Indexed OCR Text

Pages 141-160

إنّي وأصحابي لَبِغَزَّةَ إِذ هجم علينا فسألنا: ممّن أنتم؟ فأخبرناه. فساقنا
إليه جميعاً. فلما انتهينا إليه - قال أبو سُفيان: فوالله ما رأيت من رجل
قطّ أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأغلف(١) - يعني هِرَقْل ـ فلما انتهينا
إليه قال: أيَّكُمْ أمَسُّ به رَحِماً؟ فقلت: أنا. قال: أدْنُوه. وساق
الحديث، ولم يذكر فيه كتاباً. وفيه كما ترى أشياء عجيبة ينفردُ بها ابن
إسحاق دونَ مَعْمَر وصالح.
وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدّثني الزُّهْري، قال: حدّثني
أُسْقُفٌ من النَّصارَى قد أدرك ذلك الزمان، قال: لما قَدِمَ دِحْيَةُ بن خليفة
علی هِرڤْل بالكتاب، وفيه :
((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هِرَقْل عظيم
الروم: سلامٌ على من اتَّبع الهُدى. أمّا بعد؛ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسْلِمْ يُؤْتك
الله أجرَك مرَّتين، فإنْ أبيتَ فإنّ إثم الأكّارين(٢) عليك)).
فلما قرأه وضعه بين فَخِذِه وخاصرته، ثم كتب إلى رجلٍ من أهل
رومية، كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ، يخبره عمّا جاءه من رسول الله وَل
فكتب إليه أنّه النّبيُّ الذي يُنتظر لا شكَّ فيه فاتّبعه. فأمر بعظماء الروم
فُجُمِعوا له في دَسْكَرةٍ مُلْكه، ثم أمر بها فأُشْرِجت(٣) عليهم، واطّلع
عليهم من عِلِّيّةٍ له، وهو منهم خائف فقال: يا معشر الروم إنّه قد جاءني
كتاب أحمد، وإنّه والله للنَّبيُّ الذي كنّا ننتظرُ ونجدُ ذِكْرَهُ في كتابنا،
نعرفه بعلاماته وزمانه. فأسْلِموا واتّبعوه تَسْلَم لكم دنياكم وآخرتكم.
فنخروا نخرة رجلٍ واحد، وابتدروا أبوابَ الدَّسْكَرة، فوجدوها مُغْلَقَةً
دونهم. فخافهم، فقال: رُدُّوهم عليَّ. فكَرُّوهم عليه، فقال: إنّما قلتُ
(١) أي: الذي لم يُخْتَتن.
(٢) جمع أكّار، وهو الريفي الذي يحرِث الأرض ويزرعها.
(٣) كتب على هامش الأصل: ((أي: أُغلقت)).
١٤١

لكم هذه المقالةَ أغمزكم بها لأنظر كيف صلابتكم في دِينكم، فقد رأيتُ
منكم ما سَرَّني. فوقعوا له سُجَّداً، ثم فُتِحَت لهم الأبوابُ فخرجوا(١) .
وقال ابن لَهِيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عُرْوة، قال: خرج أبو
سفيان تاجراً وبلغ هِرَقْل شانُ النّبيّ نَّرَ. قال: فأُدْخِل عليه أبو سُفيان في
ثلاثين رجلاً، وهو في كنيسة إيلياء. فسألهم فقالوا: ساحر كذّاب.
فقال: أخبروني بأعلمكم به وأقربكم منه. قالوا: هذا ابن عمّه. وذكر
شبيهاً بحديث الزُّهْري ..
وقال البخاري(٢): حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْر، قال: حدثنا اللَّيْث،
عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدّثني عُبَيْد الله، عن ابن عبّاس، أنّ
رسول الله وَ﴾ بعث بكتابه إلى كِسْرَى، وأمره أن يدفعه إلى عظيم
البحرين ليدفعه إلى كِسْرَى. قال: فلما قرأه كسرى مَزَّقَه. فحسبتُ ابن
المسيّب قال: فدعا عليهم رسولُ الله ◌َّهِ أن يُمَزّقوا كلَّ مُمَزَّقٍ.
وقال الذُّهْلي محمد بن یحیی: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا
ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني
عبدالرحمن بن عبدِ القاريّ، أنّ رسولَ الله ◌َّار قام ذات يومٍ على المنبر
خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وتشهَّد، ثم قال: ((أما بعد، فَإنّي أريد أن
أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم، فلا تختلفوا عليَّ كما اختلفتْ بنو
إسرائيل على عيسى)). فقال المهاجرون: والله لا نختلفُ عليك في
شيء، فمُرْنا وابْعَثْنَا. فبعث شجاعَ بن وَهْب إلى كِسْرى، فخرج حتى
قَدِمَ على كِسْرَى، وهو بالمدائن، واستأذن عليه. فأمر كسرى بإيوانه أنْ
يُزَيَّنَ، ثم أذِنَ العُظماء فارس، ثم أذِن لشجاع بن وهب. فلما دخلَ عليه
أمر بكتابٍ رسولِ الله وَّ أن يُقْبض منه. قال شجاع: لا، حتى أدفعه أنا
(١) وانظر البخاري ٦/١-٨، وأحمد ٤٤١/١ و ٤٤٢ و٧٤/٤.
(٢) البخاري ٤/ ٥٤ .
١٤٢

كما أمرني رسولُ اللهِ وَّل. فقال كسرى: ادْنه، فدنا فناوله الكتابَ ثم
دعا كاتباً له من أهلِ الحِيرة فقرأه، فإذا فيه:
((من محمدٍ عبدالله ورسولِه إلى كِسْرى عظيمٍ فارس)).
فأغضبه حين بدأ رسول الله وَّ بنفسه، وصاح وغضب ومزَّق
الكتابَ قبل أنْ يعلمَ ما فيه، وأمر بشجاع فأُخْرِج، فركب راحلته
وذهب، فلما سكن غضبُ كسرى، طلب شجاعاً فلم يجده. وأتى
شجاعُ النَّبِيَّ وَِّ فأخبره، فقال: ((اللَّهُمَّ مزِّق مُلْكه))(١).
وقال أبو عَوَانة، عن سِمَاك، عن جابر بن سَمُرَة، قال رسول الله
وَه: ((لَتَفْتَحَنَّ عصابةٌ من المسلمين كنوز كِسْرى التي في القصر
الأبيض)).
أخرجه مسلم (٢). رواه أسباط بن نصر، عن سِمَاك، عن جابر
فزاد، قال: فكنت أنا وأبي فيهم، فأصابنا من ذلك ألفُ دِرْهم.
وقال أحمد بن الوليد الفحّام: حدثنا أسود بن عامر، قال: أخبرنا
حمّاد بن سَلَمَة، عن حُمَيْد، عن الحسن، عن أبي بكرة، أنّ رجلاً من
أهل فارس أتى النّبيَّ نَِّ فقال النَّبِيُّ ◌ََّ: إِنَّ رِّي قد قتلَ ربَّكَ، يعني
کسری .
قال: وقيل للنَّبِيِّ وَّ إنّه قد استخلفَ بنته، فقال: ((لا يُفْلِح قومٌ
تملكهم امرأة))(٣).
ويُرْوى أنّ كِسْرى كتب إلى باذام عامله باليمن يتوعَّدُه ويقول: ألا
تكفيني رجلاً خرج بأرضك يدعوني إلى دينه؟ لَتَكْفِنِيه أو لأفعلنَّ بك.
(١) أخرجه أحمد ٨٩/٥ و١٠٣ و١٠٤، ومسلم ١٨٧/٨، وانظر المسند الجامع
حديث (٢١٣٥).
(٢) مسلم ٨/ ١٨٧ .
(٣) أخرجه أحمد ٤٣/٥ .
١٤٣

فبعث العاملُ إلى النّبِيِّ وَّهِ رُسُلَا وكتاباً، فتركهم النّبِيُّ ◌َل خمس عشرة
ليلة، ثم قال: ((اذهبوا إلى صاحبكم فقولوا: إنَّ ربِّي قد قتلَ ربَّكَ
الليلة)) (١) .
وروى أبو بكر بن عياش، عن داود بن أبي هند، عن أبيه، عن أبي
هريرة، قال: أقبل سعد إلى النّبِيِّ وَّر فقال: هلك - أو قال: قُتِل ـ
كسرى. فقال: ((لعن الله كسرى، أوّل النّاس هلاكاً فارسُ ثم
العرب)). (٢) .
وقال محمد بن يحيى: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن
صالح، قال: قال ابن شهاب. وقد رواه اللَّيْث، عن يونس، عن ابن
شهاب، كلاهما يقول عن أبي سَلَمَة، واللفظ لصالح قال: بلغني أنّ
كِسْرَى بينما هو في دَسْكَرةِ مُلْكه، بُعِث له - أو قُيِّضَ له - عارِضٌ فعرض
عليه الحقَّ، فلم يفجأ كِسْرى إلّ الرجل يمشي وفي يده عصا فقال: يا
كِسْرَى هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا؟ قال كِسرى: نعم؟
فلا تكسرْها. فولّى الرجلُ. فلما ذهب أرسل كسرى إلى حُجَّابه فقال:
مَن أذِن لهذا؟ قالوا: ما دخل عليك أحدٌ. قال: كذبتم. وغضب عليهم
وعنَّفهم، ثم تركهم. فلما كان رأس الحَوْل أتاه ذلك الرجل بالعصا فقال
كمقالته. فدعا كسرى الحُجَّاب وعَنَّفهم. فلما كان الحَوْل المستقبل،
أتاه ومعه العصا فقال: هل لك يا كسرى في الإسلام قبل أنْ أكسر
العصا؟ قال: لا تكسرها، فكسرها فأهلك الله كِسْرَى عند ذلك.
وقال الزُّهْري، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة: قال رسول الله
وَالله: ((إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده. وإذا هلك قيصر فلا قيصر
(١) أخرجه أحمد ٤٣/٥، وابن سعد ٢٦٠/١.
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٥١٣.
١٤٤

بعده. والذي نفسي بيده لَتُنْفَقَنَّ كنوزهما في سبيل الله)). أخرجه
(١)
مسلم(١) .
وروى يونس بن بُكَيْر، عن ابن عَوْن، عن عُمَيْر بن إسحاق، قال:
كتب رسول الله وَّ إلى كِسْرى وقيصر. فأما قيصر فوضعه، وأما كسرى
فمزّقه، فبلغ ذلك النّبيّ بَّ فقال: ((أمّا هؤلاء فَيُمَزَّقون، وأما هؤلاء
فسيكون لهم بقيّة)).
وقال الربيع: أخبرنا الشافعي، قال: حَفِظْنا أنّ قيصر أكرم كتابَ
النّبِيِّ ◌َّةَ، ووضعه في مَسْك(٢). فقال النّبِيُّ ◌َّهِ: ((ثُبَّتَ مُلْكه)).
قال الشافعي: وقطع الله الأكاسرةَ عن العراق وفارس، وقطع قيصر
ومَن قام بالأمر بعده عن الشام. وقال في كسرى: ((مُزِّق مُلْكُه))، فلم يبق
للأكاسرة مُلْكٌ، وقال في قيصر: ((ثُبِّتَ مُلْكُه)) فتُبِّت له مُلْكُ بلاد الروم
إلى اليوم.
وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثنا الزُّهْري، عن عبدالرحمن بن
عبد أنّ رسول الله وَّ بعث حاطبَ بنَ أبي بلتعة إلى المُقَوْقِس صاحب
الإسكندرية، فمضى بكتاب رسول الله ◌َّ﴿ فقبَّل الكتابَ وأكرم حاطِباً
وأحسن نُزُلَه، وأهدى معه إلى النّبِيِّ بَ ◌ّه بغلةً وكسْوةٌ وجاريتين؛
إحداهما أمّ إبراهيم، والأخرى وهبها النَّبِيُّ رَّهِ لِجَهْم بن قيس العَبْدي،
فهي أمُّ زكريا بن جَهْم، خليفة عَمْرو بن العاص على مصر .
وقال أبو بِشْر الدُّولابي: حدثنا أبو الحارث أحمد بن سعيد
الفِهْريّ، قال: حدثنا هارون بن يحيى الحاطبي، قال: حدثنا إبراهيم بن
(١) أخرجه الحميدي (١٠٩٤)، وأحمد ٢٣٣/٢ و٢٤٠ و٢٧١، والبخاري
٢٤٦/٤ و١٦٠/٨، ومسلم ١٨٦/٨ و١٨٧، والترمذي (٢٢١٦)، وانظر
المسند الجامع (١٥٢٤٤).
(٢) أي: جلد.
١٤٥

عبدالرحمن، قال: حدّثني عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال:
حدثنا يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب، عن أبيه، عن جدّه حاطب بن
أبي بَلْتَعَة، قال: بعثني النَّبِيُّ ◌ََّ إلى المُقَوْقس ملك الإسكندرية، فجئته
بكتابٍ رسول الله وَلّه، فأنزلني في منزله، وأقمتُ عنده. ثم بعث إليّ
وقد جمع بَطَارِقَتَه فقال: إنّي سأكلّمك بكلام وأحبُّ أنْ تفهمه منّي.
قلت: نعم، هَلُمَّ. قال: أخْبِرني عن صاحبك، أليس هو نبيّ؟ قلت:
بلى، هو رسول الله. قال: فما له حيث كان هكذا لم يَدْعُ على قومِه
حيثُ أخرجوه. قلت: عيسى؛ أليس تشهد أنَّه رسولُ الله، فما له حيثُ
أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه أنْ لا يكون دعا عليهم بأنْ يُهلكهم اللهُ
حتى رفعه الله إليه إلى السماء الدنيا. قال: أنت حكيمٌ جاء من عند
حكيم. هذه هدايا أبعثُ بها معك إليه. فأهدى ثلاث جوارٍ، منهنّ أمّ
إبراهيم، وواحدة وهبها رسولُ الله لأبي جَهْم بن حُذَيفة العَدَوي،
و
وواحدة وهبها لحسّان بن ثابت. وأرسل بطَرَفٍ من طَرَفِهم.
غَزْوَة ذَاتِ السَّلَاسِل
قیل إنه ماء بأرض جُذام.
قال ابن لَهِيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عُرْوة. ورواه موسى بن
عُقْبة، واللفظ له، قالا: غزوةُ ذات السلاسلِ من مشارفِ الشام في بَليّ
وسعدالله ومَنْ يليهم من قُضاعة .
وفي رواية عُرْوة: بعث رسول الله وَّر عمرو بن العاص في بليّ،
وهم أخوالُ العاص بن وائل، وبعثه فيمن يليهم من قُضَاعة وأمَّرهُ
علیھم .
قال ابن عُقْبة: فخاف عَمْرو من جانبه الذي هو بِهِ، فبعث إلى
١٤٦

رسول الله وَ ه يستمدُّه. فندبَ رسولُ الله وَّل المهاجرين، فانتدب فيهم
أبو بكر وعمر وجماعة، أمَّر عليهم أبا عبيدة، فأمدَّ بهم عَمْراً، فلما
قدِموا عليه، قال: أنا أميركم، وأنا أرسلتُ إلى رسول الله وَل﴾ أستمدّه
بكم. فقال المهاجرون: بل أنتَ أميرُ أصحابك، وأبو عُبَيْدة أمير
المهاجرين. قال: إنّما أنتم مدد أُمْدِدْتُهُ. فلما رأى ذلك أبو عُبَيْدة،
وكان رجلاً حَسَن الخُلُق ليّن الشيمة(١)، سعى لأمرٍ رسول الله وَل
وعهده، قال: تعلم يا عَمْرو أنّ آخر ما عهد إليّ رسولُ اللهِ وَّل أن قال:
إذا قدِمتَ على صاحبكَ فتطاوعا، وإنَّك إنْ عصيتني لأطيعنّك. فسلّم
أبو عُبَيدة الإمارة لعَمْرو.
وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدّثني محمد بن عبدالرحمن بن
عبدالله بن الحُصَيْن التميمي، عن غزوة ذات السلاسل من أرض بليّ
وعُذْرَة، قال: بعث رسول الله مََّ عَمْرو بن العاص ليستنفر العربَ إلى
الإسلام. وذلك أنّ أمّ العاص بن وائل كانت من بليّ، فبعثه إليهم رسولُ
الله ◌َ، يتألَّفُهم بذلك. حتى إذا كان بأرض جُذَام، على ماءٍ يقال له
السّلاسل، خاف فبعث يستمدُّ النّبِيَّ وَّ.
وقال عليٍّ بن عاصم: أخبرنا خالد الحذّاء، عن أبي عثمان النَّهْدي،
قال: سمعت عَمْرو بن العاص يقول: بعثني رسولُ الله ◌َّر على جيش
ذي السلاسل، وفي القومِ أبو بكرٍ وعمر. فحدَّثْتُ نفسي أنّه لم يبعثني
عليهما إلّ لمنزلة لي عنده، فأتيته حتى قعدت بين يديه فقلت: يا رسولَ
الله، من أحبّ النّاس إليك؟ قال: ((عائشة))، قلت: إنِّي لم أسألك عن
أهلك. قال: ((فأبوها)). قلتُ: ثم مَن؟ قال: ((عمر)). قلت: ثم مَن؟
حتى عدّ رَهْطاً، قال: قلت في نفسي لا أعود أسأل عن هذا.
(١) كتب المؤلف فوقها: ((كذا)) ونقله عنه النُّسّاخ.
١٤٧

رواه غيره عن خالد، وهو في الصّحيحَيْن مختَصَراً(١) .
وكيع، وغيره: حدثنا موسى بن عُلَيّ بن رباح، عن أبيه، سمع
عَمْرو بن العاص: قال لي النّبيّ وَّهِ: ((يا عَمْرو اشدد عليك سلاحك
وائتني)). ففعلت، فجئته وهو يتوضّأ، فصعّد فيَّ البصر وصوَّبه وقال:
((يا عَمْرو إنّي أريد أن أبعثك وجهاً فيسلّمك الله ويُغَنِّمكَ، وأرغب لك
رغبةً من المال صالحة)). قلت: إنّي لم أُسْلِم رغبةً في المال إنّما
أسلمت رغبةً في الجهاد والكَيْنُونة معك. قال: ((يا عَمْرو نِعمًا بالمال
الصالح للمرء الصالح)»(٢).
ابن عَوْن وغيره، عن محمد: استعمل رسول الله وَ ◌ّه عَمْراً على
جيش ذاتِ السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر. رواه إبراهيم بن مهاجر، عن
إبراهيم النَّخعيّ بنحوه.
وكيع، عن المنذر بن ثعلبة، عن ابن بُرَيْدة، قال أبو بكر: إنَّما ولاَهُ
النَّبِيُّ وَِّ، يعني عَمْراً، علينا لِعِلمه بالحرب.
قلتُ: ولهذا استعمل أبو بكر عَمْراً على غزو الشام.
وقال الواقديّ(٣): حدّثني ربيعة بن عثمان، عن يزيد بن رُومان:
أنّ أبا عبيدة لما أتى عَمْراً صاروا خمس مئة، وسار اللَّيلَ والنَّهارَ حتى
وطىء بلادَ بليّ ودوَّخها، وكلّما انتهى إلى موضع بلغه أنّه كان بذلك
الموضع جَمْعٌ، فلما سمعوا به تفرَّقوا حتى انتهى إلى أقصى بلاد بليّ
وعُذْرَةٍ وبَلْقَيْن، ولقي في آخر ذلك جَمْعاً، فاقتتلوا ساعةً وتراموا بالنَّبل.
(١) البخاري ٦/٥ و٢٠٩، ومسلم ١٠٩/٧، والترمذي (٣٨٨٥)، وانظر المسند
الجامع حديث (١٠٧٦٥).
(٢) أحمد ١٩٧/٤ و٢٠٢، والبخاري في الأدب المفرد (٢٩٩).
(٣) المغازي ٧٦٩/٢ -٧٧٠.
١٤٨

ورُمي يومئذٍ عامر بن ربيعة، فأصيب ذراعُه. وحمل المسلمون عليهم
فهربوا وأعجزوا هرباً في البلاد. ودوَّخ عَمْرو ما هناك. وأقام أياماً يُغير
أصحابُه على المواشي.
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، قال: بعث رسول الله وَ ال
عَمْرو بنَ العاص في غزوة ذات السلاسل، فأصابهم برد فقال لهم
عَمْرو: لا يُوقِدنَّ أحد ناراً. فلما قدِموا على رسول الله مَّر شكوه،
فقال: يا نبيَّ الله، كان في أصحابي قلَّة فخشيت أن يرى العدُّو قِلَّتهم،
ونهيتهم أن يتبعوا العدوَّ مخافةَ أن يكون لهم كمين. فأعجب ذلك رسولَ
وقال جرير بن حازم: حدثنا يحيى بن أيّوب، عن يزيد بن أبي
حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالرحمن بن جُبَيْر، عن عَمْرو
بن العاص، قال: احتلمت في ليلةٍ باردةٍ في غزوة ذات السلاسل،
فأشفقت إن اغتسلتُ أنْ أهْلك، فتيمَّمْت ثم صلّيت بأصحابي الصُّبح.
فذكروا ذلك للنّبيّ وَ لَّ فقال: ((يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جُنُب)).
فأخبرته بالذي منعني من الأغتسال وقلت: إنّي سمعت الله يقول: ﴿وَلَا
﴾ [النساء]، فضحك النّبيّ وَّ،
نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا لأ
ولم يَقُلْ شيئاً(١).
وقال عمرو بن الحارث، وغيره، عن يزيد بن أبي حبيب، عن
عمران بن أبي أنس، عن عبدالرحمن بن جُبَيْر، عن أبي قيس مولى
عَمْرو بن العاص أنّ عَمْراً كان على سَرِيَّةٍ، فذكر نحوه. قال: فغسل
مغابِنَه، وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلَّى بهم. لم يذكر التيقُّم. أخرجهما
(١) أخرجه أحمد ٢٠٣/٤، وأبو داود (٣٣٤) و (٣٣٥)، وانظر المسند الجامع
حديث (١٠٧٤٦).
١٤٩

أبو داود(١).
غزوة سِيفِ البحر
قال ابن عُيَيْنة، عن عَمْرو، عن جابر: بَعَثَنَا النّبيّ نَّ في ثلاث مئة
راكبٍ، وأميرنا أبو عُبَيْدة بن الجرّاح، نرصُدُ عِيراً لقريش، فأصابنا جوٌ
شديد، حتى أكلنا الخَبَط(٢) فسُمِّي جيش الخَبَط .
قال: ونحر رجل ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث
جزائر. ثم إنّ أبا عُبيدة نهاه. قال: فألقى لنا البحرُ دابَةً يقال لها العنبر،
فأكلنا منه نصف شهرٍ واذَّهَنّا منه، حتى ثابت منه أجسامنا وصَلُحَت،
فأخذ أبو عُبَيدة ضلعاً من أضلاعه، فنظر إلى أطول رجلٍ في الجيش
وأطول جملٍ فحمله عليه ومرّ تحته. مُتَّفقٌ عليه(٣) .
زاد البخاري (٤) في حديث عَمْرو، عن جابر: قال جابر: وكان
رجل في القوم نحر ثلاثَ جزائر، ثم ثلاثاً، ثم ثلاثاً. ثم إنّ أبا عُبَيْدة
نهاه. قال: وكانَ عَمْرو يقول: أخبرنا أبو صالح أنّ قيس بن سعد قال
لأبيه: كنت في الجيش فجاعوا، قال أبوه: انْحَرْ. قال: نحرتُ، قال:
ثم جاعوا. قال: انْحرْ، قال: نَحَرتُ، ثم جاعوا. قال: انحر. قال:
نُهِيت.
(١) أبو داود (٣٣٤) و (٣٣٥).
(٢) هو ورق العضاه من الطلح والسلم ونحوه يخبط بالعصا فيتساقط، وكانت
تعلفه الإبل.
(٣) البخاري ٢١١/٥ و١١٦/٧، ومسلم ١٦/٦ و٦٢، وانظر المسند الجامع
حديث (٢٦٦١).
(٤) البخاري ٢١١/٥.
١٥٠

وقال مالك، عن وهب بن كَيْسان، عن جابر، قال: بعث رسول الله
وَلَه بعثاً قِبَل الساحل، وأمَّر عليهم أبا عُبَيْدة وهم ثلاث مئة وأنا فيهم،
حتى إذا كنّا ببعض الطريق فني الزّاد، فأمر أبو عُبَيْدة بأزواد ذلك
الجيش، فجُمِع ذلك كلّه، فكان مِزْوَدَيْ تمرٍ، فكان يقوتُنا كلّ يوم قليلاً
قليلاً، حتى فني. ولم يكن يصيبنا إلّ تمرةٌ تمرةٌ. قال: فقلت: وما
تُغني تمرة؟ قال: لقد وجدنا فَقْدَهَا حين فنِيَتْ. ثم انتهينا إلى البحر،
فإذا حُوت مثل الظَّرِبِ وهو الجبل، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة
ليلة. ثم أمر أبو عُبَيْدة بضِلعين من أضلاعه فنُصِبا، ثم أمر براحلةٍ
فرُحِلَت، ثم مَرَّ(١) تحتهما فلم تُصِبْهما. أخرجاه(٢).
وقال زهير بن معاوية، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، قال: بَعَثْنَا رسول
الله ◌َيِّ نتلقّى عيراً لقريش، وزوّدَنا جِراباً من تمرٍ. فكان أبو عُبَيْدة يعطينا
تمرةً تمرةً. وكنّا نضرب بِعِصِّينا الخَبَط ثم نَبِّلُه بالماء فنأكله. فانطلقنا على
ساحل البحر، فرُفعَ لنا كهيئة الكثيب فأتيناه فإذا دابَة تُدْعى العَنْبر. فقال
أبو عُبَيْدة: ميتة، ثم قال: لا، بل نحن رُسُلُ رسولِ الله وٍَّ، وفي سبيل
الله، وقد اضّطرِرْتُم فكُلُوا. فأقمنا عليها شهراً ونحن ثلاث مئة حتى
سَمِنَا. ولقد كنّا نغترف من وقب عينه بالقِلال الدُّهْنَ ونقتطع منه الفِدَر
كالثَّوْر. ولقد أخذ أبو عُبَيْدة ثلاثة عشرَ رجلاً فأقعدهم في عينه، وأخذ
ضِلعاً من أضلاعه فأقامها ثم رَحَلَ أعظم بعيرٍ منها فمرّ تحتها. وتزوّدنا
من لحمه وشائق، فلما قدِمْنا المدينة أتينا رسولَ الله وَ ل ◌َه فذكرنا ذلك له
فقال: ((هو رزقٌ أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمِهِ شيء تُطْعموننا؟)»
قال: فأرسلنا إلى رسول الله وَل﴾ منه فأكل. أخرجه مسلم(٣).
(١) هكذا في النسخ، وله وجه، وفي البخاري: ((مَرَّت)).
البخاري ٢١٠/٥، ومسلم ٦/ ٦٢، وانظر المسند الجامع حديث (٢٦٦٠).
(٢)
(٣) مسلم ٦١/٦، وانظر المسند الجامع حديث (٢٦٦٢). الوقب: كل نقر في=
١٥١

قلت: زعم بعض النّاس أنّ هذه السرّية كانت في رجب سنة ثمانٍ.
سِرِيَّةُ أبي قَتَادَة إلى خُضرة(١)
قال الواقديّ في مَغَازيه(٢): قالوا بعث رسول الله وَّ أبا قَتَادَة بن
رِبْعَيّ الأنصاريّ إلى غَطَفان في خمسة عشر رجلاً، وأمره أنْ يشنَّ عليهم
الغارة. فسار وهجم على حاضر منهم عظيم فأحاط به، فصرخ رجل
منهم: يا خُضرة! وقاتل منهم رجال فقتلوا مَنْ أشرفَ لهم، واستاقوا
النَّعَم، فكانت مئتي بعيرٍ وألفَيّ شاةٍ. وسبوا سبياً كثيراً. وغابوا خمس
عشرة ليلة، وذلك في شعبان من السّنة .
ثم كانت سريَّتُه إلى إضَم على إثر ذلك في رمضان(٣).
وفاة زينب بنت النَّبِيِّ وَّل
وكانت أكبر بناته. تُوُقِيت في هذه السنة وغَسَّلتها أمّ عطيّة الأنصاريَّة
وغيرها. وأعطاهنَّ النّبيُّ ◌َّهَ حِقْوَهُ(٤)، فقال: ((أشْعِرْنَها إِيّاه))(٥).
وبِنْتُها أُمامة بنت أبي العاص، هي التي كان النّبيُّ ◌َّ يحملها في
الصّلاة .
الجسد كنقر العين والكتف، ووقب العين: نقرتها التي تستقر بها. والقدرة:
=
القطعة من الشيء أو القطعة من اللحم المطبوخ البارد. والوشائق: هو اللحم
یُقَدَّدُ حتی ییبس، أو يغلى إغلاءة ثم يقدد.
(١) ضبطها البشتكي بالضم.
(٢) المغازي ٢/ ٧٧٧ - ٧٨٠.
(٣) ابن هشام ٢/ ٦٢٦.
(٤) أي: كَشْحه، ويقال: رمى فلان بحقوه: إذا رمى بإزاره.
(٥) طبقات ابن سعد ٣٥/٨.
١٥٢

فَتْح مَگَّة
شَرَّفها الله وعَظَّمها
قال البكّائي، عن ابن إسحاق(١): ثم إنّ بني بكر بن عبد مَنَاة بن
كِنانة عَدَتْ على خُزَاعَة، وهم على ماءٍ بأسفل مكة يقال له الوَتير. وكان
الذي هاج ما بين بكر وخُزَاعة أن رجلاً من بني الحَضْرَميّ خرج تاجراً،
فلما توسّط أرضَ خُزاعة عَدَوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله. فَعَدَتْ بنو بكرٍ
على رجلٍ من خُزاعةَ فقتلوه، فَعَدَتْ خُزاعة قُبَيْل الإسلام على سُلْمَى
وكلثوم وذُؤَّيْب بني الأسود بن رَزْن الدّيليّ، وهم مَفْخر بني كِنانة
وأشرافهم، فقتلوهم بعَرَفَة .
فبينا بنو بكر وخُزاعة على ذلك حَجَز بينهم الإسلام، وتشاغل
النَّاسُ به. فلما كان صُلح الحُدَيْبية بين رسول الله بَّر وبين قريش، كان
فيما شرطوا لرسول الله وَ﴿ وَشَرَطَ لهم أنّه مَن أحبّ أنْ يدخلَ في عقد
رسولِ الله وعهده فلْيدْخُلْ معه، ومن أحبّ أنْ يدخل في عقد قريش
وعهدهم فلْيدْخل فيه. فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خُزاعة
في عقد رسول الله وَلّ مؤمنُها وكافرُها .
فلما كانت الهدنةُ اغتنمها بنو الدَّيْل، أحد بني بكر من خُزاعة،
وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأراً بأولئك الإخوة. فخرج نوفل بن معاوية
الدَّيليّ في قومه حتى بَيَّتَ خُزاعة على الوَتِير، فاقتتلوا. ورَدَفَتْ قريشٌ
(١) ابن هشام ٣٨٩/٢.
١٥٣

بني الدِّيل بالسلاح، وقومٌ من قريش أعانت خُزاعة بأنفسهم، مُسْتَخْفين
بذلك، حتى حازوا خُزاعة إلى الحَرَم. فقال قومُ نوفل له: اتقِ إلهكَ ولا
تَسْتَحِلَّ الحَرَم. فقال: لا إلهَ ليَ اليومَ، والله يا بني كنانة إنّكم لَتَسْرِقون
في الحَرَم، أفلا تصيبون فيه ثأركم؟ فقتلوا رجلاً من خُزاعة. ولجأت
خُزاعة إلى دار بُدَيْل بن ورقاء الخُزَاعي، ودارٍ رافع مولى خُزاعة .
فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خُزاعة، كان ذلك نقْضاً للهُدنة التي
بينهم وبين رسول الله وَّ﴾. وخرج عَمْرو بن سالم الخُزاعيّ فقدم على
النّبِيّ وََّ في طائفةٍ مُستغيثين به، فوقف عَمْرو عليه، وهو جالس في
المسجد بين ظَهْرَي النَّاس، فقال(١):
حِلْفَ أبينا وأبيه الأتْلَدا
يا ربّ إنّي ناشدٌ محمَّداً
قد كنتُمُ ولداً وكنّا والداً
فانصُرْ هَدَاك الله نَصْراً أعْتَدَا
فيهم رسولُ الله قد تجرَّدا
فِي فَيْلقِ كالبحر يجري مُزْبدا
ونقضوا ميثاقَكَ المُؤَكَّدا
وزعموا أنْ لستُ أدعو أحدا
هم بَيَّتُونا بالوَتِيرِ هُجَّدا
ثُمَّتَ أسْلَمنا فلم ننزعْ يَدَا
وادْعُ عبادَ الله يأْتُوا مَدَا
إِنْ سِيمَ خَسْفاً وجْهُهُ تَرَبََّا
إِنَّ قُريشاً أخْلفوكَ المَوْعِدا
وجعلوا لي في كَدَاءٍ رَصَدا
وهم أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدا
وقَتَّلُونا رُكَّعاً وسُجّداً
فانصُرْ، هداكَ الله، نصراً أيِّدا
فقال رسول الله وَلَهُ: (نُصِرْتَ يا عَمْرو بن سالم)).
ثم عَرَضَ لرسول الله وَّ عَنان من السماء، فقال: إنّ هذه السحابة
لتستهلُّ بنصرِ بني كعب؛ يعني خُزَاعة. رواه أطوالَ من هذا يونس بن
(١) ابن هشام ٣٩٤/٢.
١٥٤

بكير، عن ابن إسحاق، عن الزهري سماعاً، عن عروة، عن المسور بن
مخرمة، ومروان بن الحكم.
· وقال ابن إسحاق: ثم قدم بُدَيل بن وَرْقاء في نفرٍ من خُزاعة على
النَّبِيِّ وَّرِ فأخبروه. وقال رسول الله وَّل: كأنَّكم بأبي سفيان قد جاءكم
ليشدّ العقْدَ ويزيد في المُدَّة. ومضى بُدَيْل وأصحابه فلقوا أبا سُفْيان بن
حرب بعُسْفان، قد جاء ليشدّ العقد ويزيد في المدّة، وقد رَهِبوا الذي
صنعوا. فلمّا لقيَ بُدَيْل بن وَرْقَاء، قال: من أين أقبلت يا بُدَيْل؟ وظنّ
أنّه أتى رسول الله وَله، فقال: سرتُ في خُزاعة على الساحل. فقال: أوَ
ما جئتَ محمّداً؟ قال: لا. فلما راح بُدَيْل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن
كان جاء إلى المدينة لقد علف بها النَّوى. فأتى مَبْرَك راحلته فَفَتَّه فرأى
فيه النَّوى، فقال: أحلِفُ بالله لقد أتى محمَّداً.
ثم قدِم أبو سُفيان المدينةَ فدخل على ابنتِهِ أمِّ حبيبةَ أُمِّ المؤمنين.
فلما ذهب ليجلس على فراشِ رسولِ اللهِ وَ لّ طَوْتْه عنه، فقال: ما أدري
أَرَغِبْتِ بي عن هذا الفراش أم رغبتِ به عَنِّي؟ قالت: بل هو فراشُ
رسولِ اللهِ بَلَّ، وأنت رجلٌ مُشْرِكٌ، نجس. قال: والله لقد أصابكِ يا
بُنَّةُ بعدي شَرٌّ .
ثم خرج حتى أتى رسولَ الله ◌َّه فلم يردَّ عليه شيئاً. فذهب إلى أبي
بكر فكلَّمه أنْ يكلِّمَ له رسولَ الله وَ لّر فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمرَ
فكلَّمه فقال: أأنا أشفعُ لكم إلى رسولِ الله ◌ِ ◌َّ! فَوَالله لو لم أجد إلّ الذَّرَّ
الجالَدْتُكُم عليه. ثم خرج حتى أتى عليّاً رضي الله عنه وعنده فاطمة
وابنها الحَسَن وهو غلامِ يَدِبّ، فقال: يا عليّ إنّك أمَسُّ القوم بي
رَحِماً، وإنّي قد جئتُ في حاجةٍ فلا أرجعنّ كما جئت خائباً، فاشفع لي
إلى رسول الله. فقال: وَيْحَك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول الله وَّل على
١٥٥

أمرٍ ما نستطيع أن نكلّمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابنةَ محمد،
هل لكِ أن تأمري بُنَّكِ هذا فيجير بين النّاس فيكون سيّد العرب إلى آخر
الدَّهر؟ قالت: والله ما بلغ بُنيَّ ذلك، وما يجير أحدٌ على رسول الله
الله
٠
قال: يا أبا حَسَن، إنّي أرى الأمور قد اشتدّت عليَّ فانصحني.
قال: والله ما أعلمُ شيئاً يُغني عنكَ، ولكنَّك سيّد بني كنانة، فقُم فأجِرْ
بين النّاس ثم الْحَقْ بأرضك. قال: أو ترى ذلك مُغْنِياً عنّي شيئاً؟ قال:
لا والله ما أظنُّه، ولكنْ لا أجدُ لكَ غير ذلك. فقام أبو سفيان في
المسجد، فقال: أيّها النّاس إنّي قد أجَرْت بين النّاس، ثم ركب بعيره
وانطلق، فلما قَدِمَ على قريش، قالوا: ما وراءك؟ فقصَّ شأنَه، وأنّه
أجار بين النّاس. قالوا: فهل أجازَ ذلك محمدٌ؟ قال: لا. قالوا: والله
إِنْ زاد الرجلُ على أنْ لَعِبَ بك.
ثم أمر رسول الله وَلّر بالجهاز، وأمر أهله أن يجهّزوه. ثم أعلم
النّاسَ بأنّه يريدُ مكة، وقال: اللَّهُمَّ خُذ العيونَ والأخبارَ عن قريش حتى
نَبْغَتَهُم في بلادهم.
فعن عُرْوة وغيره، قالوا: لما أجمع رسولُ الله ◌ِوَِّ السَّيرَ إلى مكة،
كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش بذلك مع امرأةٍ، فجعلته في رأسها
ثم فَتَلَتْ عليه قُرُونها ثم خرجتْ به. وأتى النّبِيَّ نَّ الوحيُّ بفعْله،
فأرسل في طلبها عليّاً والزُّبير. وذكر الحديث.
أخبرنا محمد بن أبي الحَرَم القُرشيّ وجماعة، قالوا: حدثنا الحَسَنْ
ابن يحيى المخزومي، قال: حدثنا عبدالله بن رِفاعة، قال: أخبرنا عليّ
ابن الحَسَن الشافعيَّ، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن عمر بن النّحّاس،
قال: أخبرنا عثمان بن محمد السمرقندي، قال: حدثنا أحمد بن
١٥٦

شَعْبان، قال: حدثنا سفيان، عن عَمْرو بن دينار، عن حسن بن محمد،
قال: أخبرني عُبَيْد الله بن أبي رافع - وهو كاتب عليّ - قال: سمعت عليّاً
رضي الله عنه يقول: بعثني النّبيُّ نَّهِ أَنا والزُّبَيْرِ والمِقْداد، قال: انطلقوا
حتى تأتوا روضةً خاخ، فإنَّ بها ظعينةً معها كتَابٌ فَخُذُوه منها .
فانطلقنا تَعَادَى بنا خيلُنا حتى انتهينا إلى الرَّوْضة. قلنا: أَخْرِجي
الكتابَ، قالت: ما معيَ كتابٌ، قلنا: لَتُخْرِجِنَّ الكتابَ أو لَتَقْلَعِنَّ الثيابَ.
فأخرجته من عِقاصها(١)، فأتينا به النّبيَّ ◌َّ فإذا فيه: من حاطب بن أبي
بَلْتَعَة إلى أُناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النّبيِّ بَّر فقال
النبيّ وَّهَ: ((يا حاطِب ما هذا»؟ قال: يا رسول الله لا تَعْجَلْ، إنِّي كنت
امرأً مُلْصَقاً في قريش ولم أكن من أنْفُسها، وكان مَن كان من المهاجرين
معكَ لهم قراباتٌ يَحْمُون بها أهليهم بمكة، ولم يكن لي قَرابةٌ، فأحببتُ
أن أنَّخذَ فيهم يداً - إذ فاتني ذلك - يحمون بها قرابتي، وما فعلتُهُ كُفْراً
ولا ارتداداً ولا رِضاً بالكُفْر بعد الإسلام. فقال رسول الله وَله: ((إنّه قد
صَدَقَكُمْ)). فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله دَعْني أضرب عُنُقَ هذا
المنافق. قال: ((إنه قد شهد بدراً، وما يُدريكَ لعلَّ الله تعالى اطّلع على
أهلِ بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم)).
أخرجه البخاري(٢) عن قتيبة، ومسلم(٣) عن ابن أبي شَيْبة، وأبو
داود(٤) عن مسدّد، كلّهم عن سفيان.
أبو حُذَيفة النَّهدي: حدثنا عِكْرِمة بن عمّار، عن أبي زُمَيْل، عن ابن
عبّاس، قال: قال عمر: كتبَ حاطب إلى المشركين بكتابٍ فَجِيءَ به إلى
(١) أي: ضفيرة شعرها.
(٢) البخاري ٧٢/٤ و١٨٥/٦. وانظر المسند الجامع حديث (١٠٢٨٣).
(٣) مسلم ١٦٧/٧ .
(٤) أبو داود (٢٦٥٠).
١٥٧

النّبِيِّ ◌َّ فقال: ((يا حاطب ما دعاكَ إلى هذا؟ قال: كان أهلي فيهم
وخشيتُ أنْ يَصْرِمُوا عليهم، فقلتُ: أكْتبُ كتاباً لا يضرُّ اللهَ ورسولَهُ.
فاخترطتُّ السيف فقلت: يا رسولَ الله، أضرب عُنُقَه فقد كَفَرَ. فقال:
((وما يُدْريك لعلَّ الله اطَّلِعَ إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد
غفرت لكم)). هذا حديث حسن.
وعن ابن إسحاق نحوه(١)، وزاد: فنزلت: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَتَّخِذُ واْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾﴾ [الممتحنة].
وعن ابن إسحاق(٢)، قال: وعن ابن عبّاس، قال: ثم مضى رسولُ
اللهِ وَّ لِسَفَرَه، واستعمل على المدينة أبا رُهْم الغِفاريّ. وخرج لعشْرٍ
مضین من رمضان. فصام وصام النّاسُ معه، حتى إذا كان بالكَدِيد، بين
عُسّفان وأمَج أفطر .
اسم أبي رُهْم: كُلْثوم بن حُصَيْن.
وقال سعيد بن بشير، عن قَتَادَة: أنَّ خُزاعة أسلمت في دارهم،
فقبل رسول الله ◌َّ إسلامَها، وجعل إسلامها في دارها .
وقال سعيد بن عبدالعزيز، وغيره: إنَّ رسولَ الله وَّ أَدخل في عهده
يومَ الحُدَيبية خُزَاعة .
وقال الوليد بن مسلم: أخبرني من سمع عَمْرو بنَ دينار، عن ابن
عمر، قال: كانت خُزاعة حِلْفَ رسولِ اللهَِّ، ونُفَائة حِلْفَ أبي
سُفيان. فَعَدَتْ نُفَاثَةُ على خُزاعة، فأمدَّتها قريش. فلم يَغْزُ رسولُ الله وَل
قريشاً حتى بعث إليهم ضَمْرة، فخيّرهم بين إحدى ثلاثٍ: أن يَدُوا قَتْلَى
خُزاعة، وبين أن يبرأوا من حِلْف نفاثة، أو يَنْبِذ إليهم على سَوَاء. قالوا:
(١) ابن هشام ٣٩٩/٢.
(٢) ابن هشام ٣٩٩/٢.
١٥٨

نَنْبِذ على سواء. فلما سار نَدِمت قريش، وأرسلت أبا سُفيان يسأل
تجدید العهد .
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة، قال: كانت بين نُفَاثة
من بني الدَّيل، وبين بني كعب، حربٌّ. فأعانت قريش وبنو كِنانة بني
نُفاثة على بني كعْب. فنكثوا العهدَ إلّ بنو مُدْلِج، فإنّهم وفوا بعهد
رسول الله وَ﴾. فذكر القصّة، وشعر عَمْرو بن سالم. فقال رسول الله
وَلَهُ: ((لا نُصِرْتُ إنْ لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي)). فأنشأت
سحابةٌ، فقال رسول الله وَلّه: ((إنّ هذه السحابة تستهلّ بنصر بني كعب،
أبصروا أبا سُفيان فإنّه قادم عليكم يلتمس تجديدَ العهد والزيادة في
المدّة))(١) .
فأقبل أبو سُفيان، فقال: يا محمد جدّد العهد وزدْنا في المدّة. فقال
رسول الله وَّ﴾: ((أوَ لذلكَ قَدِمْتَ؟ هل كان من حَدَثٍ قبلكم؟)) قال:
مَعَاذَ الله. قال رسول الله وَّر: ((فنحن على عهدنا وصُلْحنا)). ثم ذكر
ذهابه إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وأنَّه قالَ له: أنتَ أكبرُ قريشٍ
فأجِرْ بَيْنَها. قال: صدقت إنِّي كذلك فصاح: ألا إنِّي قد أجَرْتُ بين
النَّاس، وما أظنُّ أنْ يُرَدَّ جِواري ولا يُخْفَر بي. قال: أنت تقول ذاك يا
أبا حنظلة؟ ثم خرج. فقال النَّبِيُّ بَّه حين أدبر: ((اللَّهُمَّ سُدَّ على
أبصارهم وأسماعهم فلا يروني إلّ بغتةً)). فانطلق أبو سُفيان حتى قَدِمَ
مكةَ فحدَّثَ قومَهُ، فقالوا: رَضِيَت بالباطل وجئتنا بما لا يغني عنَّا شيئاً،
وإنّما لعب بك عَليٌّ.
وأغْبَرَ (٢) رسولُ اللهِ وَّه في الجَهَازِ، مُخْفِياً لذلك. فدخل أبو بكر
على ابنته، فرأى شيئاً من جهاز رسول الله وَله، فأنكر وقال: أين يريدُ
(١) المغازي للواقدي ٢/ ٧٩١، وطبقات ابن سعد ٢/ ١٣٤.
(٢) أي: جَدَّ في الاستعداد والتَّجَهُّزِ.
١٥٩

رسولُ الله؟ فقالت عائشة: تجهّزْ، فإنَّ رسولَ اللهِ وَلَّ غازٍ قومك، قد
غضب لبني كعب. فدخل رسول الله وَّ فأشفقت عائشةُ أنْ يسقط أبوها
بما أخبرته قبل أن يذكره رسولُ اللهِ وَّةِ، فأشارت إلى أبيها بعينها،
فسكت. فمكث رسولُ الله ◌َِّ ساعةً يتحدّث مع أبي بكر، ثم قال:
(تجهّزتَ يا أبا بكر))؟ قال: لماذا يا رسولَ الله؟ قال: ((لغزوٍ قريش،
فإنّهم قد غدروا ونقضوا العهد، وإنّا قوم غازون إن شاء الله)).
وأُذِّن في النّاس بالغَزْو، فكتب حاطب إلى قريش فذكر حديثه.
وقال: ثم خرج رسول الله وَّ في اثنَيْ عشر ألفاً من المهاجرين،
والأنصار، وأسلم، وغِفَار، ومُزَيْنة، وجُهَيْنة، وبني سُلَيْم، وقادوا
الخيولَ حتى نزلوا بمَرّ الظَّهْران، ولم تَعْلم بهم قريش، قال: فبعثوا
حكيم بن حزام وأبا سُفيان وقالوا: خذوا لنا جواراً أو آذنونا بالحرب.
فخرجا فلقيا بُدَيْل بن وَرْقاء فاستصحباه، فخرج معهما حتى إذا كانوا
بالأراك بمكة، وذلك عِشاءً، رأوا الفَسَاطِيطَ والعسكر، وسمعوا صهيلَ
الخَيْل ففزعوا. فقالوا: هؤلاء بنو كعب جاشت بهم الحرب. قال بديل:
هؤلاء أكثر من بني كعب، ما بلغ تأليبُها هذا.
وكان النّبِيّ ◌َّل قد بعث بين يديه خيلاً لا يتركون أحداً يمضي. فلما
دخل أبو سفيان وأصحابُهُ عسكَرَ المسلمين أخذتهم الخيلُ تحت اللَّيل
وأتوا بهم. فقام عمر إلى أبي سُفيان فَوَجأ عُنُقَه، والتزمه القومُ وخرجوا
به ليدخلوا على النّبيّ نَّه به، فحبسه الحَرَسُ أن يخلصَ إلى رسول الله
وَّ، وخاف القتْلَ، وكان العبّاس بن عبد المطّلب خالصةً له في
الجاهلية، فنادى بأعلى صوته: ألا تأمر بي إلى عبّاس؟ فأتاه عباس فدفع
عنه، وسأل النّبيّ وَ﴿ أن يقبضه إليه. فركب به تحت اللّيل، فسار به في
عسكر القوم حتى أبصره أجمع. وكان عمر قال له حين وَجَأه: لا تَدْن
من رسول الله ﴾ حتى تموت. فاستغاث بالعبّاس وقال: إنّ مقتول.
١٦٠