Indexed OCR Text
Pages 161-180
فمنعه من النّاس. فلما رأى كثرة الجيش، قال: لم أر كاللّيلة جَمْعاً لقوم. فخلَّصه عبَّاس من أيديهم، وقال: إنّك مقتول إنْ لم تُسْلم وتَشْهد أنّ محمداً رسول الله، فجعل يريد أن يقول الذي يأمره به عبّاس، ولا ينطلق به لسانه وبات معه . وأما حكيم وبُدَيْل فدخلا على رسول الله ◌َّ فأسلما. وجعل يستخبرهما عن أهل مكّة . فلما نُودِي بالفجر تَحسَّس القومُ، ففزع أبو سفيان وقال: يا عبّاس، ما يريدون؟ قال: سمعوا النِّداء بالصلاة فَتَيَسَّرُوا لحضور النَّبِيِّ وََّ فلمّا أبصرهم أبو سُفيان يمرُّون إلى الصَّلاة، وأبصرهم يركعون ويسجدون إذا سجد النَّبِيُّ وَّ، قال: يا عبّاس، ما يأمرهم بشيءٍ إلّ فعلوه؟! فقال: لو نهاهم عن الطعام والشّراب لأطاعوه. فقال: يا عبّاس، فكلِّمه في قومك، هل عنده من عفو عنهم؟ فانطلق عبّاس بأبي سُفْيان حتى أدخله على النّبيّ وََّ، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان، فقال أبو سفيان: يا محمد إني قد استنصرت بإلهي واستنصرتَ الهكَ، فَوَالله ما لقِيتُكَ من مرَّةٍ إلّ ظهرت عليّ، فلو كان إلهي مُحِقًّ وإلهك باطلاً ظهرتُ عليك، فأشهد أنْ لا إله إلّ الله وأنّ محمداً رسول الله. وقال عبّاس: يا رسول الله إنِّي أحبُّ أنْ تأذنَ لي إلى قومكَ فأُنذرهم ما نزل بهم، وأدعوهم إلى الله ورسوله. فأذِن له. قال: كيف أقول لهم؟ قال: ((مَنْ قال لا إله إلّ الله وحده لا شريكَ له، وشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، وكَفَّ يده، فهو آمنٌ، ومَن جلس عند الكعبة ووضع سلاحه فهو آمن، ومَن أغلق عليه بابه فهو آمن)). قال: يا رسول الله، أبو سفيان ابن عَمِّنا، فأحبُّ أنْ يرجع معي، فلو خصصته بمعروف. فقال: مَنْ دَخلَ دارَ أبي سفيان فهو آمن. فجعل أبو سُفيان يستفهمه. ودار أبي سفيان بأعلى مكة. وقال: مَن دخل دارَك يا حكيم فهو آمن. ودار حكيم ١٦١ في أسفل مكة. وحمل النَّبِيُّ وَِّ العبَّاسَ على بغلتِهِ البيضاء التي أهداها إليه دِحْية الكلبيُّ، فانطلق العبَّاسُ وأبو سُفيان قد أردفه. ثم بعث النبيّ بَّر في إثره، فقال: أدرِكُوا العبَّاسَ فرُدُّوه عليَّ. وحَذَّثهم بالذي خافَ عليه. فأدركه الرسول، فكره عبّاس الرجوعَ، وقال: أترهبُ يا رسولَ الله أنْ يرجع أبو سفيان راغباً في قِلَّةِ النَّاس فيكفر بعد إسلامه؟ فقال: احبسْه فحبسه. فقال أبو سفيان: غدراً ياً بني هاشم؟ فقال عبَّاس: إنَّا لَسْنا بِغُدر، ولكن لي إليك بعض الحاجة. قال: وما هيَ، فأقضيها لك؟ قال: إنَّما نفاذها حين يَقْدَم عليك خالد بن الوليد والزُّبَيْر بن العَوَّامِ. فوقف عبَّاس بالمَضيقِ دون الأراك، وقد وَعَى منه أبو سُفيان حديثه. ثم بعث رسولُ اللهَ وَّر الخيلَ بعضَها على إثر بعض، وقسم الخيلَ شَطْرين، فبعث الزُّبَير في خيلٍ عظيمة. فلما مَرُّوا بأبي سفيان قال للعبّاس: مَن هذا؟ قال: الزُّبَير. وردفه خالد بن الوليد بالجيش من أسْلَمْ وغِفَار وقُضاعة، فقال أبو سُفيان: أهذا رسول اللهِ وَّه يا عبّاس؟ قال: لا، ولكنْ هذا خالد بن الوليد. وبعث رسولُ اللهِوَّر سعد بن عُبَادة بين يديه في كتيبة الأنصار، فقال: اليومَ يومُ المَلْحَمَة، اليوم تُستحلُّ الحُرمة. ثم دخل رسول الله ◌َّير في كتيبة الإيمان من المهاجرين والأنصار. فلما رأى أبو سُفيان وجوهاً كثيرة لا يعرفها قال: يا رسول الله، اخترتَ هذه الوجوه على قومكَ؟ قال: أنتَ فعلتَ ذلك وقومك. إنَّ هؤلاء صَدَّقوني إذ كَذَّبتموني، ونصروني إذ أخرجتموني، ومع النّبِيّ ◌ِلـ يومئذٍ الأقرع بن حابس، وعبّاس بن مرداس، وعُيَيْنَة بن بدر، فلما أبصرهم حول النّبيّ ◌َ لّه قال: مَنْ هؤلاء يا عبَّاس؟ قال: هذه كتيبةُ النّبيّ وَية، ومع هذه الموت الأحمر، هؤلاء المهاجرون والأنصار. قال: ١٦٢ أمضٍ يا عبَّاس، فلم أر كاليوم جنوداً قطُّ ولا جماعة، وسار الزُّبَيْر بالنّاس حتى إذا وقف بالحَجُون، واندفع خالد حتى دخل من أسفل مكة. فلقيته بنو بكر فقاتلهم فهزمهم، وقتل منهم قريباً من عشرين، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وهُزموا وقُتلوا بالحَزْوَرَة، حتى دخلوا الدُّورَ، وارتفعت طائفةٌ منهم على الجبل على الخَنْدَمَة، واتَّبعهم المسلمون بالسّيوف. ودخل رسولُ اللهِ وَّ فِي أُخريات النَّاس، ونادى مُنَادٍ: من أغلق عليه دارهَ وكفَّ يدَه فإنه آمن. وكان النّبيّ ◌َو نازلاً بذي طُوى، فقال: ((كيف قال حسّان)»؟ فقال رجل من أصحابه: قال: عِدِمْتُ بُنَّتي إنْ لم تروها تُثِيرِ النَّقْعَ من كَنَفَيْ كَدَاء فأمرهم فأدخلوا الخيلَ من حيث قال حسّان. فأُدخِلت من ذي طوى من أسفل مكة. واسْتحَرَّ القتلُ ببني بكر. فأحلَّ اللهُ له مكّة ساعةً من نهار، وذلك قوله تعالى: ﴿لَآَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (٤) وَأَنْتَ حِلُّ بِهَذَا الْبَدِ [البلد]، فقال رسول الله وَله: ما أُحِلَّتِ الحُرْمَة لأحدٍ قبلي ولا بعدي، ولا أُحِلَّتْ لي إلّ ساعةً من نهار. ونادى أبو سُفيان بمكة: أسْلِمُوا تَسْلَموا. فكفَّهُم الله عن عباس . فأقبلت هندٌ فأخذت بلِحْية أبي سفيان، ثم نادت: يا آلَ غالب اقتلوا الشيخَ الأحمق. قال: أرْسِلي لِحْيتي، فأُقْسِمُ لئن أنتِ لم تُسْلمي لَنُضربنَّ عنُقَكِ، وَيْلَكِ جاءنا بالحقّ ادخُلي بيتك واسكُتي . ودخل رسول الله وَل﴿ فطاف سبعاً على راحلته. وفرّ صَفْوان بن أُميَّة عامداً للبحر، وفرّ عِكْرِمة عامداً لليمن، وأقبل عُمَيْر بن وهْب إلى رسول الله وَّ فقال: يا نبيَّ الله آَمِنْ صَفوانَ فقد هرب، وقد خشيت أن يُهلِكَ نفسَه، فأرسِلْني إليه بأمان فإنك قد آمنتَ ١٦٣ الأحمرَ والأسودَ، فقال: أدْرِكْه فهو آمن. فطلبه عُمَيْر فأدركه ودعاه فقال: قد آمنك رسولُ اللهِ وَّ﴿. فقال صَفْوان: والله لا أوقن لك حتى أرى علامةً بأماني أعرفها. فرجع فأعطاه النّبيّ نَّهِ بُرْدَ حِبَرةٍ كان مُعْتَجِراً به حين دخل مكة، فأقبل به عُمَيْر، فقال صَفْوان: يا رسول الله، أعطيتني ما يقول هذا من الأمان؟ قال: نعم. قال: اجعل لي شهراً، قال: لك شهران، لعلّ الله أن يهديكَ . واستاذنت أمُّ حكيم بنت الحارث بن هشام وهي يومئذٍ مسلمة، وهي تحت عِكْرِمة بن أبي جهل، فاستأذنت رسولَ اللهِ وَّر في طلب زوجها، فأذن لها وآَمَنَّهُ، فخرجت بعبدٍ لها رُوميٍّ فأرادها عن نفسها، فلم تزل تُمَنِيه وتقرِّب له حتى قدِمت على ناسٍ من عَكّ فاستعانتهم عليه فأوثقوه، فأدركت زوجَها ببعض تهامة وقد ركبَ في السَّفينة، فلما جلس فيها نادى باللَّتِ والعُزَّى. فقال أصحابُ السفينة: لا يجوز هاهنا من دعاءٍ بشيء إلّ الله وحده مخلصاً، فقال عِكْرِمة: والله لئن كان في البحر، إنَّه لَفي البرِّ وحده، أُقْسِم بالله لأرجعنّ إلى محمد، فرجع عِكْرِمة مع امرأته، فدخل على رسول الله ◌َ ل# فبايعه، وقبل منه. ودخل رجل من هُذَيْل على امرأته، فلامته وعيَّرته بالفرار، فقال: إذ فَرَّ صَفْوان وفرَّ عِكْرِمة وأنتِ لو رأيتِنا بالخَنْدَمَةْ يَقْطَعْنَ كلَّ ساعدٍ وجُمْجُمَةْ قد لحقتهم السُّيوف المسلمة لم تنطقي في اللَّوم أدنى كلمة(١) وكان دخولُ النَّبِيِّ وَّهُ مكةَ في رمضان. واستعار النَّبِيُّ وَّ من صفوان فأعطاه فيما زعموا مئة درع وأداتها، وكان أكثر شيء سلاحاً. وأقام النَّبيُّ نَّ بمكة بضع عشرة ليلة. (١) ابن هشام ٢/ ٤٠٨. ١٦٤ وقال ابن إسحاق(١): مضى النَّبِيُّ وَّوَ حتى نزل مَرَّ الظَّهْران في عشرة آلاف. فسبَّعَتْ(٢) سُلَيْم، وبعضهم يقول: ألَّفَتْ، وأَلَّفَتْ مُزَيْنة. ولم يتخلّف أحدٌ من المهاجرين والأنصار. وقد كان العبَّاسُ لقيَ رسولَ الله وَ له ببعض الطريق. قال عبدالملك بن هشام: لقيه بالجُحْفَة مهاجراً بعياله. قال ابن إسحاق(٣) : وقد كان أبو سُفيان بن الحارث بن عبدالمطّلب، وعبدالله بن أبي أُميَّة بن المغيرة؛ قد لقيا رسولَ الله وَ ل بِنِيق العُقاب - فيما بين مكّة والمدينة - فالتمسا الدخولَ عليه، فكلَّمته أمُّ سُليم فيهما، فقالت: يا رسولَ الله ابن عمّك وابن عَمَّتَكَ وصِهْرك. قال: لا حاجةَ لي بهما، أمّا ابنُ عَمِّي فهتكَ عِرْضي، وأما ابنُ عَمَّتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال. فلمّا بلغهما قولُه قال أبو سفيان: والله ليأذنن لي أو لآخذنّ بيد بُنَّ هذا ثم لنذهبنّ في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً. فلما بلغ ذلك رسولَ اللهِ وَّه رقّ لهما، وأذِن لهما، فدخلا وأسلما، وقال أبو سفيان: لِتَغْلِبَ خيلُ الّلاتِ خيلَ محمّدٍ لَعَمْرُكَ إِنِّي يوم أحملُ رايةً فهذا أواني حين أُهدَى وأهتدي لَكَالمُدْلِج الحيرانِ أَظْلَم ليلُهُ مع الله مَنْ طَرَّدتُ كُلّ مُطَرَّدِ هدانيَ هادٍ غيرُ نفسي ونالني وأُدْعَى وإنْ لم أَنْتسِبْ من محمّدٍ أصدُّ وأنأى جاهداً عن محمدٍ فذكروا أنَّه حين أنشدَ النّبيَّ وَّرِ هذه ضرب في صدره، وقال: أنتَ طردتني كلّ مطرد! وقال سعيد بن عبدالعزيز، عن عطيّةً بن قيس، عن أبي سعيد (١) ابن هشام ٢/ ٤٢١. (٢) أي: كانوا سبع مئة. (٣) ابن هشام ٢/ ٤٠٠-٤٠١ . ١٦٥ الخُذْريِّ، قال: خرجنا لغزوة فتح مكة لليلتين خَلَتَا من شهر رمضان صُؤَّاماً، فلما كنّا بالكَدِيد، أمَرَنَا رسولُ الله وَّ بالفطر. وقال الزُّهْرِي، عن عُبَيْد الله، عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله وَ لا صام في مخرجه ذلك حتى بلغ الكَدِيد فأفطر وأفطر النّاس. أخرجه البخاري(١). وقال الأوزاعيُّ: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني أبو سَلَمَة، قال: دخل أبو بكر وعمر على رسول الله وَلَه بمَرّ الظَّهْران، وهو يتغذّى فقال: ((الغداء)) فقالا: إنَّا صائمان، فقال: ((اعملوا لصاحبَيْكم، ارحلوا لصاحبيكم، كُلا، كُلا)). مُرْسَلٌ(٢) . وقولُه هذا مقدّر بالقول يعني: يقالُ هذا لكونكما صائمين(٣). وقال مَعْمَر: سعمتُ الزُّهْري يقول: أخبرني عُبَيْدالله، عن ابن عبّاس، أنَّ النَّبيَّ ◌ََّ خرج في رمضان من المدينةِ ومعه عشرةُ آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مَقْدَمِه المدينةَ، فسار بمن معه من المسلمینَ إلى مكة، يصوم ويصومون، حتى بلغ الكَدِید؛ وهو بين عُسفان وقُدَيْد؛ فأفطر، وأفطر النّاس. قال الزُّهْري: وكان الفِطْر آخر الأمرين. وإنّما يُؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله وَل﴾ (٤) . قال الزُّهْريّ: فصبَّح رسولُ الله وَّهِ مكةَ لثلاث عشرة ليلةٍ خَلَتْ من (١) البخاري ٤٣/٣ و٤ /٦٠ و١٨٥/٥. (٢) كتب على هامش الأصل: ((يعني: يكرمهما رفقتهما لصومهما فيقال: اعملوا لهما فإنهما صائمان، ارحلوا لهما فإنهما صائمان)). (٣) النسائي ٤ / ١٧٧ . (٤) البخاري ١٨٥/٥، وانظر المسند الجامع حديث (٦٤٣٢). ١٦٦ رمضان. أخرجه البخاري(١)، ومسلم (٢) دون قول الزُّهْريّ. وكذا وَرَّخَه يونس عن الزُّهْريّ(٣) . وقال عبدالله بن إدريس، عن ابن إسحاق، عن ابن شهاب، ومحمد ابن علي بن الحسين، وعَمْرو بن شُعَيْب، وعاصم بن عمر وغيرهم، قالوا: كان فتح مكة في عشر بقين من رمضان. وقال الواقديّ(٤): خرج رسول الله وَلّل يوم الأربعاء لعشر خَلَوْن من رمضان بعد العصر، فما حلّ عُقْدَةً حتى انتهى إلى الصُلْصُل. وخرج المسلمون وقادوا الخيلَ وامتَطَوا الإبل. وكانوا عشرة آلاف. وذكر عُرْوَةُ وموسى بن عُقْبة أنّه ◌ِ له خرج في اثني عشر ألفاً. وقال ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن الزُّهْريّ، عن عُبَيْد الله، عن ابن عبّاس أنّ رسول الله وَّل جاءه العبّاس بأبي سُفْيان فأسلم بمَرّ الظَّهْران. فقال: يا رسول الله، إنّ أبا سُفْيان رجل يحبّ الفخر، فلو جعلت له شيئاً؟ قال: نعم، مَن دخل دار أبي سُفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. زاد فيه الثقة، عن ابن إسحاق قال: نادِه، فقال أبو سُفْيان: وما تَسَعُ داري؟ قال مَن دخل الكعبةَ فهو آمن، قال: وما تَسَعُ الكعبةُ؟ قال: مَن دخل المسجدَ فهو آمن. قال: وما يَسَعُ المسجدُ؟ قال: مَن أغلق بابه فهو آمِن. فقال: هذه واسعة. وقال حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن عِكْرِمة، قال: فلما نزل رسول اللهِ لَّهِ بِمَرّ الظَّهْران، قال العبّاس وقد خرج مع رسول الله وَّل من (١) البخاري ١٨٥/٥. مسلم ٣ / ١٤٠ و١٤١ . (٢) (٣) مسلم ١٤١/٣ . (٤) المغازي ٨٠١/٢ . ١٦٧ المدينة: يا صباح قريش، والله لِئِن بَغَتَها رسولُ الله ◌َّهِ فدخل عَنْوَةً، إنّه لَهَلاك قريش آخر الذَّهْر. فجلس على بغلة رسول الله ◌َّل البيضاء، وقال: أخرجُ إلى الأراك لَعَلّي أرى حطّاباً أو صاحب لبن، أو داخلاً يدخل مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله وَل﴿ ليأتوه فيستأمنوه، فخرجتُ فَوَ الله إنّي لأطوف بالأراك إذ سمعتُ صوتَ أبي سُفيان وحكيم بن حِزام وبُدَيْل بن وَرْقاء وقد خرجوا يتجسّسون الخبرَ عن رسول اللهِ وَهِ، فسمعت صوت أبي سُفيان وهو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ نيراناً، فقال بُدَيْل: هذه نيرانُ خُزاعة حَمَشَتْها (١) الحرب، فقال أبو سُفيان: خُزاعة ألأمُ من ذلك وأذلّ. فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم. فقال: لَبَّيكَ، فِدَاكَ أبي وأمي، ما وراءك؟ قلت: هذا رسولُ اللهِوَّ فِي النَّاس قد دلَفَ إليكم بما لا قِبَلَ لكم به في عشرة آلاف من المسلمين. قال: فكيف الحيلةُ، فداك أبي وأمّي؟ فقلت: تركب في عجز هذه البغلة، فَأَسْتَأْمِنُ لكَ رسولَ الله وَّةِ، فإنّه والله لئن ظفِرَ بك ليضربنَّ عُنُقَك. فَرَدَفَني فخرجتُ أركض به نحو رسولِ الله وَّل، فكلّما مرَرْتُ بنارٍ من نيران المسلمين نظروا إليَّ وقالوا: عَمُّ رسولِ الله على بغلةِ رسولِ الله. حتى مرَرَتُ بنار عمر فقال: أبو سُفْيان؟! الحمدُ لله الذي أمكنَ منك بغير عهدٍ ولا عقْد. ثم اشتدَّ نحو رسول الله وَّل. ورَكَضتُ البغلةَ حتى اقتحمتُ بابَ القبّة وسبقتُ عمرَ بما تسبق به الدابّة البطيئة الرجلَ البطيء. ودخل عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سُفْيان عدوّ الله، قد أمْكَنَ اللهُ منه بغير عهدٍ ولا عقدٍ، فَدَعْني أضرب عُنُقَه. فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّي قد آمنته. ثم جلست إلى رسول الله ومسر فأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه اللّيلة أحدٌ دوني. فلما أكثر فيه عمر، قلتُ: مهلاً يا عمر، (١) أي: جمعتها وأثارتها . ١٦٨ فَوَالله ما تصنع هذا إلّ لأنّه رجلٌ من بني عبد مَنَاف، ولو كان من بني عدِيّ بن كعب ما قلت هذا. فقال: مهلاً يا عبّاس، فوالله لإسلامُك يومَ أسلمتَ كان أحبّ إليَّ من إسلام الخطّابِ لو أسلم، وما ذاك إلّا أني قد عرفت أنَّ إسلامَك كان أحبّ إلى رسولِ الله ◌َّهِ من إسلام الخطّابِ لو أسلم. فقال رسولُ الله وَ له: اذهب به فقد آمنّاه، حتى تغدو به عليَّ الغداة، فرجع به العبّاس إلى منزله. فلما أصبح غدا به على رسول الله ﴿ له، فلما رآه رسول الله وَ ل قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأنِ لك أن تعلم أنّه لا إله إلّ الله؟ فقال: بأبي وأمّي ما أوْصَلك وأكرمَكَ، والله لقد ظننتُ أنْ لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئاً بعد. فقال: ويحك أوَ لم يأن لك أن تعلم أنّ رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمّي ما أوْصَلَك وأحلمك وأكرَمَك، أمَّا هذه فإنَّ في النفس منها شيئاً. قال العبّاس: فقلت: ويْلَكَ تشهّد شهادةَ الحقِّ قبلَ، واللهِ، أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُك. فتشهَّد. فقال رسولُ اللهِ وَِّ حين تَشْهَّدَ: ((انصرف به يا عبَّس فاحبسْه عند حطم الجبل بمضيق الوادي، حتى تَمُرَّ علیه جنود الله)). فقلت له: إنّ أبا سفيان يا رسول الله رجل يحبُّ الفخرَ، فاجعلْ له شيئاً يكون له في قومك. فقال: ((نعم، مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن». فخرجتُ به حتى حَبَسْتُه عند خَطْم الجبل بمضيق الوادي، فمرّت عليه القبائل، فيقول: مَن هؤلاء يا عبّاس؟ فأقول: سُلَيْم. فيقول: ما لي ولسُلَيْم. وتمرّ به القبيلةُ فيقول: مَنْ هذه؟ فأقول: أسْلَم. فيقول ما لي ولأسْلَم. وتمر جُهَيْنَة. حتى مرّ رسول الله بَّر في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار، في الحديد، لا يُرَى منهم إلّ الحَدَق. فقال يا أبا الفضل، مَن هؤلاء؟ فقلت: هذا رسول الله وَلّر في المهاجرين والأنصار. فقال: ١٦٩ يا أبا الفضل، لقد أصبح مُلْكُ ابنِ أخيكَ عظيماً. فقلت: وَيُحَك، إنها النُُّوَّةُ. قال: فنعم إذن. قلت: الْحَقِ الآن بقومكَ فَحَذِّرْهُمْ. فخرج سريعاً حتى جاء مكة، فصرخ في المسجد: يا معشر قريش؛ هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به. فقالوا: فَمَه؟ قال: مَن دخل داري فهو آمن. قالوا: وما دارُك، وما تُغني عنَّا؟ قال: مَنْ دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق دارَه عليه فهو آمن . هكذا رواه بهذا اللّفظ ابن إسحاق، عن حسين بن عبدالله بن عُبَيْد الله ابن عبّاس، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس موصولاً، وأمّا أيّوب السّخْتيانيّ فأرسله. وقد رواه ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن الزُّهْريّ، عن عُبَیْدالله، عن ابن عبّاس بمعناه . وقال عُرْوة: أخبرني نافع بن جُبَيْر بن مُطعم، قال: سمعت العبّاس يقول للزُّبَيْرِ: يا أبا عبدالله، هاهنا أمرك رسولُ اللهِ وَّهِ أَنْ تَرْكُزَ الراية. قال: وأمر رسول الله مح ليه يومئذٍ خالد بن الوليد أن يدخل مكةَ من كَدَاء. ودخل النّبيُّ وَلِّ مِن كَدَاء، فقُتل من خَيْل خالد يومئذٍ رجلان: حُبَيْش بن الأشعر، وكُرْز بن جابر الفِهْريّ(١) . وقال الزُّهْري، وغيره: أخفى الله مسيرَ النَّبِيِّ وَّ على أهل مكة، حتى نزل بِمَرِّ الظَّهْران. وفي مغازي موسى بن عُقْبة أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال لخالد بن الوليد: ((لِمَ قاتلتَ، وقد نهيتُكَ عن القتال))؟ قال: هم بدؤونا بالقتال ووضعوا فينا السّلاحَ وأشعرونا بالنَّبْل، وقد كَفَفْتُ يدي ما استطعتُ. فقال رسولُ الله وَالر: ((قضاءُ الله خيرٌ))(٢). (١) البخاري ١٨٦/٥-١٨٧. (٢) السنن الكبرى للبيهقي ١٢١/٩. ١٧٠ ويقال: قال أبو بكر يومئذٍ: يا رسولَ الله أُراني في المنام وأراك دَنَوْنا من مكة، فخرجتْ إلينا كلْبةٌ تهرُّ، فلما دنونا منها استلْقَتْ على ظهرها، فإذا هي تشخبُ لَبَناً(١) . فقال: ذهبَ كلْبُهم وأقبل دَرُّهُم، وهم سائِلُوكم بأرحامِكم وإنَّكم لاقون بعضَهم، فإنْ لقيتم أبا سُفيان فلا تقتلوه)). فلقوا أبا سُفيان وحكيماً بمرّ. وقال حسّان : تُثِيرُ النَّفْعَ موعِدُها كَدَاءُ عِدِمْتُ بُنَّتِي إِنْ لم تَرَوْهَا ينازِعْنَ الأعِنَّةَ مُصْحبات فإنْ أعرضْتُم عنّا اعْتَمَرْنا وإلّ فاصْبِروا لِجِلادِ يومٍ وجبريلٌ رسولُ الله فيناً تُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النّسَاءُ وكان الفتحُ وانكشفَ الغطاءُ يُعِزُّ اللهُ فيه مَن يشاءُ ورُوحِ القُدْسِ ليس له كفاءُ وعندَ اللهِ في ذاكَ الجَزاءُ هجوتَ محمَّداً فأجبتُ عنه فمن يهجو رسولَ الله منكم لساني صارمٌ لا عيبَ فيه ويمدحهُ وينصرُهُ سَواءُ وبحري ما تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ فذكروا أنَّ رسول الله وَّر تبسم إلى أبي بكرٍ حين رأى النِّساء يُلَطِّمْنَ الخيلَ بالخُمُر؛ أي: ينفضن الغُبار عن الخيل(٢). وقال الليث: حدَّثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عُمارة بنَ غَزِيَّة، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سَلَمَة، عن عائشةَ أنَّ رسولَ اللهِنَّه قال: ((اهْجُوا قريشاً فإنّه أشدُّ عليها من رَشْقِ النَّبل)). وأرسل إلى ابن رَوَاحة فقال: ((اهْجُهُم)). فهجاهم فلم يُرْضَ، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسَّان بن ثابت. فلما دخل قال: (١) أي: خرج اللبن من الضرع مسموعاً صوتُه. وانشخب اللبن: نزل غزيراً، ويقال: انشخب العِرقُ دماً: تفجّرَ . (٢) ابن هشام ٢/ ٤٢٣-٤٢٤ . ١٧١ قد آَنَ لكم أنْ ترسلوا إلى هذا الأسدِ الضّارب بذَنَبِهِ (١) . ثم أدلع لسانه فجعل يُحَرِّكُه، فقال: والذي بعثكَ بالحقّ لأَفْرِيَنَّهُمْ فَرْيَ الأديم(٢). فقال رسول الله وَله: ((لا تَعْجَلْ فإنَّ أبا بكرٍ أعلمُ قريشٍ بأنسابها وإنَّ لي فيهم نَسَباً، حتى يُخَلِّصَ لكَ نَسَبِي)). فأتاه حسَّان ثم رجع فقال: يا رسول الله قد أخلصَ لي نَسَبَكَ، فَوَالذي بعثك بالحقّ لأَسُلَّنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعرةُ من العجين. قالت عائشة: فسمعتُ رسولَ الله وَّ: يقول لحسَّان: ((إنَّ رُوحَ القُدُس لا يزالُ يؤيِّدُكَ ما نافحتَ عن الله ورسوله)). وقالت: سمعت رسولَ اللهِّهِ يقول: هَجَاهُم حسّانُ فَشَفَى وأشفى(٣). وذكر الأبيات، وزاد فيها : رسولَ الله شيمتُهُ الوفاءُ هجَوْتَ محمّداً بَرَّاً حنيفاً لِعِرْضٍ مُحمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ فإنَّ أبي ووالِدَه وعِرْضِي وكان الفَتْحُ وانْكَشَفَ الغِطَاءُ فإنْ أعْرَضْتُمُ عَنَّا اعْتَمَرْنا يقول الحقَّ ليس به خَفَاءُ وقال الله: قد أرسلتُ عَبْداً هم الأنصارُ عُرْضَتُها اللّقاءُ سِبابٌ أو قِتَالٌ أو هِجَاءُ وقال الله: قد سَيَّرْتُ جُنْداً لنا في كلّ يومٍ من مَعَدٍّ أخرجه مسلم (٤) . وقال سُليمان بن المُغِيرة وغيره: حدثنا ثابت البناني، عن عبدالله بن رَباح قال: وَفَدْنا إلى معاوية ومَعَنَا أبو هريرة، وكان بعضنا يصنع لبعضٍ الطّعام. وكان أبو هريرة ممّن يصنع لنا فيُكْثِر، فيدعو إلى رَحْله. قلت: (١) أي: بلسانه. (٢) أي: لأمزقنهم تمزيق الجلد. (٣) هكذا مجود في النسخ، وفي مسلم: ((واشتفى)). (٤) مسلم ٧/ ١٦٤. ١٧٢ لو أمرتُ بطعامٍ فَصُنِعَ ودعوتهم إلى رَحْلي، ففعلت. ولقيت أبا هريرة بالعَشِيّ فقلت: الدعوةُ عندي اللَّيلة. فقال: سَبَقْتَنِي يا أخا الأنصار. قال: فإنّهم لَعِنْدي إذ قال أبو هريرة: ألا أُعلمكم بحديثٍ من حديثكم يا معشر الأنصار؟ فذكر فتح مكة. وقال: بعث رسول الله وَّله خالدَ بنَ الوليد على إحدى المُجَنّتَيْنِ(١)، وبعث الزُّبَيْر على المُجَنّة الأخرى، وبعث أبا عُبَيْدة على الحُسَّرِ (٢). ثم رآني فقال: يا أبا هريرة. قلت: لَّيْك وسَعْدَيْكَ يا رسول الله. قال: اهتف لي بالأنصار ولا تأتني إلّ بأنصاري. قال: ففعلته. ثم قال: انظروا قريشاً وأوباشهم(٣) فاحصدوهم حصداً. فانطلقنا فما أحدٌ منهم يوجِّهُ إلينا شيئاً، وما مِنَّا أحدٌ يريدُ أحداً منهم إلّ أخذه. وجاء أبو سفيان، فقال: يا رسولَ الله: أُبيدَتْ خَضراءُ قريش لا قريشَ بعد اليوم. فقال رسول الله وَّ: ((مَنْ دخلَ دارَ أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السّلاح فهو آمن)) فألقوا سلاحهم. ودخل رسولُ اللهِ وَّهِ فبدأ بالحَجَر فاستلمه، ثمّ طافَ سَبْعاً وصلَّى خلفَ المَقَامَ رَكْعَتَين. ثم جاء ومعه القوس آخذٌ بِسِتِها (٤) ، فجعل يطعنُ بها في عينٍ صنم من أصنامهم، وهو يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُ وَزَهَقَ اَلْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا: [الإسراء]. ثم انطلق حتى أتى الصَّفا، ٨١ فَعَلاَ منه. حتى يرى البيتَ، وجعلَ يَحْمَدُ الله ويدعوه، والأنصارُ عنده يقولون: أما الرجل فَأَدْرَكَتْه رغبةٌ في قريته ورأفةٌ بعشيرته. وجاء الوحيُ، وكان الوحي إذا جاء لم يَخْفَ علينا. فلما أنْ رُفعَ الوحيُّ، (١) هما: الميمنة والميسرة، ويكون القلب بينهما. (٢) أي: الذين لا دروع لهم. (٣) كتب على هامش الأصل: ((الأوباش والأوشاب: الجموع)). (٤) أي: طرفها . ١٧٣ -- قال: يا معشر الأنصار قلتم كذا وكذا، فما اسمي إذاً؟ كلا، إنِّي عبدُ الله ورسوله. المَحْيا مَحْياكم والمَمات مَمَاتُكم. فأقبلوا يبكون وقالوا: يا رسول الله ما قلنا إلّ الضِنَّ بالله وبرسوله. فقال: إنّ الله ورسوله يصدّقانکم ویعذرانكم . أخرجه مسلم (١) ، وعنده: كلّ إنِّي عبدُالله ورسوله، هاجرتُ إلى الله وإلیکم . وفي الحديث دلالةٌ على الإذن بالقتْلِ قبل عَقْدِ الأمان. وقال سلّم بن مسكين: حدّثني ثابت البُنَاني، عن عبدالله بن رباح، عن أبي هريرة، قال: ما قُتِلَ يوم الفتح إلّ أربعة. ثم دخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنّون أنّ السيف لا يُرفع عنهم. ثم طاف رسولُ الله وَل﴿ وصلّى ثم أتى الكعبةَ فأخذ بعضادَتَيْ الباب، فقال: ((ما تقولون وما تظنُّون))؟ قالوا: نقول ابنُ أخٍ وابنُ عمَّ حليم رحيم. فقال: ((أقولُ كما قال يوسف: ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَّوْمِّ يَغْفِرُ اَللَّهُ لَكُمّ (ج)﴾ [يوسف])). قال: فخرجوا كما نُشِروا من القبور، فدخلوا في الإسلام. وقال عُرْوة، عن عائشة: دخل رسول الله وَّر يوم الفتح من كَداء من أعلى مكة (٢). وقال عبدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما دخل رسولُ اللهِ وَّهِ عامَ الفتح رأى النِّساءَ يُلَطَّمْنَ وجوهَ الخيل بالخُمُر، فتبسّم رسولُ اللهِ وَلَه إلى أبي بكر، وقال: ((كيف قال حسَّان))؟ فأنشده أبو بكر: تُثِير النَّفْعَ من كنفي كَدَاء عِدِمْتُ بُنَِّي إِنْ لم تروها يُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النّساءُ ينازِعْنَ الأعنَّةَ مُسْرجات (١) مسلم ١٧٠/٥. (٢) البخاري ١٨٩/٥ . ١٧٤ فقال: ((ادخلوا من حيث قال حسّان)). وقال الزُّهْريّ، عن أنَس: دخل رسول الله وَّارِ عامَ الفتح مكةَ وعلى رأسه المِغْفَر، فلما وضعه جاء رجل فقال: هذا ابن خَطَلَ متعلّق بأستار الكعبة. فقال: اقتلوه. مُتَّفقٌ عليه(١). وكان مَ ◌ّ قد أهدر دَمَ ابنِ خَطَل وثلاثة غيره. وقال منصور بن أبي مُزاحم: حدثنا أبو مَعْشَر، عن يوسف بن يعقوب، عن السّائب بن يزيد، قال: رأيت النَّبيَّ وَ ل﴿ قتل عبدَالله بنَ خَطَل يومَ أخرجوه من تحتِ الأستارِ، فضرب عُنُقَهُ بين زمزم والمَقَام، ثم قال: ((لا يُقتل قُرَشيٌّ بعدها صَبْراً)). وقال معاوية بن عمّار الدُّهْنيّ، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر أنّ رسول اللهِ وَ ل﴿ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامةٌ سوداء بغير إحرام. أخرجه مسلم(٢) . وفي مُسْنَد الطَّيَالِسيّ(٣): حدّثنا حمّاد بن سَلَمَة، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابر أنّ رسول الله وَّهِ دخل يوم الفتح وعليه عمامةٌ سوداء. وقال مُسَاوِر الورَّاق: سمعتُ جعفر بن عَمْرو بن حُرَيْث، عن أبيه، قال: كأنِّي أنظرُ إلى رسولِ الله وَّرَ يومٍ فتح مكة، وعليه عمامةٌ سوداء حُرقانية، قد أرخى طَرَفها بن كتفيه. أخرجه مسلم (٤) . وقال ابن إسحاق، عن عبدالله بن أبي بكر، أنَّ عائشةَ قالت: كان لواءُ رسولِ اللهِ وََّ يومَ الفتح أبيض، ورايتُه سوداء؛ قطعةُ مرطٍ لي مُرَخَّل، وكانت الراية تُسمَّى العُقاب. البخاري ١٨٨/٥، ومسلم ١٣٧٥ . (١) مسلم ١١١/٤ و١١٢، وانظر المسند الجامع حديث (٢٩٠٥). (٢) (٣) منحة المعبود ٣٥١/١، وابن سعد ٢ / ١٤٠. مسلم ٤ / ١١٢. (٤) ١٧٥ قال عبدالله بن أبي بكر: لما نزلَ رسولُ اللهِ وَّهِ بِذِي طُوَى ورأى ما أكرمه الله به من الفتح جعلَ يتواضعُ للهِ حتى إنَّكَ لَتَقُول قد كاد عُثْنُونُه أن يُصيب واسطةَ الرَّحْلَ. وقال ثابت، عن أنَس: دخلَ رسولُ اللهِوَ له يوم الفتح وذَقَنُه على رَحْله مُتَخَشِّعاً. حديث صحيح. وقال شُعْبة، عن معاوية بن قُرّة، سمع عبد الله بن مُغَفَّل، قال: قرأ رسولُ اللهِ وَّهِ يومَ الفتح سورةَ الفتحِ وهو على بعيرٍ، فَرَجَّعَ فيها. ثم قرأ معاوية يحكي قراءة ابنَ مُغَفَّل عن النَّبِيِّ وَّهِ فرجَّع وقال: لولا أنْ يجتمعَ الناسُ لرجَّعتُ كما رَجَّع ابن مغفَّل عن النبيِّ وَله. متفق عليه، ولفظه للبخاري(١) . وقال ابن أبي نجيح، عن مُجاهد، عن أبي مَعْمَر، عن عبدالله بن مسعود، قال: دخلَ النَّبيُّ وَِّ مكةَ يوم الفتح، وحول الكعبة ثلاث مئة وَسِتُّون نُصُباً، فجعل يطعنها بعودٍ في يده ويقول: ﴿قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِيُ [سبأ]. ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩ زَهُوقًا ﴾﴾ [الإسراء]. متَّفقٌ عليه (٢). وقال ابن إسحاق: حدثنا عبدالله بن أبي بكر، عن عليّ بن عبدالله ابن عباس، عن أبيه، قال: دخل رسول الله وَله يوم الفتح، وعلى الكعبة ثلاث مئة صنم، فأخذ قضيبه فجعل يَهْوِي به إلى صَنَمِ صَنَمِ، وهو يهوي حتى مرَّ عليها كلّها. حديث حَسَن. وقال القاسم بن عبدالله العُمَرِيّ - وهو ضعيف - عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ وَِّ لما دخلَ مكةَ وجدَ بها ثلاث مئة (١) البخاري ١٨٧/٥ و١٦٩/٦ و٢٣٨ و٢٤١ و١٩٢/٩، ومسلم ١٩٣/٢. (٢) البخاري ١٧٨/٣ و١٨٨/٥ و١٠٨/٢٦، ومسلم ١٧٣/٥ . ١٧٦ وستين صنماً. فأشار إلى كُلِّ صنم بعصاً من غير أنْ يمسَّها، وقال: ﴿جَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا ◌َ﴾ [الإسراء]، فكان لا يُشير إلى صنم إلّ سقط (١). وقال عبدالوارث، عن أيوب، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس: أنَّ النبيَّ وَّ لما قدِمَ مكةَ، أبى أنْ يدخلَ البيتَ وفيه الآلهة، فأمر بها فَأُخْرِجت، فأخرج صورةً إبراهيم وإسماعيلَ وفي أيديهما الأزْلام، فقال: ((قاتَلَهُمُ الله(٢)، أمَا واللهِ لقد علِموا أنهما لم يَسْتَقْسِما بها قطُّ)). ودخل البيت وكبَّرَ في نواحيه . أخرجه البخاري(٣) . وقال مَعْمَر، عن أيّوب، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس: أن النبي وَّل لما رأى الصُّورَ في البيت لم يدخله حتى أمرَ بها فمُحِيتْ. ورأى إبراهيم وإسماعيلَ بأيديهما الأزلام، فقال: ((قاتلهم الله، والله ما اسْتَقْسَما بها قطّ)). صحيح (٤) . وروى أبو الزبير، عن جابر: أنّ رسول الله وٍَّ لم يدخل البيت حتى مُحِيت الصّور. صحيح. وقال هَوْذة: حدثنا عَوْف الأعرابيُّ، عن رجلٍ، قال: دعا رسولُ الله وَلِ﴿ عام الفتح، شَيْبة بن عُثْمان فأعطاه المِفتاحَ، وقال له: دونكَ هذا، فأنتَ أمين الله على بيته . قال الواقديّ: هذا غلطٌّ، إنما أعطى المِفْتَاحَ عُثْمَانَ بنَ طَلْحة؛ ابنَ (١) البخاري ١٨٨/٥، ومسلم ١٧٨١، وطبقات ابن سعد ١٣٦/٢، وابن هشام ٤١٦/٢. (٢) كتب على هامش الأصل: ((يعني: قاتل الله المُصَوِّرين لهما)). (٣) البخاري ١٨٨/٥. (٤) أحمد ٣٦٥/١، والبخاري ١٨٨/٥ و١٦٠/٢. ١٧٧ عمِّ شَيْبَة؛ يومَ الفتح، وشيبة يومئذٍ كافر. ولم يزل عثمان على البيت حتّى مات ثم وُلِّي شَيْبةٍ . قلتُ: قولُ الواقديّ: لم يزلْ عثمان على البيتِ حتى مات، فيه نَظَرٌ، فإنْ أراد لم يزل مُنْفرداً بالحِجابة، فلا نُسَلِّم، وإنْ أراد مُشارِكاً لشَيْبة، فقريبٌ، فإنَّ شيبةَ كان حاجِباً في خلافة عمر. ويُحْتَمل أنَّ النبيَّ وَلَّهِ وَلَّى الحِجابة لشيبةَ لَمَّا أسلم، وكان إسلامه عامَ الفتح، لا يومَ الفتح. وقال محمد بن حُمْران: حدثنا أبو بشر، عن مُسافع بن شَيْبة، عن أبيه، قال: دخل النبيّ وَ ل﴿ الكعبة يصلي، فإذا فيها تصاويرُ، فقال: يا شَيْبة، اكْفِني هذه. فاشْتَدَّ ذلك عليه. فقال له رجلٌ: طَيِّنْها ثم الْطَخْها بزَعْفَرَان. ففعل. تَفَرَّد به محمد، وهو مقاربٌ الأمر. وقال يونس، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله ◌َّ أَقبل يومَ الفتح من أعلى مكة على راحلته مُرْدِفاً أُسامة، ومعه بلال وعثمان بن طَلْحَة، من الحَجَبَة، حتى أناخ في المسجد، فأمر عثمانَ أنْ يأتي بمفتاح البيت، ففتح ودخلَ رسولُ الله وَلّر مع أسامة وبلال وعثمان، فمكث فيها نهاراً طويلاً، ثم خرج فاسْتَبَق النَّاسُ، وكان عبدالله بن عمر أوّل مَنْ دخلَ، فوجد بلالاً وراء الباب، فسأله: أين صَلَّى رسول الله وَِّ؟ فأشار إلى المكان الذي صلَّى فيه. قال ابن عمر: فَنَسِيتُ أن أسأله: كم صلّى من سَجْدةٍ؟. صحيح. عَلَّقه البخاري مُحْتَجّاً به(١). وقال ابن إسحاق: حدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُبيدالله ابن عبدالله بن أبي ثَوْر، عن صفّية بنت شَيْبة، قالت: لما اطمأنّ رسول (١) البخاري ١٨٨/٥-١٨٩، وأحمد ١٥/٦. ١٧٨ الله وَّهُ بمكة، طاف على بعيره، يستلم [الحَجَر] بالمِحْجَن(١) . ثم دخل الكعبة فوجد فيها جُمامة عِيدان فاكْتَسَرها، ثم قال بها على باب الكعبة - وأنا أنظرُ - فَرَمَی بها . وذكر أسْباط، عن السُّدِّيّ، عن مُصْعَب بن سعد، عن أبيه، قال: لما كان يوم فتح مكة، آَمنَ رسولُ اللهِ وَّهَ الناسَ، إلّ أربعة نَفَرٍ وامرأتين، وقال: أُقْتُلُوهم، وإنْ وجدتموهم مُتَعلِّقين بأستار الكعبة: عِكرمة بن أبي جَهْل، وعبدالله بن خَطَل، ومِقْيَس بن صُبَابَة، وعبدالله بن سعد بن أبي سَرْح. فأمّا ابن خَطَل فأُدْرِك وهو متعلّق بالأستار، فاستبقَ إليه سعيد بن حُرَيْث وعمّار بن يَاسِر، فسبق سعيدٌ عمّاراً، فقتله. وأما مِقْيَس فقتلُوه في الشُّوق. وأمّا عِكْرمة فَرَكِبَ البحر، وذكر قصَّته، ثم أَسْلَم. وأما ابن أبي سَرْح فاختبأ عند عثمان، فلمّا دعا رسول الله وَه الناس إلى البَيْعَة، جاء به عثمان حتى أوْقَفَه على النّبيّ ◌َّ فقال: يا رسول الله، بَايِعْ عبدَالله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً، كلّ ذلك يأْبَى، فبايعه بعد ثلاثٍ. ثم أقبل على أصحابه فقال: ((أما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ يقوم إلى هذا، حيثُ رآنِي كَفَفْتُ، فَيَقْتُلَه؟)). قالوا: ما يُدْرِينا يا رسول الله، ما في نفسك، هَلا أوْمَأْتَ إلينا بعَيْنِك؟ قال: ((إنّه لا يَنْبغي أن يكون لنَبِيِّ خَائِنَة الأعْيُن)»(٢). وقال ابن إسحاق(٣): حدّثني عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم مِقْيس ابن صُبابة على رسول الله وَّ المدينة، وقد أظهر الإسلامَ، يطلُب بِدَمِ أخيه هِشام، وكان قتله رجلٌ من المسلمين يَوْم بني المُصْطَلِقِ ولا يحسبه (١) في الأصل: ((يستلم المحجن)) وكتب البشتكي بخطه على الهامش: ((كذا بخطه، وصوابه: يستلم الحجر بالمحجن)). (٢) وانظر المغازي للواقدي ٨٥٦/٢. (٣) ابن هشام ٢/ ٤١٠ . ١٧٩ إلّ مُشْرِكاً، فقال رسول الله وَله: إنّما قُتِل أخوك خَطَأَ. وأمرَ له بديته، فأخذها، فمَكَث مع المسلمين شيئاً، ثم عَدَا على قاتل أخيه فقتله، ولحِق بمكّة كافراً. فأمر رسول الله وَّل ـ عامَ الفتح - بقَتْله، فقتله رجلٌ من قومه يقال له نُمَيْلَة بن عبدالله؛ بين الصَّفَا والمَرْوَة. وحدّثني عبدالله بن أبي بكر، وأبو عُبَيْدة بن محمد بن عمّار: أنّ رسول الله وَ﴾﴿ إنّما أمر بقتل ابن أبي سَرْح لأنه كان قد أسلم، وكتب لرسول الله ونَ﴿ الوَحْيَ، فرجع مُشْرِكاً ولَحِقٍ بمكّة (١). قال ابن إسحاق(٢): وإنّما أمر بقتل عبدالله بن خَطَل؛ أحد بني تَيْم ابن غَالب؛ لأنه كان مسلماً، فبعثه رسول الله وَلِّ مُصَدِّقاً(٣)، وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مَوْلىّ يخدمه وكان مسلماً. فنزل منزلاً، فأمر المَوْلى أن يذبح تَيْساً ويصنع له طعاماً، ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئاً فقتله وارْتَدَّ. وكان له قَيْنَة وصاحبتُها تغنّيان بهِجاء رسول الله وَلآ، فأمر بقتلهما معه، وكان ممّن يؤذي رسولَ الله وَالآ . وقال يعقوب القُمّي: حدثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبْزَى، قال: لما افتتح رسول الله ◌َ﴿ مكة، جاءت عَجُوزٌ حَبَشِيّة شَمْطاء تَخْمِش وجهها وتدعو بالوَيْل. فقيل: يا رسول الله، رَأيْنا كذا وكذا. فقال: ((تلك نَائِلة أيِسَت أن تُعبد ببلدكم هذا أبداً)). كأنه منقطع. وقال يونس بن بُكَيْر، عن زكريا، عن الشعبيّ، عن الحارث بن مالك؛ هو ابن بَرْصاء؛ قال: سمعتُ رسول الله وَ له يوم الفتح يقول: ((لا تُغْزَى مكّة بعد اليوم أبداً إلى يوم القيامة)) (٤) . (١) المغازي للواقدي ٢/ ٨٥٥، وابن هشام ٤٠٩/٢. (٢) ابن هشام ٤٠٩/٢-٤١٠. (٣) أي: جابياً للصدقات، وهي الزكاة. (٤) طبقات ابن سعد ١٣٧/٢، والمغازي للواقدي ٨٦٢/٢، وفيهما: ((لا تُغزى = ١٨٠