Indexed OCR Text

Pages 81-100

دْرُ من استُشهد علی خیبر
على ما ذكر ابن إسحاق(١) ، قال:
من حلفاء بني أُميّة: ربيعة بن أكثم، وثِقْف بن عَمْرو، ورِفاعة بن
مسروح .
ومن بني أسد بن عبدالعُزَّى: عبدالله بن الهُبَيْب .
ومن الأنصار:
فُضَيْل بن النُّعمان السَّلَمي، ومسعود بن سعد الزُّرَقي، وأبو
الضَّاحِ(٢) بن ثابت، أحد بني عَمْرو بن عَوْف، والحارث بن حاطب،
وعُرْوة بن مُرّة، وأوس بن القائف(٣)، وأنيف بن حبيب، وثابت بن
أَثْلَة، وطلحة، وعمارة بن عُقبة الغِفَارِيّ.
,٠
وقد تقدّم: عامر بن الأكْوع، ومحمود بن مَسْلَمة، والأسود
الراعي.
وزاد عبدالملك بن هشام(٤) ، فقال: مسعود بن ربيعة، حليف بني
زُهْرة، وأوس بن قَتَادَة الأنصاريّ.
وزاد بعضُهم، فقال: ومبشّر بن عبدالمنذر، وأبو سفيان بن
الحارث، وليس بالهاشميّ، والله أعلم.
(١) ابن هشام ٣٤٣/٢.
(٢) قيده المؤلف في المشتبه ٤٠٧ .
(٣) هكذا مجود في النسخ، وفي السيرة: ((القائد)) وهو اسم مختلف فيه، كما في
كتب الصحابة .
(٤) ابن هشام ٢/ ٣٤٤.
٨١

قدوم جعفر بن أبي طالب ومَن معه
البخاري ومسلم(١) قالا: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو
أسامة، قال: حدّثني بُرَيْد، عن أبي بُرْدَة، عن أبي موسى الأشعري،
قال :
بَلَغَنا مخرجُ رسولِ اللهِّهِ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرينَ إليه،
أنا وأخَوانِ لي أنا أصغرُهم، أحدهما أبو رُهْم، والآخر أبو بُرْدَة، إمّا
قال: بِضِعٌ، وإمّا قال: في ثلاثة، أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي.
فركِبْنا سفينةً، فألقتنا سفينتنا إلى النَّجاشيِّ بالحبشة. فوافقْنا جعفرَ بنَ
أبي طالب وأصحابه عنده. فقال جعفر: إنّ رسول الله وَّهَ بَعَثْنَا وأمَرَنَا؛
يعني بالإقامة؛ فأقيموا معنا، فأقمنا معه، حتى قدِمْنا جميعاً، فوافقنا
رسول الله وَ﴾ حين فتح خيبر. فأسهم لنا، وما قسم لأحدٍ غاب عن فتح
خيبر شيئاً إلا لمن شهد معه، إلّ أصحاب سفينتنا، مع جعفر وأصحابه،
قسم لهم معهم .
قال: فكان أناس من النّاس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة.
قال: ودخلت أسماء بنت عُمَيْس؛ وهي ممّن قدمت معنا؛ على
حفصة زوج النّبيّ وَلّ زائرةً وقد كانت هاجرت إلى النّجاشيِّ. فدخل
عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: مَنْ هذه؟
فقالت: أسماء بنت عُمَيْس. قال عمر: الحبشيّةُ هذه؟ البحريّة هذه؟
فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، نحن أحقُّ برسولٍ
الله ◌ََّ. فغضِبَتْ، فقالت كلمة: يا عمر! كلّ والله، كنتم مع رسول الله
(١) البخاري ١١٠/٤ و٦٤/٥ و١٧٤ و١٧٥، ومسلم ١٧١/٧، وانظر المسند
الجامع حديث (٨٩٠٧).
٨٢

وَلَّه يُطعمُ جائِعكم ويَعِظُ جاهِلكم، وكنّا في دار - أو أرضٍ - البُعداء، أو
البُغَضاء، بالحَبَشَة، وذلك في الله وفي رسوله، وايم الله لا أطْعمُ طعاماً
ولا أشْربُ شراباً حتى أذكر ما قلتَ لرسولِ اللهِوَّه، ونحن كنّا نُؤْذَى
ونُخافُ، وسأذكرُ له ذلك وأسأله. فلما جاء قالت: يانبيَّ الله، إنَّ عمر
قال كذا وكذا. قال: ((ليس بأحقَّ بي منكم، له ولأصحابِهِ هجرةٌ واحدة،
ولكم أنتم - أهلَ السفينة - هجرتان)). قالت: فلقد رأيتُ أبا موسى
وأصحابَ السفينة يأتوني أرسالاً، يسألونني عن هذا الحديثِ، ما من
الدنيا شيء هُمْ به أفرحُ ولا أعظمُ في أنفسهم مما قال لهم رسولُ الله
وَلَّهُ. قال أبو بُرْدَة: قالت أسماء: فلقد رأيتُ أبا موسى وإنّه ليستعيدُ هذا
الحديثَ منِّي. وقال: لكم الهجرة مرَّتين، هاجرتم إلى النّجاشيّ
وهاجرتم إليَّ.
وقال أجلح بن عبدالله، عن الشَّعبي، قال: لما قدِم جعفر من
الحبشة تلقّاه رسول الله وَّ فقبَّل جبهته، ثم قال: ((والله ما أدري بأيّهما
أفرح، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر. وبعضهم يقول: عن أجلح، عن
الشَّعْبِي، عن جابر(١) .
وقال ابن عُبَيْنة: حدثنا الزُّهْرِي، أنه سمع عَنْبَسَة بن سعيد القُرَشيّ
يحدّث عن أبي هريرة، قال: قدِمتُ المدينة ورسول الله وَ لَو بخيبر حين
افتتحها، فسألته أن يُسْهِم لي. فتكلّم بعضُ ولدٍ سعيد بن العاص فقال:
لا تُسْهم له يا رسول الله. فقلت: هذا قاتل ابن قوقل. فقال، أظنّه ابن
سعيد بن العاص: يا عجبي لِوَبْرٍ قد تدلّى علينا من قَدُومِ ضالٌّ يعيّرني
بقتل امريء مسلم أكرمه الله على يدي، ولم يُهِنّي على يديه .
(١) المعجم الكبير ٢٢/ ١٠٠، والحاكم ٢١١/٣.
٨٣
د

هذا لفظ أبي داود(١)، وأخرجه البخاري(٢)، لكن قال: من قَدُوم
ضانٍ.
وقال إسماعيل بن عيّاش، عن الزُّبَيْدي، عن الزُّهْري: أخبرني
عَنْبَسَة بن سعيد، أنّه سمع أبا هريرة يخبر سعيد بن العاص، قال: بعث
رسولُ اللهِ وَسِ﴿ أبانَ على سريةٍ قِبَل نجدٍ، فقدِم أبانُ وأصحابُه على رسولِ
اللهِ وَهُ بِخَيْبَر بعد فتحها، وإنّ حُزُمَ خيلِهِم لَلِيفٌ، فقلت: يا رسول الله
لا تَقْسِم لهم. فقال أبان: وأنت بهذا يا وَيْرُ تَحَذَّرَ من رأس ضالّ(٣).
فقال النَّبِيُّ بَّهُ: يا أبان، اجلس. فلم يَقْسِم لهم. عَلَّقه البخاريُّ في
صحيحه (٤) ، فقال: ويذكر عن الزُبيدي.
وقال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، قال: كانت بنو فزارة ممّن
قدِمِ على أهل خيير ليُعِينُوهم، فراسلهم رسول الله وَّرَ أنْ لا يعينوهم،
وسألهم أن يخرجوا عنهم، ولكم من خيبرَ كذا وكذا. فأبَوا عليه. فلما
فتح الله خيبرَ، أتاه مَنْ كان هنالك من بني فزارة، قالوا: حَظّنا والذي
وَعَذْتنا. فقال: ((حظّكم))؛ أو قال: لكم ذو الرُّقَيْبَةِ - لجبل من جبال
خيبر - قالوا: إذاً نقاتلك. فقال: ((موعدكم جَنَفَاء)). فلما سمعوا ذلك
هربوا. جَنَفَاءُ: ماء من مياه بني فزارة.
وقال البخاري(٥) : حدثنا مكّي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن
أبي عُبَيْد، قال: رأيتُ أثرَ ضربةٍ في ساقٍ سَلَمَة فقلتُ: يا أبا مسلم، ما
هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربةٌ أصابتني يومَ خيبر، فقال النّاس: أُصيب
(١) سنن أبي داود (٢٧٢٣).
(٢) البخاري ٢٩/٤ و١٧٦/٥ و١٧٧، وانظر المسند الجامع حديث (١٤٦٣٩).
(٣) ويروى: ((تَحَدَّرَ من رأس ضَأْنٍ)).
(٤) البخاري ١٧٦/٥-١٧٧.
(٥) البخاري ١٧٠/٥.
٨٤

سَلَمَة، فأتيت النّبِيَّ بَّهِ فَنَفَثَ فيه ثلاث نَفَثَاتٍ، فما اشتكيتُها حتى
السّاعة.
وقال عبدالعزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل، أنّ رسول الله
وَلّ التقى هو والمشركون في بعض مغازيه، فاقتتلوا. فمال كلّ قوم إلى
عسكرهم، وفي المسلمين رجل لا يدع للمشركين شاذّة ولا فاذَّة إلّ
اتَّبعها يضربها بسيفه. فقال رسول الله وَ له: «أما إنّه من أهل النار)).
فقالوا: أيُّنا من أهل الجنّة إنْ كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل: والله
لا يموتُ على هذه الحال أبداً، فاتّبعه حتى جُرِحَ، فاشتدَّتْ جراحتُه
واستعجلَ الموتَ، فوضع سيفَهُ بِالأرضِ وذُبابه بين ثَديَيْهِ، ثم تحاملَ
عليه فقَتَلَ نفسه. فجاء الرجلُ إلى رسولِ اللهِ بِّهِ فقال: أشهد أنَّكَ
لرسولُ الله، قال: ((وما ذاك))؟ فأخبره. فقال النَّبِيُّ ◌َله: ((إِنّ الرجل
ليعملُ بعملِ أهلِ الجنّة فيما يبدو للنَّاس وإنَّه من أهلِ النار، وإنه ليعملُ
بعمل أهلِ النّار فيما يبدو للنّاس وإنَّه لمن أهل الجنّة)). مُتَّفقٌ عليه(١) .
وأخرج البخاري(٢) من حديث شُعيب بن أبي حمزة، عن الزُّهْرِي،
عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: شهدنا مع رسولِ الله وَّل خييرَ،
فقال لرجلٍ؛ يعني النّبيّ وَّ: إنَّ هذا من أهلِ النار، فلما حضر القتال
قاتلَ الرجلُ. فذکر نحوّ حدیثٍ سهل بن سعد .
وقال يحيى القطّان وغيره، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن
يحيى بن حَبّان، عن أبي عَمْرة، عن زيد بن خالد الجُهَنيّ أنّ رجلاً تُوُفّي
يومَ خيبرَ، فَذُكر لرسولِ الله ◌َِّ، فقال صَلُّوا على صاحبكمٍ. فَتَغَّيرتْ
وجوهُهم، فقال: إنّ صاحبكم غلّ في سبيل الله. ففتّشنا متاعه، فوجدنا
(١) البخاري ٨٨/٤ و ١٦٨/٥-١٦٩ و١٥٤/٨، ومسلم ١٧٣/١. وانظر المسند
الجامع حديث (١٤٦٣٨).
(٢) البخاري ١٦٩/٥.
٨٥

خرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين.
شأنُ الشّاةِ المسمومة
وقال ليث بن سعد، عن سعيد، عن أبي هريرة، قال: لما فُتحت
خيبر أُهديتْ لرسولِ الله وَّر شاةٌ فيها سمٌّ، فقال رسولُ الله وَّل: ((اجمعوا
مَنْ كان هاهنا من اليهود)). فَجُمِعُوا له، فقال لهم رسولُ اللهِوَّ: ((إنّي
سائلكم عن شيءٍ فهل أنتم صادقيَّ عنه))؟ قالوا: نعم، يا أبا القاسم.
فقال لهم رسول الله وَلّ: ((مَنْ أبوكم))؟ قالوا: أبونا فلان. قال:
((كذبتم، بل أبوكم فلان)). قالوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ. قال لهم: ((هل أنتم
صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه))؟ قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإنْ
كذَبْنَاك عرفتَ كَذِبَنا كما عرفْتَه في آبائنا. فقال رسولُ اللهِ وََّ: ((مَنْ أهل
النّار))؟ قالوا: نكون فيها يسيراً ثم تَخْلُفوننا فيها. فقال لهم رسول الله
وَه: ((اخْسَؤُوا فيها فَوَالله لا نَخْلُفُكم، ثم قال: ((هل أنتم صادقيَّ؟))،
قالوا: نعم. قال: ((أجَعَلْتُم في هذه الشاة سُمَّا))؟ قالوا: نعم. قال: ((فما
حَمَلَكم على ذلك))؟ قالوا: أردنا إنْ كنتَ كاذباً أن نستريح منك، وإن
كنتَ نبيّاً لم يضرّك. أخرجه البخاري(١) .
وقال خالد بن الحارث: حدثنا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس
أنَّ يهوديَّةً أتت النّبيَّ وََّ بشاةٍ مسمومة، فأكل منها، فَجِيءَ بها إلى
رسول الله وَ ﴾، فسألها عن ذلك، قالت: أردت لأقتلك. فقال: ((ما كان
الله ليسلّطكِ على ذلك)). أو قالَ: ((عليَّ))، قالوا: ألا نقتلها. قال:
((لا)). فما زلتُ أعرفها في لَهَواتِ رسولِ اللهِ بَّهِ. متفق عليه من حديث
(١) البخاري ١٢١/٤ و١٧٩/٥ و١٨٠/٧، وانظر المسند الجامع، حديث
(١٤٧٥٣).
٨٦

خالد(١).
وقال عبّاد بن العوّام، عن سفيان بن حسين، عن الزُّهْري، عن أبي
سَلَمَةَ وابن المسيّب، عن أبي هريرة؛ أنَّ امرأةً من اليهود أهدتْ إلى
رسولِ اللهِ وَ﴿ شاةً مسمومة، فقال: ((أمسِكوا فإنَّها مسمومة))، وقال:
((ما حَمَلَكِ على ما صنعتِ))؟ قالت: أردتُ أنْ أعلمَ إنْ كنتَ نبيّاً
فسيُطْلِعك الله، وإنْ كنتَ كاذباً أُرِيحُ النّاسَ منك. قال: فما عَرَضَ لها
رسولُ اللهِوَّ. ورُوي عن جابر نحوُهُ(٢) .
وقال مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن عبدالرحمن بن كعب، أنّ يهوديّة
أهدت إلى النّبِيِّ نَّهِ شَاةً مَصْلِيَّةً(٣) بخيبر، فأكل وأكلوا، ثم قال:
(أَمْسِكوا)). وقال لها: ((هل سَمَّيْتِ هذه الشاةَ))؟ قالت: مَنْ أخبرك؟ قال:
((هذا العظم)). قالت: نعم. فاحتجم على الكاهلِ، وأمر أصحابه
فاحتجموا، فمات بعضُهم.
قال الزُّهْري: فأسْلَمَت، فتركها .
وقال أبو داود في سننه(٤) : حدثنا سليمان المَهْرِي، قال: حدثنا
ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: كان جابر
يُحَدِّثُ أنَّ يهوديّةَ سمَّتْ شاةً أهدتها للنبيِّ وََّ ... الحديثَ.
وقال خالد الطحان، عن محمد بن عَمْرو، عن أبي سَلَمَة أنّ النّبيَّ
وَّ أهدت له يهوديّةٌ بخيبر شاةً، نحو حديث جابر، قال: فمات بِشْرُ بن
(١) البخاري ٢١٤/٣، ومسلم ١٥/٧، وانظر المسند الجامع حديث (٨٢٢).
(٢) أخرجه الدارمي (٦٩)، وأبو داود (٤٥٠٩) و (٤٥١٠) و (٤٥١١)، وانظر
المسند الجامع (٢٩٧٠) مسند جابر بن عبدالله، و (١٤٧٥٢) مسند أبي
هريرة .
(٣) أي: مشويةً.
(٤) أبو داود (٤٥١٠)، وانظر المسند الجامع حديث (٢٩٧٠).
٨٧

البراء بن معرور، وأمر بها النّبيُّ نَّهِ فِقُتِلَت.
ويحتمل أنه لم يقتلها أولاً، ثم لما ماتَ بِشْرٌ قَتَلَهَا.
وبِشْر شهِدَ العقبةَ وبدْراً، وأبوه فأحد النُّقباء ليلة العَقَبة. وهو الذي
قال رسول الله وَله: ((يا بني سَلِمَة، مَن سيّدكم))؟ قالوا: الجدّ بن قيس،
على بُخْلِ فيه. فقال: ((وأيُّ داء أدوَى من البُخْل؟ بل سَيِّدُكم الأبيضُ
الجعدُ بِشْر بن البَرَاءِ))(١) .
وقال موسى بن عُقْبة، وابن شهاب، وعُرْوة، واللَّفظ لموسى،
قالوا: لما فُتحت خيبرُ أهدت زينبُ بنت الحارث اليهودية - وهي ابنة
أخي مَرْحَب - لصفيّةَ شَاةً مَصْلِيَّةً وَسَمَّتْها وأكثرت في الذِّراعِ، لأنّه بَلَغَها
أنّ النّبيّ وََّ يحبُّ الذراع. وذكر الحديث.
وعن عُرْوة، وموسى بن عُقْبة، قالا: كان بين قريش حين سمعوا
بخروج رسول الله بَّه إلى خيبر تَرَاهُنٌّ وتبايعٌ، منهم مَنْ يقول: يظهر
محمد، ومنهم من يقول: يظهر الحليفان ويهود خيبر. وكان الحَجَّاج بن
عِلاط السُّلمي البَهْزي قد أسلم وشهد فتحَ خيبر، وكانت تحته أمّ شَيْبة
العَبْدَرية، وكان الحَجَّاجِ ذا مالٍ، وله معادن من أرض بني سُلَيْم. فلما
ظهر النّبِيّ وََّ على خيبر، قال الحَجَّاج: يا رسول الله، إنّ لي ذَهَباً عند
امرأتي، وإنْ تعلَمْ هي وأهلُها بإسلامي فلا مالَ لي، فائذَنْ لي فأُسْرِعُ
السيرَ ولا يسبق الخبر.
وقال محمد بن ثور - واللَّفظ له - وعبدالرزّاق، عن مَعْمَر: سمعت
ثابتاً البُنَانيّ، عن أنس، قال: لما فتح رسولُ اللهِوَّه خيبرَ، قال الحَجّاج
بن عِلاط: يا رسولَ الله، إنَّ لي بمكة مالاً، وإنَّ لي بها أهلاً أُريدُ
إتيانَهم، فأنا في حِلِّ إنْ أنا نِلْتُ منك فقلتُ شيئاً؟ فأذن له رسولُ الله
(١) طبقات ابن سعد ٣/ ٥٧١.
٨٨

وَلَّه. فقال لامرأته، وقال لها: أَخْفِي عليَّ واجمعي ما كان عندكِ لي،
فإنّي أُريدُ أنْ أشتري من غنائم محمد وأصحابه، فإنَّهم قد استُبيحوا
وأُصيبت أموالُهم. ففشا ذلك بمكة، واشتدَّ على المسلمين وبلغ منهم،
وأظهر المشركون فرحاً وسروراً. فبلغ العباسَ الخبرُ فعَقِرَ وجعلَ لا
يستطيعُ أنْ يقومَ(١) .
قال مَعْمَر: فأخبرني عثمان الجُرَيْري، عن مِقْسَم، قال: فأخذ
العبْاس ابناً له يقال له قُثَم واستلقى ووضعه على صدره وهو يقول:
شبيه ذي الأنفِ الأشَمّ
برغم مَنْ رغم
فتى ذي النعم
حيّ قُثَم
قال مَعْمَر في حديث أنس: فأرسل العبّاس غلاماً له إلى الحَجّاج،
أنْ وَيْلَكَ، ما جئتَ به وما تقول؟ والذي وعدَ اللهُ خيرٌ مما جئتَ به. قال
الحَجَّاج: يا غلام، أقْرِىء أبا الفضلِ السّلام، وقُلْ له فلْيُخْلِ لي في
بعض بيوته فَآتيه، فإنَّ الأمر على ما يَسُرُّه. فلما بلغ العبدُ بابَ الدار،
قال: أبشر يا أبا الفضل. فوثب العبَّاسُ فرحاً حتى قَبَّلَ ما بين عينيه
وأعتقه، ثم جاء الحَجَّاجِ فأخبره بافتتاحِ رسولِ اللهِ لَّهُ خيبرَ، وغنم
أموالهم، وأنَّ رسول الله وَّ اصطفى صَفِيّة، ولكنْ جئتُ لمالي، وأنّي
استأذنتُ النَّبِيَّ وََّ فأذِن لي، فأخْفِ عليَّ يا أبا الفضل ثلاثاً، ثم اذكُرْ ما
شئتَ. قال: وجمعت له امرأتُه متاعَه، ثم انْشَمَر، فلما كان بعد ثلاثٍ،
أتى العبّاس امرأةَ الحَجّاج فقال: ما فعل زوجكِ؟ قالت: ذهب، لا
يحزنكَ اللهُ يا أبا الفضل لقد شَقَّ علينا الذي بَلَغَك. فقال: أجل، لا
يُحْزنني الله، ولم يكنْ بحمدِ الله إلّ ما أحبُّ؛ فَتَحَ الله على رسوله،
(١) أخرجه أحمد ١٣٨/٣، وعبد بن حميد (١٢٨٨)، انظر المسند الجامع
(١٢٩٥) و(٣٢٥٤).
٨٩

وجَرَتْ سهامُ الله في خيبر، واصطفى رسولُ الله ◌ِّهِ صفيّة لنفسه، فإنْ
كان لك في زوجكِ حاجةٌ فالحقي به. قالت: أَظُنُكَ واللهِ صادقاً. ثم
أتى مجالسَ قريش وحدّثهم. فَرَدَّ اللهُ ما كان بالمسلمين من كآبةٍ وجَزَعِ
على المشركين(١) .
غَزْوَة وَادِي القُرَىُ
مالك، عن ثور بن زيد، عن أبي الغَيْث، عن أبي هريرة، قال:
خرجنا مع رسول الله وَِّ عامَ خيبر، فلم نَغْنَم ذَهَباً ولا ورِقاً، إلّ الثياب
والمتاع. فوجّه رسولُ اللهِ وَّهِ نحو وادي القرى، وقد أُهدِي لرسول الله
وَيّر عبدٌ أسود يقال له: مِدْعَم. حتى إذا كانوا بوادي القُرَى، بينما مِدْعم
يَحُطّ رَحْلَ رسول الله وََّ، إذْ جاء سهمٌ فقتله فقال النَّاسُ: هنيئاً له
الجنّة. فقال رسول الله وسلّم: ((كلا، والذي نفسي بيده، إنّ الشملةَ التي
أخذها يومَ خيبَرَ من الغنائم لم تُصِبْها المقاسمُ لَتشتعلُ عليه ناراً)). فلما
سمعوا بذاك، جاء رجل بشِراكٍ أو شِرَاكَيْن إلى رسول الله وَلَه، فقال عليه
السلام: ((شِراٌ من نار أو قال: شِراكان من نار)). مُتَّفقٌ عليه(٢).
وقال الواقديّ(٣): حدّثني عبدالرحمن بن عبدالعزيز، عن الزُّهْرِي،
عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله وٍَّ من خيبر
إلى وادي القُرَى، وكان رفاعة بن زيد الجُذَاميّ قد وهب لرسولِ الله وَّل
عبداً يقال له مِدْعم، فلما نزلنا بوادي القُرَى، انتهينا إلى يهود وقد ثوى
إليها ناسٌ من العرب، فبينما مِدْعَم يَحُطِّ رَحْلَ رسول الله وََّ، وقد
(١) انظر المسند الجامع (١٢٩٥) و (٣٢٥٤).
(٢) البخاري ١٧٥/٥ و١٧٩/٨، ومسلم ٧٥/١، وانظر المسند الجامع، حديث
(١٤٦٤٩).
(٣) المغازي ٧٠٩/٢ -٧١٠.
٩٠

استقبَلَنَا يهودُ بالرمي حيث نَزَلنا، ولم نكنْ على تعبئةٍ، وهم يصيحون
في آطامهم، فيقبل سهمٌ عائر، فأصاب مِدْعَماً فقتله. فقال النّاس: هنيئاً
له الجنّة. فقال النّبيّ وَّرَ: ((كلّ، والذي نفسي بيده، إنّ الشملة التي
أَخَذَها يوم خيبر من الغنائم لم تُصِبْها المقاسمُ لَتَشْتَعِل عليه ناراً». فلما
سمع بذلك النّاس، جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ نَّهِ بشراكٍ أو بشِراكَيْن،
فقال: ((شِراك، أو شِراكان، من نار)). فعبّأَ رسولُ الله ◌َليل أصحابه للقتال
وصفَّهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عُبَادة، ودفع رايةً إلى الحُباب بن
المنذرِ، ورايةً إلى سهل بن حنيف، ورايةً إلى عَبّاد بن بِشْر، ثم دعاهم
إلى الإسلام وأخبرهم أنّهم إنْ أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم،
فبرز رجلٌ، فبرز له الزُّبير فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه عليٍّ فقتله، ثم
برز آخر، فبرز إليه أبو دجانة فقتله، حتى قُتِل منهم أحد عشر رجلاً ثم
أعطوا من الغد بأيديهم. وفتحها الله عَنْوَة .
وأقام رسول الله وَله بوادي القُرَى أربعة أيام، فلما بلغ ذلك أهل
تَيْماء صالحوا على الجزية. فلما كان عمر، أخرج يهود خيبر وفَدَك،
ولم يخرج أهلَ تَيْماء ووادي القُرَى لأنّهما داخلتان في أرض الشام؛
ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، وما وراء ذلك من
الشام .
وقال ابن وَهْب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن
المسيّب، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله وَل حين قفل من غزوة خيبر،
فسار ليله حتى إذا أدركنا الكَرَى عَرَّسَ رسولُ اللهِوَّةِ، وقال لبلال: اكْلاً
لنا اللَّيلَ. فغلبتْ بلالاً عيناهُ فلم يستيقظ النّبيُّ وٍَّ ولا بلال إلّ بِحَرِّ
الشمس .... الحديثَ. أخرجه مسلم(١) .
(١) مسلم ١٣٨/٢، وانظر المسند الجامع حديث (١٢٩٥٥).
٩١

ورُوي أنّ ذلك كان في طريق الحُدَيبية. رواه شُغْبة، عن جامع بن
شدّاد، عن عبدالرحمن بن أبي عَلْقَمة، عن ابن مسعود، ويُحتَمَل أنْ
یکونَ نومُھم مرّتین.
وقد رواه زافر بن سليمان، عن شُعبة، فذكر أنّ ذلك كان في غزوة
تَبُوك.
وقد روى الثَّوم عن الصّلاة: عمرانُ بنُ حُصَين، وأبو قَتَادَة
الأنصاريّ. والحديثان صحيحان رواهما مسلم(١)، وفيهما طُول.
وقال [عمارة بن عكرمة، عن عائشة] (٢): لما افتتحنا خيبرَ، قلنا:
الآن نشبع من التمر(٣).
وقال ابن وَهْبٍ: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، عن أنَس، قال:
لما قدِم المهاجرون المدينةَ قدِموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار
أهلَ أرضٍ، فقاسموا المهاجرين على أنْ أعطوهم أنصافَ ثمارِ أموالِهم
كلَّ عام، ويكفونهم العملَ والمَؤونة. وكانت أمُّ أنَس، وهي أمّ سُلَيْم،
أعطت رسولَ اللهِ وَلَ عِذاقاً لها، فأعطاهنَّ رسولُ اللهِوَ لَّ أَمَّ أَيْمَنَ مولاته
أمّ أُسامة بن زيد. فأخبرني أنَسٌ أنَّ رسولَ اللهِ وَّ لما فرغ من قتال أهل
خيبر، وانصرف إلى المدينة، ردَّ المهاجرون إلى الأنصار متاعهم، وردّ
رسولُ اللهِوَ﴿ إلى أمّي عذاقها، وأعطى أمّ أيْمن مكانهنَّ من حائطه .
قال ابن شهاب: وكان من شأنِ أمّ أسامة بن زبد أنّها كانت وصيفةً
لعبد الله بن عبدالمطّلب، وكانت من الحَبَشَة، فلما ولدت آمنةُ رسولَ الله
وَّ كانت أمّ أيمن تحضنه حتى كَبِر رسولُ الله ◌َ ل فأعتقها، ثم أنكحها
زيد بن حارثة، ثم تُؤُقِّيَتْ بعدما تُوُفّي رسولُ الله وَّ بخمسة أشهر.
(١) مسلم ١٣٨/٢، وانظر المسند الجامع حديث (١٢٥١٨).
(٢) في الأصل بياض قدر أربع كلمات، فأضفنا ما بين الحاصرتين من البخاري.
(٣) البخاري ١٧٨/٥ .
٩٢

أخرجه مسلم (١) .
وقال مُعْتَمِر: حدّثنا أبي، عن أنس، أنّ الرجل كان يُعطي من ماله
النّخلات أو ما شاءَ اللهُ من ماله، النّبيَّ نََّ، حتى فُتِحَت عليه قُرَيْظة
والنَّضير، فجعل يردُّ بعد ذلك، فأمرني أهلي أنْ آتيه فأسأله الذي كانوا
أعطوه أو بعضه، وكان النّبيُّ وَلِّ أعطاه أمّ أيْمن، أو كما شاء الله. قال:
فسألته، فأعطانيهنَّ. فجاءت أمُّ أيمن فَلَوَتِ الثَّوبَ في عُنُقي، وجعلتْ
تقول: كلّ والله الذي لا إله إلّ هو، لا يُعطيكهنَّ وقد أعطانِيهنَّ. فقال
نبيُّ الله ◌ََّ: (يا أمّ أيْمن اتركي ولكِ كذا وكذا)). وهي تقولُ: كلا والله.
حتى أعطاها عشرةَ أمثالِ ذلك، أو نحوه. وفي لفظٍ في الصّحيح: وهي
تقول: كلّ والله حتى أُعطَى عشرة أمثاله. أخرجاه(٢).
وفي سنة سبع: قدِم حاطبُ بنُ أبي بَلْتَعَة من الرُّسلية إلى المُقَوْقس
ملك ديار مصر، ومعه منه هديةٌ للنّبيِّ وََّ، وهي ماريّة القبطية، أمّ
إبراهيم ابن النّبِيِّ بََّ، وأختها شِيرين التي وهبها لحسّان بن ثابت،
وبغلة النّبِيّ ◌َّ دُلْدُل، وحماره يَعْفُور.
وفيها: تُؤُفِيتْ تُوَيْبة مُرْضعة النّبِي بَّ بلبن ابنها مسروح وكانت
مولاةً لأبي لهب أعْتَقَها عامَ الهجرة. وكان النّبيُّ ◌َّه يبعث إليها إلى مكة
بصِلة وكِسْوة. حتى جاءه موتُها سنة سبعٍ مَرْجِعَهُ من خيبر، فقال: ((ما
فعل ابنُها مسروح))؟ قالوا: مات قبلها. وكانت خديجة تُكْرِمُها، وطلبت
شراءها من أبي لَهَبٍ فامتنع. رواه الواقديُّ، عن غير واحد. أرضعت
النّبِيَّ وَّه قبل حليمة أياماً، وأرضعت أيضاً حمزة بن عبدالمطلب، وأبا
سَلَمَةَ بنَ عبدالأسد رضي الله عنهما .
(١) مسلم ١٦٢/٥، والبخاري ٢١٦/٣، وانظر المسند الجامع حديث (٧٩٢).
(٢) البخاري ١٠٦/٤ و١١٣/٥ و١٤٣، ومسلم ١٦٣/٥، وانظر المسند الجامع
حديث (١٣٠٧).
٩٣

سَرِيّة أبي بكر رضي الله عنه إلى نجد
وكانت بعد خيبر سنة سبعٍ.
قال عِكْرِمة بن عمّار: حدّثني إياس بن سَلَمَةَ بن الأكْوَع، عن أبيه،
قال: بعث رسولُ اللهِ وَّر أبا بكر رضي الله عنه إلى بني فَزارة، وخرجتُ
معه حتى إذا دنونا من الماء عَرَّسَ بنا أبو بكر، حتى إذا ما صلَّينا
الصُّبْحَ، أمرنا فَشَنَنَّا الغارَةَ، فَوَرِدْنا الماءَ. فقتل أبو بكر مَنْ قتل، ونحنُ
معه، فرأيتُ عُنُقاً(١) من النَّاس فيهم الذَّراريّ، فخشيتُ أن يسبقوني إلى
الجبل، فأدركتُهم، فرميت بسهمي. فلما رأوه قاموا، فإذا امرأة عليها
قَشْعٌ(٢) من أدَم، معها ابنتها من أحسنِ العرب فجئتُ أسوقهم إلى أبي
بكر، فنفَّلني أبو بكر ابنتها، فلم أكشفْ لها ثوباً حتى قدِمتُ المدينة، ثم
باتت عندي فلم أكشفْ لها ثوباً، حتى لقيني رسولُ اللهِ وَّر في السوق
فقال: ((يا سَلَمَة، هبْ ليَ المراةَ»، قلت: يا نبيَّ الله والله لقد أعجبتني
وما كشفتُ لها ثوباً. فسكتَ حتى كان من الغد، فقال: ((يا سَلَمَة، هبْ
ليَ المرأةَ للهِ أبوكَ)). قلت: هيَ لكَ يا رسولَ الله. قال: فبعث بها رسولُ
الله ◌َ﴿ إلى أهل مكة، فَفدَى بها أسرى من المسلمين. أخرجه
(٣)
مسلم (٣) .
وقيل: كان ذلك في شعبان.
(١) أي: جماعة.
(٢) أي: نطع من جلد.
(٣) مسلم ٥/ ١٥٠، وانظر المسند الجامع حديث (٤٩٠٦).
٩٤

سرِيّة عمر رضي الله عنه إلى عَجُزِ هَوَازِن
قال الواقديّ(١) : حدثنا أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبي بكر بن
عمر بن عبدالرحمن، قال: بعث رسولُ الله ◌َّ عمرَ إلى تُرَبَة عَجُز
هَوَازن، في ثلاثين راكباً، فخرج ومعه دليلٌ. فكانوا يسيرون اللَّيلَ
ويكمنون النّهار. فأتى الخبرُ هوازنَ، فهربوا. وجاء عمر محالَّهم، فلم
يَلْقَ منهم أحداً، فانصرف إلى المدينةِ، حتى سلك النَّجْدية. فلما كانوا
بالجَدَد(٢)، قال الدليل لعمر: هل لك في جمع آخر تركتُه من خَثْعَمِ
جاؤوا سائرين، قد أجدبتْ بلادُهم؟ فقال عمر: ما أمرني رسولُ اللهِ وَالـ
بهم. ورجع إلى المدينة. وذلك في شعبان.
سرية بشير بن سعد
قال الواقديّ(٣) : حدّثني عبدالله بن الحارث بن الفضل، عن أبيه،
قال: بعث النّبِيُّ ◌َلَهَ بَشيرَ بنَ سعد في ثلاثين رجلاً إلى بني مُرّة بِفَدَك.
فخرج فلقي رُعاءَ الشاء، فاستاق الشاءَ والنَّعَم منحدراً إلى المدينة.
فأدركه الطَّلب عند الليل، فباتوا يرامونهم بالنّبل حتى فنيَ نَبْلُ أصحابٍ
بشير، فأصابوا أصحابه وولَّى منهم مَنْ ولَّى، وقاتل بشير قتالاً شديداً
حتى ضُرِبتْ كعباه، وقيل قد مات، ورجعوا بنَعمهم وشائهم، وتحامل
بشير حتى انتهى إلى فَدَك، فأقام عند يهوديٍّ حتى ارتفع من الجراح، ثم
رجع إلى المدينة .
(١) المغازي ٧٢٢/٢.
(٢) الجدد: موضع في بلاد هذيل.
(٣) المغازي ٧٢٣/٢.
٩٥

سَرِيَّةٌ غالب بن عبدالله الليثي
قال الواقديّ(١) : حدّثني أفلح بن سعيد، عن بشير بن محمد ابن
الذي أُرِيَ الأذان عبدالله بن زيد، قال: كان مع غالب بن عبدالله: أبو
مسعود عُقْبة بن عَمْرو الأنصاري، وكعب بن عُجْرة، وعُلْبَة بن زيد.
فلما دنا غالب منهم بعثَ الطلائعَ ثم رجعوا فأخبروه فأقبل يسيرُ حتى إذا
كان بمنظرٍ العين منهم ليلاً وقد احتلبوا وهدأوا، قام فحمد الله وأثنى
عليه وأمرَ بالطّاعةِ، قال: وإذا كَبَّرْتُ فكبِّرُوا، وجرِّدُوا الشَّيوف. فذكر
الحديث في إحاطتهم بهم. قال: ووضعنا السيوف حيث شئنا منهم،
ونحنُ نصيحُ بشعارنا: أمِتْ أمِتْ. وخرج أسامة فحمل على رجلٍ فقال:
لا إله إلّ الله. وذكر الحديث.
وقال يونس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق: حدّثني شيخ من
أسْلم، عن رجالٍ من قومه، قالوا: بعث رسول الله وَ ﴿ غالب بنَ عبدالله
الكلبي، كلب لَيْث، إلى أرض بني مُرَّة، فأصاب بها مِرْداس بن نَهِيك،
حليف لهم من الحُرَقَة فقتله أسامة. فحدّثني محمد بن أسامة بن محمد
ابن أسامة، عن أبيه، عن جدّه أسامة بن زيد، قال: أدركته، يعني
مِرْداساً، أنا ورجل من الأنصار، فلما شَهَرْنا عليه السَّيف قال: أشهد أن
لا إله إلّ الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه. فلما قدمنا على رسول الله وَ ل
أخبرناه خبره، فقال: ((يا أسامة مَنْ لك بلا إله إلّ الله))؟ فقلت: يا رسول
الله، إنّما قالها تَعَؤُّذاً من القَتْلِ. قال: ((فَمَنْ لك بلا إله إلّ الله)).
فوالذي بعثه بالحقِّ، ما زال يُرَدِّدُهَا عليَّ حتى لَوَدِدْتُ أنّ ما مضى من
إسلامي لم يكن. وأنّي أسلمتُ يومئذٍ ولم أقتلْه .
(١) المغازي ٧٢٤/٢.
٩٦

وقال هُشَيْم: أخبرنا حُصَيْن بن عبدالرحمن، قال: حدثنا أبو
ظبيان، قال: سمعت أسامة بن زيد يُحَدِّثُ، قال: أتينا الحُرَقَة من
جُهَيْنة، قال: فصبَّحْنا القَومَ فهزمناهم، ولحقت أنا ورجلٌ من الأنصار
رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلّ الله. قال: فكفَّ عنه
الأنصاريُّ، وطعنته أنا برمحي حتى قتلته، فلما قَدِمْنا بلغ النّبيَّ نَله
ذلك، فقال: أَقَتَلْتَهُ بعدما قال لا إله إلّ الله، ثلاث مرّات. قلتُ: يا
رسولَ الله، إنّما كان مُتَعَوِّذاً، قال: فما زال يُكرِّرها حتى تمنَّيتُ أنّي لم
أكن أسلمتُ قبل يومئذٍ. مُتَّفقٌ عليه(١) .
وقال محمد بن سَلَمَة، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني يعقوب بن
عُتْبَة، عن مسلم بن عبدالله الجُهني، عن جُنْدب بن مَكِيث الجُهَني،
قال: بعث رسول الله ﴿﴿ غالب بن عبدالله إلى بني المُلَوِّح بالكَدِيدِ،
وأمره أن يُغِير عليهم، وكنتُ في سريَّته. فمضينا حتى إذا كنّا بقُدَيْد،
لقينا به الحارثَ بنَ مالك بن البَرْصاء اللَّيْئي، فأخذناه، فقال: إنِّي إنَّما
جئتُ لُأُسْلمَ. فقال له غالب: إنْ كنتَ إنّما جئت لتُسْلِم فلا يضرُّك رِباط
يومٍ وليلة، وإنْ كنتَ على غير ذلك استوثَقْنا منك. قال: فأوثقه رِباطاً
وخَلَّف عليه رُوَيْجلاً أسود، قال: امكُثْ عليه حتى نمرَّ عليك، فإنْ
نازَعَكَ فاحتزَّ رأسَه، وأتينا بطْنَ الكَدِيد فنزلناه بعد العصر. فبعثني
أصحابي إليه، فعمدت إلى تلّ يُطْلعني على الحاضر، فانبطحتُ عليه،
وذلك قبل الغروب. فخرج رجل فنظر فرآني منبطحاً على التلِّ فقال
لامرأته: إنِّي لأرى سواداً على هذا التلِّ ما رأيته في أوّل النهار، فانظري
لا تكون الكلاب اجترّت بعضَ أوعيتكِ. فنظرتْ فقالت: والله ما أفقدُ
(١) البخاري ١٨٣/٥ و٤/٩، ومسلم ٦٧/١ و٦٨، وانظر المسند الجامع
حديث (١٠٥).
(٢) ابن هشام ٦٠٩/٢ -٦١١ .
٩٧

شيئاً. قال: فناوليني قوسي وسهمَيْن من نَبْلي. فناولَتْه فرمَاني بسهم
فوضعَهُ في جبيني، أو قال: في جنبي، فنزعته فوضعتُه ولم أتحرّك، ثم
رماني بالآخر، فوضعه في رأس منكبي، فنزعته فوضعتُه ولم أتحرّك.
فقال لامرأته: أما والله لقد خالطه سهماي، ولو كان زائلاً لتحرّك، فإذا
أصبحتِ فابْتَغي سهميَّ فخذيهما، لا تمضغهما عليَّ الكلاب.
قال: ومَهَلْنا حتى راحت روائحهم، وحتى إذا احتلبوا وعَطَّئُوا
وذهب عَتَمَةٌ من اللَّيل شَنَنَّا عليهم الغارة فقتلنا مَنْ قتلنا واستَقْنا النَّعم
فوجَّهْنا قافلين به، وخرج صريخُ القوم إلى قومهم، قال: وخرجنا سِرَاعاً
حتى نمرّ بالحارث بن مالك بن البَرْصاء وصاحبه، فانطلقنا به معنا.
وأتانا صريحُ النّاس فجاءنا مالا قِبَلَ لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم
إلّ بطنُ الوادي من قُدَيْد، بَعَثَ الله من حيث شاء ماءً ما رأينا قبل ذلك
مَطَراً ولا خالاً (١) ، فجاء بما لا يقدر أحدٌ يقدمُ عليه، لقد رأيتهم وقوفاً
ينظرون إلينا ما يقدر أحدٌ منهم أن يقدم عليه، ونحن نحدوها. فذهبنا
سِراعاً حتى أسندناها في المُشَلَّل، ثم حَدَرْنا عنه وأعجزناهم.
سِرِيَّةُ حَتَان (٢)
قال الواقدي في مغازيه(٣) : حدّثني يحيى بن عبدالعزيز بن سعيد
ابن سعد بن عُبادة، عن بشير بن محمد بن عبدالله بن زيد، قال: قدِم
رجلٌ من أشْجَعَ يُقال له: حُسَيْل بن نُوَيْرَة، وكان دليلَ النّبِيِّ وَّ إِلى
(١) الخالُ: الغَيْم، وقال الأزهري: وقد يقال للسحاب الخال (انظر اللسان).
(٢) جَوّد البشتكي ضبطها عن المؤلف، وهي كذلك عند الواقدي ((الحنان)) كما
هنا، ولكن ناشره جونس غيرها، كما بَيّن في الحاشية.
(٣) المغازي ٧٢٧/٢ .
٩٨

خيبر، فقال له: من أين يا حُسَيْل؟ قال: من يَمْن وحَنَان، قال: وما
وراءك؟ قال: تركت جمعاً من يمن وغَطَفان وحنان وقد بعث إليهم
عُيَيْنَة: إمّا أن تسيروا إلينا وإمّا أن نسير إليكم، فأرسلوا إليه أنْ سِرْ إلينا،
وهم يريدونك أو بعض أطرافك. فدعا رسول الله ب لر أبا بكر وعمر فذكر
لهما ذلك فقالا جميعاً: ابعث بشير بن سعد، فعقد له لواءً وبعث معه
ثلاث مئة رجل، وأمرهم أن يسيروا اللّيل ويكمنوا النّهار، ففعلوا، حتى
أتوا أسفلَ خَيبر، فأغاروا وقتلوا عيناً لعُبَيْنَة. ثم لقوا جمع عُيَيْنة
فناوشوهم، ثم انكشف جمع عُيَيْنة وأُسِرَ منهم رجلان، وقدِموا بهما
على النّبِيّ ◌َّ فأسلما(١).
سرِيَّ أبي حَدْرَد إلى الغابة
قال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق: كان من حديث أبي حدرد
الأسلميّ ما حدّثني جعفر بن عبدالله بن أسْلَم، عن أبي حَدْرَد، قال:
تزوَّجتُ امرأةً من قومي، فأصْدقْتُها مئتي دِرْهَم. فأتيتُ رسولَ اللهِ إِ له
أستعينه على نكاحي، فقال: كم أصدقت؟ قلت: مئتي درهم. فقال:
سبحان الله، والله لو كنتم تأخذونها من واد ما زاد، لا والله ما عندي ما
أُعينكَ به. فلبث أياماً، ثم أقبل رجل من جُشَم بن معاوية يقال له رفاعة
ابن قيس أو قيس بن رفاعة، في بطن عظيم من جُشَم، حتى نزل بقومه
ومن معه بالغابة، يريد أنْ يجمعَ قيساً على حربٍ رسولِ اللهِ وَّر. وكان
ذا شَرَفٍ، فدعاني النّبيُّ وَلَّ ورجلين من المسلمين، فقال: ((اخرجوا
إليه، حتى تأتوا منه بخبرٍ وعِلْم)). وقَدَّمَ لنا شارفاً عجفاء، فحُمِلَ عليها
(١) المغازي للواقدي ٧٢٧/٢ .
٩٩

أحدُنا، فوالله ما قامت به ضَعْفاً، حتى دعمها الرجال من خلفها
بأيديهم، حتى استقلَّتْ وما كادت، وقال: تَبَلَّغُوا على هذه. فخرجنا،
حتى إذا جئنا قريباً من الحاضر مع غروب الشمس، فكمنتُ في ناحية،
وأمرتُ صاحِبَيَّ فَكَمنا في ناحية، وقلت: إذا سمعتماني قد كبّرت
وشدَدْت في العسكر، فكبِّروا وشدُّوا معي، فوالله إنَّا لكذلكَ ننتظر أن
نرى غِرَّةً وقد ذهبت فحمةُ العِشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك
البلد فأبطأ عليهم، فقام زعيمُهم رِفاعة فأخذ سيفه وقال: لأتبعنَّ أثرَ
راعينا. فقالوا: نحنُ نكفيكَ. قال: لا والله لا يتبعني أحدٌ منكم. وخرج
حتى يَمُرَّ بي، فلما أمكنني نفحتُه بسهمٍ فوضعته في فؤاده، فوالله ما
نطقَ، فوثبتُ إليه، فاحتززْتُ رأسه، ثم شددتُ في ناحية العسكر
وكَبَّرتُ وكبَّر صاحباي، فَوَالله ما كان إلّ النّجاء ممن كان فيه: عندك!
بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خَفَّ معهم، واستُقْنا إبلا
عظيمةً وغَنَماً كثيرة، فجئنا بها إلى رسول الله وَله، وجئتُ برأسه أحمله
معي، فأعطاني من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيراً في صداقي، فجمعتُ إليَّ
أهلي(١) .
سَرِيَّةٌ مُحَلِّم بن جَثَّامة
قال محمد بن سَلَمَة، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني يزيد بن عبدالله
ابن قُسَيْط، عن ابن عبدالله بن أبي حَدْرَد، عن أبيه، قال: بَعَثَنَا رسول
الله ◌َّ إلى إضَم في نفرٍ من المسلمين منهم أبو قَتَادة، ومُحَلّم بن جَثّامَة
ابن قيس. حتى إذا كنّا ببطن إضَم، مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعيّ
(١) انظر ابن هشام ٦٢٩/٢.
(٢) ابن هشام ٢/ ٦٢٦.
١٠٠