Indexed OCR Text
Pages 21-40
قال: وفيها كانت سَرِيَّةُ زيد بن حارثة بالجَمُومِ. فأصاب امرأةً من مُزَيْنَة، يقال لها: حليمة، فدلَّتهم على مكانٍ فأصابوا مواشي وأُسَراء، منهم زوجها، فوهبها النّبيُّ وَّهِ نفسَها وَزَوْجَها (١). وفيها سَرِيَّةُ زيدٍ بن حارثة إلى الطَّرف؛ إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلاً. فهربت الأعرابُ وخافوا، فأصاب من نَعَمِهم عشرين بعيراً. وغاب أربع ليالٍ(٢). وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى العِيص؛ في جُمَادَى الأولى؛ وأُخِذَت الأموال التي كانت مع أبي العاص، فاستجار بزينب بنت رسول الله ◌َلّ فأجارته(٣). وحدّثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: أقبل دِحْية الكلبي من عند قَيْصر، قد أجازه بمال. فأقبل حتى كان بِحُسْمى (٤) ، فلقيَه ناسٌ من جُذام، فقطعوا عليه الطريق وسلبوه، فجاء رسول الله وَفيه. قبل أن يدخل بيته فأخبره. فبعث زيدَ بنَ حارثة إلى حُسْمَى؛ وهي وراء وادي القُرَى وكانت في جُمادَى الآخرة(٥) . ثم سَرِيَّةُ زيدٍ إلى وادي القُرَى في رجب (٦) . ثم قال: وحدّثني عبدالله بن جعفر، عن يعقوب بن عُتْبَة، قال: خرج عليٍّ رضي الله عنه في مئة إلى فَدَك إلى حيٍّ من بني سعد بن بكر. وذلك أنّ رسول الله وَّر بلغه عنهم أنّ لهم جَمْعاً يريدون أن يمدُّوا يهودَ (١) طبقات ابن سعد ٨٥/٢. (٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٨٧. (٣) طبقات ابن سعد ٢ / ٨٧. (٤) هكذا قيدها المؤلف مرتين بضم الحاء المهملة، والمعروف أنها بكسر الحاء المهملة . (٥) المغازي للواقدي ٥٥٥/٢، وطبقات ابن سعد ٨٨/٢، وابن هشام ٦١٣/٢. (٦) طبقات ابن سعد ٨٩/٢. ٢١ خيبر. فسار إليهم اللّيل وكَمَنَ النّهار، وأصاب عَيْناً فأقرَّ له أنّه بُعثَ إلى خيبر يعرض عليهم نصرهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر(١) . قال الواقدي(٢) : وذلك في شعبان. وكانت غزوة أم قرفة في رمضان سار إليها زيد بن حارثة لأنها كانت تؤذي النبيّ وَلّ، ذكره الواقدي(٣). قال: وفيها سَرِيَّةُ عبدِ الرحمن بن عَوْف إلى دُومة الجَنْدَل في شعبان، فقال له رسول الله وَله: إنْ أطاعوا فتزوّج ابنةَ ملِكِهم. فأسلم القوم، وتزوّج عبدُالرحمن تماضر بنت الأصبغ؛ والدة أبي سَلَمَة، وكان أبوها ملكهم (٤). وفي شوّال كانت سَرِيَّةُ كُرْز بن جابر الفِهْرِيّ إلى العُرَنِين الذين قتلوا راعي رسولِ اللهِ وَّ واستاقوا الإبل. فبعثه في عشرين فارساً وراءهم. وقال ابن أبي عَرُوبة، عن قَتَادَة، عن أنس: أنّ رَهْطاً من عُكْل وعُرَيْنَة أتوا رسولَ الله وَلِّ فقالوا: إنّ أُناسٌ من أهل ضَرْع، ولم نكن أهل ريفٍ، فاستَوْخَمْنا المدينَةَ. فأمر لهم رسول الله وَّ بِذَوْدٍ وزادٍ، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من أبوالها وألبانها. فانطلقوا حتى إذا كانوا في ناحية الحَرَّة قتلوا راعيَ رسولِ اللهِ وَّر واستاقوا الذَّوْدَ، وكفروا بعد إسلامهم. فبعث النّبِيُّ ◌َِّ فِي طَلَبهم، فأمر بهم فقطع أيديَهُم وأرجُلَهم وَسَمَرَ أَعْيُّنَهم، وتركهم في ناحية الحَرَّة حتى ماتوا وهم كذلك. قال قَتَادَة: فذُكر لنا أنّ هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَُّؤَا الَّذِينَ (١) طبقات ابن سعد ٨٩/٢ - ٩٠. (٢) المغازي ٢ / ٥٦٢. (٣) المغازي ٢ / ٥٦٤ . (٤) ابن هشام ٦٣١/٢، وطبقات ابن سعد ٨٩/٢. ٢٢ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ: ﴿)﴾ [المائدة] الآية. قال قَتَادَة: بَلَغَنَا أنّ رسول الله وَلِ﴿ كان يحثّ في خطبته بعد ذلك على الصَّدَقَة وَيَنْهَى عن المُثْلَة. مُتَّقٌ عليه(١) . وفي بعض طُرُقه: من عُكْل، أو عُرَيْنَة. ورواه شُعبة، وهَمَّام، وغيرهما، عن قَتَادَة فقال: من عُرَيْنَة؛ من غير شَكّ. وكذلك قال حُمَيْد، وثابت، وعبدالعزيز بن صُهَيْب، عن أنس. وقال زُهير: حدثنا سِمَاك بن حرب، عن معاوية بن قُرَّة، عن أنس: أَنَّ نَفَرَاً من عُرَيْنة أتوا رسولَ الله وََّ فبايعوه، وقد وقع في المدينةِ المومُ - وهو البِرْسامُ(٢) - فقالوا: هذا الوجع قد وقع يا رسول الله، فلو أذِنْتَ لنا فرُحنا إلى الإبل. قال: نعم، فاخرجوا وكونوا فيها. فخرجوا، فقتلوا أحدَ الراعيين وذهبوا بالإبل، وجاء الآخر وقد جُرحَ، قال: قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل. وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين، فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفاً يقتصُّ أثرهم. فأُتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَرَ أعينهم. أخرجه مسلم (٣). وقال أيّوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: قدم رَهْط من عُكْل فأسلموا فاجْتَوَوُا الأرض، فذكره، وفيه: فلم ترتفع الشمس حتى أُنْيَ بهم، فأمر بمسامير فأُحميت لهم، فكواهم وقطع أيديهم وأرجلهم، ولم يَحْسِمهم (٤) وألقاهم في الحَرَّة يستسقون فلا يُسْقَوْنَ حتى ماتوا. (١) البخاري ١٦٤/٥ و١٦٧/٧، ومسلم ١٠٣/٥، وانظر المسند الجامع ٦٢/٢ (٨٠٥). (٢) أي: التهاب ذات الجنب. (٣) مسلم ١٠٣/٥، وانظر المسند الجامع ٦٦/٢ (٨١٠). (٤) حسم: كوى، ليقطع الدم بالكَيِّ. ٢٣ أخرجه البخاري(١). إسلام أبي العاص مبسوطاً أسلم أبو العاص بن الربيع بن عبد العُزَّى بن عبد شمس بن عبد مَناف بن قُصَيّ العَبْشَمي، خَتن(٢) رسولِ الله وَّل على ابنته زينب، أمّ أُمامة، في وسط سنة ستٍ. واسمه لقيط، قاله ابن مَعِين والفلّس. وقال ابن سعد: اسمه مِقْسَم، وأمّه هالة بنت خُوَيْلِد خالة زوجته، فهما أبناء خالة. تزوّج بها قبل المبعث، فولدت له عليّاً فمات طفلاً، وأُمامة التي صلّى النّبيُّ وَّر وهو حاملها وهي التي تزوّجها عليّ رضي الله عنه بعد موت خالتها فاطمة رضي الله عنها وكان أبو العاص يُدْعَى جَرْو البطحاء، وأُسِر يوم بدر، وكانت زينب بمكة. قال يحيى بن عبّاد بن عبدالله بن الزُّبَيْر، عن أبيه، عن عائشة، قالت: فَبَعَثَتْ في فدائه بمالٍ منه قِلاَدَة لها كانت خديجة أدخلتها بها. فلما رأى رسولُ الله ◌ََّ القلادَة رقَّ لها وقال: ((إنْ رأيتم أن تُطلِقُوا لها أسيرَها وتردُّوا عليها الذي لها فافعلوا))(٣). ففعلوا. فأخذَ عليه عهداً أن يخلي زينب إلى رسول الله وَله سرّاً. وقال ابن إسحاق(٤): فبعث رسول الله وَّل زيد بن حارثة ورجلاً، (١) البخاري ٦٧/١ و٧٥/٤ و١٦٥/٥ و٦٥/٦ و ٢٠١/٨ و٢٠٢ و١١/٩، ومسلم ١٠٢/٥، وانظر طرق الحديث في المسند الجامع ٥٩/٢ -٦١ حديث رقم (٨٠٤). (٢) أي: صهره. (٣) أحمد ٢٧٦/٦، وأبو داود (٢٦٩٢)، وانظر ابن هشام ١/ ٦٥٣. (٤) ابن هشام ١/ ٦٥٣. ٠٢٤ فقال: کونا ببطن يأجج حتى تمرَّ بكما زينب. وذلك بعد بدرٍ بشهر. قال: وكان أبو العاص من رجال قريش المعدودين مالاً وأمانةً وتجارة. وكان الإسلام قد فَرَّقَ بينه وبين زينب، إلّا أنَّ النّبِيَّ وَّوَ كان لا يقدر أن يفرّق بينهما . قال يونس، عن ابن إسحاق: حدّثني عبدالله بن أبي بكر بن حزم، قال: خرج أبو العاص تاجراً إلى الشام، وكان رجلاً مأموناً. وكانت معه بضائع لقريش. فأقبل قافلا فلقيته سريةٌ للنّبِيّ وََّ، فاستاقوا عِيرَه وهرب. وقدِموا على رسول الله وَلّله بما أصابوا فقسَمَه بينهم، وأتى أبو العاص حتى دخل على زينب فاستجار بها، وسألها أن تطلب له من رسول الله وَّ رَدَّ ماله عليه. فدعا رسول الله وَّهِ السَّرِيَّة فقال لهم: إنّ هذا الرجل منّا حيثُ قد علِمْتُم، وقد أصبتم له مالاً ولغيره مما كان معه، وهو فَيْءٌ، فإنْ رأيتم أن تردّوا عليه فافعلوا، وإنْ كرهتم فأنتم وحقّكم. قالوا: بل نردّه عليه. فردُّوا والله عليه ما أصابوا، حتى إنّ الرجل ليأتي بالشّنَّة، والرجل بالإداوة وبالحبل. ثم خرج حتى قدم مكة، فأدّى إلى النّاس بضائعهم، حتى إذا فرغ قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحدٍ منكم معي مال؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيراً. فقال: أما والله ما منعني أن أُسْلِمَ قبل أن أقدِم عليكم إلّ تخوّفت أن تظلُّوا أنّي إنّما أسلمت لأذهب بأموالكم، فإنِّي أشهدُ أن لا إله إلّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله. وأما موسى بن عُقْبة فذكر أنَّ أموالَ أبي العاص إنّما أخذها أبو بَصِير في الهدنة بعد هذا التاريخ. وقال ابن نُمَيْر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعْبِيّ، قال: قدِم أبو العاص من الشّام ومعه أموال المشركين، وقد أسلمت امرأته زينب وهاجَرَت، فقيل له: هَلْ لكَ أنْ تُسْلم وتأخذ هذه الأموالَ التي معك؟ فقال: بئس ما أبدأ به إسلامي أنْ أخونَ أمانتي، فكفلت عنه امرأته أن ٢٥ يرجع فيؤَدِيَ إلى كُلِّ ذي حقِّ حَقَّهُ؛ فيرجع ويُسْلم. ففعل. وما فرَّق بينهما، يعني النّبيّ ◌َلَِّ(١). وقال ابن لَهِيعة عن موسى بن جُبَيْر الأنصاريّ، عن عِراك بن مالك، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن أم سَلَمَة أنّ زينب بنت رسول الله وَل أرسل إليها زوجها أبو العاص أنْ خُذي لي أماناً من أبيك. فأطْلَعَتْ رأسها من باب حجرتها، والنّبيّ وَّ في الصبح، فقالت: أيُّها النّاس إني زينب بنت رسول الله، وإنّي قد أجرت أبا العاص. فلما فرغ رسول الله وَله من الصّلاة قال: أيّها النّاس إنّي لا عِلْم لي بهذا حتى سمعتموه، ألا وإنّه يجير على النّاس أدناهم. وقال ابن إسحاق(٢) عن داود بن الحُصَيْن، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: ردّ النّبيّ وَّر ابنته على أبي العاص على النكاح الأول بعد ستّ سنين. وقال حَجّاج بن أرطاة، عن محمد بن عُبَيْد الله العَرْزَمي - وهو ضعيف -، عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدّه أنّ رسول الله وَل ردّها بمهر جدید ونكاح جديد(٣). قال الإمام أحمد (٤) : هذا حديث ضعيف، والصحيح أنَّ رسولَ الله وَلّ أقرهما على النكاح الأول. وقال ابن إسحاق(٥) : ثم إنّ أبا العاص رجع إلى مكّة مُسْلماً، فلم يشهد مع النّبيّ وَّر مشهداً. ثم قدم المدينةَ بعد ذلك، فتُوُفي في آخر (١) أبو داود (٢٢٤٠)، والترمذي (١١٤٣). (٢) ابن هشام ٦٥٨/١-٦٥٩ . (٣) أحمد ٢٠٧/٢، وابن ماجة (٢٠١٠)، والترمذي (١١٤٢). (٤) المسند ٢٠٧/٢ . (٥) ابن هشام ٦٥٨/١. ٢٦ سنة اثنتي عشرة، والله أعلم. سَرِيَّةُ عبدِ الله بن رَوَاحة إلى أُسَيْر بن زارم في شوّال قيل إنّ سلّم بن أبي الحُقَيْق لما قُتِل أمَّرَتْ يهود عليهم أُسَيْر بن زارم(١) فسار في غَطَفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله وَّر. فوجَّه رسول الله وَ﴿ ابن رَوَاحة في ثلاثة نفر سرّاً، فسأل عن خبره وغِرّته فأُخبر بذلك. فقدِم على رسول اللهِ وَّ فأخبره. فندب رسولُ اللهِ وَّرَ الناسَ فانتدبَ له ثلاثون رجلاً، فبعث عليهم ابن رَوَاحَة. فقدِموا على أُسَيْر فقالوا: نحن آمنون نعرض عليك ما جئنا له؟ قال: نعم، ولي منكم مثل ذلك. فقالوا: نعم. فقالوا: إنّ رسول الله وَّهَ بَعَثَنَا إليك لتخرج إليه فيستعملُك على خيبر ويُحسن إليك. فطمع في ذلك فخرج، وخرج معه ثلاثون من اليهود، مع كلّ رجلٍ رديفٌ من الملسمين. حتى إذا كانوا بِقَرْقَرَة ثِبار ندم أُسَيْر فقال عبد الله بن أنيس - وكان في السَّرِيّة -: وأهوى بيده إلى سيفي ففطِنْتُ له ودفعت بعِيري وقلت: غدراً، أي عدوّ الله. فعل ذلك مرّتين. فنزلت فسقت بالقوم حتى انفردت إلى أُسَيْر فضربته بالسيف فأندرتُ(٢) عامّةٍ فَخِذِهِ، فسقط وبيدِه مِخْرَش(٣) ، فضربني فشجّني مأمومة (٤) ، ومِلْنا إلى أصحابه فقتلناهم، وهرب منهم رجل. (١) هكذا مجودة التقييد والضبط بخط البشتكي عن المؤلف: بالزاي ثم الراء بعد الألف، وهي كذلك في طبقات ابن سعد وفي ابن هشام ٢ / ٦١٨ اليسير بن رزام، وقيل: رازم . وسيأتي أن الزهري وعروة سمياه: بُشَيْر بن رزام. (٢) أي: أسقطت . هي عصا مُعْوَجَّه الرأسٍ . (٣) (٤) هي الشجة التي بلغت أَمَّ الرأس وهي الجلدة التي تجمع الدماغ. ٢٧ فقدِمْنا على رسول الله وَّر فقال: لقد نجّاكم الله من القوم الظّالمين(١). وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، (ح) وموسى بن عقبة عن ابن شهاب، أن رسول الله وَّل بعث عبدالله بن رواحة في ثلاثين راكباً فيهم عبدالله بن أنيس إلى بُشَيْر بن رِزام اليهودي حتى أتوه بخيبر، فذكر نحو ما تقدم، والله أعلم. قصَّة غزوَة الحُدَيْبِية وهي على تسعة أميال من مكّة خرج إليها رسول الله وَّر في ذي القعدة سنة ستٍ. قاله نافع، وقَتَادة، والزُّهري، وابن إسحاق، وغيرهم، وعُرْوة في ((مغازيه))، رواية أبي الأسود. وتَفْرَّدَ عليّ بن مِسْهَر، عن هشام، عن أبيه، أنّ رسول الله وَل خرج إلى الحُدَيْبية في رمضان، وكانت الحُدَيْبية في شوّال. وفي الصَّحيحَيْن(٢) عِن هُذْبة، عن همّام، قال: حدثنا قَتَادة، أنّ أنَساً أخبره أنّ نبيَّ اللهِ وَّ اعتمر أربع عُمَر كلّهنّ في ذي القِعْدة، إلّ العُمْرة التي مع حَجَّتِهِ عُمْرة الحُدَيْبية زمن الحُدَيْبِية في ذي القِعْدة، وعُمْرة من العام المقبل، وعُمْرة من الجِعْرانة، حيث قسم غنائم حُنَّيْن في ذي القعدة، وعُمْرة مع حَجّته . وقال الزُّهْري، عن عُرْوَة، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة أنّ رسول الله (١) ابن هشام ٦١٨/٢، وطبقات ابن سعد ٢/ ٩٢. (٢) البخاري ٣/٣ و٨٩/٤ و١٥٥/٥-١٥٦، ومسلم ٦٠/٤، وانظر المسند الجامع حديث رقم (٦٨١). ٢٨ خرج عام الحُدَيْبية في بضع عشرة مئة من أصحابه، فلما كان بذي الحُلَيْفَة قلَّد الهَدْي وأشعره، وأحرم منها. أخرجه البخاري(١). وقال شُعْبة، عن عَمْرو بن مُرَّة، سمع ابن أبي أوفى - وكان قد شهد بَيْعة الرّضْوان - قال: كنّا يومئذٍ ألفاً وثلاث مئة. وكانت أسْلَمُ يومئذ ثُمْنَ المهاجرين. أخرجه مسلم (٢) . وعلّقه البخاري في صحيحه(٣). وقال حُصَيْن بن عبدالرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قال: لو كنّا مئة ألفٍ لكفانا، كُنَّا خمس عشرةَ مئة. مُتَّفقٌ عليه (٤) . وخالفه الأعمش، عن سالم، عن جابر، فقال: كنّا أربع عشرة مئة، أصحاب الشَّجَرة، اتّفقا عليه أيضاً. وكأنّ جابراً قال ذلك على التقريب. ولعلّهم كانوا أربع عشرة مئة كاملة تزيد عدداً لم يعتبره، أو خمس عشرة مئة تنقُص عدداً لم يعتبره. والعرب تفعل هذا كثيراً، كما تراهم قد اختلفوا في سنّ رسول الله وَّر، فاعتبروا تارةً السَّنة التي وُلد فيها والتي تُوُفِّي فيها فأدخلوهما في العدد. واعتبروا تارةً السّنين الكاملة وسكتوا عن الشهور الفاضلة . ويبيّن هذا أن قَتَادَة قال: قلت لسعيد بن المسيّب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مئة. قلت: إنّ جابراً قال: كانوا أربع عشرة مئة، قال: يرحمه الله، وَهِمَ. هو حدّثني أنّهم كانوا خمس عشرة مئة. أخرجه البخاري(٥) . وقال عَمْرو بن دينار: سمعت جابر بن عبدالله يقول: كنّا يوم (١) البخاري ١٥٧/٥. (٢) مسلم ٢٦/٦ . (٣) البخاري ١٥٧/٥ . (٤) البخاري ١٥٦/٥-١٥٧، ومسلم ٢٦/٦. (٥) البخاري ١٥٧/٥. ٢٩ الحُدَيْبية ألفاً وأربع مئة. فقال لنا رسول الله وَّ: أنتم خيرُ أهلِ الأرض. اتَّفقا عليه من حديث ابن عُيَيْنة(١) . وقال اللَّيث، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر: كنّا يوم الحُدَيْبية ألفاً وأربع مئة. صحيح (٢). وقال الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جابر: نَحَرْنا عامَ الحُدَيبية سبعين بُدْنَة، البُدْنَة عن سبعة. قلنا لجابر: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: ألفاً وأربع مئة بخيْلنا وَرَجِلِنا. وكذلك قاله البَرَاء بن عازب، ومَعْقِل بن يسار، وسَلَمَة بن الأكْوَع، في أصحّ الروايتين عنه، والمسيّب بن حزْم، من رواية قَتَادَة، عن سعيد، عن أبيه. قال البخاري(٣): مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن عُرْوَةٍ، عن الِمِسْوَر، ومروان بن الحكم، يصدّق كلّ واحدٍ منهما حديثَ صاحِبِه، قالا : خرج رسول الله وَلّ زمن الحُدَيْبية في بضع عشرة مئة من أصحابه. حتى إذا كانوا بذي الحُلَيْفة قلّد رسولُ اللهِ وَّهَ الَهَدْيَ وأَشْعَرَهُ، وأحرمَ بالعُمْرة. وَبعث بين يديه عَيْناً له من خُزاعة يخبره عن قريش. وسار حتى إذا كان بِعَذَبة(٤) الأشطاط قريباً من عُسفان أتاه عينُه الخُزاعي فقال: إنّي تركت كعبَ بنَ لُؤَيّ وعامرَ بنَ لُؤَيّ قد جمعوا لك جموعاً، وهم مُقاتلُوك وصادُّوك عن البيت. فقال النّبيّ وَّرَ: أشيروا علَيَّ، أترون أنْ نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإنْ قعدوا قعدوا موتورين وإن (١) البخاري ١٥٧/٥ و١٧٠/٦، ومسلم ٢٥/٦. (٢) مسلم (١٨٥٦). (٣) البخاري ٢٥٢/٣-٢٥٣ و١٦١/٥ وقد رواه البخاري عن عبدالله بن محمد، عن عبدالرزاق بن همام، عن معمر، فاختصره الذهبي. (٤) كتب على هامش الأصل: ((خ بغدير)) أي: في نسخة أخرى. ٣٠ لَجُوا تكن عنقاً قطعها الله، أم ترون أن نَؤُمَّ البيتَ فمن صَدَّنا عنه قاتلناه؟ قال أبو بكر: اللهُ ورسولُه أعلم إنما جئنا معتمرِين ولم نجىء لقتال أحد، ولكنْ من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. قال: فروحوا إذاً. قال الزُّهْرِي في الحديث: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النّبِيّ ◌ََّ: إِنّ خالد بن الوليد بالغَمِيم في خيْلٍ لقريش طليعةً فخُذُوا ذات اليمين. فَوَالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقَتَرة الجيش(١)، فانطلق يركضُ نذيراً لقريش. وسار النّبيّ نَّ حتى إذا كان بالثّنِيّة التي يُهْبَطُ عليهم منها بركتْ راحلتُه، فقال النّاس: حَلْ حَلْ، فَأَلَحَّت(٢)، فقالوا: خلأت القصْواء خلأت القصْواء(٣) . قال: فَرُوحُوا إذاً. قال الزُّهْري: قال أبو هريرة: ما رأيت أحداً كان أكثر مشاورةً لأصحابه من رسول الله وَلد . قال المِسْوَر ومروان في حديثهما: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النّبيّ وٍَّ: إنّ خالد بن الوليد بالغَمِيم في خيل لقريش - رَجَع الحديث إلى موضعه - قال النّبيّ وَّ: «ما خَلأت القصواء وما ذلك لها بخُلُق، ولكنْ حبسها حابس الفيل)). ثم قال: ((والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطَّةً يعظّمون فيها حُرُمات الله إلّ أعطيتهم إيّاها)). ثم زجرها فوَثَبَتْ به. قال: فَعَدَل حتى نزل بأقصَى الحُدَيْبية على ثَمَدٍ قليل الماء، إنّما يتبرّضه النّاس تبرُّضاً (٤)، فلم يُلَبَّنْه النّاس أنْ نَزَحُوه، فشكوا إلى رسول الله وَّ العَطَش. فانتزع سهماً من كِنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فیه، (١) أي: غباره. (٢) أي: حرفت. (٣) كتب على هامش الأصل: ((خلأت: كَحَرَنتْ)). (٤) كتب على هامش الأصل: ((البرَض: القليل)). ٣١ قال: فوالله ما زال یجیش(١) لهم بالرّيّ حتى صدروا عنه. فبينا هم كذلك إذ جاءه بُدَيْل بن وَرْقاء الخُزَاعي في نفرٍ من خُزَاعة، وكانوا عَيْبَة نُصْح(٢) لرسول الله وَّر من أهل تِهامَة. فقال: إنّي تركت كعبَ بنَ لُؤَّيّ وعامر بن لُؤَّيّ نزلوا أعداد(٣) مياهِ الحُدَيْبية، معهم العُوذ المطافيل(٤)، وهم مُقاتِلوك وصادُّوك عن البيت. قال رسول الله والتن: إنّا لم نجىء لقتال أحدٍ ولكنّا جئنا معتَمرين، وإنّ قُرَيشاً قد نهكتهم الحرب وأضرَّتْ بهم فإنْ شاؤوا مادَدْتُهُم مدَّةً ويُخَلُّوا بيني وبين النّاس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه النّاس فعلوا، وإلّ فقد جَمُّوا(٥) ، وإنْ هم أبَوا فَوَالذي نفسي بيده لأقاتلّنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي(٦) أو ليُنْفِذَنَّ الله أمْرَه. فقال بُدَيْل: سأَبلِّغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قُرَيْشاً، فقال: إنّا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولاً، فإنْ شئتم نعرضه عليكم فعلْنا؛ فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدّثنا عنه بشيء، وقال ذَوُو الرأي منهم: هاتِ ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدّثهم بما قال النّبِيّ ◌َّ . فقام عُرْوة بن مسعود الثَّقَفي، فقال: أيْ قوم ألَستُم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: ألستُ بالولد؟ قالوا: بلى. قال: هل تتّهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أنّي استنفرت أهل عُكاظ فلما بَلَّحُوا(٧) عليّ جئتكم (١) كتب على هامش الأصل: ((يجيش: يفور)). (٢) أي: خاصته وموضع سره. (٣) جمع عد، وهو الماء الجاري. (٤) عُوذ: جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللبن، والمطافيل: الأمهات اللائي معها أطفالها . (٥) أي: استراحوا من جهد الحرب. (٦) أي: حتى يفرق بين رأسي وجسدي، والسالفة: صفحة العنق. (٧) كتب على هامش الأصل: ((أي: انقطعوا)). ٣٢ بأهلي وولدي ومَن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ هذا قد عَرَضَ عليكم خُطّة رُشْد، فاقبلوها ودعوني آَتِه. قالوا: ائتِهِ. فأتاه فجعل يكلّم النّبِيَّ وََّ، فقال نحواً من قوله لبُدَيْل. فقال: أي محمد أرأيتَ إن استأصلتَ قومَك هل سمعتَ بأحدٍ من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإنْ تكن الأخرى فَوَالله إنّي لأرى وجوهاً وأرى أوْباشا(١) من النّاس خُلقاءَ أنْ يفرُّوا وَيَدعوك. فقال له أبو بكر رضي الله عنه: امْصصْ بَظْرَ الّلات، أنحن نفرّ عنه ونَدَعَهُ؟ قال: مَن ذا؟ قال: أبو بكر. قال: والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجْزِك بها لأجَبْتُك. قال: وجعل يكلّم النّبِيّ وَّر، كلّما كلّمه أخذ بلحيته، والمُغيرة بن شُعبة قائمٌ على رأس رسول الله وَ﴾ ومعه السيف وعليه المِغْفَر، فكلّما أهوى عُرْوَة إلى لحية النّبِيّ وَّل، ضرب يده بنَعْل السيف وقال: أخِّرْ يدك. فرفع رأسه فقال: مَنْ هذا؟ قالوا: المغيرة بن شُعبة. فقال: أي غُدَرُ، أوَ لستُ أسعى في غَدْرَتِكَ؟ قال: وكان المغيرة صحِب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم فقال النّبيّ ◌َّ: أمّا الإسلام فأقْبَلُ، وأما المال فلستُ منه في شيء. ثم إنّ عُرْوة جعل يَرْمُقْ صحابةَ النّبيّ نََّ؛ فَوَالله ما تَنَخَّم رسولُ الله وَّ نُخامةً إلّ وقعت في كفّ رجلٍ منهم يدلك بها وجهَه وجِلده، وإذا أمرهم بأمرٍ ابتدروه، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكلّم خَفَضُوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُون إليه النَّظَرَ تعظيماً له. فرجع عُرْوَة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وَفَدْتُ على الملوك؛ وفَدْتُ على قَيْصر وكِسْرى والنَّجاشيّ، والله إنْ رأيتُ ملكاً قطّ يعظّمه أصحابُه ما يعظّم أصحابُ محمدٍ محمداً (٢) . والله إنْ تنخّم نُخامةً إلّ وقعت في (١) أي: الأخلاط والسفلة. (٢) ابن هشام ٢٦/٤ و٢٧. ٣٣ كفّ رجلٍ منهم فدلك بها وجهه وجلْده، وإذا أمرهم ابتدروا أمرَه، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكلّم خَفَضُوا أصواتهم عنده، ولا يُحِدُّون إليه النّظر تعظيماً له، وإنّه قد عرض عليكم خُطّة رُشدٍ فاقبلوها. فقال رجلٌ من بني كِنانة: دعوني آتِه. فقالوا: ائتِهِ. فلمّا أشرف على النّبيّ وَّهِ وأصحابه، قال رسولُ الله ◌َّر: هذا فلان وهو من قوم يعظّمون البُدْن، فابعثوها له. فبُعِثَت له. واستقبله القوم يُلَبُّون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البُدْنَ قد قُلِّدت وأشْعِرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت. فقام رجلٌ منهم يقال له مِكْرَز بن حفص فقال: دعوني آتِه . فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النّبيُّ وَّ: هذا مِكْرَز وهو رجلٌ فاجر. فجعل يكلّم النّبِيّ ◌َ له. فبينا هو يكلّمه إذ جاء سُهَيْل بن عَمْرو. قال مَعْمَر: وأخبرني أيّوب، عن عِكْرِمة أنّه قال: لما جاء سُهَيْل قال النّبِيُّ ◌َّهِ: قد سَهُلَ لكم من أمركم. قال الزُّهْري في حديثه: فجاء سُهَيْل بن عَمْرو، فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتاباً. فدعا الكاتبَ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اكتُبْ بسم الله الرحمن الرحيم)). فقال سُهَيْل: أمّا الرحمن فَوَالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللّهُمّ كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّ بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النّبِيّ ◌َّ: ((اكتب باسمك اللَّهمَ)) ثم قال: ((هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسول الله)). فقال سُهَيْل: والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صدَدْناك عن البيت ولا قاتَلْناك، ولكنْ اكتب محمد بن عبدالله. فقال النّبيّ وَّ: إنّي لَرَسُول الله وإنْ كذَّبْتُموني، اكتب محمد بن عبدالله . قال الزُّهْري: وذلك لقوله لا يسألوني خُطّة يعظّمون فيها حُرُمات الله إلّ أعطيتهم إيّاها. ٣٤ فقال له النّبيّ وَله: على أنْ تُخَلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف. فقال: والله لا تتحدَّثُ العرب أنّا أُخِذْنا ضُغْطَةً، ولكن لك من العام المقبل. فكتب. فقال سُهَيْل: على أنّه لا يأتيك منّ رجل وإنْ كان على دينك إلّ رَدَدْتَه إلينا. فقال: المسلمون: سبحان الله كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جَنْدَل بن سُهَيْل بن عَمْرو يرسُفُ في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى نفسه بين أظْهُر المسلمين. فقال سُهَيْل: وهذا أول ما أقاضيكَ عليه أن تردّه. فقال النّبيّ وَّ: إنّا لم نَقْضِ الكتابَ بعد. قال: فَوَالله إذاً لا نصالحك على شيء أبداً. قال النّبِيّ ◌َّ: فأجره(١) لي. قال: ما أنا بمُجِيره لك. قال: بلى، فافعل قال: ما أنا بفاعل. قال مِكْرَز: بلى قد أجَرْناه. قال أبو جَنْدَل: معاشرَ المسلمين أَأُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مُسلِماً، ألا تَرَوْن ما قد لقِيت؟ وكان قد عُذِّب عذاباً شديداً في الله. فقال عمر: والله ما شَكَكْتُ منذ أسلمتُ إلّ يومئذٍ، فأتيتُ النّبِيَّ وَلِّلـ فقلت: يا رسول الله، ألستَ نبيَّ الله؟ قال: ((بلى))، قلت: ألَسْنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: ((بلى))، قلت: فلِمَ نُعطي الدَّنِيَّة في ديننا إذاً؟ قال: ((إنّي رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري)). قلت: أوَلستَ كنت تحدّثنا أنّا سناتي البيتَ فنطوف حقّاً؟ قال: ((بلى))، أنا أخبرتك أنّك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنّك آتيه ومُطَّوِّف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبيّ الله حقّاً؟ قال: بلى. قلت: أَسْنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نُعْطي الدَّنِيَّة في ديننا إذاً؟ قال: أيّها الرجل إنّه رسول الله وليس يعصي (١) هكذا وقعت بالراء المهملة، وهي رواية عند البخاري، وفي روايات أخر: (فأجزه)) بالزاي، وكذلك ما بعدها من الألفاظ ((بمجيزه)) و((أجزناه)) وقد جَوَّد البشتكي إهمال الراء عن المؤلف، فأثبتناه . ٣٥ ربه وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزِهِ حتى تموتَ، فَوَالله إنّه لَعَلَى الحقّ. قلت: أوَ ليس كان يحدّثنا أنه سنأتي البيتَ ونطوف به؟ قال : بلى، أفأخبركَ أنَّكَ تأتيه العامَ؟ قلتُ: لا. قال: فإنّك آتيه ومُطَّوِّفٌ به. قال: الزُّهْري. قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً(١) .. فلما فرغ من قضيّة الكتاب قال رسول الله وَله: قوموا فأنحَرُوا ثم احلِقُوا. قال: فَوَالله ما قام منهم رجلٌ حتى قال ثلاث مرّات. فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أمّ سَلَمَة فذكر لها ما لقيَ من النّاس. فقالت: يا نبيّ الله أتحبّ ذلك؟ اخرج ثمّ لا تكلّم أحداً كلمةً حتى تنحر بُدْنَك، ثم تدعو بحالقك فيحْلِقك. فقام فخرج فلم يكلّم أحداً حتى فعل ذلك. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضُهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غَمّاً. ثم جاءه نسوةٌ مؤمنات، وأنزل الله: ﴿إِذَا جَكُمُ الْمُؤْمِنَكُ مُهَجِرَتٍ فَمْتَحِنُهُنَّ﴾ حتى بلغ ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اُلْكَوَافِ ®﴾ [الممتحنة]. فطلّق عمر يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشِّرْك، فتزوّج إحداهما معاويةٌ، والأخرى صَفْوان بن أُميّةٍ (٢). ثم رَجع رسول الله وَّ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجلٌ من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحُلَيفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرَّجُلَين: والله إنّي لأَرَىَ سيفك هذا جيّداً جدّاً. فاسْتَلَّه الآخر فقال: أجل، والله إنّه لجيّد، لقد جرَّيْتُ به ثم جرَّبْت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه فضربه حتى بَرَد. وفرّ الآخر حتى بلغ المدينةَ فدخل المسجدَ يَعْدُو، فقال للنّبيّ وَلَهُ: قُتل والله صاحبي وإنّي لَمَقْتُول. قال: فجاء أبو بَصِير فقال: يا نبيّ (١) كتب على الهامش: ((يعني: تُكَفِّرُه)). (٢) البخاري ٢٠٦/٢ و١١/٣ و٢٤٦ و٢٥٢ و١٥٧/٥ و١٦١. ٣٦ الله قد أوفى الله ذمَّتك، والله قد رَدَدْتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النّبِيّ ◌َِّ: ((ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَر حَرْبٍ لو كان له أحد)). فلما سمع ذلك عرف أنه سيردّه إليهم. فخرج حتى أتى سِيفَ البحر. وينفلت منهم أبو جَنْدَل ابن سُهَيْل فَلَحِقَ بأبي بصير، فلا يخرج من قريشٍ رجلٌ قد أسلم إلّ لحِق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة . قال: فَوَالله لا يسمعون بعيرٍ لقُرَيْش خرجت إلى الشام إلّ اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريشٌ إلى النّبيّ نَ ◌ّ تناشدُه الله والرَّحِم لَمَا أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن. فأرسل النّبِيّ ◌َّ حتى بلغ ٢٤١ إليهم فأنزل: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَكُمْ عَنْهُم ◌َ [الفتح]. وكانت حَمِيَّتُهم أنَّهم لم يُقْرُّوا بنبيِّ الله ﴿حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ (٦)؛ ولم يُقِرُّوا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. أخرجه البخاري، عن المُسْنَدِي، عن عبدالرزاق، عن مَعْمَر، بطُوله(١). وقال قُرَّةُ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابر، عن النّبيّ وَّ قال: من يصعد الثَّنِيَّةَ، ثِيَّةَ المُرار، فإنّه يُحَطَّ عنه ما حُطَّ عن بني إسرائيل. فكان أوّل من صعد خيلُ بني الخَزْرِج. ثم تبادر النّاس بعدُ، فقال رسول الله وَّةٍ: كلُّكم مغفورٌ له إلّ صاحب الجمل الأحمر. فقلنا: تعال يستغفر لك رسولُ الله ◌َّهِ. قال: والله لأنْ أجِدَ ضالّتي أحبّ إليّ من أن يستغفر لي صاحبُكم. وإذا هو رجل ينشد ضَالّة. أخرجه مسلم (٢) . وقال البخاريُّ: عبيدالله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، قال: تَعُدُّون أنتم الفتحَ فتحَ مكة، وقد كان فتح مكة فتْحاً، ونحن نَعُدُّ الفتحَ بيعةَ الرِّضْوانِ يوم الحديبية. كنّا مع النّبيّ ◌َّ أربع (١) البخاري ٢٠٦/٢ و١١/٣ و٢٤٦ و٢٥٢ و١٥٧/٥ و١٦١، وانظر المسند الجامع ١٥/ ١٤٨ . (٢) مسلم ١٢٣/٨. ٣٧ عشرة مئة، والحُدَيْبية بئر، فنزحناها فما تركنا فيها قَطْرةً، فبلغ ذلك النّبيّ وَّ فأتاها فجلس على شَفيرها ثم دعا بإناءٍ من ماءٍ منها فتوضّأ ثم تمضمض ودعا ثم صبَّه فيها فتركها غيرَ بعيدٍ، ثم إنّها أَصْدَرَتْنا نحن وركابَنا. أخرجه البخاريُّ(١) . وقال عِكْرِمة بن عمّار، عن إياس بن سَلَمَة بن الأكوع، عن أبيه، قال: قدِمْنا مع رسول الله وَّ الحُدَيْبية، ونحن أربع عشرة مئة، وعليها خمسون شاةً ما ترويها، فقعد رسولُ اللهِ وََّ على جَبَاهَا(٢)، فإمّا دَعا وإمّا بَزَقَ فيها فجاشت فسقينا واستقينا. أخرجه مسلم (٣). وقال البكّائيّ: قال ابن إسحاق(٤) : حدّثني الزُّهري، عن عُرْوة، عن مِسْوَر، ومروان بن الحَكَم أنّهما حدثاه، قالا: خرج رسول الله وَل عام الحُدَيْبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً. وساق معه الهَدْيَ سبعين بَدَنةً، وكان النّاس سبع مئة رجل، فكانت كلّ بَدَنةٍ عن عشرة نفر. قال ابن إسحاق(٥) : وكان جابر بن عبدالله فيما بلغني يقول: كنّا أصحاب الحُدَيبية أربع عشرة مئة . قلت: قد ذكرنا عن جماعةٍ من الصّحابة كقول جابر. ثم ساق ابن إسحاق حديث الزُّهْرِي بطُوله، وفيه ألفاظٌ غريبة، منها: وجعل عُرْوَة بن مسعود يكلّم النّبيّ نَّه، والمُغيرَةُ واقفٌ على رأس رسول الله ◌َ في الحديد. قال: فجعَلَ يقرع يدَ عُرْوَةَ إذا تناول لحيّةَ رسولِ اللهِوََّ ويقول: اكفُفْ يدكَ عن لحية رسولِ اللهِ وَّل أنّ (١) البخاري ١٥٦/٥ . (٢) كتب على هامش الأصل: ((هو ما حول البئر)). (٣) مسلم ١٨٩/٥ و ١٩٥ . (٤) ابن هشام ٣٠٨/٢. (٥) ابن هشام ٣٠٩/٢. ٣٨ لا تصلَ إليك. فيقول عُرْوَة: وَيْحَك ما أَفَظَّكَ وأغلظَكَ. قال: فتبسّم رسول الله وَ لَهُ. فقال له عُرْوَة: مَن هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المُغِيرة بن شُعبة. قال: أي غُدر، وهل غَسَلْتُ سَوْءَتَك إلّ بالأمس؟ قال ابن هشام(١) : أراد عُرْوَة بقوله هذا أنّ المُغِيرة قبْل إسلامه قتل ثلاثةَ عشرَ رجلاً من بني مالك بن ثقيف، فتهايج الحيّان من ثقيف رهط المقتولين، والأحلاف رَهط المُغِيرة، فَوَدَى عُرْوة المقتولين ثلاثة عشر دِیة، وأصلح الأمر . وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال عُرْوة: وخرجت قريش من مكة، فسبقوا النّبيّ وَّه إلى بَلْدح(٢) وإلى الماء، فنزلوا عليه، فلما رأى رسول الله ◌َّ أنّه قد سُبِقَ نزل على الحُدَيْبية، وذلك في حَرِّ شدیدٍ وليس بها إلّ بئرٌ واحدة، فأشفق القوم من الظَّمأ وهم كثير، فنزل فيها رجالٌ يَميحونها، ودعا رسول الله وَلّل بدلْوِ من ماءٍ فتوضّأ في الدَّلْو ومضمض فاه ثم مجّ فيه، وأمر أن يُصَبّ في البئر، ونزع سهماً من كِنانته فألقاه في البئر ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها، وهم جلوسٌ على شَفَتِها. وقد كان النّبيّ وَّر سلك على غير الطريق التي بلغه أنّ قريشاً بها. قال ابن إسحاق(٣): فحدّثني عبدالله بن أبي بكر، أنّ رجلاً من أسْلَم قال: أتانا رسولُ الله وَّر قال: فسلك بهم طريقاً وعراً أخزل من (٤) شِعاب، فلما خرجوا منه وقد شقّ ذلك على المسلمين، وافضوا (١) سيرة ابن هشام ٣١٣/٢. (٢) واد قبل مكة من جهة المغرب. (٣) ابن هشام ٣٠٩/٢ -٣١٠. (٤) في السيرة: ((أجرل بين))، وهو الكثير الحجارة، ويروى أجرد، أي: ليس فيه نبات. ٣٩ إلى أرضٍ سَهْلَةٍ عند منقَطَع الوادي، قال رسول الله وَّه: قولوا ((نستغفر الله ونتوب إليه)) فقالوا ذلك. فقال: ((والله إنّها للحِطَة التي عُرِضت على بني إسرائيل فلم يقولوها)). قال عبدالملك بن هشام(١): فأمر رسول الله وَ له النّاسَ فقال: ((أسلكوا ذاتَ اليمين بين ظَهْرَيْ المحمّص(٢) في طريقٍ تخرجه على ثنيّة المُرار، مهبِطَ الحُدَيبية من أسفل مكة)) فلما رأت قريش قَتَرَةَ الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش. وقال شُعْبة، وغيره، عن حُصَيْن، عن سالم بن أبي الجَعْد، قال: قلت لجابر: كم كنتم يوم الشَّجَرة؟ قال: كنّا ألفاً وخمس مئة: وذكرَ عَطَشاً أصابهم، فأُتي رسول الله وَّ بماءٍ في تَوْر فوضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنّه العيون، فشربنا ووسِعَنا وكفانا، ولو كنّا مئة ألفٍ لَكَفَانَا . وقد أخرجه البخاري من أوجه أُخر عن حُصَيْن(٣) . وقال أبو عَوَانة، عن الأسود بن قيس، عن نُبَيْحِ العَنَزي، قال: قال جابر بن عبد الله: غَزَوْنا أو سافرنا مع رسول الله وَّةِ، ونحن يومئذٍ أربع عشرة مئة، فحضرت الصّلاة، فقال رسول الله بَّ: هل في القوم من طَهُور؟ فجاء رجل يسعى بإداوةٍ فيها شيءٌ من ماءٍ ليس في القوم ماء غيره، فَصَبَّه رسول الله وَّهِ في قدح ثم توضّأ، ثم انصرف وترك القدح. قال: فركب النّاس ذلك القدح وقالوا: تمسّحوا تمسّحوا. فقال رسول (١) ابن هشام ٣١٠/٢. (٢) جَوّده البشتكي نقلاً عن المؤلف، وفي سيرة ابن هشام: الحَمْش، وفي تاريخ الطبري ٦٢٣/٢ وعيون الأثر لابن سيد الناس (١١٥/٢): الحَمْض. (٣) البخاري ٢٣٤/٤ و١٥٦ و١٤٨/٧، ومسلم ٢٦/٦، وانظر المسند الجامع ٣٦١/٤ حديث رقم (٢٩٣٣). ٤٠