Indexed OCR Text
Pages 241-260
ألقته بجبلَيْ طيّء. وجاء ابن العَلْماء صاحب أَيْلَة إلى رسول اللهِ وَّل بكتابٍ، وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسولُ الله ◌َّ، وأهدى له بُرداً. ثم أقبلنا حتى قدِمنا وادي القُرى، فسأل رسولُ اللهِوَّةِ المرأةَ عن حديقتها كم بلغ ثمرها، فقالت: بلغ عشرةَ أوسقٍ. فقال: ((إنّي مُسْرٌِ فَمَنْ شاء منكم فليسرع)). فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة. فقال: ((هذه طَابَة، وهذا أُحُد، وهو جبلٌ يُحِبُّنا ونُحبّه)). أخرجه مسلم(١) أَطْوَلَ منه؛ وللبخاريّ(٢) نحوه. وقال ابن إسحاق(٣) : حدّثني عبدالله بن أبي بكر، عن عباس بن سهل: أنّ رسول الله ◌َّ حين مرّ بالحِجْر استَقَوْا من بئرها. فلما راحوا قال رسول الله وَليقول: ((لا تشربوا من مائها، ولا تَوَضَّأوا منه، وما كان من عجين عجنتُموه منه فاعْلِفُوه الإبل، ولا يخرجَنَّ أحدٌ منكم الليلةَ إلّ ومعه صاحبٌ له)). ففعل الناسُ ما أمرهم، إلا رجلين من بني سَاعِدة؛ خرج أحدهما لحاجته والآخرُ لطلبٍ بعيرٍ له. فأما الذي ذهبَ لحاجته فإنه خُنِقِ على مَذْهَبه، وأما الآخر فاحْتَمَلَتْه الرِّيح حتى طرحته بجبلي طيء. فأُخبر بذلك رسول الله وَّرَ فقال: ألم أَنْهَكُم؟ ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشُفِيَ. وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله وَله حين قدم من تبوك. هذا مرسَل منكر . وقال ابن وَهْب: أخبرني معاوية، عن سعيد بن غَزْوان، عن أبيه: أنه نزل بتبوك وهو حاجّ، فإذا رجل مُقْعَد، فسألتُه عن أمره، فقال: سأحدثك حديثاً فلا تُحَدِّثْ به ما سمعتَ أنّي حَيُّ: إنّ رسول الله وَلاو نزل بتبوك إلى نَخْلةٍ، فقال: ((هذه قِبْلَتُنا)). ثم صلَّى إليها. فأقبلتُ، وأنا (١) مسلم ٧/ ٦١ . (٢) البخاري ٢/ ١٥٥ . (٣) ابن هشام ٢/ ٥٢١. ٢٤١ غلامٌ، أَسْعَى حتى مررتُ بينه وبينها، فقال: ((قَطَع صلاتَنَا، قطع اللهُ أَثَره)). قال: فما قمتُ عليها إلى يَومي هذا. وقال سعيد بن عبدالعزيز، عن مَوْلى ليزيد بن نِمْران، عن يزيد بن نمران، قال: رأيت مُقْعَداً بتوبك. فقال: مررتُ بين يديّ النّبِيِّ وَّهِ وأنا على حمارٍ وهو يصلّي. فقال: ((اللَّهُمَّ اقطعْ أثرَه)). فما مشيتُ عليهما بَعْدُ. أخرجهما أبو داود(١) . وقال يزيد بن هارون: أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: كنّا مع رسولِ الله وَّل بتبوك، فطلعت الشمس بضياءٍ وشُعاع ونورٍ لم أرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريلٌ رسولَ اللهِ وَّر فقال: ((يا جبريل، مالي أرى الشمس اليوم طلعت بضياءٍ ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى؟» فقال: ذاك أنّ مُعَاوية بن مُعَاوية اللَّيْنِيّ مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف مَلَك يصلّون عليه. قال: ((وفيم ذاك؟)) قال: كان يُكثر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ! [الإخلاص]، بالليل والنهار، وفي مَمْشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسولَ الله أنْ أقبضَ لك الأرض فتصلِّيَ عليه؟ قال: ((نعم))، قال: فصلّى عليه، ثم رجع. العلاء مُنْكَر الحديث واهٍ. ورواه الحسن الزَّعْفَرانيّ، عن یزید. وقال يونس بن محمد: حدثنا صدقة بن أبي سهل، عن يونس بن عُبَيد، عن الحسن، أنّ معاوية بن معاوية المُزَني تُوفي والنّبيُّ بَّ في غزوة تبوك، فأتاه جبريل، فقال: هل لكَ في جنازة معاوية المزني؟ قال: نعم. فقال: هكذا؛ ففرج له عن الجبال والآكام. فقام رسول الله ﴿َّ﴿ يمشي ومعه جبريلُ في سبعين ألف مَلَك، فصلّى عليه. فقال: يا (١) أبو داود (٧٠٥) و(٧٠٦) و(٧٠٧). ٢٤٢ جبريل، بِمَ بَلَغ هذا؟ قال: بكثرة قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ [الإخلاص]، كان يقرؤها قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً. مرسَل. وقال ابن جَوْصا، وعلي بن سعيد الرَّازِيّ، وأبو الدَّحْدَاح أحمد بن محمد - واللفظ له - قالوا: حدثنا نوح بن عمرو بن حُوَيّ السَّكْسِكِيّ، قال: حدثنا بَقِيّة، قال: حدثنا محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة، قال: نزل جبريل على رسول الله وَ﴾ وهو بتبوك، فقال: احضر جنازة معاوية بن معاوية المُزَني. فخرج رسول الله وَّ، وهبط جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة، فوضع جناحه على الجبال فتواضعت حتى نظروا إلى مكة والمدينة. فصلّى رسولُ الله وَ لَه وجبريل والملائكة. فلما قضى صلاته، قال: ((يا جبريل، بم أدرك معاوية بن معاوية هذه المنزلة من الله؟)) قال: بقراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ ﴾﴾﴾ قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً . قلتُ: ما علمت في نوح جَرْحاً، ولكنَّ الحديثَ مُنْكَرٌ جدّاً، ما أعلمُ أحداً تابعه عليه أصْلاً عن بَقِيَّة. وقد أورد ابنُ حِبّان حديثَ العلاء، وقال(١) : حديثٌ منكر لا يُتَابَع عليه. قال: ولا أحفظُ في الصّحابة من يقال له معاوية بن معاوية. وقد سرق هذا الحديث شَيْخٌ من أهل الشام، ورواه عن بَقِيَّة، عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة الباهلي. وقال عثمان بن الهيثم المؤذّن: حدثنا محبوب بن هلال، عن عطاء ابن أبي ميمونة، عن أنس، قال: جاء جبريل فقال: يا محمد، مات معاوية بن معاوية المُزني، أفتُحبّ أنْ تصلِّيَ عليه؟ قال: نعم. فضرب بجناحه فلم يَبْق من شجرةٍ ولا أَكَمة إلا تَضَعْضَعَتْ له. فصلّى عليه وخلفه صفّان من الملائكة، في كل صَفٍّ سبعون ألف مَلَك. قلت: ((يا (١) المجروحين ٢/ ١١٨١. ٢٤٣ يقرؤها قائماً جبريل، بِمَ نَال هذا؟)) قال: بحبِّه ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ وقاعداً وذاهباً وجائياً، وعلى كل حالٍ. محبوب مجهول، لا يُتَابَعُ على هذا . قال البكّائي: قال ابن إسحاق(١) : فلما أصبح الناس، يعني من يوم الحِجْر، ولا ماءَ معهم، دعا رسولُ اللهِ وََّ، فأرسل اللهُ سحابةً، فأمطرت حتى ارتوى الناس. فحدّثني عاصم، قال: قلت لمحمود بن لَبِيد: هل كان الناسُ يعرفون النِّفاق فيهم؟ قال: نعم والله، لقد أخبرني رجال من قَوْمي، عن رجلٍ من المنافقين؛ لمّا كان من أمر الحِجْر ما كان؛ ودعا رسول الله وَلل حين دعا فأرسل الله السحابة، فأمطرت. قالوا: أقبلنا عليه نقول: وَيْحك، هل بعد هذا شيء؟ قال: سحابة سائرة . قال ابن إسحاق(٢): ثم إنّ رسول الله وَل﴾ سار، فضلَّت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله وَله رجل من أصحابه يقال له عُمارة بن حزم، وكان عَقَبِيّاً بَدْرِيّاً، وكان في رَحْله زَيْد بن اللُّصَيْت القَيْنُقَاعِيّ وكان منافقاً، فقال زيد، وهو في رَحْلِ عُمارة: أليس يزعم محمد أنه نبيّ، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله وَلّه، وعمارة عنده: ((إنّ رجلاً قال كذا وكذا. وإنِّي واللهِ ما أعلمُ إلّ ما علَّمني اللهُ، وقد دلَّني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شعب كذا، وقد حبستْها شجرةٌ بِزِمَامِها)). فذهبوا فجاؤوا بها. فذهب عمارةُ إلى رَحْله، فقال: واللهِ عجبٌ من شيءٍ حَدَّثَنَاه رسولُ الله ◌ِيه آنِفاً، من مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا، فقال رجل ممن كان في رَحْل عمارة، ولم يَحْضُرْ رسولَ اللهِوَّهَ زِيدٌ، واللهِ، قال هذه المقالة قبل (١) ابن هشام ٢/ ٥٢٢. (٢) ابن هشام ٢/ ٥٢٢. ٢٤٤ أن تأتي. فأقبل عمارة على زيد يَجَأُ في عُنقه، ويقول: أيْ عِبَادَ الله، إنَّ في رَحْلي لداهيةً وما أشعرُ. أَخْرُجْ أَيْ عدوَّ الله من رَحْلي. فزعم بعضهم أنّ زيداً تاب بعد ذلك. قال ابن إسحاق(١) : وقد كان رَهْطٌ، منهم وَدِيعة بن ثابت، ومُخَشِّن(٢) بن حُمَيِّ؛ يشيرون إلى رسول الله بَِّ، وهو منطلِقٌ إلى تبوك، فقال بعضهم لبعضٍ: أتحسبون جِلَاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً؟ والله لكأنّا بكم غداً مُقَرَّنين في الحبال؛ إرجافاً وترهيباً للمؤمنين. فقال مخشّن بن حميِّر: واللهِ لَوَدِدْتُ أنّي أُقَاضَى على أنْ يُضْربَ كلٌّ منّا مئة جَلْدة، وأنّا نَنْفَلِت أنْ يَنْزِل فينا قرآنٌ لمقالتكم هذه. وقال رسولُ اللهِ وََّ، فيما بلغني، لعمّار بن ياسِر: أَدْرِك القَوْم، فإِنَّهم قد اخْتَرَقُوا، فَسَلْهُم عمّا قالوا، فإن أنكروا فقُلْ: بلَى، قلتم كذا وكذا. فانطلقَ إليهم عمّارُ، فقال ذلك لهم. فأتوا رسولَ الله وَلَه يَعْتَذِرون. فقال وَدِيعة بن ثابت: يا رسول الله، إنّما كنّا نَخُوض ونَلْعَب. فنزلت: ﴿وَلَبِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوُضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِلَّهِ وَءَايَتِهِ. وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَّهْزِءُونَ (٣)﴾ [التوبة]. فقال مخشّن بن حُمَيِّر: يا رسول الله، قَعَد بي اسمي واسمُ أبي. فكان الذي عُفِيَ عنه في هذه الآية (١) ابن هشام ٢/ ٥٢٤. (٢) جاء في هامش نسخة البشتكي تعليق بخطه نصه: ((قال ابن ماكولا بعدما ذكر مخش بتشديد الشين من غير ياء: فهو حريث بن مُخَشِّي يروي عن علي، وعنه سليمان التيمي، وعمارة بن مُخَشِّي بن خويلد ذكر سيف أنه كان علی کردوس ميمنةِ خالد يوم اليرموك، وأما مَخْشِي بسكون الخاء وكسر الشين المخففة وبعدها ياء فهو مخشي بن حُمَيِّر الأشجعي حليف بني سلمة كان من المنافقين، وسار مع النبي وَلَر إلى تبوك وأرجفَ به، ثم تاب، وقيل: فيه نزلت ﴿إِن ◌َّعْفُ عَنْ طَآئِفَقٍ ... ﴾ والمصنف كتبه مخشن كما تراه)). قال بشار: إنما تابع الذهبي رواية ابن إسحاق، وقد تعقبه ابن هشام فقال: ويقال مَخْشِي . ٢٤٥ [التوبة]. فَتَسَمَّى 77 مخشّن؛ يعني ﴿إِن ثَّفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ عبدالرحمن، فسأل الله أن يَقْتُله شهيداً لا يُعْلم بمكانه. فقُتِل يوم اليَمامَة ولم يُوجَد له أثر. ولما انتهى رسول الله ◌َ﴿ إلى تبوك، أتاه يُحَنَّة بن رُؤْبَة صاحب أَيْلة، فصالح رسولَ الله ◌َّه وأعطاه الجِزْية. وأتاه أهل جَرْباءَ وأَذْرُح فأعطوه الجزية. وكتب لهم رسولُ الله وَ ل﴿ كتاباً، فهو عندهم. وقال موسى بن عُقْبة: قال ابن شهاب: بلغ رسول الله وَّر في غزوته تلك تبوكاً ولم يتجاوزها. وأَقام بضع عشرة ليلة؛ يعني بتبوك. وقال يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثَوْبان، عن جابر، قال: أقام رسول الله بَّه بتبوك عشرين يوماً يَقْصِرُ الصّلاة. أخرجه أبو داود(١) . وإسناده صحيح. فائدة: قال ابن إسحاق: أعطى رسول الله وَ ل﴿ أهل أَيْلة بُرْدَةً مع كتابه، فاشتراها منهم أبو العبّاس عبدالله بن محمد - يعني السَّفّاح - بثلاث مئة دينار. وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدّثني عبدالله بن أبي بكر، ويزيد ابن رُومان: أنّ رسول الله بَّهُ بعث خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِر بن عبدالملك؛ رجل من كِنْدَة، وكان مَلِكاً على دُومة وكان نَصْرانيّاً. فقال رسول الله 18 لخالد: إنك ستجده يصيد البقر. فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه مَنْظر العين في ليلةٍ مُقْمرةٍ صافية، وهو على سَطْح ومعه امرأته، فأتت البقرُ تَحُكُّ بِقُرونها باب القَصْر. فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قَطّ؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك مِثلَ هذا؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأُسْرِج، وركب معه نَفَرٌ من أهل بيته، فيهم أخوه (١) أبو داود (١٢٣٥). ٢٤٦ حَسَّان. فتلقَّتهم خَيْلُ رسولِ الله ◌َي فأخذته وقتلوا أخاه، وقدموا به على رسولِ الله وَ لَّ، فحقنَ دَمَهُ وصالحه على الجِزْية، وأطلقه(١). فائدة: قال عُبَيد الله بن إِيَّاد بن لَقِيط، عن أبيه، عن قيس بن النّعمان السّكُونيّ، قال: خرجتْ خيل رسول الله وَّر فسمع بها أُكَيْدر، فأتى النبيَّ وََّ، فقال: بَلَغَنا أنَّ خيلك انطلقت فَخَفَّتْ على أرضي، فاكتبْ لي كتاباً فإني مُقِرٌّ بالذي عَلَيَّ. فكتب له. فأخرج قَباءً من دِيباجٍ ممّا كان كِسْرَى يَكْسُوهم، فقال: يا محمد اقبلْ عنّي هذا هَدِيّةً. قال: ((ارجع بقَبَائِكَ فإنه ليس يَلْبَس هذا أحدٌ إلّ حُرِمَهُ في الآخرة)». فَشَقَّ عليه أن رَدَّهُ. قال: ((فادْفَعْه إلى عُمر)). فأتى عمر النّبِيَّ وَّ فقال: يا رسول الله، أَحَدَث فِيَّ أَمْرٌ؟ فضحكَ النَّبيُّ ◌َل حتى وضع يده، أو ثوبه، على فِيه ثم قال: «ما بعثتُ به إليك لتلبَسه، ولكن تبيعه وتستعين بثمنه)). وقال ابن ◌َهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُروة، قال: ولما توجّه رسول الله ﴿ قافلاً إلى المدينة، بعث خالداً في أربع مئة وعشرين فارساً إلى أُكيدِر دُومة الجندل، فلما عَهِد إليه عَهْده، قال خالد: يا رسولَ الله، كيف بدومة الجندل وفيها أُكيدِر، وإنما نأتيها في عِصابة من المسلمين؟ فقال: ((لعلّ الله يَكْفِيكَه)). فسار خالد، حتى إذا دنا من دومة نزل في أَذْبارها. فبينما هو وأصحابه في منزلهم ليلاً، إذ أقبلت البَقَر حتى جعلت تحتكّ بباب الحصن، وأكيدر يشرب ويتغنّى بين امرأتَيْه. فاطّلعتْ إحداهما فرأت البقر، فقالت: لَمْ أر كالليلة في اللَّحْم. فثار وركب فرسه، وركب غِلْمَتُه وأهْله، فطلبها. حتى مرّ بخالد وأصحابه فأخذوه ومَنْ معه فأوثقوهم. ثم قال خالد لأكيدر: أرأيتَ إنْ أَجَرْتُكَ تفتح لي دومة؟ قال: نعم. فانطلق حتى دنا منها، فثار أهلُهَا وأرادوا أن (١) انظر سيرة ابن هشام ٥٢٦/٢. ٢٤٧ يفتحوا له، فأبى عليهم أخوه. فلما رأى ذلك قال لخالد: أيّها الرجل، حُلَّنِي، فَلَك الله لَأَفْتَحَنَّها لك، إنّ أخي لا يفتحها ما عَلِم أنّي في وَثَاقِكَ. فأطلقه خالد، فلما دخل أَوْثَق أخاه وفتحها لخالد، ثم قال: اصنعْ ما شئت. فدخل خالد وأصحابه. ثم قال: يا خالد، إن شِئْتَ حَكَّمْتُك، وإن شئتَ حَكَّمْتَني. فقال خالد: بَلْ نقبل منكَ ما أَعْطَيتَ. فأعطاهم ثمان مئة من السَّبي وألف بعيرٍ وأربع مئة درعٍ وأربع مئة رمحٍ. وأقبل خالد بأكيدر إلى رسول الله بَّه، وأقبل معه يُحَنَّة بن رُؤُبة عظيم أَيْلة. فقدِم على رسول الله وَّهِ وأشْفَق أن يبعث إليه كما بعث إلى أُكيدِر، فاجتمعا عند رسولِ اللهِ وَ ﴿ وقاضاهما على قَضِيّته؛ على دُومة وعلى تبوك وعلى أَيْلة وعلى تَيْماء، وكتب لهم به كتاباً، ورجع قافلاً إلى المدينة . ثم ذكر عُرْوة قصّةً في شأن جماعة من المنافقين هَمُّوا بأَذِيَّةِ رسولِ الله وَّ فأطلعه الله على كَيْدهم. وذَكَر بِنَاء مسجد الضِّرار. وذكر ابن إسحاق(١) ، عن ثقةٍ من بني عمرو بن عوف: أنّ رسول اللهِ وَّهُ أقبل من تبوك حتى نزل بذِي أَوَان؛ بينه وبين المدينة ساعةٌ من نهار. وكان أصحاب مسجد الضِّرار قد أَتَوْهُ، وهو يتجهّز إلى تبوك، فقالوا: قد بَنَيْنا مسجداً لذي العِلّةِ والحاجةِ واللَّيْلة المَطِيرَة، وإنّا نحبُ أنْ تَأْتِيَ فَتُصَلِّيَ لنا فيه. فقال: إنّي على جَناحِ سَفَرٍ، فَلَوْ رجعنا إن شاء اللهُ أَتَيْنَاكُم. فلما نزل رسول الله وَّر بذي أوان، أتاه خبرُ السماء، فدعا مَالِكَ بن الدُّخْشُم ومَعْنَ بن عَدِيّ، فقال: انطلِقا إلى هذا المسجدِ الظَّالِم أَهْلُهُ فاهْدِمَاهُ وأَحْرِقَاه. فخرجا سريعَيْن حتى دخلاه وفيه أهله فحرّقاه وهدماه وتفرّقوا عنه. ونزل فيه من القرآن ما نزل. (١) انظر ابن هشام ٥٢٩/٢. ٢٤٨ وقال أبو الأصبغ عبدالعزيز بن يحيى الحَرَّانيّ: حدثنا محمد بن سَلمة، عن ابن إسحاق، عن الأعمش، عن عَمْرو بن مُرّة، عن أبي البَخْتَرِيّ، عن حُذَيْفة، قال: كنتُ أَخِذَاً بخِطَام ناقة رسول الله وَلَّهِ أَقودُ به، وعمّار يَسُوقه؛ أو قال: عمّار يقوده وأنا أسوقه؛ حتى إذا كنا بالعقَبة، فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها، فَأَنْبَهْتُ رسول الله وَّه؛ فصرخَ بهم فَولّوا مدبرين. فقال لنا رسول الله ◌َّ: هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا، قد كانوا مُلَثَّمِين. قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، أرادوا أن يَزْحَمُوني في العقَبة لأَقَع. قلنا: يا رسول الله، أَوَلا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كلُّ قومٍ برأس صاحبهم؟ قال: لا، أكْرَهُ أنْ يتحدّثَ العربُ أنّ محمداً قاتلَ بقومَ حتّى إذا أَظْهَره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم. ثم قال: ((اللَّهُمَّ ارْمِهِم بالدُّبَيْلة)). قلنا: يا رسول الله، وما الدُّبيلة؟ قال: ((شِهابٌ من نارٍ يقع على نِياطِ قلبِ أحدِهم فيَهْلِك)). وقال قَتَادة، عن أبي نَضْرة، عن قيس بن عُباد، في حديثٍ ذكره عن عمّار بن ياسر، أنّ حُذيفة حدّثه، عن النّبِيّ ◌َِّ أنه قال: ((في أصحابي اثنا عشر منافقاً، منهم ثمانية لا يدخلون الجنّة حتى يَلج الجملُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ)). أخرجه مسلم (١) . وقال عبدالله بن صالح المِصْرِيّ: حدثنا معاوية بن صالح، عن عليّ ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا. [التوبة]، قال: أناس بَنَوْا مسجداً فقال لهم أبو عامر: ابْنُوا مسجدكم واستمدُّوا ما استطعتم من قوّةٍ وسلاحِ، فإنّي ذاهبٌ إلى قيصر فَآتي بجندٍ من الروم، فَأُخْرِجُ محمداً وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم أمُّوا النَّبيَّ (١) مسلم ١٢٢/٨. ٢٤٩ ١٠ وَه، فقالوا: نُحبّ أن تُصَلّي فيه. فنزلت: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًّا [التوبة] الآيات. وقال ابن عُيَيْنة، عن الزُّهْري، عن السَّائب بن يزيد، قال: أذكر أنَّا حين قدِمَ رسولُ الله وَّهِ من غزوة تبوك، خرجنا مع الصبيان نتلقَّاه إلى ثَنِيّة الوَداع. أخرجه البخاري(١) . وقال غير واحد، عن حُمَيد، عن أنس: أنّ رسول الله مَّه لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة، قال: ((إنّ بالمدينة لأَقْوَاماً ما سِرْتُم من مسِيرٍ ولا قطعْتُم من وادٍ، إلّ كانوا معكم فيه)). قالوا: يا رسول الله، وَهُمْ بالمدينة؟ قال: ((نعم، حَبَسَهم العُذْر)). أخرجه البخاري(٢). أَمْرُ الّذينَ خُلِّفُوا(٣) قال شُعيب بن أبي حمزة، عن الزُّهري: أخبرني سعيد بن المسيّب، أنّ بني قُرَيظة كانوا حُلَفاءَ لأبي لُبَابة، فاطّلعوا إليه، وهو يدعوهم إلى حُكْمِ النّبِيِّ وَّرَ فقالوا: يا أبا لُبابة، أتأمرنا أن نَنْزِل؟ فأشار بيده إلى حَلْقِه أنه الذَّبْح. فأخبر عنه رسول الله وَ ◌ّ بذلك فقال له: لم تَر عَيْني؟ فقال له رسول الله ◌َ: ((أحسِبْت أنَّ الله غفلَ عن يدكَ حين تشيرُ إليهم بها إلى حلقك؟)) فلبث حيناً ورسولُ الله ێے عاتبٌ عليه. ثم غزا رسول الله وَّل﴿ تبوكاً، فتخلّف عنه أبو لبابة فيمن تخلَّفَ. فلمّا قفلَ رسولُ اللهِ وَ لَه جاءه أبو لبابة يسلّم عليه، فأعرض عنه رسولُ الله ◌ََّ، ففزع أبو لُبابة، فَارْتَبَط بِسَارِية الثَّوبة، التي عند باب أمّ سَلَمة، (١) البخاري ٦/ ١٠. (٢) البخاري ٣١/٤ و١٠/٦. (٣) ابن هشام ٥٣١/٢. ٢٥٠ سبعاً بين يوم وليلةٍ، في حرِّ شديدٍ، لا يأكل فيهنَّ ولا يشرب قَطْرةً. وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارقَ الدنيا أو يتوبَ الله عليّ. فلم يزل كذلك حتى ما يُسْمِعُ الصَّوْتَ من الجهد، ورسول الله وَّه ينظر إليه بُكْرَةً وعَشِيَةً. ثم تاب الله عليه فنُودي: إن الله قد تاب عليك. فأرسل إليه رسولُ اللهِ وَّه لَيُطْلق عنه رِبَاطه، فأبى أن يطلقه عنه أحدٌ إلّ رسول الله وَلَّه. فجاءه فأطلق عنه بيده. فقال أبو لبابة حين أفاق: يا رسول الله، إنّي أهجر دار قومي التي أصَبْتُ فيها الذَّنْبَ، وأنتقل إليك فأُسَاكِنك، وإنّي أَنْخَلِع من مالي صَدَقةً إلى الله ورسوله. فقال: ((يُجْزِيءُ عنك الثُّلُث)). فهجر دارَ قومِه وتصدّق بثُلثِ ماله، ثم تاب فلم يُرَ منه بعد ذلك في الإسلام إلّ خَيْرِ، حتى فارق الدنيا. مُرْسَل. وقال ورقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: ﴿أَعْتَرَفُواْ ﴾ قال: هو أبو لبابة، إذْ قال لقريظة ما قال، وأشار إلى حلقه ◌ِذُنُوبِهِمْ بأنَّ محمداً يذبحكم إنْ نزلتم على حُكْمِه. وزعم محمد بن إسحاق أنّ ارتباطه كان حينئذ. ولعلّه ارتبط مرتين. وقال عبدالله بن صالح: حدّثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوِيِهِمْ ﴾﴾ قال: كانوا عشرة رَهْطِ تخلَّفوا عن النبيّ ◌َِّ، في غزوة تبوك. فلما حضر رجوع رسولِ الله وَّ﴿ أَوْثَقَ سبعةٌ منهم أنفسَهم بسَوارِي المسجد، وكان مَمَرّ النّبيّ ◌َله عليهم. فلما رآهم قال: مَنْ هؤلاء؟ قالوا: هذا أبو لُبابة وأصحابٌ له تخلّفوا عنك يا رسولَ الله حتى تُطْلِقهم وتَعْذِرهم. قال: ((وأنا أُقْسِم بالله لا أُطْلقهم ولا أَعْذِرهم، حتّى يكون الله هو الذي يطلقهم، رَغِبوا عنّي وتخلّفوا عن الغَزْو مع المسلمين)). فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا. فأنزلت: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَبِّئًا عَسَى اَللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمَّ ٢٥١ [التوبة]. و((عسى)) من الله واجب. فلما نزلت، أرسل إليهم فاطلقهم وعَذَرَهم. ونزلت؛ إذْ بذلوا أموالهم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِمٍ بَالْمَ﴾ [التوبة]. وروى نحوه عطية العَوْفيّ، عن ابن عباس. وقال عُقيل، عن ابن شهاب، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب ابن مالك، أنّ أباه، قال: سمعت كعباً يحدّث حديثَه حين تخلّف عن رسولِ الله وَّ في غزوة تبوك. قال كعب: لم أَتخلّفْ عن رسولِ اللهِ وَ﴿ في غزوةٍ غَزَاها قطّ، إلّ في غزوة تَبُّوك، غير أنّي تخلّفتُ عن غزوة بَدْر، ولم يعاتب الله أحداً تخلّف عنها، إنّما خرج رسولُ اللهِ وَّه يريد عِيرَ قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعادٍ. ولقد شهدتُ مع رسول الله وَّل ليلةَ العَقَبَةِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشْهَد بدر، وإن كانت بدر؛ يعني أَذْكَرَ في الناس منها . كان من خَبَري حين تخلّفتُ عن رسولِ الله وَ لّه في غزوة تبوك، أنِّي لم أَكُنْ قطّ أَقْوَى ولا أَيْسَر منّي حين تخلّفتُ عنه في تلك الغزوة. واللهِ ما اجتمعتْ عندي قبلها رَاحِلتان حتى جَمَعَتْهما تلك الغزوة. ولم يكن رسولُ اللهِ وَالّ يريد غزوةً إلَّ وَرَّى بغيرها. حتى كانت تلك الغزوة غزاها في حَرٍّ شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً وعدواً كثيراً، فجلَّى للمسلمين أمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عدوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله وَل﴾ كثيرٌ لا يجمعهم كتابٌ حافظٌ؛ يريد الديوان. قال كعب: فما رجلٌ يريد أنْ يتغيَّبَ إلّ ظنّ أنْ سَيَخْفَى لَهُ ما لم يَنْزِلْ فيه وَحْيٌ. وغزا رسولُ اللهِوَه تلك الغزوة حين طابت الثِّمارُ والظَّلالُ، فأنا إليها أصْعَر. فتجهّز والمسلمون معه. ٢٥٢ وطَفِقْتُ أغدو لكي أتجهّز معهم ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي : أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُه. فلم يزلْ يَتَمَادَى بي حتى استمرّ بالناس الجِدُّ. فأصبح رسولُ الله ◌َّهِ والمسلمون معه، ولم أَقْضٍ من جهازي شيئاً. فقلتُ: أتجهّزُ بعده يوماً أو يومين ثم ألحقهم. فغدوتُ بعد أن فَصَلُوا لأَتجهّز فَرَجعتُ ولم أَقْضِ شيئاً، ثم غدوتُ ثم رجَعتُ ولم أقْضٍ شيئاً. فلم يزل ذلك يَتَمادَى بي حتى أسرعوا وتَفَارَط الغزوُ وهَمَمتُ أن أَرْتَحِل فَأُدْرِكَهم، ولَيْتَني فعلتُ، فلم يُقَدَّر لي ذلك. فكنتُ إذا خَرَجتُ في الناس أَحْزَنَنِي أَنّي لا أرى إلا رجلاً مَغْمُوصاً(١) من النفاق؛ أو رجلاً ممّن عَذَرَ اللهُ من الضُّعَفاء. فلم يَذْكُرْني رسولُ اللهِ وَّ حتى بلغ تبوك، قال وهو جالسٌ في القوم: ((ما فَعَل كعب؟)) فقال رجل من بني سَلِمَة: يا رسول الله، حَبَسَه بُرْدَاهُ ينظر في عِطْفه. فقال له مُعاذ بن جَبَل: بِئْس ما قلتَ، واللهِ يا رسول الله ما علمنا إلّ خيراً. فلما بلغني أنّ رسول الله وَّ قد توجّه قافِلاً من تَبُوك، حضرني هَمِّي فطفِقْتُ أتذكَّر الكَذِب وأقولُ: بماذا أخْرجُ من سَخَطه غداً؟ وأَسْتَعِينُ على ذلك بكل ذي رَأي من أهلي. فلما قيل إنّ رسول الله واليوم قد أَظَلَّ قادماً زَاحَ عنّي الباطل، وعرفتُ أنّي لا أخرج مِنْه أبداً بشيءٍ فيه كَذِب، فأجمعتُ صِدْقَه. وأصبح قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلّى فيه ركعَتيْن ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاء المُخَلَّفون فَطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بِضْعة وثمانين رجلاً. فَقَبِل منهم رسولُ الله وَلِّ عَلَنِيَتهم، وبَايَعهم، واستغفر لهم، ووَكَل سَرائِرهم إلى الله. فجئتُه فلمّا سلّمتُ عليه تَبَشَّم تَبَشُّمَ المُغْضَب، ثم قال: تعالَ. فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديه. فقال: ما خَلَّفك؟ ألم تكن ابْتَعْتَ ظَهْرك؟ فقلت: بَلَى، يا رسول الله، إني والله لو جلستُ (١) أي: مُثَّهماً. ٢٥٣ عند غيرك من أهل الدنيا لرأيتُ أني سأخْرُج من سَخَطه بِعُذْرٍ، ولقد أُعْطِيتُ جَدَلاً، ولكن والله لقد علمتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليومَ حديثاً كاذباً تَرْضَى بِهِ عنّى ليُوشِكَنَّ اللّهُ أن يَسْخَط عليَّ، ولَئِن حدّثْتُك حديثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فيه، إنّي لأرجُو عَفْوَ الله. لا، واللهِ ما كان لي مِن عُذْرٍ، وواللهِ ما كنتُ قطّ أَقْوى ولا أَيْسَر منّي حين تخلّفتُ عنكَ. قال رسول الله وَلَهُ: أمّا هذا فقد صَدَق، قُمْ حتى يَقْضِي اللهُ فيك. فقمتُ، وثار رجالٌ من بني سَلِمة فقالوا: لا واللهِ ما عَلِمْناك كنتَ أذنبتَ ذَنْباً قبل هذا، أَعَجَزْتَ أن لا تكون أعتذرتَ إلى رسولِ اللهِ وَله بما أعتذر إليه المخلَّفون، قد كان كَافيكَ لِذَنْبِكَ اسْتَغْفارُ رسول الله وَّ لك. فواللهِ ما زالوا يُؤَنَّبُونني حتى أردتُ أن أرْجع فأُكَذِّبَ نَفْسي. ثم قلتُ: هل لَقِيَ هذا معي أحدٌ؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثلَ ما قلتَ. وقِيلَ لهما مِثْلَ ما قِيلَ لكَ. فقلتُ: مَنْ هُما؟ فقالوا: مُرَارَة بن الرَّبِيع العَمْرِيّ، وهِلالَ بن أُمَيَّةَ الوَاقِفِيّ. فذكروا رجلَيْن صالِحَيْن قد شهِدا بدراً، فيهما أُسْوَةٌ، فمضيتُ حِينَ ذكرُوهما لي. ونَهَى رسولُ الله ◌َّهِ عِن كَلاَمِنا أيُّها الثَّلاثَةُ مِنْ بَيْن مَنْ تخلَّف عنه، واجْتَنَبَنَا النّاسُ وتَغَيَّرُوا لنا، حتّى تَنَّكَّرَتْ في نفسي الأرْضُ فما هي التّي أَعْرِفِ، فَلَبِثْنا على ذلك خمسين ليلة. فأمّا صاحبايَ فاسْتكانا وقعدا في بيتهما، وأمّا أنا فكنتُ أَشَبَّ القوم وأَجْلَدَهم، فكنتُ أخرجُ فَأَشْهَد الصّلاة مع المسلمين وأَطُوفُ في الأسواق، ولا يُكَلِّمني أحدٌ. وآتي رسولَ الله ◌َ ل﴿ وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلّم عليه فأقولُ في نفسي: هل حَرَّك شَفَتَيْه بِرَدِّ السلام عليَّ أمْ لا؟ ثم أصلّي فَأُسَارِقه النَّظَر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إليّ، فإذا التفتُّ نَحْوَه أَعْرَض عنّي. حتى إذا طال عليَّ ذلك من جَفْوَة المسلمين تسَوَّرْت جِدَار حائِطِ أبي قَتَادة؛ وهو ابنُ عَمِّي وأَحَبُّ الناس إليّ؛ فسلّمتُ عليه، فواللهِ ما رَدَّ. فقلتُ: يا أبا ٢٥٤ قتادة، أَنْشُدُكَ الله هل تعلم أَنّي أُحبّ الله ورسوله؟ قال: فَسَكَتَ، فعُدتُ له فسَكَت، فناشدتُه الثَّالثةَ، فقال: الله ورسولُه أَعْلَم. ففاضَتْ عَيْناي، وتوَلَّيْتُ حتى تسوَّرتُ الجدار. قال: فبينا أنا أمشي بسُوق المدينة، إذا نَبَطِيٌّ من أَنْبَاطِ الشام مِمّنْ قدِمِ بالطَّعام يبيعه بالمدينة يقول: مَنْ يَدُلّ على كعب بن مالك؟ فطفِق الناسُ يشيرون له إليَّ. حتى إذا جاءني دَفَع إليّ كِتاباً من مَلِك غَسَّان؛ وكنت كاتباً؛ فإذا فيه: أمّا بعدُ، فقد بلغني أن صاحبك قد جَفاك، ولم يجعلكْ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالْحَقْ بنا نُواسِكَ. وهذا أيضاً من البَلَاء، فَتَيَمَّمْتُ بِه التَّنُّور فسَجَرْتُه به. حتى إذا مَضَى لنا أَرْبَعون ليلةً من الخمسين إذا رسولُ رسولِ اللهِ وَل﴿ فقال: إنّ رسول الله وَلَ يأمُركَ أن تَعْتَزِلَ امرَأَتك. فقلتُ: أُطَلِّقْها أم ماذا أفعلُ بها؟ فقال: لا ، بل اعْتَزِلْها فلا تَقْرَبَنَّها. وأرسل إلى صاحبيَّ بمثل ذلك. فقلتُ لامرأتي: الْحِقِي بأهلك فكُوني عندهم حتى يَقْضِيَ الله هذا الأمْرَ. قال كعب: فجاءت امرأةُ هِلاَل رسولَ الله وَّل، فقالت: إنّ هِلاَلاً شيخٌ ضائِعٌ ليس له خَادِم، فهل تَكْرَهُ أن أَخْدُمَه؟ فقال: لا، ولكنْ لا يَقْرَبَنَّكِ. قالتْ: إنّه واللهِ ما بِهِ حَرَكَةٌ إلى شيءٍ، واللهِ ما زال يَبْكي منْذُ كان من أمره ما كان إلى يَوْمِي هذا. فقال لي بعضُ أهلي: لو استاذنتَ رسول الله في امرأتك؟ فقلتُ: لا والله، وما يُدْرِيني ما يقولُ لي رسول اللهَ وَّ إن اسْتَأْذَنْتُهُ فيها، وأنا رجلٌ شابٌ. فلبثت بعد ذلك عَشْر لَيَالٍ حتى كَمُلَت لنا خمسون ليلةً. فلما أن صلّيتُ صلاة الفجر صُبْحَ خمسين ليلة، وأنا على ظَهْر بيتٍ من بيوتنا، فَبَيْنا أنا جالس على الحال التي ذَكَر الله منّا؛ قد ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسي، وضَاقَتْ عَلَيَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ؛ سمعتُ صَوْت صَارِخِ أَوْفَى على جبل سَلْع: يا كعب بن مالك، أبْشِرْ. فَخَرَرْتُ ساجداً، وعرفتُ أنْ قد جاء الفَرَجُ. ٢٥٥ وآذَنَ رسول الله وَلَه بتَوْبة الله علينا، حين صَلَّى صلاة الفجر. فذهب الناس يُبَشِّرُوننا، وذهب قِبَلَ صاحِبيَّ مبشِّرون. ورَكَضَ رَجُلٌ إليَّ فَرَساً، وسَعَى سَاعٍ من أَسْلَمْ فَأَوْفَى على الجَبل، وكان الصَّوْت أَسْرِعَ إليّ من الفَرَس. فلمّا جاءني الذي سَمِعتُ صَوْتَه يُبَشِّرُني، نَزَعتُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهما إيّاهُ بِبُشْرَاهُ، وواللهِ ما أمْلِكُ غيرَهما يومئذٍ. واسْتَعَرتُ ثوبيْن فَلِسْتُهما، وانطلقتُ إلى رسول الله وَلَهَ، فتلقّاني الناسُ فَوْجاً فوجاً يُهَنُِّونني بالتَّوْبة؛ يقولون: لِيَهْنِكِ تَوْبةُ اللهِ عليك. حتى دخلتُ المسجد، فقام إليَّ طَلْحةُ بن عُبيدالله يُهَرْوِل حتى صافحني وهنّأني، والله ما قام إليَّ رجلٌ من المهاجرين غيرُهُ، ولا أنْساها لِطَلْحة. وقال رسول الله وَ ل وهو يَبْرُق وجْهُه بالسُّرور: ((أَبْشِرْ بِخَيْرِ يوم مَرَّ عليكَ منذُ وَلَدتْك أمُّك)). قلتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يا رسول الله أمْ من عند الله؟ قال: ((لا، بَلْ من عندِ الله)). وكان رسول الله وَّه إذا بُشَّر بِبشارةٍ يَبْرُق وجهُه كأنّه قِطْعةَ قَمَرٍ، وكنّا نعرف ذلك منه. فلما جلستُ بين يديه قلت: يا رسول الله: إنّ مِن تَوْبتي أن أَنْخَلِع من مَالِي صَدَقةً إلى الله وإلى الرسول. قال: أَمْسِكْ بَعْضَ مالِكَ فهو خيرٌ لك. فقلت: فإنّي أُمْسِكُ سَهْمي الذي بِخَيْبَر. وقلتُ: يا رسول الله، إنّ الله إنّما نجّاني بالصِّدق، وإنّ من تَوْبتني أن لا أُحَدِّث إلّ صِدْقاً ما بقيتُ. فواللهِ ما أَعْلَمُ أحداً من المسلمين ابْتَلأُهُ الله تعالى في صِدْق الحديث أحسنَ ممّا ابْتَلَاني، ما تَعمَّدتُ مُذْ ذَكَرْتُ ذلك لرسول الله وَ ﴿ كَذِباً، وإني لأرجو أن يَحْفَظَني الله فيما بَقِيَ. وأنزل الله تعالى على رسوله: ﴿لَقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾ إلى قوله: ﴿أَثَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ ١٩ [التوبة]. فواللهِ ما أَنْعَمَ الله عليَّ مِن نِعْمَةٍ، بعد أن هداني للإسلام، أعظمَ في نفسي من صِدْقِي رسولَ الله و ◌َلَّ يومئذٍ، أنْ لا أكونَ كَذَبْتُه، فأهْلِكَ كما هَلَك الذين كَذَبوه، فإنّ الله تعالى قال للذين كَذَبوه، حين ٢٥٦ نزل الوَحْيُ، شَرَّ ما قال لأحدٍ فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أُنْقَلَتْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ جَزَّاءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ـَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرَضَوْاْ عَنْهُمِّ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَ (٩٥ ﴾ [التوبة]. ٩٦ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ قال كعب: وكُنّا خُلِّفْنا - أيُّها الثَّلاثة - عن أمْر أولئك الذين قَبِل منهم رسولُ اللهِ وَلَ حين حَلَفوا له، وأَرْجَأ أمرنا حتّى قَضى اللهُ فيه. فبذلك قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ لِ﴾ [التوبة]، وليس الذي ذَكَرَ اللهُ تَخَلُفَنَا عن الغَزْو، وإنّما هو تَخْلِفُه إيّانا وإرْجاؤُهُ أَمْرَنا عمّن تخلَّفَ واعْتَذَر، فَقَبِل منه رسول الله وََّ. مُتَّفقٌ عليه(١). مَوْت عبدالله بن أُبِيّ قال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق: حدّثني الزُّهري، عن عُروة، عن أُسامة بن زيد، قال: دخل رسول الله بَّر على عبد الله بن أُبُّيّ يَعُودُه في مرضه الذي مات فيه، فلما عرف فيه الموتَ، قال رسول الله وَّه: ((أما واللهِ إنْ كنتُ لأَنهاكَ عن حُبِّ يَهُود)). فقال: قد أبْغَضَهم أسعد بن زُرارة، فَمَهْ؟ وقال الواقديّ(٢): مرض عبدالله بن أُبُّيّ بن سلول في أواخر شوّال، ومات في ذي القعدة. وكان مرضه عشرين ليلة. فكان رسول الله وَل﴿ يَعُودُهُ فيها. فلما كان اليومُ الذي مات فيه، دخل عليه رسول الله وَلَّل وهو يَجُود بنَفْسه، فقال: ((قد نَهَيْتُك عن حبّ يَهُود)). فقال: قد أَبغضهم أسعدُ فما نَفَعه؟ ثم قال: يا رسول الله، ليس هذا بِحِينِ عِتابٍ، هو (١) البخاري ٣/٦-٩، ومسلم ١٠٥/٨-١١٢. (٢) الواقدي ٣/ ١٠٥٧ . ٢٥٧ الموتُ، فإنْ متّ فاحضرْ غُسْلي، وأعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفَّن فيه، وصلِّ عليَّ واستغفِرْ لي . هذا حديث مُعْضل واهٍ، لو أسنده الواقديّ لَمَا نَفَع، فكيف وهو بلا إسناد؟ وقال ابن عُيَيْنة، عن عمرو، عن جابر، قال: أتى رسول الله وَل قبر عبد الله بن أُبيّ بعدما أُدْخِل حُفْرته فَأَمَرَ به فأُخْرِج، فوُضِع على رُكْبَتَيْه، أو فَخِذِيه، فَنَفَث عليه من رِيقِه وألْبَسه قميصه. والله أعلم. مُتَّفقٌ عليه(١) . وقال أبو أسامة، وغيره: حدّثنا عُبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما تُوُقِّي عبدالله بن أبيّ، أتى ابنه عبدالله بن عبدالله إلى رسول الله وَّ فسأله أن يُعْطِيَه قميصَه ليكفّنه فيه، فأعطاه. ثم سأله أن يصلِّيَ عليه؛ فقام رسول الله وَّر يصلّي عليه، فقام عمر فأخذ ثَوْبَه، فقال: يا رسول الله، أَتُصلِّي عليه وقد نَهَاكَ الله عنهُ؟ قال: إنّ ربّي خيّرني، فقال: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَنَ [التوبة]، وسَأزِيدُ على السبعين. فقال: إنّه مُنافقٌ. يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ قال: فصلّى عليه رسول الله وَّهَ، فأنزل الله: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ: إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴿)﴾ [التوبة]. مُتَّفقٌ عليه(٢). وفيها: قُتل عُرْوَة بن مَسْعود الثَّقَفِيّ، وكان سيّداً شريفاً من عقلاء العرب ودُهاتهم، دعا قومه إلى الإسلام فقتلوه. فيُرْوى أنَّ النَّبِيَّ لَه قال: ((مَثَلُه مَثَلُ صاحِب ياسين، دعا قومَه إلى الله فقتلوه)). وفيها: تُؤُقِّيت السيدة أم كلثوم بنت رسول الله وَله، زوجة عثمان (١) البخاري ٢/ ٩٧، ومسلم ١٢٠/٨. (٢) البخاري ٩٦/٢، ومسلم ١٢٠/٨. ٢٥٨ v رضي الله عنهما. وفيها: تُوُقِّي عبدالله ذُو البِجَادَيْن رضي الله عنه، ودُفن بتَبُّوك، وصلّى عليه النّبيّ وَّل، وأثنى عليه ونزل في حُفْرته، وأَسْنَدَهُ في لَحْدِهِ. وقال: ((اللَّهُمَّ إنّي أمسيتُ عنه راضياً، فَارْضَ عنه)). وقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن إبراهيم التَّيْميّ، قال: كان عبدالله ذو البِجادَيْن من مُزَيْنَة. وكان يتيماً في حِجْر عَمِّه، وكان يُحْسن إليه. فلما بلغه أنه قد أسْلَم، قال: لَئِنْ فعلتَ لأَنْزِ عَنَّ منك جميع ما أعطيتك. قال: فإنّي مُسلم. فنزع كلَّ شيءٍ أعطاه، حتى جَرَّده ثوبه، فأتى أُمَّه، فقطعتْ بجاداً لها باثْنَيْن، فاتَّزَرَ نِصْفاً وارْتَدى نِصفاً، ولَزِمَ بابَ رسول الله وَّ. وكان يرفع صوته بالقرآن والذِّكْر. وتوفّي في حياة النّبِيّ ◌َّ . وفيها: قدِم وَفْد تَقِيف من الطَّائِف، فأسلموا بعد تَبوك، وكتب لهم رسول الله وَال# كتاباً . وفيها بعد مَرَجع النبيّ وَِّ من تبوك، مات سُهَيْل، أخو سهل بن بيضاء، وهي أُمُّهما، واسمها دَعْد بنت جَحْدَم، وأما أبوه فوَهْب بن رَبِيعَة الفِهْرِيّ. ولسهيلٍ صُحْبةٌ وروايةُ حديثٍ، وهو حديث يَحْيى بن أَيُّوب المِصْرِيّ، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن سعيد بن الصَّلْت، عن سهيل بن بيضاء، عن النّبيّ نَّم قال: ((من مات يشهد أن لا إله إلّ الله دخل الجنة)). وليحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن محمد بن إبراهیم، نحوه. وأما الدَّرَاوَرْدِيّ، فقال: عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن سعيد بن الصّلت، عن عبدالله بن أُنَيْس. وهذا متّصل عن سهيل، إذْ سعيد بن الصلت تابعيّ كبير لا يمكنه أن يسمع من سهيل، ولو سمع منه ٢٥٩ السمع من النّبيّ وَِّ، ولكان صحابياً، لكنّ المُرْسَل أشهر. وكان سُهَيْل ابن بيضاء من السابقين الأولين، شهد بدراً وغيرها. وكذلك أخوه سَهْل، وقد تُوُفِّي أيضاً في حياة النّبيّ ◌ََّ. وقال عبدالوهاب بن عطاء: أخبرنا حُمَيد، عن أنس، قال: كان أبو عُبَيدة، وأُبيّ بن كعب، وسهيل بن بيضاء، عند أبي طلحة، وأنا أسْقِيهم، حتى كاد الشَّرابُ أن يأخذ فيهم. ثم ذكر تحريم الخمر بطوله. وقال ابن أبي فُدَيْك، عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النَّضْر، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت لما تُوُقِّي سعد: أَدْخِلُوه المسجدَ حتّى أُصلِّيَ عليه، فأُنْكِر ذلك عليها، فقالت: والله لقد صلّى رسول الله دليل على ابني بيضاء في المسجد سهیلٍ وسهلٍ. وقال فيه غيرُ الضحّاك: ما أَسْرع ما نسوا؛ لقد صلَّى على سهيل بن بيضاء في المسجد. وفيها: توفي زيد بن سَعْية؛ بالياء، وبالنّون أشهر(١) ؛ وهو أحد الأخبار الذين أسلموا. وكان كثير العلم والمال. وخبرُ إسلامه رواه الوليد بن مسلم، عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبدالله بن سلام، عن أبيه، عن جدّه عبدالله، قال: لما أراد الله هذي زيد بن سعنة، قال: ما من علامات النبوة شيءٌ إلّ وقد عرفتها في وجه محمد حين نظرتُ إليه، إلّ شيئين لم أَخْبُرْهما منه: يَسْبِقِ حِلْمُه جَهْله ولا يَزِيده شدّةُ الجهل إلّ حِلماً. وذكر الحديث بطوله. وهو في الطّوالات للطَّبَرانيّ(٢)، وآخره: فقال زيد: أشهد أن لا إله إلّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله. وآمن به وبايعه، وشهد معه مَشاهِدَ، وتُوُفِّي في غزوة (١) أي: سَعْنة. (٢) وانظر المعجم الكبير ٢٥٣/٥-٢٥٥. ٢٦٠