Indexed OCR Text
Pages 221-240
منها فلكَ)). فقال الرجل: أما إذْ بلغ الأمرُ هذا فلا حاجةَ لي بها. فَرَمَى بها (١) . وقال أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أنّ عمر سأل النبيَّ ◌ٍَّ وهو بالجِعِرَّانة، فقال: إنّي نَذَرْتُ في الجاهِلِيّة أن أعْتَكِفَ يوماً في المسجد الحرام. قال: ((اذهبْ فاعتكِفْ)). وكان رسول الله وَ له قد أعطاه جاريةً من الخُمس. فلما أنْ أَعْتَق رسول الله وَّ سبايا الناس، قال عمر: يا عبد الله، اذهبْ إلى تلك الجارية فخلِّ سبيلها. أخرجه مسلم (٢). وقال ابن إسحاق(٣): حدّثني أبو وَجْزَة السعديُّ: أنَّ رسولَ الله وَه أعطى من سَبْي هوازن عليَّ بن أبي طالب جاريةً، وأعطى عثمان وعمر، فوهبها عمر لابنه . قال ابن إسحاق(٤) : فحدّثني نافع، عن ابن عمر، قال: بعثت بجاريتي إلى أخوالي من بني جُمَح ليُصْلِحوا لي منها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم. فخرجت من المسجد فإذا الناس يشتدّون، فقلت: ما شأَنكم؟ فقالوا: رَدَّ علينا رسول الله وَّل نساءنا وأبناءنا. فقلت: دُونَكم صاحبتكم فهي في بني جُمح، فانطلَقوا فأخذوها. قال ابن إسحاق(٥) : وحدّثني أبو وَجْزة يزيد بن عُبيد: أنّ رسول الله وَّ قال لوفد هوازن: ((ما فَعَل مالك بن عَوْف؟)). قالوا: هو بالطائف. فقال: ((أخْبِروه إِنْ أَتاني مُسْلِماً رَدَدْتُ إليه أهلَه ومالَه، وأعطيته مئة من الإبل)). فأُتِيَ مالِك بذلك، فخرج إليه من الطائف. (١) انظر مغازي الواقدي ٣ ٩٥ فما بعد. (٢) مسلم ٨٩/٥. ابن هشام ٢ / ٤٩٠ . (٣) (٤) ابن هشام ٢/ ٤٩٠ . (٥) ابن هشام ٢/ ٤٩١. ٢٢١ وقد كان مالك خاف من ثقيف على نفسه من قول رسول الله وَله. فأَمر براحلةٍ فَهُيِّئْت، وأمر بفرس له فأُتِيَ به، فخرج ليلاً ولحِق برسول الله وَالر؛ فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فردَّ عليه أهله وماله وأعطاه مئةً من الإبل، فقال: في النَّاسِ كلِّهم بمثْلٍ مُحَمَّدٍ ما إِنْ رأيتُ ولا سَمِعتُ بمثلِهِ وإذا تَشَاَ يُخْبِرْك عَمَّا في غَد أَوْفَى وَأَعْطَى للجَزِيلِ إذا اجْتُدِي أَمَّ العِدَى فيها بكُلِّ مُهَنَّد وإِذَا الكَتِبَةُ عَرَّدَتْ أَنْيَابُها(١) وَسْطَ المَبَاءَةِ خَادِرٌ(٢) في مَرْصَد فِكَأَنَّه لَيْثٌ لَدَى أَشْبَالِهِ فاستعمله النبيّ وََّ على مَن أسلم من قومه، وتلك القبائل من ثُمَّالة وسَلِمَة وفَهْم، كان يقاتل بهم ثقيفاً، لا يخرج لهم سَرْحٌ إلا أغار عليه حتى يصيبه . قال ابن عَسَاكِر(٣) : شهد مالك بن عوف فَتْح دِمَشق، وله بها دار. وقال أبو عاصم: حدثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان، قال: أخبرني عمّي عمارة بن ثوبان، أن أبا الطُّفَيْل أخبره، قال: كنتُ غلاماً أحمل عضو البعير، ورأيت رسول الله وَلّ يقسم لَحْماً بالجعرانة، فجاءته امرأة فبسط لها رداءه. فقلتُ: مَن هذه؟ قالوا: أمّه التي أَرْضَعَتْه. وروى الحَكَم بن عبد المَلِك، عن قَتَادة، قال: لمّا كان يوم فَتْح هوازن جاءت امرأة إلى رسول الله وَله، فقالت: أنا أخْتُك شَيْماء بنت الحارث. قال: ((إن تكوني صادقةً فإنّ بك مِنِّي أَثَراً لن يَبْلى)). قال: فكشفتْ عن عَضُدها. ثم قالتْ: نَعَمْ يا رسول الله، حملتُكَ وأنت صغير فَعَضَضْتَي هذه العَضَّة. فبسط لها رداءه ثم قال: ((سَلَي تُعْطَيْ، واشْفَعي (١) أي: غلظت واشتدت. (٢) أي: مقيم في عرينه. (٣) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ١٣٥/٢. ٢٢٢ تُشَفَّعي)). الحَكَم ضعَّفه ابن مَعِين(١). عمْرَة الجِعِرَّانة قال همّام، عن قَتَادة، عن أنس: أنّ رسول الله بِ ◌ّهاعْتَمَر أربعَ عُمَرٍ كلّهنّ في ذي القِعْدة، إلّ التي في حَجته: عُمرةً زمَن الحُدَيْبية - أو مِن الحديبية - في ذي القعدة، وعمرةً؛ أظنّه قال: العامَ المقبل، وعمرةً من الجِعِرانة؛ حيثُ قَسَم غنائم حُنَين في ذي القَعدة، وعمرة مع حَجَّته. مُتَّفقٌ عليه(٢) . وقال موسى بن عُقبة، وهو في ((مغازي عُرْوة)): إنّ رسول الله، وَه أَهَلَّ بالعُمْرة من الجِعرانة في ذي القعدة، فقدِم مكة فقضى عُمْرته. وكان حين خرج إلى حُنين استخلف مُعاذاً على مكة، وأمره أن يعلّمهم القرآن ويفقّههم في الدين. ثم صدر إلى المدينة وخلّف مُعاذاً على أهل مكة(٣) . وقال ابن إسحاق (٤): ثم سار رسول الله وَليل من الجعرانة معتمراً، وأمر ببقايا الفَيءٍ فحُبِس بمَجَنَّة، فلما فرغ من عُمرته انصرف إلى المدينة واستخلف عّاب بن أَسِيد على مكة، وخلّف معه مُعاذاً يفقّه الناس. قلتُ: ولم يزل عّاب على مكة إلى أن مات بها يوم وفاة أبي بكر. وهو عتّاب بن أَسِيد بن أبي العِيص بن أُمَّة الأمَويّ. فبلغنا أنّ النّبيّ نَّه قال له: يا عتّاب، تدري على مَن اسْتَعْمَلْتُكَ؟ استعملتك على أهل الله، (١) التاريخ ١٢٥/٢ رقم ١٣٣٢. (٢) البخاري ٣/٣، ومسلم ٣/٣. (٣) الحاكم ٣/ ٢٧٠. (٤) ابن هشام ٢/ ٥٠٠. ٢٢٣ ولو أعلم لهم خيراً منك استعملتُه عليهم. وكان عمره إذ ذاك نَيِّقاً وعشرين سنة، وكان رجلاً صالحاً. رُوِي عنه أنه قال: أصبتُ في عملي هذا بُرْدَيْن مُعَقَّدَيْنِ كَسَوْتُهما غُلاَمِي، فلا يقولنّ أحدكم أخَذ مِنّي عّاب كذا، فقد رزقني رسول الله وَ لّ كلَّ يومٍ دِرْهَمْيْن، فلا أَشْبَعَ اللهُ بَطْناً لا يُشبعه كلَّ يومٍ درهمان. وحجّ الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحجّ عليه. والله أعلم. قصَّة كعب بن زهَیْر (١) ولما قدِم رسول اللّهَ وَّل﴿ من مُنْصَرفه، كتب بُجَيْر بن زُهَيْر؛ يعني إلى أخيه كَعْب بن زهير، يخبره أنّ رسول الله وَّل قتل رجالاً بمكة ممّن كان يَهْجُوه ويُؤذيه، وأنّ مَن بَقِيَ من شعراء قريش؛ ابن الزِّبَعْرَى، وهُبَيْرة بن أبي وَهْب، قد ذهبوا في كلّ وَجْهِ، فإن كانت لك في نفسك حاجة فَطِرْ إلى رسول الله وَّ، فإنه لا يقتلُ أحداً جاءه تائباً، وإنْ أنتَ لم تفعلْ فانجُ إلى نَجَائِك من الأرض. وكان كعب قد قال : فَهَلْ لَكَ فِيمَا قُلْت وَيْحَكَ هَلْ لَكَا أَلاَ أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْراً رِسَالَةً عَلَى أَيِّ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ دَلَّكًا فَبَيِّنْ لَنَا إِنْ كُنْتَ لَسْتَ بِفاعِلٍ عَلَيْهِ وَمَا تُلْفِي عَلَيْهِ أخا (٢) لَكَا عَلَى خُلُقٍ لَمْ أَلْفِ يوماً أباً له وَلاَ قَائِلٍ إِمَّا عَثَرْتَ: لَعاً لَكَا فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْتُ بَاسِفٍ (١) ابن هشام ٥٠١/٢ . (٢) هكذا في النسخ وسيرة ابن هشام، وسيأتي بعد قليل قوله: ((ولما سمع: على خلق لم تلف أماً ولا أبا عليه)). ٤ ٢٢ فَأَنْهَلَكَ المَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكا سَقَاكَ بِهَا المَأْمُونُ كَأْساً رَوِيَّةً فلما أتَت بُجَيراً كَرِهِ أن يَكْتُمَها رسولَ الله وَّرِ فأنشده إيّاها. فقال لما سمع ((سقاك بها المأمون)): ((صَدَق وإنّه لَكَذُوب)). ولما سمع: ((عَلَى خُلُقٍ لم تلف أُمَّاً ولا أباً عليه)). قال: ((أجل لم يلف عليه أباه ولا أمّه)) . ثم قال بُجير لكعب : تَلُومُ عَلَيْها بَاطِلاً وَهْيَ أَحْزَمُ مَنْ مُبْلِغٌ كَعْباً فَهِلْ لَكَ في الّتِي فَتَنْجُو إِذَا كَانَ النَّجَاءُ وتَسْلَم إلى الله - لا العُزَّى ولا اللَّت وَحْدَه مِنَ النّاس إلّا طَاهِرُ القَلْبِ مُسْلِم لدى يَوْم لاَتَنْجُو ولَسْتَ بِمُفْلِتٍ وَدِينُ أَّبِي سُلْمَى عَليَّ مُحَرَّم فَدِينُ زُهَيْرٍ وَهْوَ لَا شَيْءَ دِينُه فلما بلغ كَعْباً الكتابُ ضاقت عليه الأرض بما رَحُبت، وأشفق على نفسه، وأَرْجَف به من كان في حاضِره من عَدوّه، فقالوا: هو مَقْتُولٌ. فلما لم يجد من شيءٍ بُدّاً قال قصيدته، وقَدِمَ المدينة . وقال إبراهيم بن دِيزِيل، وغيره: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا الحجّاج بن ذي الرُقَيْبَة بن عبدالرحمن بن كعب بن زهير بن أبي سُلْمى المُزَنيّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: خرج كعب وبُجير أخوه ابنا زُهير حتى أَتَيَا أَبْرَق العَزَّافِ، فقال بُجَير لكعب: اثبت هنا حتى آتي هذا الرجلَ فأسمع ما يقول. قال: فجاء رسول الله وَّهُ فعرض عليه الإسلام فأسلم، فبلغ ذلك كعباً، فقال: فهل لك فيما قلت ويحك هل لكًا ألاَ أبلغًا عنّي بُجَيْراً رسالةً وأَنْهَلَكَ المأمور منها وعَلَّكا سقاك بها المأمون كاساً رَوِيَّةٌ ويُروَى: سقاك أبو بكر بكأس رَويةٍ . ٢٢٥ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ وَيْبَ(١) غَيْرِكَ دلَّكا فَارَقْتَ أَسْبَابَ الهُدَى وَتَبِعْتَهُ عليه، ولم تعرفْ عليه أخاً لكا عَلَى مَذْهَبٍ لم تلفِ أمًّ ولا أباً فاتّصل الشِّعْر بالنّبِيِّ ◌َِّ فَأَهْدَر دمه. فكتب بُجَير إليه بذلك، ويقول له: النَّجاءَ، وما أراك تنفلت. ثم كتب إليه: اعْلَم أنّ رسول الله وَليه لا يأتيه أحدٌ يشهد أنْ لا إله إلّ الله وأنّ محمداً رسول الله إلّ قَبِل ذلك منه، وأسقطَ ما كان قبلَ ذلك. فأسلم كعبٌ، وقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله وَالر، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله وَّة، ثم دخل المسجد ورسول الله وَل مع أصحابه مكانَ المائدة من القوم، والقوم متحلِّقون معه حَلْقةً دون حَلْقة، يلتفت إلى هؤلاء مرّة فيحدّثهم، وإلی هؤلاء مرّة فیحدّثھم. قال كعب: فأنخْتُ رَاحِلتي، ودخلت، فعرفتُ رسول الله العَظله بالصِّفَة، فتخَطَّيْت حتّى جلستُ إليه فقلتُ: أشهد أن لا إله إلّ الله، وأنّك رسول الله، الأمانَ يا رسول الله. قال: ((ومَنْ أنتَ؟)) قلتُ: أنا كَعْبُ بن زُهير. قال: ((الذي يقول)): ثم التفت إلى أبي بكر، فقال: ((كيف يا أبا بكر؟)). فأنشده: سقاك أبو بكرٍ بكأس رَويّةٍ وأنهلكَ المأمورُ منها وعَلَّكا قلتُ: يا رسولَ الله، ما قلتُ هكذا. قال: ((فكيف قلت؟)). قلتُ؛ إنّما قلتُ: وأنهلك المأمونُ منها وعَلَّكا فقال: ((مأمونٌ، والله)). قال: ثم أنشده: مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُلْفَ مَكْبولُ بانَتْ سُعاد فقلبي اليوم مَتْبُولُ (١) أي: وَبْحَ. ٢٢٦ وما سعادُ غَداة البَيْن إذْ رحلوا تجلوا عَوارِضَ ذِي ظَلْمٍ إذا ابتسمتْ شَجَّتْ بِذِي شَبَم منَ ماءِ مَحْنِيَةٍ تَنْفي الرياحُ القَذَى عنه وأفْرَطَهُ أَكْرِمْ بها خُلَّةً لو أنّها صَدَقتْ لكنها خلّة قد سِيطَ من دَمِها فما تدومُ على حالِ تكونُ بها ولا تَمَسَّكُ بالعَهْد الذي زَعَمت فلا يغُرَّنْكَ ما مَنَّت وما وعدتْ كانت مواعيدُ عُرْقوبٍ لها مَثَلاً أرجو وآمل أن تدنو مودَّتُها أمستْ سعاد بأرض لا يُبَّغها ولن يُبَلِّغها إلّ عُذَافِرَةٌ (٥) من كلِّ نَضَّاخَةِ الذِّغْرى إذا عَرِقَتْ ترمي الغُيُوبَ بعينَيْ مُفْردٍ لَهِقٌ إلّ أَغنُّ غَضِيضُ الطَّرْف مَكْحول كأنّه مُنْهِلٌ بالرَّاحِ مَعْلول صافٍ(١) بأبطحَ أَضْحَى وَهَو مشْمول من صَوْب ساريةٍ بيضٌ يَعالِيل(٢) مَوْعُودَها، أوْ لَوَ أنّ النُّصْحَ مَقْبول فَجْعٌ ووَلْعٌ وإِخْلافٌ وتَبْديل(٣) كما تَلوَّنُ في أثوابها الغُول (٤) إلّ كما يُمْسِكُ الماءَ الغرابيل إنّ الأمانيَّ والأحلامَ تضليل وما مواعيدُها إلّ الأباطيل وما إِخالُ لَدَيْنا منكِ تَنْويل إلّ العِتَاقُ النَّجِيباتِ المَراسيل فيها على الأيْنِ إِرْقال وتَبْغيل (٦) عُرْضَتُهَا طامِسُ الأعلام مجهول(٧) إذا توقّدتِ الحِزَّانُ والِمِيل (٨) (١) شُجَّت: مُزجت. وذي شبم: الماء البارد. والمحنية: ما انعطف من الوادي. ومشمول: أصابته ريح الشمال. (٢) أفرطه: أي ملأه. السارية: سحابة تسري. والبيض اليعاليل: أي السحائب الرواء. (٣) سِيط: خلط. والولع: الكذب. يعني : الداهية . (٤) (٥) أي: ناقة صُلبة عظيمة. (٦) الأين: الإعياء. والإرقال والتبغيل: ضربان من السير. (٧) الذفرى: ما تحت الأذن. وعرضتها، من قولهم: بعير عرضة للسفر، أي: قوي علیه . (٨) المفرد: بقر الوحش شَبّه الناقة به. واللهق: الأبيض. والحزان: هو الغليظ من الأرض. ٢٢٧ ضخْمٌ مُقَلَّدُها، فَعْمٌ(١) مُقَيِّدُها غَلْباءُ وَجْناءُ عُلْكومٌ مُذَكَّرةٌ وجِلدُها من أَطُومِ ما يُؤيِّسُه حَرْفٌ أَبُوها أخُوهاً مِن مُهَجَّنَةٍ تسعَى الوُشاةُ بدفيها وقِيلُهُم وقال كلُّ صديقٍ كنتُ آمُلُه خَلُوا طريقَ يَدَيْها لا أَبَّا لَكُمُ كلُّ ابْنِ أُنْثَى وإن طالتْ سلامتُهُ أُنْبِثْتُ أنّ رسولَ الله أوْعَدني مَهْلاً رسولَ الذي أعطاك نَافِلَةَ الْـ لا تاخُذَنِّي بأقوالِ الوُشاةِ ولَمْ لقد أَقومُ مَقاماً لو يقومُ بِهِ لَظَلَّ يَرْعَد إلّ أن يكون له حتى وضعتُ يَمِيني لا أُنَازِعُه لَذَاكَ أَخْوَفُ عِندي إذْ أُكُلِّمُه مِن ضَيْغَم من لُيُوث الأُسْد مَسْكَيُّهُ إنَّ الرسَولَ لَنُورٌ يُسْتَضاءُ به في فِتْيةٍ من قُرَيشٍ قال قَائِلُهُم في خَلْقِها عن بناتِ الفَحْلِ تَفْضِيل في دَفِّها سَعَةٌ قُدَّامُها مِيل(٢) طِلْحٌ بِضَاحِيَةِ المَثْنَيْنِ مَهْزول (٣) وعمُّها خالُها قَوْداءُ شِمْليل(٤) إنَّك يا ابن أبي سُلْمَى لَمَقْتول لا أُلْهِيَنَّك، إنِّي عنكَ مشغول فكلُّ ما قَدَّرَ الرَّحْمنُ مفعول يوماً على آلةٍ حَذْباءَ محمول والعفوُ عند رسولِ الله مَأْمول ـقُرْآنِ، فِيه مَواعِيظٌ وتَفْصيل أُذْنِبْ، ولو كثُرتْ عَنِّي الأقاويلُ أَرَى وأَسمِعُ ما لَوْ يسمعُ الفيل من الرسول بإِذْن الله تَنْوِيلُ فِي كَفِّ ذي نَقِماتٍ قِيلُهُ القِيل وقِيل إنَّكَ مَنْسوبٌ ومَسْؤول من بَطْنِ عَثَّر غِيلٌ دونَهُ غِيلُ مُهَنَّدٌ من سُيوفِ الله مَسْلول بَطْنِ مَكَّةَ لمّا أَسْلَمُوا: زُولوا (١) أي: الممتلىء. (٢) الغلباء: غليظة الرقبة. والوجناء: عظيمة الوجنتين. وقدامها ميل: أي طويلة العنق . (٣) الأطوم: الزرافة. والطلح: القراد والذي لملاسة جلدها لا يثبت عليه. (٤) الحرف: الناقة الضامر. ومهجنة: أي حُملَ عليها في الصغر، وقوداء: طويلة. وشمليل: سريعة . ٢٢٨ زَالُوا، فما زَال أَنْكَاسٌ ولا كُشُفٌ(١) شُمُّ العَرَانِينِ أَبْطَالٌ لَبُوسُهِمُ يَمْشُون مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهم لا يَفْرَحُون إذا نالتْ سُيُوفهمُ لا يَقَعِ الطَّعْن إلَّ في نُحورِهم عند اللّقاءِ، ولا خيل(٢) مَعازيل من نَسْجِ دَاوُد في الهَيْجَا سَرَابِيل ضرْبٌ إذا عَرَّد السُّود التَّنَابِيل قوماً، ولَيْسوا مَجَازِيعاً إذا نِيلُوا ومالَهُم عن حِياضِ المَوْت تَهْليل (٣) وفي سنة ثمان توفيت زينب بنت النبي ◌ّر وأكبر بناته، وهي التي غَسَّلَتها أمُّ عطية الأنصارية، وأعطاها النبي ◌َّ حَقْوة، وقال: أشعرنها إياه. فجعلته شعارها تحت كفنها. وقد ولدت زينبُ من أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس أمامة التي كان النبي وقال* يحملها في الصلاة (٤) . وفيها: عُمل منبر النبيّ وََّ، فخطب عليه، وحَنَّ إليه الجِذْع الذي كان يخطب عنده. وفيها: وُلِد إبراهيم ابن النّبيّ ◌ِ﴾9. وفيها: وهبت سَوْدة أمّ المؤمنين يومَها لعائشة رضي الله عنها . وفيها: تُوُفِّي مُغَفَّل بن عبد نُهم بن عفيف المُزَنيّ؛ والد عبدالله؛ وله صُخْبة . وفيها: مات ملك العرب بالشام؛ الحارث بن أبي شِمْر الغساني، (١) الكُشُف: الذي لا تُرسَ معه. (٢) في الهامش: ((الخيل: الفرسان))، ويروى ميل، جمع مائل وهو الذي لا يحسن الفروسية، ومعازيل، من أعزل، الذي لا رمح معه في الحرب. أي: زالوا وهاجروا من بطن مكة وما فيهم من هذه صفاته . (٣) ابن هشام ٥٠٣/٢-٥١٤. (٤) تقدم هذا الخبر قبل فتح مكة، وأعاده المصنف هنا، لذلك حذفه بدر الدين البشتكي من نسخته وقال معلقاً في حاشية نسخته: ((وذكر المصنف هنا ما صورته: وفي سنة ثمان توفيت زينب بنت النبي ◌ُّ، وقد ذكر ذلك قبل فتح مكة، فكرره سهواً)). ولما كان هذا من اجتهاد البشتكي فقد أثبتنا النص محافظة على صنيع المؤلف . ٢٢٩ كافراً. وولي بعده جَبَلة بن الأيْهَم . فروى أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، عن ابن عائذ، عن الواقديّ، عن عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه، قال: بعث رسول الله وَلِّ شجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شِمْر وهو بالغُوطة، فسار من المدينة في ذي الحجّة سنة ستٍّ. قال: فأتيتُه فوجدته يُهَيِّء الإنْزال لقیصر، وهو جاءٍ من حِمْص إلی إِیلیاء؛ إذْ کشف الله عنه جنودَ فارس؛ تشكراً لله. فلما قرأ الكتاب رمى به؛ وقال: ومَنْ يَنْزِعِ مِنِّي مُلْكي؟ أنا سائر إليه بالناس. ثم عَرَض إلى الليل، وأمر بالخيل تُنْعل، وقال: أخبر صاحبكَ بما ترى. فصادف قيصر بإيلياء وعنده دِحية الكلبيُّ بكتابٍ رسولِ الله وَّهُ. فكتب قيصر إليه: أنْ لا يسير إليه، والْهُ عنه، وَوَافٍ إيلياء. قال شجاع: فقدِمتُ، وأخبرتُ رسول الله وَّل، فقال: (بَادَ مُلْكه)). ويُقال: حَجَّ بالناس عَتَّاب بن أسِيد أميرُ مكة. وقيل: حجَّ الناسُ أَوْزَاعاً(١) . حكاهما الواقديّ(٢) ، والله أعلم. (١) أي: متفرقين. (٢) المغازي ٩٥٩/٣ - ٩٦٠. ٢٣٠ السَّنَة التَّاسِعَة قيل: في ربيع الأول بَعَث رسولُ اللهِ وَّةِ جيشاً إلى القُرَطَاء، عليهم الضخَّاك بن سُفيان الكِلاَبِيّ، ومعه الأصْيَد بن سَلَمَة بن قُرْط، فلقوهم بالزُّج، زُجِّ لَاوَة، فدعَوْهم إلى الإسلام، فأبَوا، فقاتلوهم فهزموهم، فلحق الأَصَيد أباه سَلَمة، فدعاه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فسبَّه وسَّب دينه، فَعَرْقَب الْأَصَيد عُرقوبي فَرسه. ثم جاء رجل من المسلمين فقتل سَلَمة، ولم يقتله ابنه . وفي ربيع الآخر، قيل: إنَّ رسول الله وََّ بلغه أنَّ ناساً من الحبشة تَراآهم أهل جُدة. فبعث النبّي ◌ََّ عْلَقَمة بن مُجَزِّز المدلِجي في ثلاث مئة، فانتهى إلى جزيرةٍ في البحر، فهربوا منه(١) . وفي ربيع الآخر سرّية علّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه إلى الُفُلْس؛ صَنم طَيِّء؛ ليهدمه، في خمسين ومئة رجل من الأنصار، على مئة بعير وخمسين فرسًا، ومعه راية سوداء، ولواء أبيض. فشّنوا الغارة على مَحِلَّة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفُلْسَ وخَرَّبُوه، وملأوا أيديهم من السَّبْي والنَّعَم والشَّاء، وفي السَّبْي أختُ عدَيٍّ بن حاتم، وهرب عديٌّ إلى الشَّام(٢) . وفي هذه الأيام كانت سريّة عُكّاشة بن مِحْصَن إلى أرض عُذْرَة. ذكر هذه السَّرايا شيخُنا الدِّمْياطيّ في ((مختصر السيرة))، وأظنّه أخَذه (١) المغازي للواقدي ٩٨٣/٣. (٢) المغازي للواقدي ٣/ ٩٨٤. ٢٣١ من كلام الواقديّ. وفي رجب: صلَّى رسول الله وَّةَ، قبل مسيره إلى تَبُوك على أَصْحَمة النَّجَاشيّ، صاحب الحبشة رضي الله عنه، وأَصْحَمة بالعَرَبيِّ: عَطِيَّة. وكان قد آمن بالله ورسوله. قال النّبِيّ بَّهِ: ((قد مات أخٌ لكم بالحَبَشَة)). فخرج بهم إلى المصلَّى، وصَفَّهم، وصلَّى عليه. قال ابن إسحاق: حدّثني يَزيد بن رُومان، عن عُروة، عن عائشة، قالت: لمّا مات النجاشيّ كان يُتحدَّثُ أنه لا يزال يُرى على قبره نُورٌ. ((ويكتبُ هنا الخبر الذي في السيرة قبل إسلام عمر)) (١). وفي رجب غزوَة تَبُوك قال ابن إسحاق(٢)، عن عاصم بن عمر، وعبدالله بن أبي بكر بن حزم: أنّ رسول الله وََّ قلّما كان يخرج في غزوة إلّ أظهر أنه يريدُ غيرَها، إلّ غزوة تَبُّوك فإنه قال: أيّها الناس، إنّي أريد الرُّومَ. فَأَعْلَمَهُمْ. وذلك في شدّةِ الحرِّ وجَذْبٍ من البلاد، وحين طابت الثِّمار؛ والناس يحبّون المقام في ثمارهم. فبينا رسول الله وَّ ذات يوم في جَهازه، إذْ قال للجَدِّ بن قَيْس: ((يا جَدّ، هَلْ لَكَ في بنات بني الأصْفَر؟)). فقال: يا رسول الله، لقد علم قومي أنّه ليس أحدٌ أشدّ عُجْباً بالنِّساء منّي، وإنّي أخاف إن رأَيتُ نساء (١) كتب البدر البشتكي على هامش الأصل: ((كذا بخط المؤلف، ومنه نقلتُ)). قلتُ: أراد المؤلف بالسيرة: سيرة ابن هشام. ولعل المؤلف يقصد موضوع: (خروج الحبشة على النجاشي)) فهو الذي قبل إسلام عمر، وقد تقدم شيء منه، فلم نر فائدة في إعادته هنا . (٢) ابن هشام ٥١٥/٢. ٢٣٢ بني الأَصْفَر أَن يَفْتِنَِّي، فائذنْ لي يا رسول الله. فأعرض عنه رسولُ الله وََّ، وقال: ((قد أَذِنْتُ لك)). فنزلتْ: ﴿وَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِ وَلَا [التوبة]. قال: وقال رجل من نَفْتِنَّ أَا فِ الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ لِ﴾﴾ (جَ﴾، فنزلت: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّ لإ المنافقين: ﴿لَا تَنْفِرُواْ فِي الْخَرُّ! [التوبة] . ولم يُنْفِقِ أحدٌ أَعْظَمَ من نَفَقة عثمان، وحَمَل على مئتي بعير. قال عَمْرو بن مَرْزُوق: حدثنا السَّكَن بن أبي كَرِيمة، عن الوليد بن أبي هشام، عن فَرْقَد أبي طلحة، عن عبدالرحمن بن خَبَّاب، قال: شهدتُ رسولَ الله ◌َّهِ وحَث على جيش العُسْرة، قال: فقام عثمان رضيَ الله عنه، فقال: يا رسولَ الله، عليَّ مئة بعيرٍ بأحْلَاسِها وأقْتَابِها في سبيل الله. قال: ثم حثَّ ثانيةً، فقام عثمان فقال: يا رسول الله، عَلَيَّ مئتا بعيرٍ بأَحْلاسها وأَقْتابها في سبيل الله. ثم حَضَّ، أو قال: حثَّ، الثالثةَ، فقام عثمان فقال: يا رسول الله، عليّ ثلاث مئة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. قال عبدالرحمن: أنا شهدتُ رسول الله وَّ وهو يقولُ على المنبر: ((ما عَلَى عُثمانَ ما عَمِل بعدَ اليَوْم)). أو قال: (بَعْدَها)). رواه أبو داود الطَّيَالسيّ(١) وغيره، عن السَّكن بن المُغِيرة. وقال ضمرة، عن ابن شَوْذَب، عن عبدالله بن القاسم، عن كثير مولى عبدالرحمن بن سَمُرَة، عن مَولاه، قال: جاء عثمان إلى النّبِيِّ وَّ بألف دينار حين جهّز جيش العُسْرة، فَفَرَّغها في حِجْر النّبيّ ◌ََّ، فجعل يقلّبها ويقول: ((ما ضَرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم)). قالها مراراً. وقال بُرَيْد، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، قال: أرسلني أصحابي إلى رسولِ اللهِ وَّ أسأله لهم الحُمْلاَن، إذْ هم معه في جيش العُسْرة؛ (١) منحة المعبود ١٧٥/٢ . ٢٣٣ وهي غزوة تبوك. وذكر الحديث. مُتَّفقٌ عليه(١). وقال: وروى عثمان بن عطاء الخُراساني، عن أبيه، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، في غزوة تبوك، قال: أمر النّبيُّ نَّهِ المسلمين بالصَّدَقَة والنَّفَقَة في سبيل الله، فأنفقوا احْتِساباً، وأنفق رجال غَيْرِ مُحْتَسِبين. وحُمِلَ رجالٌ من فقراء المسلمين، وبقيَ أُناس. وأفضل ما تصدَّقَ به يومئذٍ أحدٌ عبدالرحمن بن عوف؛ تصدَّق بمئتي أوقية، وتَصدَّقَ عمرُ بمئة أوقية، وتَصدَّق عاصم الأنصاري بتسعين وَسْقاً من تمر. وقال النّبيُّ وَالر لعبد الرحمن: ((هل تركتَ لأهلك شيئاً؟)) قال: نعم، أكثر مما أنفقتُ وأَطْيَب. قال: كَم؟ قال: ما وَعَدَ اللهُ ورسولُه من الرِّزْق والخَيْر؛ رضي الله عنه . وقال ابن إسحاق(٢): ثم إنّ رجالاً أَتَوْا رسولَ اللهِوَلّر وهم البَّكَّاوُون، وهم سبعة منهم من الأنصار: سالم بن عُمَيْر، وعُلْبة بن زيد، وأبو ليلى عبدالرحمن بن كعب، وعمرو بن الحُمام بن الجَمُوح، وعبدالله بن المُغَفَّل؛ وبعضهم يقول: عبدالله بن عمرو المُزَنِيّ؛ وهَرِم بن عبدالله، والعِرْبَاض بن سَارِيَة الفَزَارِيّ. فاسْتَحْمَلُوا رسولَ اللهِ وَلَهه وكانوا أهل حاجة، فقال: ﴿لَآَ أَجِدُ مَآ أَخِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ حَزَّنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ﴾﴾ [التوبة]. فبلغني أنّ يَامِينَ بن عمرو، لقي أبا ليلى وعبدالله بن مغفَّل وهما يبكيان، فقال: ما ◌ُێکیگما؟ فقالا: جئنا رسولَ الله ێۇ لیحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا، وليس عندنا ما نَتَقوَّى به على الخروج. فأعطاهما ناضِحاً له فارْتَحَلاه وزَوَدَهُمَا شيئاً من لَبِنٍ. وأما عُلْبة بن زيد فخرج من الليل فصلّى ما شاء الله، ثم بكى، (١) البخاري ٢/٦، ومسلم ٨٢/٥. (٢) ابن هشام ٥١٨/٢. ٢٣٤ وقال: اللَّهُمَّ إنك قد أمرت بالجهاد ورغَّبتَ فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوّى به، ولم تجعل في يدِ رسولكَ ما يحملني عليه، وإني أَتَصَدَّقُ على كلِّ مسلمٍ بكل مَظْلمَةٍ أصابني بها في مالٍ أو جسدٍ أو عرْض. ثم أصبحَ مع الناس فقال رسول الله ◌َّهِ: ((أين المتصدِّقُ هذه الليلة؟)) فلم يَقُمْ أحدٌ. ثم قال: ((أين المتصدِّقُ؟ فليقم)). فقام إليه فأخبره. فقال رسول الله وَلجر: ((أَبْشِر، فوالذي نفسُ محمدٍ بيده لقد كُتِبِتْ في الزَّكاة ﴾ [التوبة] فاعْتَذَرُوا ٩٠ المُتَقَبَّلَةِ)). ﴿وَجَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ فلم يَعْذرهم اللهُ. فذكر أنهم نفر من بني غِفَار. قال: وقد كان نفر من المسلمين أَبْطَأَتْ بهم النِّيّة عن رسول الله وَه، حتى تَخلَّفوا عن غير شَكّ ولا ارْتِيَابٍ، منهم كَعْب بن مالك أخو بني سَلِمة، ومُرَارَة بن الرَّبيع أحد بني عَمْرو بن عَوْف، وهِلَال بن أُمَّيّة أخو بني وَاقِف، وأبو خَيْثَمَة أخو بني سَالِم بن عَوْفٍ. وكانوا رَهْطَ صِدْقٍ . ثم خرج رسولُ اللهِ وَّ يوم الخميس، واستَخْلَف على المدينة محمد بن مَسْلَمَة الأنصارِيّ. فلما خرج ضرب عَسْكره على ثَنِيَّة الوداعِ، ومعه زيادة على ثلاثين ألفاً من الناس. وضرب عبدالله بن أُبيّ بن سَلُول عسكره على ذِي حِدَة، عسكره أسفل منه، وما كان فيما يزعُمون بأقلّ العسكريْن. فلمّا سار رسول الله وَ ﴿، تخلّف عنه ابن سَلُول فيمن تَخلَّفَ من المنافقين وأهل الرَّيْب. وخلّف رسول الله وَّهَ عليّ بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فَأَرْجَفَ به المنافقون وقالوا: ما خلَّفه إلا اسْتِثْقالاً له وتخفّفاً منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ عليٍّ سلاحه ثم خرج حتى أتى رسولَ الله وَّر، وهو نازل بالجُرْف، فقال: يا رسول الله، زعم المنافقون أنّك إنّما خلَّفتني تَسْتَثْقِلُني وتَخَفَّفُ منّي. قال: ((كذَبوا، ولكنْ خلَّفتك لِما تركتُ ورائي، فارجع فاخْلُفْني في أهْلي ٢٣٥ وأَهْلِك، أَلا تَرْضى أن تكون منّي بمنزلة هَارُون من موسى، إلاَّ أنْه لا نَبِيّ بَعْدي)). فرجع إلى المدينة(١) . وأخرجا في الصحيحين(٢) من حديث الحَكَم بن عتيبة، عن مُصْعَب بن سعد، عن أبيه، قال: خلّف رسول الله وَلّ عليّاً في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، أتخلّفني في النّساء والصبيان؟ قال: ((أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبيّ بعدي)). ورواه عامر، وإبراهيم، ابنا سعد بن أبي وقّاص، عن أبيهما. قال ابن إسحاق(٣): حدّثني بُريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن عبدالله بن مسعود، قال: لما سار رسول الله بَّه إلى تبوك، جعل لا يزال يَتَخَلَّف الرجلُ فيقولون: يا رسول الله، تخلّف فلان. فيقول: ((دَعُوهُ، إن يَكُ فيه خَيْرِ فسيُلْحِقُه اللهُ بكم، وإن يكُ غير ذلك فقد أراحكم اللهُ منه)). حتى قيل: يا رسول الله، تخلّف أبو ذَرٍّ وأبطأ به بعيره، فقال: ((دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه))، فتَلوَّم أبو ذَرِّ بعيره فلما أبطأ عليه أخذ مَتَاعة فجعله على ظهره، ثم خرج يَتْبَع رسول الله وَلِّ ماشياً. ونزل رسول الله وَله في بعض منازله، ونظر ناظرٌ من المسلمين، فقال: يا رسول الله، إنّ هذا الرجلٌ يمشي على الطريق. فقال رسول الله ﴿: ((كُنْ أبا ذَرّ)) فلما تأمّله القومُ قالوا: هو واللهِ أبو ذرّ. فقال رسول الله وَلّر: ((يرحم الله أبا ذَرّ، يَمْشي وَحْدَه، ويموت وحده، ويُعث وحده)). فضرب الدهرُ من ضَرْبه، وسُيِّر أبو ذَرّ إلى الرَّبَدَة، فلما حضره الموتُ أَوْصى امرأته وغلامه: إذا مثُّ فاغسلاني وكفِّناني وضَعَاني على قَارِعَة الطّريق، فأوّلُ (١) ابن هشام ٥١٩/٢. (٢) البخاري ٣/٦، ومسلم ٧/ ١٢٠ . (٣) ابن هشام ٢/ ٥٢٤. ٢٣٦ رَكْبٍ يمرُّون بكم فقولوا: هذا أبو ذَرّ. فلمّا مات فعلوا به ذلك. فاطَّلَع ركبٌ، فما عَلِموا به حتى كادت رَكَائِبُهم تَوَطَّأُ سَرِيره، فإذا ابن مَسْعُود في رَهْطٍ من أهل الكوفة. فقال: ما هذا؟ فقيل: جِنَازة أبي ذَرٍّ. فاسْتَهَلَّ ابنُ مسعودٍ يبكي، فقال: صدقَ رسولُ الله ◌َّهِ: يَرْحم الله أبا ذَرّ، يمشي وحده، ويموتُ وحده، ويُبعثُ وحده. فنزلَ، فَوَلِيَه بنفسه حتَّى أَجَنَّهُ. وقال ابن إسحاق(١): حدّثني عبدالله بن أبي بكر، أنّ أبا خَيْثَمة، أحد بني سالم، رجع - بعد مسيرِ رسول الله وَّ أياماً - إلى أهله في يوم حارِّ، فوجد امرأتين له في حائِطٍ قد رَشَّتْ كلُّ واحدٍةٍ منهما عَرِيشها، وبَرَّدَتْ له فيه ماء، وهَيََّتْ له فيه طعاماً، فلما دخل قام على باب العريش، فقال: رسولُ الله في الضِّحِّ(٢) والرِّيح والحرِّ، وأنا في ظلّ باردٍ وماءٍ باردٍ وطعامِ مُهَيٍَّ وامرأةٍ حسناء، في مالي مقيمٌ؟ ما هذا بالنَّصَفِ. ثم قال: لا، والله، لا أدخلُ عريش واحدةٍ منكما حتى ألحق برسول الله وَّ، فهيّا لي زَاداً. فَفَعَلَتَا. ثم قدّم ناضحه فارْتَحَله. ثم خرج في طلبِ رسولِ اللهِ وَّةِ، حتى أدركه بتبوك حين نزلها. وقد كان أدركه عُمَيْر بن وهب في الطريق فترافقا، حتى إذا دَنَوا من تبوك، قال أبو خَيْئَمة لعُمير: إنّ لي ذَنْباً، تخلَّفْ عنّي حتّى آتِي رسولَ الله وَله . ففعل. فسار حتى دنا من رسول الله وَ له. فقال رسول الله وَله: ((كُنْ أبا خَيْئمة)). فقالوا: هو والله أبو خيثمة، فأقبل وسلّم، فقال له: ((أَوْلَى لَكَ أبا خيثمة)). ثم أخبر رسولَ الله ◌َّ الخبر، فقال له خيراً. وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة. وقاله موسى بن عُقبة. فذكرا نحواً من سياق ابن إسحاق . وقال مَعْمَر، عن عبدالله بن محمد بن عَقيل: في قوله تعالى: (١) ابن هشام ٥٢٠/٢. (٢) أي: الشمس. ٢٣٧ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ (®﴾﴾ [التوبة]، قال: خرجوا في غزوة تبوك، الرَّجُلان والثَّلاثة على بعيرٍ، وخرجوا في حرِّ شديدٍ، فأصابهم يوماً عطش حتى جعلوا يَنْحرون إِبِلهم ليَعْصِرُوا أَكْرَاشها ويشربوا مَاءها . وقال مالك بن مِغْوَل، عن طلحة بن مُصْرِّف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: كنّا مع رسول الله ◌َّ في مسير، فنَفِدَت أزْواد القوم، حتى هَمَّ أحدهم بنحر بعض حمائلهم ... الحديثَ. رواه مسلم(١). وقال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد؛ شَكَّ الأعمشُ؛ قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناسَ مجاعةٌ، فقالوا: يا رسول الله، لو أَذِنت لنا فنَنْحَر نَواضِحَنا، فأكلنا وادّهَنّا. فقال: (أَفْعَلُ)). فجاء عمر فقال: يا رسول الله، إنْ فعلتَ قَلَّ الظَّهْر، ولكن ادْعُ بفَضْل أزوادهم، وادْعُ اللهَ لهم فيها بالبركة. فقال: نعم. فدعا بنطعٍ فَسَطه، ثم دعا بفَضْل أزوادهم. فجعل الرجل يأتي بكَفِّ ذُرة، ويجيء الآخر بكفّ تمرٍ، ويجيء الأخر بكِسْرَة، حتى اجتمع على النِّطعِ من ذلك شيء يسير. فدعا رسول الله وَ ل بالبركة، ثم قال لهم: خُذُوَاَ في أوْعِيَتكم. حتى ما تركوا في العسكر وِعاءً إلّ ملأوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفَضلتْ فَضْلة، فقال رسول الله وَّه: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّي رسولُ الله؛ لا يلقى اللهَ بها عبدٌ غيرَ شَاكٍّ فيُحْجَب عن الجنّة)). أخرجه مسلم (٢). وقال عَمْرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عُتبة بن أبي عُثْبة، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، أنه قيل لعمر رضي الله عنه : حدِّثْنا من شأن العُسرة. فقال: خرجنا إلى تبوك في قَيْظِ شديدٍ، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش، حتى ظنّنا أنّ رقابنا ستَنْقطع، حتى إنْ كان (١) مسلم ٤١/١. (٢) مسلم ٤٢/١ . ٢٣٨ الرجلُ ليذهبُ يلتمسُ الرجلَ، فلا يرجع حتى يظنَّ أن رقبته ستنقطع، حتى أن كان الرجل لينحرُ بعيره فيعصر فَرْثه فيشربه ويجعل ما بقيَ على كَبِده. فقال أبو بكر: يا رسولَ الله، إنَّ الله قد عَوَّدَكَ في الدعاء خيراً فادعُ الله لنا. قال: ((أتحبُّ ذلك؟)) قال: نعم. فرفع يديه، فلم يُرجعهما حتى قَالَت السماء فأَظلَّتْ ثم سَكَبت، فملأوا ما معهم. ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر. حديث حسن قويّ(١) . وقال مالك، وغيره، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: أنّ رسول الله ◌َّ قال لأصحابه: ((لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبِين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يُصيبكم مثل ما أصابهم))؛ يعني أصحاب الحِجْر. وقال سليمان بن بلال: حدثنا عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، قال: لما نزل رسول الله ◌َُّ الحِجْر، أمرهم أنْ لا يشربوا من بئرها، ولا يسقوا منها. فقالوا: قد عَجَثًا منها واسْتَقَيْنا. فأمرهم أنْ يطرحوا ذلك العَجِين ويُرِيقوا ذلك الماء. أخرجهما البخاري(٢) . ولمسلم مثل الأول منهما . وقال عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبدالله: أنّ الناس نزلوا مع رسول الله وَّ الحِجْرَ، فاستقوا من آبارها وعجنوا به. فأمرهم أن يهريقوا الماء، ويعلفوا الإبلَ العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئرِ التي (١) أخرجه ابن خزيمة (١٠١). (٢) كذا قال، وإنما أخرج البخاري الأول فقط (١١٨/١ و٩/٦) إذ لم نقف فيه على رواية سليمان بن بلال عن عبدالله بن دينار لهذا الحديث عنده. بل هي عند أحمد حسب (٢/ ٧٢) من طريق أبي سلمة الخزاعي عنه. أما مسلم فقد روى الأول من طريق إسماعيل بن جعفر، عن ابن دينار (٢٢٠/٨)، وانظر التفاصيل في المسند الجامع ٧٩٦/١٠ حديث (٨٢٣٨). ٢٣٩ كانت الناقةُ تَرِدُه. أخرجه مسلم(١). وقال مالك، عن أبي الزُّبَيْر، عن أبي الطُّفَيل، أنّ معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله وَّر عام تبوك، فكان رسول الله وَل يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء. قال: فأخَّر الصلاة يوماً، ثم خرج فصلَّى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل، ثم خرج فصلّى المغرب والعشاء جميعاً، ثم قال: إنكم ستأتون غداً إن شاء الله عَيْن تَبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يُضْحِيَ النهار، فمن جاءها فلا يَمَسَّ من مائها شيئاً حتى آتِيَ. قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشِّرَاك تَبِضُّ(٢) بشيءٍ من ماءٍ. فسألهما رسول الله وَّ: ((هل مَسسْتُما من مائها شيئاً؟)) قالا: نعم. فسبّهما، وقال لهما ما شاء اللهُ أنْ يقول. ثم غَرَفوا من العين قليلاً قليلاً، حتى اجتمع في شيء ثم غسلَ رسولُ الله رَّ فيه وجهه، ثم أعاده فيها. فجَرَت العينُ بماء كثير، فاسْتَقَى الناسُ. ثم قال رسول الله وَله: ((يُوشِك يا مُعاذُ، إنْ طالتْ بكَ حياةٌ، أن ترى ما ها هنا قد مُلِيء جِنانا)). أخرجه مسلم(٣). وقال سليمان بن بلال، عن عمرو بن یحیی، عن عباس بن سهل، عن أبي حُميد، قال: خرجنا مع رسول الله بَّه في غزوة تبوك فأتينا وادي القُرَى، على حديقةٍ لامرأة، فقال رسول الله وَّهُ: اخْرُصُوها. فخَرَصْناها وخَرَصها رسولُ اللهِ وَلَ عَشَرَة أَوْسُقٍ، وقال: احْصِيها حتى نرجع إليكِ إن شاء الله. فانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله وَليل : ((ستهُتُّ عليكم اللَّيْلَة ريحٌ شديدة، فلا يَقُم فيها أحد منكم، فمن كان له بعير فليشُدَّ عِقاله)). فهبَّتْ ريحٌ شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى (١) مسلم ٢٢١/٨. (٢) أي: تسيل قليلاً قليلاً. (٣) مسلم ٧/ ٦٠. ٢٤٠