام بن حسّان عنه: تُوُفِّي وهو ابن ستّين سنة . وقال شُعبة، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن جرير بن عبد الله، عن معاوية، قال: قُبض النّبيُّ بَّهِ وهو ابن ثلاثٍ وستّين، وكذلك أبو بكر وعمر. أخرجه مسلم (٢) . وكذلك قال سعيد بن المسيّب، والشَّعبيُّ، وأبو جعفر الباقر، وغيرهم. وهو الصّحيح الذي قطع به المحقِّقُون. وقال قَتَادة: تُؤُنِّي وهو ابن اثنتين وستين سنة . (١) البخاري ٧٢/٥-٧٣. (٢) مسلم ٧/ ٩٧ . ٤٧٦ عَلىله وسلم باب غُسْلِهِ وكَفَتِهِ وَدَفْنِهِ قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عبّاد بن عبدالله، عن أبيه، سمع عائشة تقول: لمّا أرادوا غُسْلِ النَّبِيِّ نَّهِ قالوا: والله ما ندري أنُجَرِّدُ رسولَ اللهِ وَ ﴿ أَمْ نغسِلُه وعليه ثيابُهُ، فلمّا اختلفوا ألقى الله عليهم الثَّوْمَ حتّى ما منهم رجلٌ إلّ وذقنُهُ في صدره، ثمّ كلَّمهم مُكَلِّمٌ من ناحيةٍ البيت لا يدرون مَن هو: أنِ اغسِلُوا النبيِ بََّ وعليه ثيابُهُ، فقاموا إلى رسولِ اللهِ وَّ فغسَّلُوه وعليه قميص، يصبُّون الماءَ فوقَ القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، فكانت عائشة تقول: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غسَّله إلّ نساؤه. صحيح أخرجه أبو داود(١). وقال أبو معاوية: حدثنا بُرَيْد بن عبدالله أبو بُرْدَة، عن علقمة بن مَرْئَد، عن سُلَيمان بن بُرَيْدَة، عن أبيه، قال: لمّا أخذوا في غُسل رسولٍ اللهِ وَّ ناداهم مُنادٍ من الداخل ((لا تُخْرِجوا عن رسولِ اللهِ وَل قميصَه))(٢) . وقال ابن فُضَيْل، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبدالله بن الحارث، قال: غَسَّل رسولَ الله ◌ِ لّه عليٍّ، وعليه قميصُه وعلى يد عليٍّ رضي الله عنه خرْقَةٌ يُغَسِّلُهُ بها، فأدخل يده تحت القميص وغسَّله والقميص عليه. فيه ضعف . وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعْبِيّ أنّ النبي ◌َّ غسَّله عليّ، (١) أبو داود (٣١٤١). (٢) ابن ماجة (١٤٦٦) وعلى هامش الأصل كأنه مكتوب (م) صحيح. ٤٧٧ وأُسامة، والفَضْل بن العبّاس، وأدخلوه قبرَه، وكان عليّ يقول وهو يغسّله: بأبي وأمّي، طِبْتَ حيّاً وميّاً. مُرْسلٌ جيّد. وقال عبدالواحد بن زياد: حدثنا مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن سعيد بن المسيّب قال: قال عليّ: غسَّلتُ رسولَ اللهِ وَ ل، فذهبت أنظر ما يكون من الميتِ فلم أرَ شيئاً، وكان طيّباً حيّاً وميّاً. وولي دَفْتَه وإجنانَه دون النّاس أربعةٌ: عليٍّ، والعبّاس، والفَضْل، وصالح مولى رسولِ الله وَله، ولُحِد لِرَسُولِ اللهِ وَلَه لَحْداً، ونُصِب عليه اللَّبِنُ نَصْباً. وقال عبدالصَّمد بن التُّعمان: حدثنا أبو عمر كَيْسان، عن مولاه يزيد بن بلال قال: سمعتُ عليّاً رضي الله عنه يقول: أوصى النبيُّ نَّهِ أنّ لا يغسِّله أحدٌ غيري، فإنّه ((لا يرى أحدٌ عورتي إلّ طُمِسَتْ عيناه)) قال عليٍّ: فكان العبّاس، وأُسامة، يناولاني الماء، وراء السِّتْر، وما تناولت عُضواً إلّ كأنّما يقلِّبُه معي ثلاثون رجلاً، حتّى فَرَغْتُ من غُسْله(١). كَيْسان القصّار يروي عنه أيضاً القاسم بن مالك، وأسْباط، ومولاه كأنّه مجهولٌ، وهو ضعيف. وقال أبو مَعْشر، عن محمد بن قيس، قال: كان الذي غسَّل رسول اللهِوَّ عليٌّ، والفَضْلِ بن عبّاس يصُبُّ عليه، قال: فما كنّا نريدُ أنْ نرفع منه عُضْواً لنُغَسِّله إلّ رُفِع لنا، حتّى انتهينا إلى عَوْرَتِهِ فسمِعْنا من جانب البيت صَوْتاً: ((لا تكشِفوا عن عَوْرَةِ نبيّكم)). مُرْسلٌ ضعيف. وقال ابن جُرَيْج: سمعتُ أبا جعفر محمد بن عليّ يقول: غُسِّل النبي ◌َّ ثلاثاً بالسِّدْر، وغُسِّل من بئرٍ بقُباء كان يشرب منها. وقال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة: كُفِّن رسولُ الله ◌ِ ل في (١) انظر في ذلك طبقات ابن سعد ٢٧٧/٢ -٢٧٨. ٤٧٨ ثلاثة أثوابٍ بِيضٍ سَحولِيّة، ليس فيها قميص ولا عِمامة. مُتَّفقٌ عليه(١) . ولمسلم فيه زيادة وهي: سَحُولية من كُرْسُف. فأمّا الحُلَّة فإنّما شُبَّه على النّاس فيها أنّها اشتُريتْ له حُلَّةٌ لِيُكَفَّن فيها، فتُرِكتْ الحُلَّة، فأخذها عبدالله بن أبي بكر فقال: لأحْبِسَنَّها لنفسي حتّى أُكَفَّن فيها، ثم قال: لو رضِيَها اللهُ لنبيِّه لكفَّنه فيها، فباعها وتصدَّق بثمنها. رواه مسلم(٢) . وروى عليُّ بن مُسْهر، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أُدْرِجَ النّبِيُّ ◌ََّ فِي حُلَّه يَمَانيّة، ثمّ نُزِعَتْ عنه، وكُفِّن في ثلاثة أثواب. وروی نحوه القاسم عن عائشة . وأمّا ما روى شُعَيب، عن الزُّهْرِي، عن عليّ بن الحسين أنّ رسول الله وَلَ كُفِّن في ثلاثة أثوابٍ أَحَدُها بُرْد حِبَرَة، ورُوي نحو ذا عن مِقْسَم، عن ابن عبّاس، فلعلّه قد اشتُبِهِ على مَن قال ذلك، بكونه وَّرَ أُدْرِج في ◌ُلَّةٍ يَمَانيّة، ثمّ نُزِعَت عنه . وقال زكريّا عن الشَّعْبِيّ، قال: كُفِّن رسولُ الله ◌ِّرَ في ثلاثة أثوابٍ سَحُولِيَّة بُرُودٍ يَمَنِيّة غِلاظ: إزار ورداء ولفافة. وقال الحَسَن بن صالح بن حيّ، عن هارون بن سعد، عن أبي وائل قال: كان عند عليٍّ رضي الله عنه مِسْكٌ فأوصى أن يُحتَّط به. وقال عليّ: هو فَضْل خَنُوطِ رسولِ اللهِلـ وقال ابن إسحاق: حدثني الحسين بن عبدالله بن عُبَيْدالله بن عبّاس، (١) البخاري ٩٥/٢-٩٧ و١٢٧، ومسلم ٤٨/٣ . (٢) مسلم ٤٨/٣ . ٤٧٩ عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس قال: لمّا مات رسول الله وَلّ أُدْخِلِ الرِّجالُ فصلُّوا عليه بغير إمام ارْسالاً حتّى فرغوا، ثمّ أُدْخِل النّساء فصلَّيْن عليه، ثمّ أُدْخِل الصِّبْيان فصّلُّوا عليه ثم أُدْخِل العبيد، لم يؤمُّهُم أحد. وقال الواقدي(١) : حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم التَّيْمَيّ، قال: وجدت بخطّ أبي، قال: لمّا كُفِّن رسولُ الله ◌ِّيه ووُضِع على سريره، دخل أبو بكر، وعمر، ونفرٌ من المهاجرين والأنصار فقالا: السّلامُ عليك أيُّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، وسلّم المهاجرون والأنصار كذلك، ثم صفُّوا صفوفاً لا يؤمّهُم أحدٌ، فقال أبو بكر وعمر وهما في الصّفّ الأوّل: اللّهُمَّ إنّا نشهد أنْ قد بلَّغ ما أُنْزِل إليه، ونصح لأُمَّتِهِ، وجاهد في سبيل الله، حتّى أعزَّ الله دِينه، وتمّتْ كلمتُهُ، وأومنَ به وحدَه لا شريكَ له، فاجْعَلْنا إلهنا ممّن يتَبع القولَ الذي أُنْزِلَ معه، واجمعْ بيننا وبينه حتّى تعرِّفَه بنا وتعرِّفَنا به، فإنّه كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، لا نبغي بالإيمانِ بدلاً، ولا نشتري به ثمناً أبداً، فيقول النّاس: آمين آمين، فيخرجون ويدخلُ آخرون، حتّى صلّى عليه الرجال، ثمّ النّساء، ثمّ الصِّبْيان. مُرْسَلٌ ضعيف لكنّه حَسَنُ المَثْن. وقال سَلَمَة بن نُبَيط بن شَرِيط، عن أبيه، عن سالم بن عُبَيْد - وكان من أصحاب الصُّفَّة - قال: قالوا: هل ندفن رسولَ الله وَّةِ، وأين يُدْفَن؟ فقال أبو بكر: حيث قَبَضَه الله، فإنّه لم يقبض رُوحَه إلّ في مكانٍ طيِّب، فَعَلِمُوا أنّه كما قال. زاد بعضُهم بعد سَلَمَة «نُعَيْم بن أبي هند)). وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٢): حدثني حسين بن عبدالله، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: لمّا أرادوا أن يحفروا الرسولٍ (١) طبقات ابن سعد ٢٩٠/٢ (٢) ابن هشام ٦٦٣/٢. ٤٨٠