Indexed OCR Text
Pages 101-120
على قَعُودٍ له، معه مُتَيَّعٌ(١) له، ووظْب (٢) من لبن، فسلَّمَ علينا بتحيّة الإسلام. فأمسكنا عنه، وحمل عليه مُحَلّم فقتله لشيءٍ كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتاعه، فلما قدمنا على رسولِ الله وَّ أخبرناه الخبرَ. فنزل فينا القرآن: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ ﴾﴾ [النساء]، إلى آخر الآية. ورواه أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا حمّاد بن سلمة، عن ابن إسحاق. وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني محمد بن جعفر ابن الزُّبَيْر، سمعتُ زياد بن ضُمَيْرة بن سعد الضّمْري يحدِّثُ عن أبيه وجدّه، وقد شهدا حُنَيْناً مع رسولِ اللهِ وَّةَ، فصلَّى الظُّهرَ وجلس في ظِلِّ شجرة، فقام إليه عُيَيْنة بن بدر يطلب بدم عامر بن الأضبط، سيّد قيس، وجاء الأقرع بن حابس يردّ عن مُحَلِّم بن جَثَّامة، وهو سيّد خِنْدِف، فقال رسول الله وَ ﴿ لقوم عامر: ((هل لكم أنْ تأخذوا منَّا الآن خمسين بعيراً، وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة))؟ فقال عُيَيْنة بن بدر: والله لا أدعه حتى أُذيقَ نساءه من الحَرّ مثل ما أذاق نسائي. فقام رجل من بني ليث يقال له: ابنُ مُكَيْتِيل(٤)، وهو قَصْدٌ من الرجال، فقال: يا رسول الله، ما أجد لهذا القتيل مثلا في غُرَّة الإسلام إلّ كَغَنَم وَرَدَتْ فَرُمَيَتْ أُولاها فَفَرَّتْ أُخْراها، اسْنُنِ اليوم وغَيِّر غداً. فقال رسول الله وَّه: هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيراً الآن وخمسين إذا رجعنا؟ فلم يزل بهم حتى رضوا بالدِّية. قال قوم مُحَلِّم: ائتوا به حتى يستغفر له رسولُ اللهِ وَّرَ، قال: فجاء رجل طُوالٌ ضَرْبُ اللحم في حُلَّةٍ قد تهيّأ فيها للقتل، فقام بين يدي (١) تصغير متاع. (٢) أي: وعاء. (٣) ابن هشام ٢ / ٦٢٧ . (٤) هكذا مجودة في النسخ، وفي السيرة: ((مُكَيْثر)) وصَوّبها ابن هشام: ((مُكَيْتل))، وبه أخذت بعض كتب الصحابة . ١٠١ النّبِّ وَّ. فقال رسول الله وَّرَ: ((اللَّهُمَّ لا تغفر لمُحَلِّم)). قالها ثلاثاً. فقام وإنّه لَيَتَلَقّی دموعه بطرف ثوبه . قال ابن إسحاق: وزعم قوم أنه استغفرَ له بَعْدُ. وقال أبو داود في سُنَنَه(١) : حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حمّاد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني محمد بن جعفر، سمعت زياد بن ضميرة. (ح) قال: وحدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، ووهب بن بيان، قالا: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عبدالرحمن بن أبي الزّناد، عن عبدالرحمن بن الحارث، عن محمد بن جعفر، أنه سمع زياد بن سعد بن ضُمَيْرة السُّلمي. وهذا حديث وهب وهو أتمّ، يحدّث عُرْوَة بن الزُّبَيْر، عن أبيه، قال موسى: وجدّه، وكانا شهدا مع رسول الله وَلَه حُنَيْناً، يعني أباه وجدّه. ثم رجعنا إلى حديث وهب: أنّ مُحَلِّم بن جَثَّامة قتل رجلاً من أشجع في الإسلام. وذلك أول غِيَرِ (٢) قضى به رسولُ اللهِ وَلَهُ. فتكلّم عُيَيْنَة في قتل الأشجعيّ لأنّه من غَطَفان، وتكلّم الأقرع بن حابس، فذكر القصّة إلى أن قال: ومُحَلّم رجل طويل آدم، وهو في طرف النّاس، فلم يزالوا حتى تخلَّص فجلس بين يدي رسول الله ◌َّةٍ، وعيناه تدمعان. فقال: يا رسولَ الله، إنّي قد فعلتُ الذي بَلَغَكَ، وإنّي أتوبُ إلى الله، فاستغفرْ لي يا رسولَ الله. فقال رسول الله وَه: «أَقَتَلْتَه بسلاحك في غُزَّة الإسلام؟ اللَّهُمَّ لا تغفرْ لمحَلِّم)). بصوتٍ عال. زاد أبو سَلَمَةَ: فقام وإنّه لَيَتَلَقَّى دموعَه بطرف ردائه. والله تعالى أعلم. (١) أبو داود (٤٥٠٣). (٢) الغِيَر: الدِّية. ١٠٢ سَرِيَّة عبدالله بن حُذَافَة بن قيس بن عَدِيّ السَّهْمِيّ قال ابن جُرَيْجِ: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِ مِنْكُمْ (®)﴾ [النساء]. نزلت في عبد الله بن حُذَافَة السَّهْمِيّ، بعثه رسول الله ◌َّ فِي سَرِيَّة. أخْبَرَنيه يَعْلَى بن مسلم، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس. أخرجاه في الصّحيح(١) . وقال الأعمش، عن سعد بن عُبَيْدة، عن أبي عبدالرحمن السُّلَمي، عن علي بن أبي طالب: استعمل النّبيُّ وَّ رجلاً من الأنصار على سريّة، وأمرهم أن يطيعوه، فأغضبوه في شيءٍ، فقال: اجمعوا لي حطباً. فجمعوا، وأمرهم فأوقدوه، ثم قال: ألم يأمركم رسولُ اللهِ وَلّر أن تسمعوا لي وتُطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فادْخُلُوها. فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنّما فررنا إلى رسولِ اللهِ بَل﴿ من النّار. فسكن غضبُه، وطُفِئت النّارُ. فلما قَدِمُوا على رسولِ الله ◌َّو ذكروا له ذلك. فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها، إنّما الطَّاعةُ في المعروف. أخرجاه(٢). وفيها كانت غزوة ذات الرِّقاع، وقد تقدّمت سنة أربعٍ، وأوردنا الخلافَ فيها، فلعلَّهما غزوتان، والله أعلم. عُمْرَةُ القَضيّة روى نافع بن أبي نُعَيم، عن نافع مولى ابن عمر، قال: كانت (١) البخاري ٥٧/٦، ومسلم ١٣/٦، وانظر المسند الجامع حديث (٦٩٥٦). (٢) البخاري ٢٠٣/٥ و٧٨/٩ و١٠٩، ومسلم ١٥/٦ و١٦، وانظر المسند الجامع حديث (١٠٣٠١). ١٠٣ عمْرة القضيّة في ذي القعدة سنة سبعٍ. وقال مُعْتَمِر بن سليمان، عن أبيه، قال: لما رجع رسول الله وَّ من خيبر، بعث سرايا وأقام بالمدينة حتى استهلّ ذو القعدة. ثم نادى في النّاس أنْ تجهّزوا إلى العُمْرة، فتجهّزُوا، وخرجوا معه إلى مكة. وقال ابن شهاب: ثم خرج رسولُ الله ◌َ ◌ّ في ذي القعدة حتى بلغ يَأْجَجَ(١) وضع الأداة كلها: الحَجَفِ والمَجَانّ والرماح والنّبْل، ودخلوا بسلاح الراكب: السيوف. وبعث رسولُ الله ◌ِوَّ جعفراً بين يديه إلى ميمونةَ بنتِ الحارث بن حَزْن العامريّة فخطبها عليه، فجعلتْ أمرَها إلى العبَّاس؛ وكانت أختها تحته، وهي أمُّ الفضل فزوّجها العبّاسُ رسولَ الله فلما قدم أَمَرَ أصحابَهُ، فقال: اكشفوا عن المناكبِ واسعوا في الطَّواف، ليرى المشركون جَلَدَهم وقُوَّتهم، وكان يُكايدهم بكلِّ ما استطاع. فاستلفَّ (٢) أهلُ مكة - الرجال والنّساء والصّبيان - ينظرون إلى رسولِ الله وَ﴾ وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسولِ الله وَل﴿ مُتَوشِّحاً بالسيف يقول: أنا الشهيد أنّه رسولُة خلُّوا بني الكُفَّار عن سبيلة في صُحُفٍ تُتْلى على رسوله قد أنزل الرحمنُ في تنزيله كما ضَرَبْناكم على تنزيله فاليوم نضربكم على تأويلِةْ ويُذْهِلُ الخليلَ عن خليلةْ ضرْباً يُزيل الهامَ عن مَقِيلة وتغيَّبَ رجالٌ من أشرافهم أن ينظروا إلى رسولِ الله وَّهَ غَيْظاً وحنقاً، ونفاسةً وحَسَداً، خرجوا إلى الخَنْدَمَة(٣). فقام رسول الله وَل (١) مكان من مكة على ثمانية أميال. (٢) كتب على هامش الأصل: ((أي: اجتمع)). (٣) جبل من جبال مكة. ١٠٤ بمكة، وأقام ثلاث ليالٍ، وكان ذلك آخر الشرط، فلما أصبح من اليوم الرابع أتاه سُهَيْل بن عَمْرو وغيره، فصاح حُوَيْطِبْ بن عبد العُزَّى: نناشدك اللهَ والعقد لَمَا خرجتَ من أرضنا فقد مضتِ الثلاثُ. فقال سعد ابن عُبَادة: كذبتَ لا أُمَّ لكَ ليس بأرضكَ ولا بأرضٍ آبائك، والله لا نخرج. ثم نادى رسولُ اللهِ وَّرَ سُهَيلاً وحُوَيْطباً، فقال: ((إنّي قد نكحتُ فيكم امراةً فما يَضُرُّكم أنْ أمكثَ حتى أدخلَ بها، ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا)). قالوا: نناشدك اللهَ والعقد إلّ خرجتَ عنَّا. فأمر رسولُ اللهَ وَّهُ أبا رافع فأذَّنَ بالرحيل. وركب رسولُ اللهِ وََّ حتى نزل بَطْنَ سَرِف(١) وأقام المسلمون، وخلّف رسولُ اللهِ وَّرَ أبا رافع ليحمل ميمونةَ إليه حين يُمسي. فأقام بسرِف حتى قدِمت عليه، وقد لقيت عناءً وأذى من سُفهاء قريش، فبنى بها. ثم أدلجَ فسار حتى قَدِمَ المدينة. وقدّر الله تعالى أن يكون موتُ ميمونة بسَرِف بعد حين (٢) . وقال فُلَيْح، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ خرج معتمراً، فحال كُفَّارُ قريش بينه وبين البيت. فنحر هَذْيَه وحلقَ رأسه بالحُدَيبية، وقاضاهم على أنْ يعتمرَ العامَ المقبل، ولا يحمل سلاحاً إلّ سيوفاً، ولا يقيم بها إلّ ما أحَبُّوا. فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما صالحهم، فلما أنْ أقام بها ثلاثاً أمروه أن يخرج، فخرج. أخرجه البخاري (٣). وقال الواقديّ (٤): حدثنا عبدالله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: لم تكن هذه العُمْرة قضاءً ولكنْ شرطاً على المسلمين أن يعتمروا قابل في الشهر الذي صدَّهم المشركون. (١) موضع على أميال من مكة. (٢) ابن هشام ٣٧٠/٢-٣٧٢ . (٣) البخاري ١٨٠/٥، وانظر المسند الجامع حديث (٧٥٣١). (٤) المغازي ٧٣١/٢. ١٠٥ وقال محمد بن سَلَمة، عن ابن إسحاق، عن عَمْرو بن ميمون، سمعت أبا حاضر الحَضْرَمَيّ يُحَدِّثُ أبي: ميمون بن مِهْران، قال: خرجت معتمِراً سنة حُوصِرَ ابنُ الزُّبَيْرِ، وبعث معي رجالٌ من قومي بِهَذْي، فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أنْ ندخل الحَرَمَ، فنحرتُ الهدي مكاني، ثم أحللتُ ثم رجعتُ. فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عُمْرَتي، فأتيتُ ابنَ عبّاس فسألته، فقال: أبْدِلِ الهذْيَ فإنَّ رسولَ اللهِ وَ ل ◌َه أمرَ أصحابه أن يبدلوا الهديَ الذي نحروا عام الحُدَيبية في عُمْرة القضاء. زاد فيه يونس عن ابن إسحاق، قال: فَعَزَّت الإبلُ عليهم، فرخّصَ لهم رسولُ اللهِ وَ لَهَ في البقر(١) . وقال الواقديّ(٢): حدّثني غانم بن أبي غانم، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قد ساق النّبِيُّ وََّ، في القضية ستين بَدَنَة. قال: ونزل رسول الله وَّه مَنَّ الظَّهْران، وقدّم السلاح إلى بطن يأجَج، حيث ينظر إلى أنصاب الحَرَم. وتخوَّفت قريش، فذهبت في رؤوس الجبال وخَلَّوا مكة. وقال مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن أنس، قال: لما دخل النّبيُّ وَل مكةَ في عمرة القضاء، مشی ابن رواحة بين يديه وهو يقول: قد نزَّل الرحمن في تنزيله خلُّوا بني الكفّار عن سبيله نحن قتلناكم على تأويلة بأنّ خيرَ القتل في سبيله يا ربّ إنّي مؤمنٌ بقِيلة كما قتلناكم على تنزيله وقال أيّوب، عن سعيد بن جبير، حدّثه، عن ابن عبّاس: قَدِمَ رسولُ اللهِ وَّ مكة، وقد وَهَنَتْهُم حُمَّى يثرب. فقال المشركون: إنّه (١) أخرجه أبو داود (١٨٦٤). وانظر المسند الجامع حديث (٦٣٨٥). (٢) المغازي ٧٣٢/٢ . ١٠٦ يقدم عليكم قومٌ قد وهنتهم الحُمَّى، ولقوا منها شرًّاً. فَأَطْلَع الله نبيَّه على ما قالوه، فأمرهم أنْ يرملوا الأشواطَ الثلاثة، وأنْ يمشوا بين الرُّكْنَين. فلما رأوهم رَمَلُوا، قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أنَّ الحُمَّى وَهَنتهم؟ هؤلاء أجلدُ مِنَّا. قال ابن عبّاس: ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلَّها إلّ للإبقاء عليهم. أخرجاه(١) . وقال يزيد بن هارون: أخبرنا الجُرَيري، عن أبي الطُّفَيْل، قال: قلتُ لابن عبّاس: إنَّ قومكَ يزعمون أنَّ رسولَ اللهِ وَلَ قد رَمَل وأنّها سُنَّة. قال: صدقوا وكذبوا؛ إنَّ رسولَ الله وَّرَ قَدِمَ مكةَ والمشركون على قُعَيْقِعَان(٢)، وكان أهلُ مكة قوماً حُسَّداً، فجعلوا يَتحدَّثون بينهم أنَّ أصحابَ محمد ضعفاء، فقال رسولُ الله ◌َّر: أروهم ما يكرهونَ منكم. فرملَ رسولُ الله ◌َّةٍ لِيُريهم قُوَّته وقوَّةَ أصحابه، وليست بسُنَّة. أخرجه (٣) مسلم (٣) . وقد بقي الرَّمَلُ سُنَّةً في طوافِ القدوم؛ وإنْ كان قد زالت عِلَّتُه فإنَّ جابراً قد حكى في حجَّةِ النّبِيِّ نَّهَ رَمَله، ورَمَلُوا في عُمْرة الجِعِرَّانة. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى سمعه يقول: اعتمرنا مع رسول الله وَلَه فكنّا نَسْتُره - حين طافَ - من صبيانٍ مكة لا يُؤْذونه. وأرانا ابنُ أبي أوفى ضربةً أصابته مع النّبِيِّ وَّهُ يومَ خيبر. البخاري (٤) . (١) البخاري ١٨٤/٢ و ١٨١/٥، ومسلم ٦٥/٤، وانظر المسند الجامع حديث (٦٢٨٥). (٢) جبل باسفل مكة. مسلم ٤/ ٦٤، وانظر المسند الجامع حديث (٦٢٨٦). (٣) (٤) البخاري ١٨٤/٢ و٧/٣ و١٦٣/٥ و١٨١، وانظر المسند الجامع حديث (٥٦٦٣). ١٠٧ تزْويجُه عليه السلام بمَيْمُونَة قال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(١) : حدّثني أبان بن صالح، وعبدالله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عبّاس، أنَّ رسولَ اللهِ وَّرُ تزوّج ميمونة، وكان الذي زوَّجه العبّاس. فأقام رسولُ اللهِ وَلـ بمكة ثلاثاً. فأتاه حُوَيطب بن عبدالعُزَّى، في نَفَرٍ من قريش، فقالوا: قد انقضى أجلُكَ فاخرجْ عنَّا. قال: ((لو تركتموني فعرَّسْتُ بين أَظْهُرِكم، وصنعنا طعاماً فحضرتموه)). قالوا: لا حاجةً لنا به. فخرج، وخَلَّفَ أبا رافعٍ مَوْلاهُ على ميمونة، حتى أتاه بها بسَرِف، فبنى عليها . وقال وُهَيْب: حدثنا أيّوب، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس: أنّ النّبيّ وَل﴾ تزوّج ميمونة وهو مُحْرِم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسَرِف. (٢) . رواه البخاري وقال عبدالرّزاق: قال لي الثَّوريُّ: لا تلتفتْ إلى قولِ أهلِ المدينة. أخبرني عَمْرو، عن أبي الشعثاء، عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله وَلهل تزوَّجَ وهو مُحْرِم. وقد رواه الثَّوري أيضاً عن ابن خُثَيْم، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس. وهما في الصحيح(٣). وقال الأوزاعي: حدثنا عطاء، عن ابن عبّاس أنّ النّبيّ نَّهِ تزوّج ميمونة وهو مُحْرِم. فقال سعيد بن المسيّب: وَهَلَ وإنْ كانت خالته. ما تزوّجها رسولُ اللهِ وََّ إلّ بعد ما أحلَّ. أخرجه البخاري، عن أبي (١) وانظر سيرة ابن هشام: ٣٧٢/٢. (٢) البخاري ٥/ ١٨١ . (٣) البخاري ١٦/٧، ومسلم ١٣٧/٤، وانظر المسند الجامع (٦٢٢٦). ١٠٨ المغيرة، عنه(١). وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مِهْران، عن يزيد بن الأصمّ، عن ميمونة، قالت: تزّوجني رسولُ اللهِ وَل ونحن حلالان بِسَرِف. رواه أبو داود (٢) . وقد أخرجه مسلم(٣) من وجه آخر عن يزيد بن الأصم. وقال سليمان بن حرب: حدثنا حمّاد بن زيد، قال: حدثنا مطر الورّاق، عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع، قال: تزوّج رسول الله وَالر ميمونَة وهو حلال، وبَنى بها وهو حلال. وكنتُ الرسولَ بينهما . وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، قال: اعتمر رسولُ الله وَالر في ذي القعدة. فذكر الحديث بطوله. وفيه: فخرج رسول الله وقل يعني من مكة، فَتَبِعَتْهُم ابنةُ حمزة، فنادت: يا عَمّ ياعَمّ. فتناولها عليٌّ رضي الله عنه، وقال لفاطمة: دونكِ، فحملَتْها. قال: فاختصم فيها عليٍّ وزيد بن حارثة وجعفر، فقال عليّ: أنا أخذتها وهي ابنةُ عمّي، وقال جعفر. ابنة عمّي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي. فقضى رسولُ اللهِ وَّ بها لخالتها، وقال: ((الخالة بمنزلة الأم))، وقال لعليٍّ ((أنتَ منّي وأنا منكَ))، وقال لجعفر: أشبهت خَلقي وخُلقي، وقال لزيد: أنتَ أخونا ومولانا، أخرجه البخاري (٤) عن عُبَيْدالله، عنه. (١) البخاري ١٩/٣، وانظر المسند الجامع حديث (٦٢٢٢). (٢) أبو داود (١٨٤٣). وانطر المسند الجامع حديث (١٧٤٥١). (٣) مسلم ٤/ ١٣٧ . (٤) البخاري ٣/٣، وانظر المسند الجامع حديث (١٧٢٩). ١٠٩ وقال الواقديّ(١): حدّثني ابن أبي حبيبة(٢)، عن داود بن الحُصَيْن، عن عِكْرمِة، عن ابن عبّاس، أن عمارة بنت حمزة، وأمّها سَلْمى بنت عُمَيْس كانتا بمكة. فلما قَدِمَ النّبِيُّ وََّ، كلّم عليٍّ رسولَ الله وَلِّ فقال: عَلَمَ نتركُ بنتَ عمّنا يتيمةً بين ظهراني المشركين؟ فلم يَنْه النّبيُّ وَّر عن إخراجها، فخرج بها، فتكلّم زيد بن حارثة، وكان وصيّ حمزة، وكان النّبيُّ وَ ل قد آخى بينهما. وذكر الحديث؛ وفيه: فقضى بها لجعفر وقال: تحتكَ خالتها، ولا تُنْكَح المراةُ على خالتها ولا عمّتها. وعن ابن شهاب، أنَّ النّبيَّ ◌ََّ لما رجع من عُمْرته في ذي الحجّة سنة سبعٍ بعث ابنَ أبي العَوْجَاء في خمسين إلى بني سُلَيْم، كما سيأتي. (١) المغازي ٧٣٨/٢. (٢) هو إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي. ١١٠ ثمّ دَخَلَت سَنَةٍ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ قال الواقديّ(١): حدّثني محمد بن عبدالله، عن عمّه ابن شهاب، قال: سار ابن أبي العَوْجاء السُّلَمي في خمسين رجلاً إلى بني سُلَيْم، وكان عينٌ لبني سُلَيم معه، فلما فصل من المدينة، خرج العينُ إلى قومِه فحذَّرهم. فجمعوا جمعاً كثيراً. وجاءهم ابن أبي العَوْجاء وهم مُعِدُّون. فلما رآهم أصحابُ رسول الله وََّ، ورأوا جَمْعهم، دَعوهم إلى الإسلام، فرشقوهم بالنَّبل، ولم يسمعوا قولهم، فرموهم ساعة، وجعلت الأمدادُ تأتي، وأحدقوا بهم، فقاتلوا حتى قُتل عامّتهم، وأُصيب ابنُ أبي العَوْجاء جريحاً في القتلى، ثم تحاملَ حتى بلغ رسولَ الله ◌ََّ، فقدم المدينةَ في أوّل صفر. [إسلام عَمْرو بن العاص وخالد بن الوليد](٢) وفيها: أسلمَ عَمْرو بن العاص، وخالد بن الوليد. قال الواقدي(٣): أخبرنا عبدالحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: قال عَمْرو بن العاص: كنتُ للإِسلام مُجَانِباً مُعانِداً، حضرتُ بذْراً مع المشركين فنجَوْتُ، ثم حضرتُ أُحُداً والخندق فنجَوْتُ، فقلت في (١) المغازي ٧٤١/٢ . (٢) العنوان من عندي. (٣) المغازي ٢/ ٧٤١ . ١١١ نفسي: كم أوضع، والله ليظهرنَّ محمدٌ على قريش. فلحقتُ بمالي(١) بالوَهْط. فلما كان صلح الحديبية، جعلتُ أقول: يدخل محمد قابلاً مكةَ بأصحابه، ما مكة بمنزلٍ ولا الطّائف، وما شيءٌ خيرٌ من الخروج. فقدِمتُ مكةَ فجمعتُ رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون منّي، فقلت: تَعْلَمُونَ(٢) - والله - إنّي لأرى أمرَ محمد يعلو عُلُوّاً مُنْكَراً، وإنّي قد رأيتُ رأياً. قالوا: وما هو؟ قلت: نلحق بالنّجاشيِّ فنكون معه، فإنْ يظهر محمدٌ كُنَّا عند النّجاشيِّ، أحبّ إلينا من أنْ تكونَ تحتَ يدِ محمد. وإنْ تظهر قريش فنحن مَنْ قد عَرَفُوا. قالوا: هذا الرأي. قلتُ: فاجمعوا ما تُهْدونه له، وكان أحبّ ما يُهدى إليه من أرضنا الأدم. فجمعنا له أدماً كثيراً، ثم خرجنا حتى أتيناه، فإنّا لَعِنْدَه؛ إذ جاء عَمْرو بن أُميَّةِ الضَّمْري بكتابِ النَّبِّ وََّ إلى النّجاشيِّ ليزوّجه بأمِّ حبيبةَ بنتِ أبي سفيان فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقلتُ لأصحابي: لو دخلت على النّجاشيّ، فسألته هذا فأعطانيه لَقَتَلْتُهُ لَأَسُرَّ بذلك قريشاً. فدخلتُ عليه فسجدتُ له فقال: مرحباً بصديقي، أهديتَ لي من بلادك شيئاً؟ قلتُ: نعم أيّها الملك أهديتُ لك أدماً، وقرَّبتُه إليه، فأعجبه، ففرَّق منه أشياء بينَ بَطَارِقته، ثم قلت: إنّي رأيتُ رجلاً خرج من عندك وهو رسولُ عدّوٍ لنا قد وَتَرَنا وقتلَ أشرافنا، فأعطنيه فأقتله، فغضبَ ورفع يده فضربَ بها أنفي ضربةً ظَنَنْتُ أنّه كسره، فابتدر مِنْخَرايَ فجعلتُ أتلقَّى الدَّمَ بثيابي، فأصابني من ذلك الذُّل ما لو انشقَّتْ لي الأرضُ دخلتُ فيها فَرَقاً منه. ثم قلت: أيّها الملك: لو ظننتُ أنّك تكره ما قلتُ ما سألتُكَه. قال: فاستحيا، وقال: يا عَمْرو، تسألني أنْ أعطيك رسولَ مَنْ يأتيه النّاموسُ الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى عليهما (١) أي: بستاني. (٢) تعلّموا: فعل أمر بمعنى: اعلموا. ١١٢ السلام لتقتله؟ قال عَمْرو: وغَيَّرَ اللهُ قلبي عَمَّا كنتُ عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحقَّ العربُ والعجم وتخالف أنتَ؟ قلت: أتشهدُ أَيُّها الملكُ بهذا؟ قال: نعم، أشهدُ به عندَ الله يا عَمْرو، فأطِعْني واتَّبِعْهُ، فَوَ اللهِ إِنَّه لَعَلَى الحقِّ، وليظهرنَّ على مَنْ خالفه، كما ظهر موسى على فرعون. قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعني على الإسلام، ثم دعا بطستٍ، فغسل عنّي الدَّمَ، وكساني ثياباً، وكانت ثيابي قد امتلأت بالدم فألقيتها . وخرجت على أصحابي - فلما رأوا كسوة النّجاشيِّ سُرُوا بذلك، وقالوا: هل أدركتَ من صاحبك ما أردتَ؟ فقلت: كرهتُ أنْ أُكلِّمه في أول مرَّةٍ، وقلتُ أعود إليه - ففارقتهم، وكأنّي أعمد لحاجةٍ - فعمدتُ إلى موضع السفن فأجد سفينةً قد شُحِنت تُدْفِع. فركبت معهم، ودفعوها حتى انتهوا إلى الشُعَيْية(١) ، وخرجت من الشُّعَيْبة ومعي نفقة، فابتعتُ بعيراً، وخرجت أريدُ المدينةَ، حتى خرجتُ على مَرَّ الظَّهْران. ثم مضيتُ حتى إذا كنتُ بالهَدَّة، فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثيرٍ، يريدان منزلاً، وأحدهما داخلٌ في خيمة، والآخر قائم يُمسكُ الراحلتين. فنظرت فإذا خالد بن الوليد. فقلت: أبا سليمان؟ قال: نعم. قلت: أينَ تُريد؟ قال: محمداً، دخل النَّاسُ في الإسلام فلم يبق أحد به طَعْم، والله لو أقمتُ لأُخِذَ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضَّبُع في مغارتها. قلت: وأنا والله قد أردتُ محمداً وأردتُ الإسلامَ. فخرج عثمان بن طلحة، فرحبَّ بي، فنزلنا جميعاً ثم ترافقنا إلى المدينة، فما أنسى قولَ رجلٍ لِقِيَنا بِدَيْر (٢) أبي عِنبة يصيح: يا رباح، يا رباح. فتفاءلنا بقوله، وسَرَّنا ثم نظر إلينا، فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقَادَةَ بعد هذين. فظننت أنّه (١) مرفأ على شاطيء البحر بطريق اليمن. (٢) هكذا في الأصول وهو مجود، وفي مغازي الواقدي: ((ببئر)). ١١٣ يعنيني ويعني خالد بن الوليد. وولّى مُدْبراً إلى المسجد سريعاً فظننت أنّه بَشَّرَ النَّبِيَّ بَهَ بقدومنا، فكان كما ظننتُ. وأنَخْنَا بالحَرَّة فلبسنا من صالح ثيابنا، ونُوديَ بالعصر، فانطلقنا حتى اطّلعنا عليه، وإنَّ لوجْهه تهلُّلاً، والمسلمون حوله قد سُرُوا بإسلامنا. وتقدّم خالد فبايع، ثم تَقَدَّمَ عثمانُ بن طلحة فبايع، ثم تقدّمتُ فَوَاللهِ ما هو إلّا أنْ جلستُ بين يديه، فما استطعتُ أنْ أرفع طَرْفي إليه حياءً منه، فبايعتُه على أنْ يُغْفَرَ لي ما تَقدَّمَ من ذنبي، ولم يَحْضُرني ما تأخّرَ. فقال: ((إنَّ الإسلامَ يَجُبُّ ما كان قبله، والهجرة تَجُبُّ ما كان قبلها)). فَوَالله ما عدلَ بي رسولُ اللهِ وَله وبخالدٍ أحداً في أمرٍ حَزَبه منذ أسْلَمْنا، ولقد كُنَّا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنتُ عند عمر بتلك الحال، وكان عمر على خالد کالعاتب . قال عبدالحميد بن جعفر: فذكرتُ هذا الحديث ليزيد بن أبي حبيب، فقال: أخبرني راشد مولى حبيب بن أوس الثَّقفي، عن حبيب، عن عَمْرو؛ نحو ذلك. فقلت ليزيد: ألم يُوَقّت لك متى قدِمِ عَمْرو وخالد؟ قال: لا، إلّ أنّه قال: قبل الفتح. قلتُ: فإنَّ أبي أخبرني أنّ عمراً وخالداً وعثمان قَدِموا المدينةَ لهلال صفر سنة ثمانٍ(١). وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى حبيب، عن حبيب بن أبي أوس، قال: حدّثني عَمْرو بن العاص، قال: لما انصرفنا من الخندق، جمعتُ رجالاً من قريش، فقلت: والله إنّي لأرى أمرَ محمدٍ يعلو عُلُواً مُنْكَراً، والله ما يقومُ له شيءٌ، وقد رأيتُ رأياً ما أدري كيف رأيكم فيه؟ قالوا: وما هو؟ قلت: أنْ نَلْحَقَ بالنّجاشيِّ. فذكر الحديث، لكن فيه: فضربَ بيده أنفَ (١) المغازي للواقدي ٧٤٥/٢. (٢) ابن هشام ٢٧٦/٢. ١١٤ نفسه حتى ظننتُ أنَّه قد كسره. والباقي بمعناه مختَصَراً. وقال الواقدي (١) : حدّثني يحيى بن المغيرة بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمعت أبي يُحَدِّثُ عن خالد بن الوليد، قال: لَمَّا أرادَ اللهُ بي ما أراد من الخيرِ قذفَ في قلبي الإسلام، وحضرني رُشْدي، وقلتُ: قد شهدتُ هذه المواطنَ كلَّها على محمدٍ فليس موطنٌ أشهده إلّ أنصرفُ وأنا أرى في نفسي أنّي مُوضِعٌ في غير شيءٍ، وأنَّ محمداً سيظهر. فلما خرج رسولُ اللهِ وَّ إلى الحُدَيبية، خرجتُ في خيل المشركين، فلقيتُ رسولَ الله وَّر في أصحابه بعُسْفان، فأقمتُ بإزائه وتَعرَّضتُ له، فصلَّى بأصحابه الظُّهر أمامنا، فهَمَمْنا أنْ نُغيرَ عليه، ثم لم يُعْزَمْ لنا، وكانت فيه خيرةٌ، فَأَطَّلِعَ على ما في أنفسنا من الهموم، فَصَلَّى بأصحابه صلاةَ العصر صلاةَ الخوف. فوقع ذلك مِنَّا موقعاً، وقلتُ: الرجلُ ممنوع. فافترقنا، وعَدَل عن سَنَن خيلنا، وأخذتُ ذات اليمين. فلما صالح قريشاً قلتُ: أيُّ شيءٍ بقيَ؟ أين المذهبُ؟ إلى النَّجاشيِّ؟ فقد اتَّبَعَ محمداً، وأصحابُه عنده آمنون. فأخرج إلى هرقل؟ فأخرج من ديني إلى النَّصرانيةِ أو اليهودية فأقيم مع عجم تابعاً مع عَيْبٍ ذلك؟ أو أقيم في داري فيمن بقي؟ فأنا على ذلك، إذْ دخلَ رسولُ الله وَل﴿ فِي عُمْرة القضيّة، فتغيّبْتُ. وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النَّبيَّ بَّر في عُمْرة القضيّة، فطلبني فلم يجدني، فكتب إليَّ كتاباً فإذا فيه: أما بعد؛ فإنّي لم أرَ أعجبَ من ذهابٍ رأيك عن الإسلام. وعقلك عقلك، ومثل الإسلام يجهله أحد؟ قد سألني رسول الله وَجير عنكَ فقال: أين خالد؟ فقلتُ: (١) المغازي ٢ /٧٤٥ -٧٤٦. ١١٥ يأتي اللهُ به. فقال: ما مثله جَهلَ الإسلام، ولو كان جَعلَ نكايته وجدَّهُ مع المسلمين على المشركين كان خيراً له وَلَقَدَّمناهُ على غيره، فاستدرْ يا أخي ما قد فاتكَ. فلما جاءني كتابه، نشطتُ للخروجِ، وزادني رغبةً في الإسلام، وأرى في النّوم كأنّي في بلادٍ ضيّقةٍ جَدْبة، فخرجتُ إلى بلاد خضراء واسعة، قلت: إنّ هذه لَرُؤیا. فلما قدِمنا المدينةَ، قلت: لأذكرنَّها لأبي بكر، فذكرتُها، فقال: هو مَخْرَجُكَ الذي هداكَ اللهُ للإسلام، والضِّيقُ هو الشِّرك. قال: فلما أجمعتُ الخروجَ إلى رسولِ اللهِوَّه، قلت: مَنْ أُصاحِبُ إلى محمدٍ؟ فلقيتُ صفوان بنَ أُميَّة، فقلتُ: يا أبا وهب، أما ترى ما نحنُ فيه، إنَّما كُنَّا كأضراس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قَدِمْنا على محمدٍ فاتّبعناه فإنّ شَرَفَهُ لنا شرفٌ. فأبى أشدَّ الإباء، وقال: لو لم يبق غيري ما اتّبعته أبداً. فافترقنا وقلت: هذا رجل قُتل أخوه وأبوه بيدر. فلقيتُ عِكْرِمة بن أبي جهل فقلتُ له مثل ما قلتُ لصفوان، فقال لي مثل ما قال صفوان. قلتُ: فاكتم ذِكْرَ ما قلتُ لك. وخرجتُ إلى منزلي، فأمرتُ براحلتي أن تُخْرَجَ إلى أنْ ألقى عثمان بن طلحة. فقلتُ: إنّ هذا لي صديقٌ، فذكرتُ له، فقال: نعم، إنّ عمدتُ اليوم، وأنا أريدُ أنْ أغدو، وهذه راحلتي بفَخّ مناخَة. قال: فانَّعدْتُ أنا وهو بيأْجَجَ، وأدْلَجنا سَحَراً، فلم يطلع الفجر حتى ألتقينا بيأْجَج، فَغَدَوْنا حتى انتهينا إلى الهَدَّة، فنجدُ عَمْرُو بن العاص بها، فقال: مرحباً بالقوم. فقلنا: وبك. فذكر الحديث. وقال: كان قدومنا في صفر سنة ثمانٍ، فَوَالله ما كان رسولُ اللهِ وَل﴿ من يوم أسلمتُ يَعْدِل بي أحداً من أصحابه فيما حَزَبَه . ١١٦ سرِيَّة شجاع بن وَهْب الأسديّ قال الواقديّ(١): حدّثني ابن أبي سَبْرة، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فَرْوة، عن عمر بن الحَكَم، قال: بعث رسولُ اللهِصََّ شجاعَ بنَ وهب في أربعةٍ وعشرين رجلاً، إلى جَمْعٍ من هوازن، وأمره أن يُغير عليهم. فخرج يسير الليلَ ويكمن النَّهار، حتى صبَّحهم غارِّين، فأصابوا نَعَماً وشاءً، فاستاقوا ذلك إلى المدينة. فكانت سُهمانهم خمسة عشر بعيراً لكلّ رجلٍ منهم، وعدلوا البعيرَ بعشرين من الغنم. وغابت السرية خمس عشرة ليلة . قال ابن أبي سَبْرة: فحدّثتُ به محمدَ بنَ عبدالله بن عَمْرو بن عثمان، فقال: كذبوا(٢)، قد أصابوا في ذلك الحاضر نسوةً فاستاقوهنّ، فكانت فيهنّ جارية وضِيئة، فقدِموا بها المدينة، ثم قدِم وَفْدُهم مسلمين، فكلّموا رسولَ اللهِّر في السبي. فكلّم النّبيُّ ◌َلـ شجاعاً وأصحابه في ردّهنّ، فَرَدُّوهُنَّ. قال ابن أبي سَبْرة: فأخبرتُ شيخاً من الأنصار بذلك، فقال: أما الجاريةُ الوضيئة فأخذها شُجاعٌ بثمنٍ فأصابها، فلما قدِمِ الوفدُ، خَيَّرها فاختارت شجاعاً، فَقُتِل يوم اليمامة وهي عنده. سریة نَجْد قال نافع، عن ابن عمر، أنّ رسول الله وَّل بعث سريةً قِبَلَ نجد وأنا (١) المغازي ٧٥٣/٢. (٢) أي:)) أخطأوا)) وهي لغة لأهل الحجاز. ١١٧ فيهم. فغنموا إبلا كثيرة، فبلغت سُهمانهم لكلِّ واحدٍ اثني عشر بعيراً، ثم نُقِّلوا بعيراً بعيراً، فلم يُغَيّر رسول الله وَّهِ. مُتَّفقٌ عليه(١). سریة کعب بن عُمَيْر قال الواقديّ(٢): حدثنا محمد بن عبدالله، عن الزُّهْري، قال: بعث رسولُ اللهِوَ ◌ّ كعبَ بنَ عُمَير الغِفَاريّ، في خمسة عشر رجلاً حتى انتهوا إلى ذاتِ أطلاح من الشام، فوجدوا جَمْعاً من جَمْعهم كثيراً، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنّبْلِ، فلما رأى ذلك المسلمون قاتلوهم أشدَّ القتال، حتى قُتلوا، فأفلتَ منهم رجلٌ جريح في القتلى، فلما بَرَدَ عليه اللَّيلُ، تحامل حتى أتى النّبيَّ لََّ، فَهَمَّ بالبعثة إليهم، فبلغه أنّهم ساروا إلى موضع آخر، فتركهم والله أعلم. غزوَة مُؤتَة : قال محمد بن سعد (٣): أخبرنا محمد بن عمر (٤) ، قال: حدّثني ربيعة بن عثمان، عن عمر بن الحَكَم، قال: بعث رسول الله ◌َلّ الحارث ابنَ عُمَيْر الأزديّ إلى مَلِك بُصْرَى بكتابه، فلما نزل مُؤْتَة عرض للحارث شُرَحْبيل بن عَمْروِ الغسّانيّ، فقال: أين تريد؟ قال: الشام. قال: لعلّك (١) البخاري ١٠٩/٤ و٢٠٣/٥، ومسلم ١٤٦/٥، وانظر المسند الجامع حديث (٨١٤٩). (٢) المغازي ٢/ ٧٥٢ . (٣) الطبقات الكبرى ٣٤٣/٤. (٤) سبق قلم المؤلف رحمة الله فكتب عثمان بدل عمر، فقد جاء في هامش نسخة البشتكي: ((بخطه عثمان))، ومثل هذا لا بأس بإصلاحه، لظهوره، فهو الواقدي بلا ريب . ١١٨ من رُسُلِ محمد؟ قال: نعم، فأمر به فضُرِبت عُنُقُهُ. ولم يُقْتَل لرسول الله ﴿وَ لَه رسولٌ غيرُه . وبلغ رسولَ اللهِ وََّ الخبرُ، فاشتدَّ عليه، وندب النَّاسَ فأسرعوا. وكان ذلك سبب خروجهم إلى غزوة مُؤْتَة . وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق: حدّثني محمد بن جعفر بن الزُّبَيْر عن عُرْوة، قال: قدِم رسول الله وَّر من عُمْرة القضاء في ذي الحجّة، فأقام بالمدينة حتى بعث إلى مُؤْتَة في جُمَادَى من سنة ثمانٍ، وأمّر على النّاس زيد بنَ حارثة. وقال: إنْ أصيب فجعفر، فإنْ أُصيب جعفر فعبدالله بن رَوَاحة، فإنْ أصيب فلْيرتَضِ المسلمون رجلاً. فتهيّؤوا للخروج، وودّع النّاسُ أمراءَ رسولِ الله وَّهِ. فبكى ابن رَواحة، فقالوا: ما يُبْكيكَ؟ فقال: أما والله ما بي حبٌّ للدنيا، ولا صَبابةٌ إليها، ولكنّي سمعت الله يقول: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا (٣)﴾ [مريم]، فلستُ أدري كيف لي بالصَّدَرِ بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحِبَكُمُ الله وردّكم إلينا صالحين ودفع عنكم. فقال عبدالله بن رواحة: وضَربةً ذاتَ فَرْع تَقْذِف الزَّبَدَا(١) لكنّني أسألُ الرّحمنَ مغفِرَةٌ أو طَعْنَةٌ بَيَدَيْ حَرَّانَ مُجْهِزَةً حتّى يقُولوا إذا مَزُوا على جَدَثِي بِحَرْبَة تُنْفِذُ الأَحْشَاءَ والكَبِدَا يا أرشدَ اللهُ مِنْ غازٍ وقد رَشَدَا ثم إنَّه وَدَّعَ النَّبِيَّ ◌َِّ، وقال: تثبيتَ موسى، ونَصْراً كالّذِي نُصِرُوا ثبّتَ(٢) اللهُ ما آتَاكَ من حَسَنٍ إنّي تَفْرَّستُ فيك الخيرَ نافِلةً والله يعلمُ أنّي ثابت بَصِرُ (١) أي: رغوة الدم. وذات فرع، أي: ذات سَعةٍ. (٢) في السيرة: ((فثبت)). ١١٩ أنتَ الرسولُ فمن يُحْرَم نوافِلَهُ والوجْه منه فقد أزْرَى به القَدَرُ ثم خرج القوم حتى نزلوا مَعَان(١) ، فبلغهم أنّ هِرَقْل قد نزل مآرب(٢) في مئة ألفٍ من الروم، ومئة ألفٍ من المُسْتَعْرِبَة، فأقاموا بِمَعَانَ يومين، وقالوا: نبعث إلى رسول الله وِّ بخبره. فشجَّعَ النّاسَ عبد الله بن رَواحة، فقال: يا قوم، والله إنَّ التي تكرهون لَلَّتي خرجتم لها تَطلبون، الشَّهادة. وما نقاتل النّاسَ بعدد ولا كَثْرَة، وإنّما نقاتلهم بهذا الدّين الذي أكرمنا اللهُ به، فإنْ يُظْهرُنا الله به فربّما فعل، وإنْ تَكُنِ الأُخرى فهي الشهادة، وليست بِشَرِّ المنزلتين. فقال النَّاسُ: والله لقد صدق فانشمر النّاسُ، وهم ثلاثة آلاف، حتى لقوا جموعَ الرُّوم بقريةٍ من قُرى البَلْقاء يقال لها مشارف، ثم انحاز المسلمون إلى مُؤْتَة، قرية فوق أحساء. وكانوا ثلاثة آلاف. وقال الواقديّ(٣): حدّثني ربيعة بن عثمان، عن المَقْبُرِيّ، عن أبي هُريرة، قال: شهدتُ مُؤْتَة، فلما رآنا المشركون (٤) رأينا ما لا قِبَلَ لأحدٍ به من العدّة والسلاح والكراع والدّيباج والذهب. فَبَرِق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم: ما لك يا أبا هريرة، كأنّك ترى جموعاً كثيرة؟ قلت: نعم. قال: لم تشهد معنا بدراً، إنّا لم نُنْصَر بالكَثْرة. وقال المغيرة بن عبدالرحمن، عن عبدالله بن سعيد بن أبي هند، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أمَّرَ رسولُ الله ◌ِوَّه في غزوة مُؤْتَةَ زيدَ بنَ حارثة، فإنْ قُتِلَ زيد فجعفر، وإنْ قُتِلَ جعفر فعبدالله بن رواحة. قال ابن عمر: كنتُ معهم، ففتّشناه - يعني ابن رَواحة - فوجدنا فيما أقبلَ من (١) كتب على هامش الأصل: ((وأما مغان بالمعجمة فموضع قريب من المدينة)). (٢) في الأصول: ((بمأرب)) وهو خطأ واضح. (٣) المغازي ٧٦٠/٢. (٤) هكذا في النسخ، وفي مغازي الواقدي: فلما رأينا المشركين. ١٢٠